نقد الدعاء لولاة الأمر

رضا البطاوى

قلم فضي
التسجيل
18 أغسطس 2009
المشاركات
3,225
الإعجابات
38
نقد الدعاء لولاة الأمر
الكتاب تأليف وهذا يعنى أن من تأليف علماء وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف
وقد استهل الكتاب بالمقدمة التالية:
"أما بعد فمما لا شك فيه أن دعاء الله عزوجل من أفضل أنواع العبادة، فقد ثبت أن رسول الله (ص) قال : (( الدعاء هو العبادة)) وفي رواية أخرى : (( الدعاء مخ العبادة)) ودعاء المسلم لأخيه المسلم في ظهر الغيب سبب لقبول الدعاء ، وإجابته عند الله عزوجل ، والدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتسديد والأخذ بأيديهم إلى ما يصلح رعاياهم وينصرهم على أعدائهم من الكفرة والملحدين،وهو من الأمور التي حثت عليها شريعة الله ، إذ بصلاحهم تصلح أمور البلاد والعباد فإن ولي الأمر إذا صلح صلح شأن الرعية ، واستقام أمرها ، ومن هنا كان دعاء الله لهم من أفضل ما يتقرب به الإنسان إلى الله عزوجل ، حيث إن نفعه لا يقتصر على شخص بعينه ، ولكنه عام يستفيد منه كل أفراد الأمة "
والأخطاء فى المقدمة هى :
الأول أن الدعاء لولاة الأمور من الأمور التي حثت عليها شريعة الله وهو خطأ لأنه لا يوجد نص واحد فى الوحى يقول ادعوا لولاة الأمور ولوكان موجودا لذكرع الكتاب ومن ثم فهذا تقويل الله ما لم يقل
الثانى أن دعاء الله لهم من أفضل ما يتقرب به الإنسان إلى الله عزوجل وهوما يخالف أن الجهاد هو افضل العمل كما قال تعالى :
"فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة"
ثم قالت المقدمة :
"والدعاء لولاة أمور المسلمين فيه إبراء للذمة فالدعاء من النصيحة لهم ، والنصح لهم أمر حثت عليه الشريعة ، فقد ثبت أن رسول الله (ص) قال : (( الدين النصيحة)) كرر ذلك ثلاثا قال الصحابة :لمن يا رسول الله قال: (( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )) وثبت عن جرير بن عبد الله البجلي قال : (( بايعت رسول الله (ص) على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم)) "
والجنون هنا هو أن الدعاء من النصيحة لولى الأمرفكيف يكون الدعاء وهو خطاب موجه لله تعالى نصيحة لولى الأمر حيث أن النصيحة خطاب لولى الأمر
ويبدو أن المؤلفين أرادوا أن يبرئوا ذمتهم من أصل الكتاب حيث أن الموضوع لا أساس له فتكلموا عن أن طاعة ولى الأمر واجبة فى الخير وأما فى الشر وهو معصية الله فقالوا:
" والنصح لأئمة المسلمين يشمل كل من له ولاية على المسلمين من الحكام والأمراء والقضاة سواء أكانت ولاية صغيرة أو كبيرة وهذا يتمثل في السمع لهم والطاعة ما لم يأمروا بمعصية الله ، فإذا أمروا بمعصية الله فلا سمع لهم ولا طاعة كما ورد بذلك الحديث "
إذا هذه الفقرة صريحة فى أنهم أمروا بمعصية وهى الفتوى بالدعاء لولى الأمر وأنهم ارادوا أن يشيروا لذلك حتى لا يعذبوا
وقال الكتبة أن سبب تأليف الكتاب أمرين احاجة ولاة الأمر للدعاء وأن الوزارة لم تصدر كتاب من قبل فى الموضوع وهو قولهم:
ولأهمية ما تضمنه هذا الكتاب ( الدعاء لولاة الأمر ) عزمت وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على إخراجه ففيه الحث على الدعاء لولاة المسلمين وبيان ما يجب لهم و ما يجب عليهم لرعاياهم ،وإيضاح فائدة الدعاء لهم ،لا سيما في ظهر الغيب ، فإن الدعاء في ظهر الغيب من بواعث الإجابة كما ورد في الحديث الشريف
والذي دعا إلى نشر هذا البحث إضافة إلى أهميته أمران:
أولهما : الحاجة الماسة إلى هذا الدعاء في هذا الزمن الذي تكالب فيه الأعداء على المسلمين ،ولا حول ولا قوة إلا بالله
الثاني : أنه لم يسبق للوزارة إفراد هذا الموضوع – على أهميته – ببحث مستقل "
واستهل الكتاب بمنافع الدعاء لولى الأمر ومدح فيه ولاة أمر البلد فقال:
"من فوائد الدعاء لولاة الأمر:
فعليك أخي المسلم بالدعاء لهم فلعل الله عزوجل أن يجيب دعوتك فيجعلهم من الراشدين المهديين ، وبذلك تصلح الأمور وتزول الشرور وتتنزل البركات وتكثر الخيرات نسأل الله تعالى أن يحمي هذه البلاد المباركة من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، وأن يديم عليها الرخاء والخير ، والأمن و السكينة ، في ظل قيادتها الرشيدة، وأن يبقيها رمزا للإسلام ،ومنارا يهتدى به ،وإماما يقتدى به ، وأن يكفيها شر أعدائها ، ويكتب لها العز والتأييد ، والنصر والتمكين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين
وكالة وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد لشؤون المطبوعات والنشر"
وبالقطع الدعاء لولاة ألمر خاصة فى عصرنا وعصور الظلم غير مفيدة لهم فهى لن تمنع عنهم عذاب الله أولا لأنهم يتوارثون الحكم مخالفين قوله تعالى " وأمرهم شوؤى بينهم" كما يوزعون اموال البلدة على هواهم فيختصون أنفسهم بأكبر قدر منه مخالفين قوله تعالى "كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"ولأنهم سواء متوارثين أو غير متوارثين لا يحكمون شرع الله فى الدنيا ومن ثم فهم ظلمة فسقة كفرة كما قال تعالى :
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
وبعد هذا استعرض الكتاب من هم ولاة ألأمر فقال:
"الإمامة
من هم ولاة الأمر :
إن مما هو معلوم – بالضرورة – لكل أحد ، أن أمور بني الإنسان لا يمكن أن تأخذ السيرة المستقيمة إلا بوجود إمام يلتف الناس حوله ، يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ، يردع الظالم ويضع الحق في نصابه وقديما قال ذاك الشاعر الجاهلي :
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم…ولا سراة إذا جهالهم سادوا
وحين جاء الإسلام أكد على هذا الأمر تأكيدا عظيما وجعل ( اتخاذ الإمارة دينا وقربة ، يتقرب بها إلى الله عزوجل)
بل لقد أجمع المسلمون إلا من لا يعتد بخلافه على وجوب الإمامة وعلى وجوب نصب الإمام قال الإمام أحمد : ( الفتنة ؛ إذا لم يكن إمام يقوم بأمر الناس )
بيد أن المقصود الأعظم من الإمامة ( إصلاح دين الخلق ؛ الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم)
وبدون إمامة لا تقوم للدين قائمة ، ولا يشاد له معلم ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع ، لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ، حتى قال النبي (ص) ( إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم )) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة"
الكتاب هنا لا يستدل على ولاية الأمر بكلام الله وإنما بكلام شاعر جاهلى عن وجوي السيادة وهى الرياسة بينما الأمر فى الإسلام لا يوجد سيادة ولا رياسة وإنما هى خلافة أى ولاية لأمر بمعنى تكليف وابتلاء وكل المسلمين مشاركون فيها كما قال تعالى " وأمرهم شورى بينهم " فهم من يختارون الولاة وهم من يعزلونهم إذا لم يحكموا شرع الله وهم متعاونون معهم على طاعة الله
ولى الأمر لا تنطبق على أى حاكم فى بلادنا من قرون كثيرة لأن كل من تولى السلطة تولاها إما بقوة السلاح وإما بالتوارث كما أن من اختاروه إذا كان هناك اختيار فيهم من ليسوا بمسلمين
كما أن الكل لا يحكمون سوى بالهوى ويعملون لمصاحة الأغنياء فى البلاد سواء ظلت نفس العائلات أم تعيرت فالحكم فى بلاد العالم يسير فى دائرة مقفلة و فى أناس محددين
الحاكم فى الإسلام لابد أن يكون مختار من المسلمين وحدهم وليس من جزء قليل منهم كالذين يسمونهم أهل الحل والعقد ويحكم بشرع الله فإن كان غير هذا فهو ليس بولى أمر للمسلمين
ثم تناول الكتاب السمع والطاعة لولاة الأمور فقال:
"السمع والطاعة:
إن من أكبر ما ينهض بتلكم الإمامة ، أن يلتزم المجتمع بالسمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية ، وفي هذا انتظام شؤون العباد الدينية والدنيوية ، ويوم لا يعلن المجتمع ذلك ، ولا يدين به ، فلا وجود – حقيقي – لإمامة ، ولا اعتبار لحاكم ، ومن مشهور الكلم : (( لا إمامة إلا بسمع وطاعة))(7)
ولقد تظافرت النصوص التي توجب على المسلم السمع والطاعة بالمعروف ، من مثل قوله (ص) : (( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ، إلا أن يؤمر بمعصية )) رواه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
يقول الحافظ ابن رجب : ( وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا ، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم ، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم )
والمسلم إذا سمع وأطاع ، أ جر ، لأنه – في حقيقة الأمر – ممتثل أمر الشرع المطهر ، والعكس بالعكس، أي إذا لم يسمع ولم يطع أثم ، ففي المتفق عليه من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله (ص) : (( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني))
ويقول شيخ الإسلام ابن تيميه : ( فطاعة الله والرسول واجبة على كل أحد ، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال ، فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم ؛ فماله في الآخرة من خلاق ))
والسمع والطاعة لولاة المسلمين من الحكام والأمراء والعلماء شيء مجمع على وجوبه عند أهل السنة والجماعة ، وهو أصل من أصولهم التي باينوا بها أهل البدع والأهواء
وقل أن ترى مؤلفا في عقائد أهل السنة ، إلا وهو ينص على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر ، وإن جاروا وظلموا وإن فسقوا وفجروا ما لم يأمروا بمعصية الله
والإجماع الذي انعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك
منها قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) النساء{59} وعن عوف بن مالك قال : قال رسول الله(ص)
ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره الذي يأتي من معصية الله ولا ينزع يدا من طاعة )) حديث صحيح رواه مسلم
وعن فضالة بن عبيد قال : قال رسول الله (ص) : (( ثلاثة لا تسأل عنهم : رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا )) حديث صحيح رواه ابن أبي عاصم وابن حبان والحاكم
النهي عن سب الأمراء والصبر على جورهم
الوقيعة في أعراض الأمراء ،والاشتغال بسبهم ، وذكر معايبهم : خطيئة كبيرة ، وجريمة شنيعة ، نهى عنها الشرع المطهر ، وذم فاعلها ،وهي نواة الخوراج على ولاة الأمر ، الذي هو أصل فساد الدين والدنيا معا وقد علم أن الوسائل لها أحكام المقاصد ، فكل نص في تحريم الخروج وذم أهله ، فهو دليل على تحريم السب وذم فاعله
عن أنس قال : نهانا كبراؤنا من أصحاب محمد (ص) قالوا : قال رسول الله (ص) : (( لا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب )) حديث صحيح رواه ابن أبي عاصم وصححه الألباني
عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله (ص) : (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس )) قلت : كيف أصنع إن أدركت ذلك ؟ قال : (( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله (ص) ( سيكون بعدي أمراء فتعرفون و تنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع )) قالوا : أفلا ننابذهم بالسيف ؟ قال : ((لا ما أقاموا فيكم الصلاة )) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه
عن أبي بكرة قال : قال رسول الله (ص) : (( السلطان ظل الله في الأرض فمن أهانه أهانه الله ومن أكرمه أكرمه الله )) حديث صحيح رواه ابن أبي عاصم وأحمد و الطيالسي والترمذي وابن ماجه وحسنه الألباني في الظلال
عن عرفجة الاشجعي قال : قال رسول الله (ص) : (( من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق كلمتكم فاقتلوه)) حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه
عن وائل بن حجر قال : قلنا يا رسول الله : أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم ؟ فقال : (( اسمعوا و أطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)) حديث صحيح رواه مسلم"
بالقطع فيما سبق من الروايات روايات صحيحة هى التى تأمر بعصيان ولاة ألأمور إذا خالفوا شرع الله وهناك روايات غير صحيحة تخالف كتاب الله وهى التى بنى القوم فتاويهم عليها وهى الصبر على ظلم الحكام وحكمهم بغير شرع الله فهذه فتاوى كافرة ومن أصدرها أصدرها إما تحت تهديد السلام أو السجن أو التعذيب أو انتهاك ألأعراض وغما بسبب حب الدنيا بعد الاعراء بها
هذا الفتاوى تخالف كل روايات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما تخالف كتاب الله فى قوله تعالى :
"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون"
كما تخالف وجوب تحكيم حكم الله والظلم ليس سوى تحكيم الشيطان فى قوله تعالى :
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"
"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"
غذا قفولاة ألمر كفار ظلمة فسقة وكله بمعنى واحد كما قال تعالى بسورة البقرة " والظالمون هم الكافرون"
وقال فى نفس السورة" وما يكفر بها إلا الفاسقون"
ولا يجوز لمسلم أن بولى عليه حاكم كافر أى ظالم أى فاسفق وإنما يعزله ويحاكمه فإن اصر على ما فعله قتل لأنه مرتد عن دين الله
إن تلك الفتاوى تؤسس لاستمرار حكم الكفار حتى يوم القيامة لأنها تطالب بابقاء الوضع كما هو عليه فمن هو المستفيد من بقاء الوضع كما هو عليه سوى الحكام ومن معهم
ثم تناول الكتاب ما سماه النصيحة فقال:
"النصيحة
النصيحة : ( حيازة الحظ للمنصوح له ) والواجب في كل مجتمع مسلم أن يشيع فيه مبدأ التناصح ، لأن شيوع هذا المبدأ يأخذ بالمجتمع نحو الكمال وينأى به عن مهاوي النقص إذ المؤمنون إخوة يحب الواحد منهم لأخيه ما يحب لنفسه ، بل جاء في الحديث الشريف أن المؤمن مرآة أخيه أي يخبره بجوانب النقص التي تخدش دينه وتثلم مروءته ، لا سيما وأن النقصان سمة الإنسان ولا يكون الكمال إلا لواهبه
وما أحسن صنيع بعض العلماء حين ربط بين المعنيين ، اللغوي والعرفي للنصيحة بقوله النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه ، إذا خاطه ، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صالح المنصوح له ، بما يسده من خلل الثوب )
ولقد كان نبينا (ص) حريصا على انتشار التناصح في الأمة حتى جعل يبايع بعض الصحابة على بذل النصيحة للمسلمين ، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جرير بن عبد الله قال : (( بايعت رسول الله (ص) على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ))
وليست نصيحة المسلم لإخوانه مقصورة على إهدائهم عيوبهم فحسب ، بل هي عامة تشمل كل ما فيه نفعهم مثل : ( إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم ، وكف الأذى عنهم ، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ، ويعينهم عليه بالقول والفعل ، وستر عوراتهم وسد خلاتهم ، ودفع المضار عنهم ، وجلب المنافع لهم ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص ، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ، ورحمة صغيرهم ، وتخولهم بالموعظة الحسنة ، وترك غشهم وحسدهم ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ، وأن يكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل ، وتنشيط هممهم إلى الطاعات ) ونحو ذلك
فكل هذه الأشياء داخلة في مفهوم النصيحة ،ولهذا عظم النبي (ص) شأنها بقوله : (( الدين النصيحة )) فجعلها عماد الدين وقوامه ولذا كان هذا الحديث عند بعض العلماء أحد عدة أحاديث يدور عليها الدين
وإذا كانت حاجة المسلم - أي مسلم - شديدة إلى النصيحة ، فإن حاجة ولي الأمر إليها أشد وأعظم ، لأنه القائم على شؤون الناس والراعي لمصالحهم أجمعين
فلما ينهض به من جليل الأعمال وعظيم المهام احتاج إلى الناصح الأمين والموجه المخلص ،ومن هنا حض المصطفى (ص) على إزجاء النصيحة لولي الأمر في غير ما حديث ، فقال عليه الصلاة والسلام – في الحديث المشار إليه قريبا ( الدين النصيحة )) قيل : لمن يا رسول ؟ قال ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم )) رواه مسلم من حديث تميم الداري
وعن أبي هريرة قال : قال (ص) ( إن الله يرضى لكم ثلاثا ؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ،وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم))
وعن جبير بن مطعم أن النبي (ص) قال في خطبته بالخيف من منى ( ثلاث لا يغل عليهن قلب امريء مسلم : إخلاص العمل لله و مناصحة ولاة الأمر ، ولزوم جماعة المسلمين))
فهذه النصوص النبوية وما ماثلها تحث المؤمن على أن يقوم بحسب استطاعته بواجب النصيحة لمن ولاه الله أمره
ولا يتوهمن أحد أن مناصحة ولي الأمر لا تكون إلا في الوقوف أمامه ووقفه على مواضع تقصيره ، كلا ، بل مفهوم المناصحة أوسع من ذلك إذ يشمل هذا وغيره مما هو أكثر منه ، وفي ظني أن الناس إنما دخل عليهم النقص والخلل في نصيحة أولي الأمر ، حين لم يفقهوا ما تشمله تلك النصيحة ، ذلك أن نصيحة ولي الأمر تشمل ما يلي :
طاعته والسمع له بالمعروف
عدم الخروج عليه
إرشاده إلى الحق بالحسنى ، وإعانته عليه
طي عيوبه ونشر محاسنه
الذب عن عرضه
الدعاء له بالتوفيق والصلاح
يقول الحافظ ابن حجر –: ( والنصيحة لأئمة المسلمين : إعانتهم على ما حملوا القيام به ، وتنبيههم عند الغفلة ، وسد خلتهم عن الهفوة ، وجمع الكلمة عليهم ، ورد القلوب النافرة إليهم ، ومن أعظم نصيحتهم ؛ دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن)
وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله-في كلمة مستوعبة - : ( وأما النصيحة لأئمة المسلمين ، وهم ولاتهم ؛ من السلطان الأعظم ، إلى الأمير ، إلى القاضي ، إلى جميع من لهم ولاية صغيرة أو كبيرة ، فهؤلاء لما كانت مهماتهم وواجباتهم أعظم من غيرهم ، وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم وذلك باعتقاد إمامتهم ، والاعتراف بولايتهم ، ووجوب طاعتهم بالمعروف ، وعدم الخروج عليهم ، وحث الرعية على طاعتهم ، ولزوم أمرهم الذي لا يخالف أمر الله ورسوله ، وبذل ما يستطيع الإنسان من نصيحتهم وتوضيح ما خفي عليهم مما يحتاجون إليه في رعايتهم ، كل أحد بحسب حاله والدعاء لهم بالصلاح والتوفيق ، فإن صلاحهم صلاح لرعيتهم