داعش وبعض الفقهاء المعاصرين

التسجيل
20 مارس 2019
المشاركات
98
الإعجابات
25
لا يمل بعض الفقهاء المعاصرين في خطاباتهم المعاصرة من التأكيد على أن داعش وممارساتها لا تمثِّل الإسلام الحقيقي، وأنهم مفتئتون على دين الإسلام، وعلى أنهم يسيئون إليه أشد إساءة عرفها التاريخ. ولكنك عندما تسألهم عن رأيهم في استدلالات الدواعش وشواهدهم التي يجعلونها تأصيلاً شرعياً لما يقولون ويمارسون، تجد (أغلبيتهم) ولا أقول جميعهم يتهرّبون من الإجابة.
صحيح أن مواجهة داعش يجب أن تكون بالمواجهة الأمنية لدرء صولاتهم لحماية البشرية منهم، ولكن هذه المواجهة وحدها لا تكفي؛ لأنها لا تقضي على البذور والجذور، فقد يعودون ثانية متى ما سمحت لهم الفرصة، وضعفت الأنظمة الحاكمة التي تواجههم، لذلك لا يمكن مواجهتهم وإضعافهم إلا بالمواجهة الفكرية، والتي ترتكز أولاً على أن الإسلام دين وعقيدة وتوحيد لله جلّ وعلا والعبادة في الدرجة الأولى، وثانياً أن كثيراً من الأدلة والسياقات مرتبطة بسياقات وظروف الماضي، وهذا الماضي لم يعد صالحاً لسياق الحاضر وظروفه، الذي نعيشه، ويجب أن نتعايش معه.
اختلاف سياق الماضي عن سياق الحاضر هي أهم المرتكزات التي يجب أن يركز عليها فقهاء العصر، فداعش التي يُجهلونها ويتبرؤون من أفعالها لم تخترع جديداً، إنما أخذت جميع مقولاتها واستشهاداتها وأدلتها من فقهاء الماضي، الذي نصر وما زلنا على أن اجتهاداتهم (صالحة لكل زمان ومكان)، ولم تزد على أنها قامت بتطبيق هذا الفقه الذي يقولون بصلاحيته اليوم كما هو صالح للأمس على أرض الواقع. خذ استرقاق غير المسلمين - (اليزيديين في العراق مثلاً)- هذه ممارسة يقول فقهاء الماضي إنها شرعية؛ وقراءة ولو عابرة وسطحية في مؤلفات فقهاء الماضي، ستكتشف أنها ممارسات يقرونها، بل إن كثيراً من هذه الفقهيات ما زالت تدرَّس في بعض مناهج المؤسسات العلمية، ويرددها الخطباء على منابر مساجد الجمع، ولا يجرؤ - حتى أولئك الذين يسفهون بالدواعش - أن يُطالبوا بالتوقف عن تدريسها أو تشريعها، لأن زمنها قد ولَّى وانتهى، بحجة أن هذه نزلت في زمن آخر، ولا تصلح لعصرنا، وتطبيقها في زماننا سيفرز تلقائياً التطرّف والغلو والإرهاب.

داعش ربما خبت نيرانها، وتمت هزيمتها، لكن جذورها ما زالت باقية في تربتنا، وستعود للظهور ثانية إذا لم نجتث هذه الجذور، ولا نكتفي بالقضاء على تكوينها الظاهر على سطح الأرض.