• الشروط والقوانين  |   سياسة الخصوصية  |   مساعدة
  • متلازمة العقول المريضة.. كيف تستغل أخطاء غيرك لتبرير أخطاءك؟

    إبراهيم

    قلم فضي
    التسجيل
    6 سبتمبر 2007
    المشاركات
    3,864
    الإعجابات
    1,180
    يسميها البعض المنديل الأحمر أو (ماذا عن) وباللغة الانكليزية Whataboutism، من النادر أن يتم توضيح معنى المصطلح بالمثال مباشرة، فالمثال يأتي لتوضيح التعريف وليس العكس، إلا في بعض الحالات ومنها صعوبة تعريف المصطلح، وفي حالتنا المصطلح هو Whataboutism لذلك سنبدأ بالمثال ومن ثم التعريف.

    قيل لأحد الساسة في لقاء صحفي: "لقد دمّرتم الاقتصاد المحلي بقراراتكم الغير مدروسة"، أجاب السياسي: "وماذا عن أخطاء السياسي الذي سبقني في هذا المنصب". نستوحي من هذا المثال تعريف مبسط لمتلازمة Whataboutism وهو أن ينقل المجيب فكر السائل نحو جهة أخرى لتبرير ما فعله، أو ما يفكر فيه، وأن يبيح لنفسه ولغيره من المريدين والتبّع ما يرتبكه/ يتركبونه من أخطاء. لا تكمن خطورة هذه الظاهرة (وإن صح التعبير هي متلازمة مرضيّة) في أنها تستخدم في الحالات الجدلية سواء من الساسة أو الإعلاميين أو المثقفين أو المستثقفين (وهم الشريحة الأكثر انتشاراً على الأقل في مجتمعاتنا)، وإنما هي ظاهرة ومتلازمة خطيرة للغاية كخطورة أي مرض عضال، لأنها تجمع نقيضين جمعاً من الخطورة بمكان وهما المخزون المعلوماتي التراكمي والجهل في تبيان الحجة فيضفي ذلك على الحقيقة تهميش وغموض وضياع، لكن جذوة الخطورة حينما تستخدم هذا المتلازمة في تبرير الجرم أو الأثر الخطير على الإنسان أو المجتمع.

    اعتبر أنك كنت القاضي في محكمة وتقوم باستجواب المتهم بجريمة قتل وقلت له: ما هو دافعك لقتل هذا البريئ طعناً لسرقة ماله، فأتاك الجواب منه: وماذا عن حال المجرم الآخر الذي أقطن معه في نفس الزنزانة، لقد قتل أماً حاملاً مع أطفالها بدم بارد ولم يجد شيئاً ليسرقه بعدها، وغدا بعدها ليسهر في أحد الحانات. لا شك أن الجرم الثاني أبشع من الأول لكن هذا لا يسقط التهمة عن كليهما ولا يخففها عن الأول، إلقاء الكرة في ملعب مشابه لتبرير الفعل (السلبي) هو مثال آخر عن هذه المتلازمة المرضية. بالعودة للتاريخ الذي وصلنا بوسائل متعددة نجد أن هذه المتلازمة رافقت حياة البشر منذ الأزل، يبدو أنها حالة مرضية فكرية ناتجة عن محاولة تبرير الإنسان الخطأ بالاستشهاد بخطأ مماثل. نهى رسولنا الكريم عن شيء مشابه إذ جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (... وأبغض الكلام إلى الله أن يقول الرجل للرجل: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك).

    أظنها مثال عن هذه المتلازمة لكنها مختزلة نوعاً ما، فما كان الرجل ليقول هذا الكلام لولا أنه رأى عيوباً في الطرف الآخر وحول الحالة الجدلية باتجاهه ليصبح متهماً بعد أن كان ناصحاً متجاهلأ أنه أقفل عقله وقلبه عن تقبل النصيحة وغلفهما بما رآه من عيوب الطرف الآخر فبرر خطأه، وهذا ليس إلا ضرب من ضروب التبرير والتهرب من المسؤولية المناط بها، وهي النصح وقبول النصيحة. لو كان هناك أي وجه إيجابي لهذه المتلازمة لما درسها علماء الجدل والنفس وغيرهم واعتبروها ظاهرة سلبية بالكامل وما كانوا ليطلقوا عليها مسمى ومصطلح جديد مكون من مجموعة كلمات باللغة الإنكليزية.

    هي ليست إلا باب يوصلنا لأرض شاسعة يتفرق فيها أصحاب الأفكار المختلفة ولا مجال لاجتماعهم في مساحة حوار صحية، لأنها تلغي إمكانية الحوار والتفاهم والتلاقي، وكيف للتلاقي الفكري أن يحدث إن كان بالأساس الاستشهاد قائم على تبرير الخطأ بخطأ مقابل له. من أكثر الأمثلة الحية على هذه الظاهرة المتفشية هي ما نراه بشكل يومي (بمعنى الكلمة) في مواقع التواصل الاجتماعي وحصراً في صفحات الأخبار التي تتسم بسمة التبعية لجهة ما (دولة، حزب، مؤسسة فكرية.. الخ)، وذلك بمتابعة التعليقات المباشرة والتشعبية (الردود بين المعلقين) وهما ثنائي (مؤيد-معارض لفكرة المنشور في تلك الصفحات)، نرى بشكل جليّ هذه الظاهرة الخطيرة، وكلما ازداد الولاء للفكرة بغض النظر عن مقدار صحتها أو درجتها الانسانية يزداد مؤشر Whataboutism حتى يصل لأعلى درجاته وهو التجرد من كل القيم الإنسانية متمثلاً بتبرير الخطأ الواضح كالقتل والإجرام لأن الطرف المقابل (أو من يكن له بالولاء) لديه رصيد مشابه، قرأت منشور في أحد صفحات الأخبار يقول أن عدد القتلى في بلد معين وصل لما يقارب النصف مليون، علق أحد الأعضاء أن هذا إجرام ضد الإنسانية، بدأت الردود تتوالى وأغلبها يحمل الصيغة التالية: انظروا من يتحدث! في بلده قتل ثلاثمائة ألف وياتي ليتحدث عن دفاعنا عن نفسنا.

    بنظرة إنسانية مجردة هناك ثمانمائة ألف قتلوا ظلماً في مكانين مختلفين فلا إجرام الأول يبيح للأخر شيئاً ولا إجرام الآخر حجة للأول لإجرامه، الولاء المطلق يولد مؤشر خطير لمتلازمة Whataboutism. هذا طبعاً لا يعني أن هذه المتلازمة والداء تعمل عملها في حالات السياسة فقط فهي متلازمة تجتاح أي مساحة جدلية قائمة على الولاء للفكرة، بالواقع هي ظاهرة تصيب أي عقل ولو بنقاش بسيط، يبقى الحاسم هنا قدرة العقل على تجنبها وإبداء الرأي بنظرة إنسانية مجردة قائمة على الصدق والموضوعية والمنطقية لا على الولاء المجحف فالبشر ليسوا قطيعاً من الأغنام توجهه عصا الراعي.

    ترفض الطبيعة البشرية السلبيات وهذا شيء إيجابي جُبل عليه الإنسان، لكن الطامة الكبرى في البحث عن المبررات الخاطئة والتي تكمن بتبرير الخطأ بخطأ مشابه. بنظرة سطحية، هناك مقدار شعرة تفصل فهم متلازمة Whataboutism عن تبيان الحجة بالاستشهاد، وكلاهما فيه صيغة التبرير ظاهرياً لكن بالواقع المتلازمة المذكورة قائمة على الابتعاد عن تبيان الحجة وتغيير المسار الجدلي للهروب من المسؤولية في إبراز الخطأ أما تبيان الحجة بالاستشهاد فهي العكس تماماً، إذ أنها تقوم على ذكر الأدلة المشابهة لكشف الالتباس ووصول التبيان إلى مرحلة يستوعبها الطرفين. فلو قال أحدهم: أن الدين الفلاني انتشر بالسيف ورد أحد المدافعين عنه وقال: وأنتم نشرتم دينكم بالمدفع فهذه Whataboutism.

    فكلاهما أصبح بنظر الآخر مجرم وأباح لمصدر ولائه الخطأ إن وجد. أما لو كان الرد في تبيان وجود العسكر في كلا الحالتين يتسم بموضوعية ومنطقية وإنصاف لوصل كلا الطرفين لمساحة حوار أو إقناع تستبعد شحنات الحوار السلبية وخاصة لو كانت مرفقة بأدلة دامغة عن الغايات والإيجابيات والسلبيات وتوضح الصورة، إذ أن كلا الحدثين جرى في زمنين مختلفين بالغالب وفي حالتين مختلفتين وبأهداف وطرق مختلفة فهذا تبيان للحجة بالاستشهاد.
    بقلم الكاتب السوري : محمود الخطيب