السعودية دولة دينية ثيوقراطية، متشددة وراديكالية ..... تصويت

هل السعودية دولة دينية ثيوقراطية، متشددة وراديكالية

  • نعم

  • لا


النتائج قابلة للعرض فقط بعد التصويت.

hi all

قلم فضي
التسجيل
16 أغسطس 2004
المشاركات
3,096
الإعجابات
1,048
لو عندك إعتراض قول
 
التسجيل
14 يونيو 2015
المشاركات
8,008
الإعجابات
8,061
اولا هل انت تعى معنى ثيوقراطيه
وراديكاليه
يابو الثقارطه والرداكله
نريد من شرح لمعناها وهل تجتمع في ان واحد الثيوقراطي والراديكلي ومنك نستفيد على شان نصوت على فهم
 

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
((مقال منقول من موقع أنترنت من السودان....و المقال نشر في صحيفة الرياض السعودية))
..........
أشكر صديقي وأخي الذي لفت نظري إلى هذا الكاتب والمفكر السعودي عندما أمدني بمقاله "كيف تصبح إراهبيا؟" الذي نشره في صحيفة الرياض بتاريخ 29 أكتوبر الماضي، وفي نفس الوقت أرسل لي كتابة مضادة له سأضعها في مرحلة ما من سير البوست..

هذه سياحة في التعرف على هذا الكاتب أبدأها بهذا المقال الذي ذكرته بعاليه:

الخميس 16 محرم 1437 هـ (أم القرى) - 29 اكتوبر 2015م - العدد 17293 , صفحة رقم ( 33 )
كيف تصبح إرهابياً؟
محمد علي المحمود

لا أحد يقرر أن يصبح إرهابياً منذ البداية. لا أحد يقرر أن ينتقل من طبيعته المسالمة إلى ممارسة القتل بأبشع صوره في لحظة إشراق معرفي أو روحي. قرار التحول من حالة (الإنسان الطبيعي)، إلى حالة (الإنسان الإرهابي) ليس قرارا واعيا في كل مراحله، بل هو قرار انسيابي، يبدأ متدرجا؛ ليمر بمراحل من التحولات الفكرية والنفسية، التي تبدأ بشكل من التدين الطبيعي، ثم التشدد الديني، ثم الاندماج في خطاب التحريض نتيجة الاستعداد المسبق الذي يضع الأرضية لهذا الاندماج، إلى أن يصل الفرد إلى تفجير نفسه في الأبرياء، أو – إن كان أقل شجاعة - إلى العمل الميداني لنقل الأبرياء من حالة البراءة الدينية إلى حالة الإرهاب.

ثمة جدل كبير حول دور (مقولات التكفير) في العمل الإرهابي: هل هي دوافع أولى للفعل، تسبق الفعل، أم هي مبررات لاحقة؟

أيا كان الأمر، فلاشك أن العلاقة هنا جدلية/ تفاعلية، فمقولات التكفير تدفع؛ بقدر ما تبرر، والأهم، أنها تصنع بيئة مجتمعية غير سوية، تنقل الإرهاب من فضاء الجريمة المدانة اجتماعيا ودينيا، إلى فضاء الفعل المقدس المشرعن دينيا واجتماعيا.

ومن المعلوم أن تغذية الإرهاب بالموارد البشرية والمادية هي ما تُبقي جذوة الإرهاب حيّة على مدى سنوات طوال. وطبيعي أن هذه التغذية لا تحدث في مجتمع ينظر إلى الإرهابي بوصفه إنسانا منحرفا/ ساقطا على مستوى الأفكار والسلوك، ولا في مجتمع ينظر إلى فكر التكفير بوصفه انحرافا دينيا يستحق مُروّجه النبذ والتهميش، بل والتبليغ عنه ليكون في مكانه الطبيعي مع عتاة المجرمين من القتلة والسرّاق ومروجي المخدرات ومنتهكي الأعراض.

أعود لما بدأت به أولا، وهو أن الشاب لا يقرر – إذ يقرر التدين – أن يصبح إرهابيا. الحالة المرضية التالية تبدأ طبيعية أو شبه طبيعية. الواجهة الأولى لحالة التدين التي يتم استقطاب الشاب إليها لا تشي بالعنف ابتداء. المطلوب في البداية شيء جميل، المطلوب فقط، أن تصبح ملتزما بفرائض الدين الأساسية من صلاة وصوم وزكاة، وأن تبتعد عن المحرمات الأساسية، خاصة المحرمات المرتبطة بالانحراف السلوكي. وهذا ما يجعل كثيرا من العائلات تفرح بتدين أبنائها فترة المراهقة؛ لأنها تعتقد أنها بهذا التدين تضمن استقامتهم، وتطمئن إلى أنهم سيصبحون رجالا أسوياء في المستقبل القريب، ينفعون أنفسهم، و- بتأكيدات التدين على البرّ – سيصبحون أكثرا برا بوالديهم؛ فلا يذهب استثمارهم في هؤلاء الأبناء هدرا (على اعتبار أن الإنجاب في السياق العربي مجرد مشروع استثمار!).

إلى هنا، والوضع طبيعي، بل هو المطلوب عقلا ودينا. لكن، لا يتوقف القائمون على تديين الشباب (وهم في الثلاثين سنة الماضية: سدنة الخطاب الغفوي وكوادرهم العاملة في الميدان) عند هذا الحد الطبيعي؛ لأنهم لا يريدون في الحقيقة شيئا طبيعيا. ولتجاوز الحد الطبيعي؛ يقوم العاملون في ميدان التديين بزيادة الجرعة، وذلك بالتشديد وتوسيع دائرة المحرمات، واختيار أشد الأقوال فيها، وترميز أصحاب هذه الفتاوى المتشددة؛ بحيث يصبح الشاب لا يقبل إلا منهم، وفي المقابل يعد العلماء الذين يختارون التيسير (ويجنحون إلى الإباحة فيما لم ترد فيه نصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة) مجرد وعاظ من الوزن الخفيف، بينما يعد دعاة التشدد علماء ربانيين مخلصين ومتبحرين في علوم الدين.

في هذه الأثناء التي يتحول فيها الشاب إلى الفقهيات المتشددة، ينقله دعاة الغفلة من تدينه الخاص إلى مسؤوليته عن التدين العام، ثم إلى مسؤوليته عن عموم أحوال المسلمين، كل المسلمين. يشحن هؤلاء الوعاظ الغفويون عقل الشاب وروحه بأمجاد أمته، ويحملونه مسؤولية إصلاح عشرة قرون من الأعطاب الكبرى التي أضاعت ذلك المجد التليد، ويضعون أمامه كل مأساة للمسلمين في كل العالم؛ لكي يسهم في حلها بشكل مباشر؛ وإلا أصبح خائنا للإسلام والمسلمين.

هنا، يقع الشاب في قبضة إيديولوجيا الحراك المتأسلم، هنا يصبح كادرا عاملا من حيث يشعر أو لا يشعر، وينتقل من حالة التدين الطبيعي، إلى حالة الاستنفار الذهني والروحي لتغيير مسار التاريخ. المهم هنا، أن هذا الانتقال الخطير من الخاص على العام لا يتحقق إلا على قنطرة التشدد الديني، وهي قنطرة تختلف بداياتها عن نهاياتها كثيرا. في نهايتها، ينظر الشاب إلى حالته الأولى من التدين بوصفها ضلالا، إنه يتأمل حالة تدينه الأول المرتبط بأساسيات الدين بوصفه تدينا أنانيا لا يكفي للنجاة في الآخرة.

وهكذا يصبح التدين الحق (المنجي من عذاب الآخرة/ الخلاص) ليس فقط مجرد التدين/ الالتزام الديني، وليس فقط التدين المتشدد، بل التدين الذي يأخذ على عاتقه إصلاح عالم المسلمين؛ ليكون عالما للمتأسلمين المتشددين، بحيث يُهمنون عليه باسم (الإسلام الصحيح)، في مقابل الإسلام غير الصحيح، والمقصود به: إسلام المسلمين.

المثالية والنقاء والغيرية والتوهج الروحي.. إلخ التي يتمتع بها الشاب في مرحلة المراهقة، وما بعدها بقليل، إضافة إلى ضعف وعيه بتعقيدات العالم من حوله، يستغلها المتأسلمون فيه غاية الاستغلال. أذكر وأنا في الثامنة عشرة، كيف أن بعضهم أراد استغلال عاطفتي الدينية ومثالية المراهقة لدي، من أجل تحويلي من حالة التدين الخاص إلى حالة التدين العام. كان هؤلاء يُهدونني بين الحين والآخر أشرطة عن الجهاد الأفغاني، بعد أن سبقوا ذلك بأشرطة وعظية لتعزيز التشدد الديني. لا أزال أذكر كيف كنت أسمع مآسي الأفغان، حيث أبشع صور القتل والاغتصاب والإبادات الجماعية، فأكاد أنفجر غضبا من هول ما أسمع. كنت كلما سمعت شريطا من هذه الأشرطة، أغضب من نفسي؛ لأنني لا أعمل شيئا، وأغضب من مجتمعي ومن وطني ومن المسلمين جميعا.

طبعا، كأي مراهق، لم أكن أعرف تعقيدات الوضع السياسي محليا وعالميا، لم أكن أعرف معنى المعاهدات الدولية، ولا ماذا يعني البعد الجغرافي وسيادة الدول على أجوائها، وكنت أتصور أن بإمكان وطني أن يوقف المأساة الأفغانية في يوم واحد، وذلك بإرسال طائرات لضرب المعتدين في أفغانستان، وكنت أعتقد – كأي غر ساذج - أننا قادرون على تحدي العالم، بل ومقاطعة العالم أجمع.. إلخ من الأوهام المدمرة التي لا يزال كثير من جماهير الغفوة يُقاربون واقعهم من خلالها؛ فينتهون إلى ما يشبه الجنون.

إن تبسيط العالم على هذا النحو، مع تحميل النفس والمجتمع والوطن مسؤوليات أممية كبرى، هي أزمة كثير من الشباب المتدين. ليس كل الشباب يتجاوزون هذه الأزمة بسلام، ويفهمون العالم كما هو، بكل تعقيداته؛ فيصبحون أكثر واقعية/ عقلانية. كثيرون لم يتجاوزوا هذه المراهقة؛ حتى وإن لم يرتكبوا عملا إرهابيا مباشرا. ولهذا، فهم غاضبون على أنفسهم وعلى مجتمعهم، وعلى وطنهم، وعلى كل الدول الإسلامية التي يرونها متخاذلة، إن لم تكن متآمرة على المسلمين وعلى (الإسلام الصحيح!). ومن هنا نفهم، لماذا لا يدين هؤلاء الإرهاب والإرهابيين بشكل صريح، بل لماذا يُظهر كثير منهم تأييده للإرهاب في ثنايا القول، ويستغلون كل فرصة للتعبير عن غضب مُحرق، بل وعن حقد مكتوم.

إن هؤلاء الغاضبين هم الوقود الجماهيري للحراك المسلم الذي يستخدمهم كزخم جماهيري يُزاحم به خصماءه في الساحة الدينية والسياسية. جماهير الغضب الحماسي اللاواعي، هم إما أنهم متدينون متشددون ولكن بسذاجة، وإما أنهم مأخوذون بحالة الحماس الجمعي التي يذكيها المتدينون المتشددون في الفضاء المجتمعي العام. وهذا يفسر كيف أن بعض الإرهابيين لديهم حماس ديني عام، بينما لا تشي لغتهم وتصرفاتهم بأنهم منخرطون انخراطا مباشرا في الحراك الديني المتشدد، بل إن بعضهم من أصحاب السوابق الانحرافية الخطيرة التي لم ينزع عنها إلا قبل ارتكابه العمل الإرهابي بأشهر، وربما بأيام؛ فوجد أن تفجيره لنفسه أقصر طريق إلى تكفير كل تلك الآثام العظام.

إذن، ليس شرطا أن تكون متشددا؛ لتكون إرهابيا. يكفي أن تعيش في فضاء عام يصنع المتطرفون المتشددون توجهاته الكبرى التي تتواشج فيها البُنى العقائدية التأسيسية مع النزعات العاطفية الجامحة. وعندما تكون مراهقا - أو كمراهق – في رؤيتك الأحادية والمثالية للتاريخ وللواقع؛ يسهل استغلالك؛ لتكون في البداية قنبلة غضب، تتحول إلى قنبلة من الأحزمة الناسفة التي تستهدف المصلين، أولئك الذين سيصبحون في نظرك مجرد مشركين؛ لأنهم لا يؤمنون بحرفية (إسلامك الصحيح).

إن صناعتك كأرهابي، أي كقنبلة قاتلة، تبدأ من طبيعة التدين الذي تسمح له بأن يحتويك فكرا وعاطفة. الثقة العمياء بكل مصادر التديين هي التي تقودك إلى التدرج في سلم التشدد من حيث لا تشعر؛ لتجد نفسك مقتنعا تمام الاقتناع بأن تدينك الفردي لا يكفي، حتى ولو كان تدينا متشددا، وبأن عليك مسؤولية إصلاح العالم ولو بالقوة، وفي هذه الأجواء تصبح كل مأساة للمسلمين على ظهر هذا الكوكب تضغط عليك لتتقدم خطوة إلى الأمام في طريق الإرهاب، بل وتصبح جنايات الطوائف الأخرى التاريخية – الحقيقية أو المتوهمة – بحق طائفتك من مسؤولياتك، وبالتالي، فإن عليك أن تعدل – ولو بالقتل والإرهاب – مسار التاريخ القريب والبعيد؛ حتى يعتدل مسار الراهن.
 
التعديل الأخير:

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
المقال الثاني الذي اخترته للكاتب محمد علي المحمود نشر أيضا في صحيفة الرياض.


الخميس 28 شوال 1436 هـ - 13 اغسطس 2015م - العدد 17216 , صفحة رقم ( 25 )
التنوير أو الحرب على الإرهاب
محمد علي المحمود

لقد تصاعد عُنف هذه الموجة الإرهابية في الأشهر الأخيرة، إلى أن وصل إلى مناطق كان يظنها معظم الناس (مِن الطّيبين الذين لم يدرسوا المنظومة التقليدية بعمق) مناطق محرمة، كالمساجد مثلاً. فلم يكن كثير من الناس/ الجماهير يتوقعون أن يأتي هذا اليوم الذي يُفجّر فيه الإرهابيون أنفسهم في المساجد

سأحاول في هذا المقال اختصار كثير من الأمور إلى ظواهرها المُتعيّنة، مُبتعداً - قدر ما تسمح به شروط المقاربة - عن الإحالات التي يستلزم الوعي بها؛ وعياً بآليات القراءة السياقية. فالإرهاب أصبح حدثاً جماهيرياً بامتياز، أي أن تناوله لم يعد من أولويات وسائل الإعلام الجماهيرية فحسب، وإنما أصبح المشاركون في معاينته واقتراح الحلول له من الجماهير، أو ممن ثقافتهم لا تتجاوز ثقافة الجماهير، تلك الثقافة التي تعتمد على التوصيف؛ دونما تحليل لما هو أبعد من الظواهر في وجوده المباشر. نُضطر لذلك، وخاصة في مثل هذه المواضيع؛ لأن هذا التسطيح الجماهيري قد راج بعد توفر وسائط التعبير الاجتماعي، إذ أصبح لكل فرد منبره، يطرح فيه ما يشاء، كيفما يشاء. وفي هذا السياق، قد يروج مقال الجاهل المهرج، والأهوج المحرض؛ فيما تخبو وتتوارى وتتخصّص (تنحصر في دائرة المهتمين/ المختصين) مقولات المثقفين، فضلاً عن كبار المفكرين.

لهذا، لا بد من تقريب الأفكار ولو بعرضها مُجزّأة، مجردة من وصلاتها السياقية، ومن علائقها البنيوية؛ لأن الوعي الجماهيري الذي نريد مُحاججته، والذي استولى الجماهيريون الغوغائيون عليه بجدارة، لا يستطيع رؤية الظواهر والأفكار منتظمة في سياقاتها التفاعلية/ الجدلية؛ فضلاً عن بُناها الكُليّة. إن هذا الوعي الجماهيري اعتاد على رؤية الأجزاء كأجزاء، كمعلومات أو كأوصاف مُبعثرة، كشبهات وردود، كمقولات مأثورة، كحوادث معزولة، كتأييد بالكامل أو كرفض بالمطلق. ومن هنا، لا غرابة أن يصبح الوعي الجماهيري ضد الإرهاب هنا، ومع الإرهاب هناك، مع حقوق الإنسان في الحاضر، وضد حقوق الإنسان في الماضي، ضد استبداد المعاصرين، ومع استبداد الغابرين...إلخ!.

إن ما يدعوني إلى الكتابة في هذا الموضوع (= الإرهاب) بعد كل ما كتبته عنه (أكثر من 120 مقالاً)، أن الموجة الأخيرة من الإرهاب (الممتدة منذ اثنتي عشرة سنة)؛ لم تنتهِ، بل ما زالت في نمو مُطّرد، مع كل ما يتخللها من فترات الكمون المترصد، الذي قد يُوحي بانحسار الظاهرة، بينما هي تتوارى عن المشهد العام لهذا السبب أو ذاك.

لقد تصاعد عُنف هذه الموجة الإرهابية في الأشهر الأخيرة، إلى أن وصل إلى مناطق كان يظنها معظم الناس (مِن الطّيبين الذين لم يدرسوا المنظومة التقليدية بعمق) مناطق محرمة، كالمساجد مثلاً. فلم يكن كثير من الناس/ الجماهير يتوقعون أن يأتي هذا اليوم الذي يُفجّر فيه الإرهابيون أنفسهم في المساجد. بينما الباحثون في تراث التقليدية المتطرفة يعون تماماً أن هذا أمر مشروع في أدبياتها التكفيرية، فإذا وقع (التكفير) لم يعد المسجد مسجداً، ولم يعد المُصلّون مسلمين.

بل إن قتل الأطفال، بتفجير المدارس ومستشفيات الأطفال مثلاً، وإن لم يمارسه الإرهابيون بعدُ، ليس محرماً في تراث التقليدية المتطرفة؛ ما دام - في نظرهم - يأخذ طابع الرد بالمثل، أو ما يُفتي لهم به (علماؤهم!) أنه رد بالمثل. هذه قمة الهرم الإرهابي، وهي تنظيرات تنتظر دورها في التطبيق الإرهابي. وهذا يعني أنه قد يأتي اليوم الذي يُفجّر فيه الإرهابيون في مستشفيات ومدارس الأطفال؛ دونما حرج، وحينئذٍ؛ سنفيق مذعورين، متسائلين: كيف يفعلون هذا، يقتلون حتى الأطفال الأبرياء، من أين أتوا بهذا؟. لكن، عندما نفتش؛ سنجد الجواب مسطورًا - بأدلته!- في التراث التقليدي.

الإرهاب قبل أن يكون فعلاً، هو ثقافة/ اعتقاد، وخاصة ما يتصل منه بالإرهاب الانتحاري، فلن يقتل الإنسان نفسه، والآخرين معه؛ من أجل مال أو شهرة، أو لفقر أو بطالة، أو حتى ليأس من الحياة. الإرهاب مرتبط بثقافة اعتقادية تتجاوز حدود مصالح الفرد المنتحر من جهة، وتتجاوز حدود هذه الحياة من جهة أخرى.

وإذا كانت المسألة ثقافة/ اعتقاد، فبكل وضوح نقول: هناك فرق كبير بين ثقافة/ تراث يدعو للكراهية، ويَعدّ (كراهية الآخر) المختلف عقدياً أو مذهبياً أو فكرياً، ومن ثم إيذاؤه - ابتداء بالعنف اللفظي، وانتهاء بالقتل - أسمى (عبادة)، وثقافة أخرى مختلفة، ثقافة تدعو للتسامح والتعايش، وتعد التسامح ومحبة الآخرين واجباً إنسانياً يجب تأكيده وتقريره على مستوى الثقافة العامة وعلى مستوى القانون العدلي المكتوب. الثقافة الأولى، ثقافة الكراهية، هي الثقافة الكهنوتية المتوارثة، المَبنيّة على المفاصلة العدائية بين كل المختلفين، والثقافة الثانية هي الثقافة التنويرية التي صنعت العالم الأول/ العالم الحر، حيث الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة بين جميع المواطنين بقوة القانون.

بكل وضوح وصراحة، نقول: هناك ثقافة تزخر أدبياتها بتكفير وتفسيق وتبديع وتضليل الآخر المختلف (ولا مشكلة، لو كان هذا مجرد رأي)، جاعلة كل مَنْ يَتّصف بأيٍّ من هذا (= الكفر، الفسق، البدعة، الضلال) محل كراهية مسعورة، وأدعية ملغومة. إنها ثقافة تقليدية تدعو - صراحة أو ضمناً - إلى إقصاء ونفي كل هؤلاء المُخَالفين، ولو بالقتل الشنيع تفجيراً أو نحراً أو حرقاً، بل إن أدعيتها الطقوسية لا تفارق دعوات الهلاك والتدمير، إلا ريثما ترجع إليها بسادية لا مثيل لها. وهناك ثقافة أخرى تتضاد مع هذه الثقافة الجهنمية، إنها ثقافة التنوير المسكونة بالهم الإنساني، إنها الثقافة التي لا تفرق بين إنسان وإنسان، إنها الثقافة التي تؤكد أن عقائد الناس للناس، ولا يحاسب عليها إلا ربُّ الناس، وأن الناس على هذه الأرض يجب أن يعيشوا مُتسامحين، مُتحابّين، مُتعاونين على كل ما يجعل الحياة أكثر أماناً وسلاماً، وأقل بؤساً وحرماناً.

ببساطة شديدة، عندما تروج في مجتمع ما، تلك الثقافة التي تُروّج للكراهية، وتتعبّد بها، وتدعو على المختلفين بالهلاك والدمار، هل تتوقع أن يكون حال هذا المجتمع كحال مجتمع آخر، تروج فيه ثقافة التسامح والإخاء حقوق الإنسان؟!. وببساطة أكثر أقول: لو أنك مكثت عشرين سنة تُربّي أولادك على أن كل الناس أشرارٌ منحرفون، وأنهم أعداءٌ بالأصالة، وأنهم متآمرون لا يكفون عن تآمرهم، وأن كل ما يشاهدونه من مآسٍ في أحبابهم وأقربائهم إنما هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب كيدهم، وأنهم يتحينون الفرصة لقتلهم وتشريد أسرهم...إلخ، بينما أخوك يربي أولاده، ولمدة عشرين سنة أيضاً، ولكن على أن الناس مِن حولنا بَشرٌ مثلنا، يُحبّون ويكرهون ويسعدون ويألمون ويعتقدون مثلنا، وأن سعادتنا جميعاً لا تكون إلا بتسامحنا فيما بيننا وتعاوننا على أمور الحياة، وأن نترك الآراء والمعتقدات للضمائر الفردية، وأن علينا أن نُرسّخ قواعد الاحترام المتبادل فيما بيننا، وأن نحل مشاكلنا بالنظام والقانون، وأن نتكاتف لصيانة حقوق الإنسان، ومنع اختراقها بأي وسائل الاختراق. هنا، ولتكن صريحاً مع نفسك، هل تتوقع أن يتصرف أولادك مع الناس، قريبهم وبعيدهم، كما يتصرف أولاد أخيك الذين تربوا على ثقافة مختلفة؟!. أعتقد أن الأمور أوضح من أن تحتاج لجواب.

إذن، هي الثقافة، الثقافة السائدة التي تخلق الوعي الجماهيري العام، فهي التي تحدد سلوكياتنا. وهنا قد يأتي بعض السذج أو المراوغين من المدافعين عن تراث التقليدية المتطرفة، زاعماً أن الأغلبية قد تستهلك تراث الكراهية والتكفير، ولكن أعداد الإرهابيين قليلة قياساً بأعداد هذه الأغلبية!. وهنا لا بد من التأكيد على أن حقيقة مفادها، أن ثقافة الكراهية والتكفير والإرهاب تصنع كثيراً من الإرهابيين، ولكن درجة تفاعلهم مع الإرهاب تختلف، فكثيرون يُصبحون إرهابيين دون أن يعوا ذلك، وكثيرون يعون ذلك، ولكن دون أن تكون لديهم الجُرأة لفعل شيء يُعرّض مصالحهم - فضلاً عن حياتهم - للخطر. ثقافة الإرهاب تصنع دوائر، تختلف في درجة القناعة، وفي درجة الاستعداد للفعل.

وللتوضيح أكثر فأكثر؛ أضعك أمام هذا الاحتمال القابل للوقوع: لو أن جامعاً يرتاده ثلاثة آلاف مثلاً، ولسوء الحظ أصبح ميداناً لغلاة الوعاظ التكفيريين الداعين إلى التكفير والإرهاب يتناوبون عليه لسنوات، ماذا ستكون المحصلة؟. بلا شك؛ ستكون المحصلة أن الأغلبية - إن لم يكن الجميع - تأثروا بدرجات متفاوتة. منهم من أوصله التأثر إلى مجرد التسامح مع خطاب التكفير؛ فأصبح يرى التكفير حقاً طبيعياً/ دينياً للمُكفِّرين، ومنهم من أوصله التأثر إلى القناعة بخطاب التكفير، دون أن يكون لديه استعداد لفعل أي شيء؛ فأصبح مكفراتياً صامتاً، ومنهم من أوصله التأثر إلى القناعة، مع استعداد للعمل في حدود المسموح به الذي لا يُعرّضه لأي خطر، ومنهم من أوصله التأثر إلى القناعة، مع استعداد لبذل المال والدعم، ولكن دون التضحية بالنفس، ومنهم من أوصله التأثر إلى الاستعداد لبذل النفس ولو بالتضحية بها في تفجير إرهابي، وهذه أعلى درجات التأثر بالخطاب الإرهابي.

هنا، ستلاحظ أن العدد يقل؛ كلما كان المطلوب بذله أكثر، فمن ثلاثة آلاف قد يقتنع ألفان، ولكن ربما لا يوجد أكثر من اثنين أو ثلاثة يقتنعون بتفجير أنفسهم في عمل إرهابي. هكذا هو الأمر في جميع القناعات الإيديولوجية ذات الطابع النضالي، فدائماً رأس حربتها قلة قليلة تقتنع، وتتوفر فيها الدوافع القوية، وتغيب عنها الموانع؛ فتكون هي التي تتقدم بأنفس الأشياء (= الروح) في ساحة النضال.

في المقابل؛ يرتفع عدد المُتفاعلين مع إيديولوجيا الكراهية والتكفير؛ كلما كان المطلوب قليلاً. ولهذا، تجد أن المقتنعين بخطاب التكفير كثير؛ عندما لا يكون المطلوب منهم أكثر من تكفير الآخرين وشتمهم وتخوينهم في المجالس الخاصة. وسيقل العدد؛ لو كانت هذه القناعة التكفيرية تتطلب الاشتراك بمبلغ مالي مثلاً، أما لو كانت القناعة تتطلب التخلي عن نصف الممتلكات؛ فلن يتقدم إلا بضعة أفراد، وفي حال لو كانت القناعة تتطلب بذل الروح، فربما لن يتقدم أحد. لهذا، نرى كثيرين يُكفّرون ويشتمون متأثرين بخطاب التكفير والكراهية، ولكنهم لا يتجاوزن هذه الحدود، فيما هم في الحقيقة يفتحون (بتهيئة الأجواء العامة) الطريقَ لبضعة أفراد لديهم استعداد لتجاوز هذه الحدود.

من هنا، فإن الذي يقول لك - مدافعاً عن تراث التقليدية التكفيري الذي نشأ عليه-: إنه نشأ على التقليدية المتطرفة، واقتنع بمقولاتها التكفيرية، ولكنه لم يصبح إرهابياً، ولم يُقدم على القتل والتفجير، هو إما جاهل يُخادع نفسه أو كاذب يُخادع الآخرين. فأولاً: ليس صحيحاً أنه ليس إرهابياً، فهو - بمجرد اعتقاده التكفيري - إرهابي معنوياً. أما كونه لم يقم بعمل إرهابي مادي: قتل أو تفجير، فهذا خاضع لعدة عوامل، فقد لا يمتلك الشجاعة الكافية، وقد يكون مُغرماً بهذه الدنيا ونعيمها، وقد تكون قناعته ليست راسخة بحيث تُحدّد له خياراً مصيرياً على هذا المستوى من الخطورة، وقد تكون ظروفه العائلية لا تسمح...إلخ، المهم أنه في النهاية إرهابي، علم أم لم يعلم، وداعم للإرهاب على أكثر من صعيد.
 

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
المقال الثالث عبارة عن مواصلة للمقال الثاني.

الخميس 5 ذي القعدة 1436 هـ - 20 اغسطس 2015م - العدد 17223 , صفحة رقم ( 21 )
نقد التكفير أو الحرب على الإرهاب
محمد بن علي المحمود

كثيرون يظنون أنهم بمنأى عن عدوى التكفير، مع أنهم خاضعون تماماً لمنطق المنظومات العقائدية التي تتأسس – أصلاً – على التكفير. لقد نجح الخطاب التكفيري في صنع (تكفير) متعدد الموجات/ المستويات، وكل موجة تدعم أختها بشكل مباشر أو غير مباشر

ذكرت في المقال السابق قول المتطرف الذي يقول لنا – مدافعاً عن تراث التقليدية التكفيري الذي نشأ عليه -: إنه نشأ على التقليدية المتطرفة، واقتنع بمقولاتها التكفيرية، بل وصرّح أيضاً بالموافقة الواعية على ممارساتها التاريخية في استباحة الدماء، ولكنه لم يصبح إرهابياً، أي لم يُقدم بنفسه على القتل والتفجير. وفي هذا دليل – كما يزعم هذا التكفيري المراوغ – أن مقولات التقليدية المتطرفة، المتلبسة بكل صور التكفير والنفي والإقصاء واستباحة الدماء، ليست هي التي تدفع بشبابنا إلى الإرهاب؛ حتى ولو كانوا يتتلمذون عليها بوصفها الحق الصراح (= صريح الإسلام)، بل حتى ولو كانوا يستدلون بنصوصها التفصيلية وممارساتها التاريخية على صوابية إرهابهم المبني على التكفير!. وقد قلتُ في ذلك السياق: إن من يُعاضِلُ في هذا؛ إما جاهل يُخادع نفسه أو كاذب يُخادع الآخرين، مؤكدا أن الإرهاب طريق طويل، يبدأ من الاقتناع، ومن ثم الموافقة التي تصنع البيئة الحاضنة المُحفّزة، ليصل - بقلة قليلة (صادقة مع نفسها، ولا تملك ما تخسره) - إلى تنفيذ ما اقتنع به كثيرٌ من مستهلكي هذا الخطاب التكفيري، ولكنهم لم يمتلكوا شجاعة التنفيذ.

يقرأ الشاب – بتحفيز من بعض وُعّاظنا – تراثاً عقائدياً يقول بتكفير من قال بكذا وكذا؛ حتى ولو كان من المسلمين، بل ويُنزّل ذلك التكفير على أعيان من شخوص وبلدان وجماعات. يقرأ الشاب هذا التراث الذي منحه وُعّاظنا ختم الصواب المطلق، فيأتي إلى الواقع الراهن، حيث يرى فيه كثيراً مما حكم عليه ذلك التراث بالتكفير الصريح. الشباب هنا يقفون متسائلين في حيرة: إذا كان من يقول بكذا وكذا كافراً، ومن يفعل كذا كافراً، وقد تم تطبيق هذا التكفير في التاريخ على نحو عملي، وحكمتم أيّها الوُعّاظ على ذلك الفكر والتطبيق بالصواب، بل بالصواب المطلق؛ فلماذا تمنعوننا من تكفير من يقول بالقول نفسه، ومن يمارس الأفعال نفسها في الزمن الحاضر؟، هل عقائد التكفير – يتساءل الشباب – تُطبّق بالهوى؛ فيتم إنزالها على أناس دون أناس، وعلى دول دون دول، وعلى جماعات دون جماعات، أم هي حقائق وقوانين إلهية، لا تُحابي أحداً، ولا تعرف التمييز، ولا تستجيب للمراوغة والمداهنة في التطبيق؟!.

إلى الآن، لم يستطع الوعاظ إقناع مثل هؤلاء الشباب بصوابية التكفير(وما ترتب عليه من استباحة الدماء) في الماضي، وفي الوقت نفسه، خطئه الجسيم في الحاضر. لماذا التكفير عقيدة إيمانية راسخة يجب تطبيقها دون هوادة هناك، وهو ذاته ضلال وجريمة هنا؟. المسألة عقائدية، ولا مجال فيها للمداهنة كما يراها الشباب الذين تلقوها بالقبول. مثلاً، لا يستطيع الشباب الذين انغرس في أعمق أعماقهم الإيمانية أن (أي مسلم) يُعِين (غير مسلم) على (مسلم)، فهو كافر لا محالة، وبصرف النظر عن أي تبرير(= الولاء والبراء)، لا يستطيعون أن يتوقفوا في تطبيق هذا (الأصل الإيماني!) على كل التحالفات الدولية الراهنة، وتكون النتيجة أن تصبح كل الدول الإسلامية في نظرهم دولاً كافرة، وكل مواطنيها كفار، يجوز قتالهم واستحلال أموالهم وأعراضهم ودمائهم. وهم لا يَستثنون من ذلك إلا مَن أعلن البراءة من هذه الدول جملة وتفصيلاً؛ ليحقق بذلك – كما يتوهمون – أحدَ أهمّ أصول الإيمان.

لو لم يكن التكفير؛ لم يكن القتل والتفجير/ الإرهاب. المسألة فكرية عقائدية في الأساس. وقد قلتُ من قبل: إذا وقع التكفير، لم يعد المسجد مسجداً، ولا المصلون مُصلّين. ولهذا، من العبث الحديث مع التكفيريين عن حرمة المساجد وعن عصمة دماء المُصلين المسلمين. للأسف، نحن نحاول ردع التكفيريين الإرهابيين عن سلوك التكفير/الإرهاب بالحديث معهم بأحاديث عاطفية، دينية أو شخصية، ولا نتوجه إلى أصل المسألة، حيث مشروعية كل التصرفات. ببساطة، أصل المسألة أن التكفيري لا يراهم مسلمين، ولا يرى صلاتهم صلاة، بل يراهم كفاراً مرتدين، أو كفاراً أصليين.

لا قيمة للحديث عن أي مقدس أو محرم مع الإرهابي؛ قبل الحديث عن أصل التكفير لديه. كل المقدّسات والمحرمات تصبح مباحة مع التكفير. فمثلاً، المسجد الحرام، وكل المتعبدين فيه صلاة وتِطْوافاً، لا حرمة لهم في نظره؛ ما لم يكونوا مسلمين، أي ما لم يسلموا من إيقاع أحكام التكفير عليهم. أما إذا وقعت أحكام التكفير عليهم؛ فحينئذٍ، يصبحون كفاراً، وبالتالي، يصبح المسجد الحرام مكاناً كحاله أيام الجاهلية، ويصبح المتعبدون فيه كحال كفار قريش وهم يتعبدون عند الكعبة، سواء بسواء!.

من هنا، فالحل – إذا ما أردناه جذرياً - لا بد أن يتوجه إلى أصل المشكلة، أي إلى المنظومة التراثية المتطرفة المتخمة بمقولات التكفير. هذه المنظومة، لا بد من نقدها وتفنيد مقولاتها علانية، ولا بد أن يشترك الجميع في هذا النقد والتفنيد؛ لتنتقل من موضعها الاعتباري، كمقولات مقدسة محصنة؛ بوصفها عين الصواب، إلى كونها مجرد مقولات بشرية خاضعة للظروف الشخصية والاجتماعية لمنتجيها. وبالتالي، فليس لها أية قيمة دينية، بل هي مجرد تراث عابر في سلسلة التجارب التراثية البشرية في تاريخ الإسلام، حيث تتضمن كثيراً من الأخطاء الفادحة التي لا علاقة لها بصحيح الإسلام.

وهنا يأتي سؤال مشروع في مدى الوعي الجماهيري، وهو: هل يمكن القضاء تماماً على التكفير؟. الجواب طبعاً: لا. التكفير، كالجريمة، كلاهما لا يمكن القضاء تماماً عليه، ولكن يمكن الحد منه بدرجات متفاوتة، وفقاً للظروف المحايثة. وبالنسبة للتكفير، يمكن الحد منه إلى درجة كبيرة، وذلك بنقله من دائرة المشروع دينياً، إلى دائرة المُجرّم دينياً وقانونياً. فهناك فرق كبير بين أن يوجد التكفير، ويكون محل تقدير واحترام، ويكون لمُروّجيه مكانة معتبرة اجتماعياً، وبين أن يوجد، ولكنه محل تحقير ونبذ وتجريم، وليس لمُروّجيه إلا النبذ والتجريم الاجتماعي والقانوني. ولك أن تتخيل كيف سيكون الوضع إيجابياً؛ فيما لو كان (الواعظ التكفيري) منبوذاً ومحتقراً في نظر المجتمع كله، بنفس الدرجة التي يكون فيها (مروّج المخدرات) منبوذاً ومحتقراً !. لا شك، في مثل هذه الحال، لن تجد إرهابياً يفتخر بفعله الإرهابي (فأنت لا تجد مروّج مخدرات يفتخر بفعله)، ولن تجد وَسَطاً اجتماعياً حاضناً ينظر إلى الإرهابي بعين العطف والإشفاق؛ إن لم يكن بعين التأييد الذي قد ينتهي بمنحه بعض صفات الأبطال.

نصل هنا إلى المسألة الأهم، وهي أن ما يجعل التكفيري لا يتلبس بذات العيب الاجتماعي (الذي يتلبس به تاجر المخدرات مثلاً)، هو أن الرؤية العامة للتكفير تسرّبت إلى وعي كثيرين، شعروا أم لم يشعروا. بمعنى أن كثيرين أصابتهم عدوى مقولات التكفير دون أن يكونوا على وعي بأنهم أصبحوا مُصابين بها. وبالتالي، فإذا ما ظهر التكفير من أحد، فلن تنفر منه أنفسهم بالدرجة الكافية؛ فما بالك إذا ما ظهر من واعظ يتلبس بالدين ؟!.

كثيرون يظنون أنهم بمنأى عن عدوى التكفير، مع أنهم خاضعون تماماً لمنطق المنظومات العقائدية التي تتأسس – أصلاً – على التكفير. لقد نجح الخطاب التكفيري في صنع (تكفير) متعدد الموجات/ المستويات، وكل موجة تدعم أختها بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي تقديري أن هذا الخطاب أنتج لنا إرهابيين على النحو التالي:

1 الإرهابي المتسامح مع التكفير/ الإرهاب. وهذا قد لا يكون مقتنعاً بمقولات التكفير، إلا أنه لطوال تواصله مع وُعّظها، وفي ظل تحصينها ضد النقد الذي يكشف عيوبها، لم يعد يرى فيها كبير خطر. بل هو – في أحسن الأحوال – يعدها اختيارات دينية لأناس مُتشددين من حقهم أن يشددوا !.

2 الإرهابي المقتنع بالتكفير/ الإرهاب. وهذا يعتقد اعتقاداً جازماً بصوابية الرؤى التكفيرية، ويرى أنها تُعبّر عن صحيح الإسلام. لكنه يكتفي بهذا الاعتقاد، ولا يتجاوزه إلى أي فعل قولي أو عملي.

3 الإرهابي المؤيد فكرياً للتكفير/ الإرهاب. وهذا وإن كان يكتفي بالتأييد الفكري، إلا أنه يخلق حالة فكرية/ نفسية في محيطه، ترى أن التكفير هو الصواب، وأن الإرهابيين مُناضلين في سبيل تحقيق صحيح الإسلام.

4 الإرهابي الداعم مادياً ومعنوياً للتكفير/ الإرهاب. هذا يساهم مساهمة فعلية في نشر فكر التكفير/ الإرهاب، إما بنفسه؛ إن كان واعظاً، أو بنشر إنتاج الوعاظ التكفيريين. وقد يكون الدعم بالتواصل مع وسائل الإعلام المتطرفة، ودعمها بالمال أو بالرجال. بل وقد يتواصل مع الإرهابيين مباشرة، ويقدم لهم كثيراً من أشكال الدعم المادي والمعنوي.

5 الإرهابي المستعد للتضحية بنفسه في سبيل التكفير/ الإرهاب. وهذا المستوى الأخير، وهو ما نراه في أولئك الملتحقين بداعش أو بالنصرة مثلاً، كما نراه في الذين يُفجّرون أنفسهم داخل مجتمعاتنا.

الحقيقة التي يجب أن نكون واعين بها تمام الوعي، أن هؤلاء كلهم إرهابيون، ولكن بدرجات متفاوتة. عندما نعي هذه الحقيقة؛ ندرك حجم المشكلة، ومن ثم نرى، وبوضوح، أن المتطرفين نجحوا في جعل كثير منا لا يرى الإرهابي إرهابياً إلا إذا وصل إلى المستوى الخامس/ الأخير. بل ومن جرّاء هذا الالتباس؛ بتنا نرى ونسمع المتطرفين يُصرّحون بكل صلف وتبجّح ببراءة التكفير من الإرهاب، زاعمين أن تأثير التراث التكفيري ضئيل، وأن دوره محدود في انتشار الإرهاب. وهم في هذا يُحاولون أن يشدّوا أنظارنا إلى الإرهابي رقم (5) فقط، لنتعامى عن بقية الإرهابيين (1،2،3،4) الذين هم الأرضية التي يقف الإرهاب عليها. وللأسف، نجحوا في ذلك إلى حد كبير.

إذاً، بما أن المتطرفين نجحوا في أن يجعلونا لا نرى الإرهابي إلا في صورته الأخيرة/ الخطيرة، فقد حق لهم أن يزعموا براءة منظومتهم التكفيرية من الإرهاب. هم يقولون لنا صراحة: إن المنظومة التكفيرية ليست مسؤولة عن سلوكيات بضعة أفراد، وأن كثيرين تتلمذوا عليها، وآمنوا بها، ولكنهم لم يُصبحوا إرهابيين. وهم يقصدون بهذا، أنهم لم يصلوا إلى المستوى رقم (5)،وبالتالي – وفق حصرهم الإرهاب في مستواه الأخير – لم يسهموا في إنتاج حالة الإرهاب.

لو كان (وباء التكفير) لا يكون خطيراً حتى يتساقط الجميع من جراء العدوى به؛ لوجب أن لا تُعد (الأوبئة) خطراً حتى يتساقط الجميع من جرّاء العدوى بها. إننا نحارب فيروس كرونا مثلاً، مع أنه لم يقتل إلا العشرات، أي أقل بكثير مما قتل الإرهاب. ومع هذا لم نقل إن فيروس كورنا ليس خطيراً؛ لأن كثيرين تعرضوا له فلم يقتلهم في الحال. أيضاً، نحن نمنع المخدرات ونحاربها، مع أنها لو كانت غير ممنوعة فلن يتعاطاها أكثر من 1% على أكثر تقدير، ولكن هذه النسبة مع ضىآلتها ستكون مدمرة للمجتمع. كذلك (وباء التكفير)، لا ننتظر حتى يتساقط الألوف (أي حتى يصلوا المرحلة الأخيرة منه:5) حتى نقتنع بخطره، ولا ينفي خطرَه أن هناك من تعرّض له؛ فلم يفتك به لدرجة القتل، بل يجب علينا إعلان الحرب عليه بمجرد إدراكنا أنه وباء قاتل.
 

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
و هذا تعليق أحد السودانيين على هذه المقالات الثلاثة:

جزيل الشكر عزيزنا د.ياسر على إشراكنا في التعرف على هذا الكاتب ونشكر معك أخاك وصديقك الذي لفت نظرك إليه توقفت عند ربط الكاتب لـ ( فترة المراهقة ) واستغلالها بواسطة الدعاة لـ ( تثبيت ) أفكارهم ( الجديدة ) في عقول النشئ اللدن ذكرني هذا الربط بنقاش دار بيني والأخ الصديق دكتور حيدر بدوي صادق قبل ما يزيد على العشر سنوات إذ كان د. حيدر يتحدث ( مفتخراً ) أنه قد التزم الفكرة الجمهورية وهو إبن السابعة عشر ، فكان رأيي يومها أن مصدر فخره هذا قد يكون أضعف حلقة في إنتمائه للفكرة الجمهورية ، إذ كان الأمر بالنسبة لي أن المرؤ في تلك السن ليس مؤهلاً معلوماتياً وسلوكياً لاتخاذ قرار بخطورة الإنتماء لفكرة إما أن تقوده للجنة أو تقوده للنار .ولعلي أفصل هنا أن لفظ ( سلوكياً ) المقصود بها سلوكاً ( تعبدياً ) ، فقد رأينا الأستاذ محمود محمد طه يرفض إجتهاد الدكتور مصطفى محمود لفهمه العصري للقرآن رأيناه يرفضه بسبب عدم وجود قدم راسخة للدكتور مصطفى محمود في ( التصوف ) - حسب زعم الأستاذ محمود - ، وقياساً عليها فأنى لـ ( مراهق ) أن يمتلك قدماً راسخة في تصوف ؟؟؟؟ وللأمانة وعندما تحدث د.حيدر ولاحت لى الفكرة وجدت ذاكرتي تستحضر ( كماً ) من الأصدقاء والأخوات ( المراهقين والمراهقات ) الذين جذبهم ( بريق ) فكرة جديدة دون ( التبحر ) في القديم الذي قامت الفكرة الجديدة لتحل محله. إذاً لم يكن د. حيدر في شخصه هو المقصود بكلامي ذاك إنما كان ( عينة ) أوجدتها تلك اللحظة لا أريد هنا أن أثبت شيئاً لكن ذكرني هذا الكاتب بذاك النقاش أو كما يقولون ( الشئ بالشئ يذكر )

.....و هذا تعليق على التعليق أعلاه:
سلامات ياسر وعاطف .. النقطة الأشار ليها الأخ عاطف .. تكاد تكون ظاهرة في استراتيجيات التنظيمات الفكرية في السودان.. لا أعرف أيهما الأسبق في تسكين ظاهرة تجنيد الشباب من مرحلة مبكرة .. الإسلاميون أم اليسار؟ فضلا عن ملاحظات تكونت لدي بمراى العين .. لم أكن أفهمها في وقتها .. اصتياد وتجنيد الشباب الذين تعرضوا لانحرافات سلوكية مبكرة .. سكر ، دخان ، الباقي عارفنو.
 

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
هناك سلسلة مقالات لمحمد علي المحمود عن دولة إيران، أبدؤها بهذا المقال الذي كان بتاريخ 22 يناير 2015 في جريدة الرياض. ـــــــــــ الخميس 2 ربيع الآخر 1436 هـ - 22 يناير 2015م - العدد 17013, صفحة رقم ( 29 )
.............
إيران أو ديمقراطية رجال الدين
مـحـمـد بن علي الـمـحـمـود
إن ديمقراطية رجال الدين في إيران هي صورة واقعية/ تطبيقية لأفضل ما يمكن أن تصل إليه الأصوليات التي تنادي – الآن – بالديمقراطية في العالم العربي. حكومة رجال الدين في إيران هي أجمل الأحلام التي تُراود خيال حاملي أختام الأصوليات الماضوية كنا قد تحدثنا عن محورية الثقافة الديمقراطية في المسار الديمقراطي قبل أسبوعين، وذلك في مقالنا: (العالم العربي والحلم الديمقراطي)، الذي أوضحنا فيه أن محاولة استنبات الديمقراطية في مجتمعات لا تزال المنظومة الدينية التقليدية مُتجذرة في وعي أبنائها، لا بد وأن تنتهي – كمحاولة؛ ربما تكون صادقة من حيث أصالة الباعث/ صدق النوايا - إلى ديمقراطية تلفيقية ذات جوهر استبدادي، كما الحال في ديمقراطية رجال الدين في إيران. إن ديمقراطية رجال الدين في إيران هي صورة واقعية/ تطبيقية لأفضل ما يمكن أن تصل إليه الأصوليات التي تنادي – الآن – بالديمقراطية في العالم العربي. حكومة رجال الدين في إيران هي أجمل الأحلام التي تُراود خيال حاملي أختام الأصوليات الماضوية. ومن هنا، فلا وجه للتساؤل عن طبيعة الحكم الذي سوف يُطبّقه المتأسلمون فيما لو وصلوا إلى مفاصل السلطة في أي بلد في العالم العربي، فالنموذج موجود هناك، في إيران. وهو نموذج واقعي، نموذج حي، نموذج ناطق بكل ما يمكن أن يكون مثالاً للتطرف والتخلف والاستبداد والانغلاق الإيديولوجي المقيت. أبداً؛ لا يمكن أن ينتهي التَّدين الكهنوتي إلى الحرية في أي مسار من مساراته، ولا حتى في مساره التجديدي؛ ما لم يُمارس نقداً عميقاً وجذرياً لمكوناته التراثية. المجتمع العربي؛ كما المجتمع الإيراني، تحكمه حالة تديّن تقليدي لا تؤمن بالحرية الفردية؛ مع أنها – كحالة تدين متعصرنة - طالما رفعت شعاراتها. وحيث لا ديمقراطية بلا حرية حقيقية تؤمن بأصالة الفرد (إلا أن تكون وَهْم ديمقراطية !) فإن التأسيس لتصورات الحرية يأتي أولاً؛ قبل أي تشكل ديمقراطي في الواقع. أي أننا، وقبل بناء المؤسسات الديمقراطية، لا بد من أن نقوم بتفكيك بُنية الاستبداد من جذورها، من أعمق أعماقها التاريخية، لابد من تشريح تلك البنية الراسخة التي تقوم الكهنوتيات الدينية بحمايتها ورعايتها وتنميتها بواسطة سدنتها الذين هم سدنة الماضوية في واقعنا: رجال الدين. كتب أليكس دي توكفيل يقول: "أدركت وجود هذا التطلّع نحو الاستبداد لدى كثير من الكاثوليك، هذا الإغراء والانجذاب نحو العبودية، هذا الميل نحو القوة، نحو القمع، نحو الرقابة والولع بأدوات التعذيب" (سوسيولوجيا الدين، دانيال هيرفيه ليجيه ص53). ولهذا السبب، كانت الأقطار التي تهيمن الكاثوليكية على وعي جماهيرها، كما هو الحال في أسبانيا وأمريكا اللاتينية، هي آخر المجتمعات الغربية دخولاً في العالم الديمقراطي؛ لأن بُنية التصورات العامة كانت مشدودة إلى العلاقات الجماعية/ الشمولية التي تلغي الفرد لصالح الفكرة العامة/ الجامعة. وبالتالي، كان لا بد وأن تنزع الذهنيات المبنية على هذه التصورات إلى تعمد العنف المعنوي (= جميع أشكال الرقابة والتوجيه)، والمادي (= العقوبات القاسية) في محاولاتها تأطير كلّ شرائح المجتمع وفق ما تراه حقا/ حقيقة لا تقبل الجدال. طبعاً، أنا هنا لا أتحدث عن آراء جزئية قد توُجد في التراث، وقد تكون داعمة للحرية وللديمقراطية في بعض مبادئها التفصيلية، بل أتحدث عن حالة التَّدين التي توجد عند السلفيات/ الأصوليات السنية والشيعية، والتي تتماهى الغالبية العظمى من الجماهير معها. هذه الحالة الماضوية من التدين هي حالة تحمل في عمقها كل أوجه التضاد والتنافر، بل والعداء الصريح أحياناً، مع كل مبادئ الديمقراطية. ولهذا، عندما نتحدث هنا عن التّدين فإننا لا نقصد به ذلك التدين الأصيل القائم على تحرير الإنسان من علاقات التطويع المعنوية والمادية (كما هو أصل الدين، بلا رجال دين)، وإنما نقصد به هذا التدين الماضوي الجامد الذي يقوم على سدانته المنتفعون به مادياً أو معنوياً. هذا التدين السلبي الذي شوّه وجه الدين، ونقله من أصله التحرري إلى تثبيته كفضاء للاستبداد المعنوي الذي يقود – بالضرورة – إلى الاستبداد المادي؛ حتى أصبح من غير المستنكر أن يقول عنه موريس هالبواش: "الدين بحكم طبيعته كعلاقة مع الماضي، مُكرّس للانغلاق والثبات على حالة جمودية منتزعة من التاريخ". لا يستطيع المتدين الذي تكوّن وعيه بفعل تراث مضاد لمبادئ الديمقراطية أن يكون ديمقراطياً؛ حتى لو أراد. يذكر نبيل عبدالفتاح في كتابه (النخبة والثورة ص392) أن الإخوان رفعوا شعار: "مشاركة لا مغالبة" في سعيهم لطمأنة القوى السياسية والحزبية والأقباط قبل الانتفاضة الشعبية في 25يناير وبعدها. لكن، وبعد الوصول إلى السلطة، ودخول المعترك السياسي من موقع الشراكة الفعلية، تنكروا لهذا الشعار، وانتهوا إلى تهميش الجميع، حتى همشوا حلفاءهم السلفيين؛ لينتفض عليهم الشعب بعد ذلك، لا غضباً من الفشل فحسب، وإنما من الفشل ومن الاستبداد. يجب ألا نغتر بالشكلانية الديمقراطية، ولا بالشعارات التحررية التي يرفعها الأصوليون، حتى لو حلف الأصوليون عليها بأغلظ الأيمان؛ فما يحركهم هو التراث الزاخر بمضامين تنتمي إلى أدبيات الدولة السلطانية القمعية، أو إلى دولة الخلافة الاستبدادية، حيث الاختلاف الكبير مع مضامين الدولة الحديثة التي تتأسس على مفهوم المواطنة المدنية المجردة من كل علائق الانتماءات الروحانية، والمرتبطة بالدولة القطرية التي تحكمها الجغرفيا السياسية قبل أي شيء آخر. يذكر توماس هيغهامر، أحد أهم المتخصصين في دراسة الحركات الأصولية المتطرفة أن سيد قطب ومحمد عبدالسلام فرج كثيراً ما ستشهدا بابن تيمية لتأسيس رؤاهما الأصولية ذات البعد الاحترابي/ العنفي.(السلفية والعالم ص356). ونحن إذا عرفنا أن المرشد الإيراني/ القائد الحالي: علي خامنئي هو أهم مترجم لأعمال سيد قطب إلى الفارسية؛ استطعنا أن نفهم طبيعة هذا التشدد الإيديولوجي الذي يحكم مؤسسات صنع القرار في إيران. وأنا هنا لا أقول بأن التصورات القطبية هي التي صنعت عالمي الأصولي الانغلاقي، فالانغلاق في السلفية الشيعية موجود قبل سيد قطب وبعده، وإنما أقصد أن هذه الترجمة تُوحي بالتوافق في التصورات العامة، حيث لم ينشأ الإعجاب من فراغ. من المهم هنا التأكيد على مفارقة دالّة، مفارقة تتضح معالمها عندما ندرك أن سيد قطب ليس هو – وحده - الحاضر في وعي الولي الفقيه الإيراني، بل إن ابن تيمية (بتصوراته الكلية، لا بتراثه الاحترابي مع الشيعة) يحضر بقوة، ولكن عبر سيد قطب، الوسيط السني الأصولي المتطرف على مستوى الأسلمة العامة، والذي لا بد وأن يثير إعجاب كل الأصوليين؛ لأن الأصوليات يأخذ بعضها برقاب بعض، وتتضافر – في خطوطها الرئيسة - على صناعة الاستبداد والعنف؛ حتى وإن اختلفت المحتويات المضامينية؛ لأن جوهرها – في العمق – واحد؛ وطبيعتها واحدة؛ مهما اختلفت المذاهب لاهوتيا، ومهما تصارعت التيارات سياسياً. لا أحد يخرج من وعيه، خاصة عندما يكون وعياً تأسس على مدى عشرات السنين. الخميني وإن كان سياسياً في ثوب فقيه، هو رجل دين تراثي في النهاية. الخميني قبل الثورة كان يُنظّر للحكومة الإسلامية كما يتصورها. دهاء الخميني يختلف عن غباء الإخوان. لهذا، نجح الخميني في إقامة ديمقراطية رجال الدين الاستبدادية، بينما انتهى الإخوان منبوذين من الشعب، ومطاردين من القوى السياسية، ومن القوى الفعلية، ومن الجيش تحديداً. طبعا، الخميني لم يؤسس لدولته الاستبدادية بضربة واحدة، حتى بعد انتصار الثورة. لقد كان من ذكاء الخميني - أو من خداعه - أنه تجنّب الحديث عن ولاية الفقيه وطبيعتها بعد سقوط الشاه مباشرة، مع أن الولاية كانت حاضرة في ذهنه على الدوام. ربما لم يكن ذكاء من الخميني؛ بقدر ما كان غباء/ جهلاً من التيارات الليبرالية واليسارية والقومية التي ناصرت الخميني في البداية، ولم تستوعب جوهر الرؤية الدينية التي تحكم كل الأصوليين. وبهذا استثمر الخميني جهل/ غباء هؤلاء المناصرين من غير الإسلاميين، وعمد في الأشهر الأولى من الثورة إلى تمكين رجال الدين على حساب بقية التيارات المدنية التي ناصرته؛ وهي تظن أنها تدعم أحد الرموز الثورية التي طالما ناضلت ضد الاستبداد، معتقدة أن النضال ضد الاستبداد يمنح المرء حصانة أن يكون من المستبدين. لا ننكر أن الثورة الإيرانية لم تكن لتنجح من دون قيادة كارزمية قادرة على التحكم في مشاعر الملايين، ومن ثم في تصرفاتهم وخياراتهم المصيرية. لكن، ربما لم تكن الأحلام الديمقراطية لتتحطم على ذلك النحو المأساوي؛ لو كانت التيارات المدنية على وعي بجوهر الرؤية الدينية التقليدية التي تحكمها الحقيقة الوحيدة المطلقة، ومن ثم، المؤسسة للاستبداد المطلق في نهاية المطاف. استخدم الخميني أسلوباً متدرجاً في التأسيس لجمهورية ولاية الفقيه. وكما قلنا، لاذ الخميني بالصمت، ولم يتحدث بصراحة عن موقع وصلاحيات الولي الفقيه في الجمهورية الناشئة؛ حتى لا يثير غضب بقية الثائرين الحالمين بديمقراطية حقيقية، أي ديمقراطية ليبرالية. ربما أفصح – إلى حد ما - عن تصور سلطوي عندما قام بتسمية مهدي بازركان رئيسا للوزراء، حيث قال الخميني: " قمت بمقتضى الولاية(السلطة) التي منحت إلي من قبل ’’المشرع المقدس’’ بتعيينه" وأصبحت إطاعته واجبة" (إيران بين ثورتين ص124،125). هنا نجد الخميني قد عدّ نفسه صاحب سلطة لاختيار مهدي بازركان. لقد تمرحلت الرؤية الخمينية المؤسسة لولاية الفقيه منذ طرحه الأولي في (كشف الأسرار) إلى آخر رسائله في توجيه المؤسسات السياسة الإيرانية. حتى بعد انتصار الثورة؛ لم تظهر ولاية الفقيه المطلقة كمبدأ سياسي صريح إلا في مرحلة متأخرة من حياة الخميني. (يتبع)
 

طبيب العقول

قلم ماسي
التسجيل
8 نوفمبر 2011
المشاركات
16,522
الإعجابات
6,398
(بقية المقال أعلاه)
لم يكن يستطيع فرض الولاية المطلقة في البدايات الأولى للثورة؛ خاصة وأن أحلام الحرية لا تزال غضة، وحيث لم تكن إكراهات الحرب العراقية – الإيرانية قد فرضت نفسها على كثير من الخيارات التحررية. أيضاً، لم تكن العقبة التي تحول دون فرض الولاية المطلقة محصورة في التيارات المدنية الممانعة ضد الاستبداد الديني فحسب، بل كانت هناك ممانعة دينية قوية في أوساط رجال الدين لمثل هذه الولاية المطلقة التي تمنح للولي الفقيه ما للإمام من صلاحيات الحكم، وبهذا تكون اعتداء صارخاً على حق الإمام. في السنة الأخيرة من حياة الخميني تم وضع النقاط على الحروف فيما يخص ولاية الفقيه المطلقة، التي اصطدمت برؤية آية الله منتظري الذي لم يرَ هذه الولاية المطلقة. الخميني كان صريحاً وحاسماً في التأسيس للولاية المطلقة، خاصة في نص رسالته التي بعث بها إلى المرشد الحالي: خامنئي/ رئيس الحكومة آنذاك. يقول الخميني في تلك الرسالة: "لا بد أن أوضح أن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله (ص) المطلقة، وواحدة من الأحكام الإلهية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج". بل ويقول ما هو أشد دلالة من هذا: "تمثل معارضة ولاية الفقيه إنكاراً (محاولة لرفض) للأئمة والإسلام". (إيران بين ثورتين ص63، وص127). وهنا نرى كيف أصبح الاعتراض على ولاية الفقيه اعتراضاً على الإسلام ذاته (نَفَس تكفيري/ استبدادي واضح للمعارض)، وكيف أصبحت حكومة رجال الدين من الأحكام الإلهية التي تتجاوز أهميتها وأصالتها أركان الإسلام؟ بناء على هذا التصور لموقع ولاية الفقيه من الدين، تمت صياغة الدستور الإيراني ليحتل الولي الفقيه منه موقعاً يجعله مهيمناً على كل أوجه النشاط السياسي، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر. أما المجالس المنتخبة (مجلس الخبراء، مجلس الشورى، مجلس صيانة الدستور، مجلس تشخيص مصلحة النظام) التي توحي بشيء من الديمقراطية فهي مجرد أدوات لإضفاء صفة المشروعية الشعبية عليها. ولهذا، لم يرَ لاري ريموند في هذا النظام إلا صورة لنظام الاتحاد السوفياتي البائد. يقول ريموند: "ويشبه النظام الثوري الإيراني في عدة جوانب، النظام الثوري الطوباوي الذي أطيح به من الداخل في الثمانينيات، أولاً وهو الاتحاد السوفياتي" (روح الديمقراطية ص430). إذاً، كما كانت الإيديولوجيا الشمولية التي تبناها الاتحاد السوفياتي قادرة على تفريغ كل المؤسسات الحاكمة من محتواها الديمقراطي، كانت الإيديلوجيا الأصولية لرجال الدين في إيران قادرة على أن تفعل الشيء ذاته. وطبيعي أن حال رجال الدين في إيران هو حال رجال الدين في كل مكان. ومن هنا، فأي نظام ديمقراطي يصنعه الأصوليون على أعينهم لن يكون مختلفاً عن النظام الإيراني، ولا عن النظام السوفياتي البائد. إن التراث الذي يستمد منه رجال الدين تصوراتهم لا يتضمن الرؤى الاستبدادية فحسب، بل هو يتنكر لأهم مبادئ الدولة الحديثة/ دولة المواطنة. إن الوطن الأولي وطن عابر للحدود، أو هو وطن فوق الحدود. وهذا ما نراه واضحاً في السياسة الفيرانية. يقول نبيل العتوم: "يعتبر الدستور الإيراني العالم الإسلامي دولة واحدة، حيث يؤكد بأن’’ المسلمين أمة واحدة من دون الناس’’. (إيران بين ثورتين161). هذا التصور المثبت في الدستور لا بد وأن يثير كثيراً من الارتباك في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية الإيرانية، كما وأنه سيثير مخاوف الآخرين الذين سيستريبون في نص دستوري يخترق حدودهم بلا قيود!
 

Hungry Lion

قلم ذهبي
التسجيل
18 أغسطس 2016
المشاركات
8,306
الإعجابات
4,091
لو متدينين كان تلاقي الملك في ثوبه 450 رقعه وفي رصيده 60 تلريون ريال