مما يحتاج لمعرفته المسلم

    الكاتب: ابوعاهد     التعقيبات : 1   المشاهدات : 1085
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
#1

ابوعاهد

عبدالله حسين السوادي
مشرف سابق
التسجيل
Nov 28, 2000
المشاركات
10,212
الإعجابات
15
البر: ‏هو من أسباب الألفة فلأنه يوصل إلى القلوب ألطافا ‏,‏ ويثنيها محبة وانعطافا ‏.‏ ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به وقرنه بالتقوى له فقال ‏:‏ ‏{‏ وتعاونوا على البر والتقوى ‏}‏ ‏
‏لأن في ‏ ‏ التقوى رضى الله تعالى ‏,‏ وفي البر رضى الناس ‏.‏ ومن جمع بين رضى الله تعالى ورضى الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته ‏.‏ وروى الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود قال ‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏:‏ ‏{‏ جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ‏,‏ وبغض من أساء إليها ‏}‏ ‏.‏ ‏
‏وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داود ‏-‏ على نبينا وعليه السلام ‏-‏ ‏:‏ ذكر عبادي إحساني إليهم ليحبوني فإنهم لا يحبون إلا من أحسن إليهم ‏0

والبر نوعان ‏:‏ صلة ومعروف ‏.‏ فأما الصلة ‏:‏ فهي التبرع ببذل المال في الجهات المحمودة لغير عوض مطلوب ‏.‏ وهذا يبعث عليه سماحة النفس وسخاؤها ‏,‏ ويمنع منه شحها وإباؤها ‏.‏ قال الله تعالى ‏:‏ ‏
{‏ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ‏}‏ ‏
‏وروى محمد بن إبراهيم التيمي ‏,‏ عن عروة بن الزبير ‏,‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ‏{‏ السخي قريب من الله عز وجل ‏,‏ قريب من الجنة ‏,‏ قريب من الناس ‏,‏ بعيد من النار ‏,‏ والبخيل بعيد من الله عز وجل ‏,‏ بعيد من الجنة ‏,‏ بعيد من الناس ‏,‏ قريب من النار ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏‏{‏ وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ‏:‏ رفع الله عن أبيك العذاب الشديد لسخائه ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏ وبلغه صلى الله عليه وسلم عن الزبير إمساك فجذب عمامته إليه وقال ‏:‏ يا زبير أنا رسول الله إليك وإلى غيرك يقول أنفق أنفق عليك ولا توك فأوك عليك ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏وروى أبو الدرداء قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏ ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وملكان يناديان ‏:‏ اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا ‏}‏ ‏.‏ وأنزل في ذلك القرآن ‏:‏
‏{‏ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني من أعطى فيما أمر واتقى فيما حظر وصدق بالحسنى يعني بالخلف من عطائه ‏.‏ ‏

‏فعند هذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ‏:‏ لسادات الناس ‏:‏ في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء ‏.‏ وقيل في منثور الحكم ‏:‏ الجود عن موجود ‏.‏ ‏

‏وقيل في المثل ‏:‏ سؤدد بلا جود ‏,‏ كملك بلا جنود ‏.‏ وقال بعض الحكماء ‏:‏ الجود حارس الأعراض ‏.‏ وقال بعض الأدباء ‏:‏ من جاد ساد ‏,‏ ومن أضعف ازداد ‏.‏ وقال بعض الفصحاء ‏:‏ جود الرجل يحببه إلى أضداده ‏,‏ وبخله يبغضه إلى أولاده ‏.‏ وقال بعض الفصحاء ‏:‏ خير الأموال ما استرق حرا ‏,‏ وخير الأعمال ما استحق شكرا ‏.‏ ‏

وحد السخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة ‏,‏ وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة وتدبير ذلك مستصعب ‏,‏ ولعل بعض من يحب أن ينسب إلى الكرم ينكر حد السخاء ‏,‏ ويجعل تقدير العطية فيه نوعا من البخل ‏,‏ وأن الجود بذل الموجود ‏,‏ وهذا تكلف يفضي إلى الجهل بحدود الفضائل ‏.‏ ولو كان الجود بذل الموجود لما كان للسرف موضع ولا للتبذير موقع ‏.‏ ‏

‏وقد ورد الكتاب بذمهما وجاءت السنة بالنهي عنهما ‏.‏ وإذا كان السخاء محدودا فمن وقف على حده سمي كريما وكان للحمد مستحقا ‏,‏ ومن قصر عنه بخيلا وكان ‏ للذم مستوجبا ‏.‏ وقد قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ‏}‏ ‏
‏وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ‏{‏ أقسم الله بعزته لا يجاوره بخيل ‏}‏ ‏.‏ وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ‏{‏ طعام الجواد دواء ‏,‏ وطعام البخيل داء ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏ وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول ‏:‏ الشحيح أعذر من الظالم ‏,‏ فقال ‏:‏ *** الله الشحيح ولعن الظالم ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏وقال بعض الحكماء ‏:‏ البخل جلباب المسكنة ‏.‏ وقال بعض الأدباء ‏:‏ البخيل ليس له خليل ‏.‏ وقال بعض البلغاء ‏:‏ البخيل حارس نعمته ‏,‏ وخازن ورثته ‏.‏ ‏


‏وقد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة ‏,‏ وإن كان ذريعة إلى كل مذمة ‏,‏ أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي ‏:‏ الحرص والشره وسوء الظن ‏ ومنع الحقوق ‏.‏ فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الطلب ‏.‏ وأما الشره فهو استقلال الكفاية ‏,‏ والاستكثار لغير حاجة ‏,‏ وهذا فرق ما بين الحرص والشره ‏.‏ ‏

‏وقد روى العلاء بن جرير عن أبيه عن سالم بن مسروق قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏{‏ من لا يجزيه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما يغنيه ‏}‏ ‏.‏ وقال بعض الحكماء ‏:‏ الشره من غرائز اللؤم ‏.‏ وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل ‏,‏ فإن كان بالخالق كان شكا يئول إلى ضلال ‏,‏ وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا ‏,‏ لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه ‏,‏ فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره ‏,‏ وإن رأى فيها سوءا اعتقده في الناس ‏.‏ ‏

‏وقد قيل في المثل كل إناء ينضح بما فيه ‏.‏ فإن قيل قد تقدم من قول الحكماء أن الحزم سوء الظن قيل تأويله قلة الاسترسال إليهم لا اعتقاد السوء فيهم ‏.‏ ‏

‏وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق محبوبها ‏.‏ ولا تنقاد إلى ترك مطلوبها ‏,‏ فلا تذعن لحق ولا تجيب إلى إنصاف ‏.‏ وإذا آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة ‏,‏ والشيم اللئيمة ‏,‏ لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول ‏.‏ ‏

‏وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ‏{‏ قال للأنصار ‏:‏ من سيدكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ الحر بن قيس على بخل فيه ‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ وأي داء أدوأ من البخل ‏؟‏ قالوا ‏:‏ وكيف ذاك يا رسول الله ‏؟‏ فقال صلى الله عليه وسلم ‏:‏ إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم ‏,‏ فقالوا ‏:‏ ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء ‏,‏ وتعتذر النساء ببعد الرجال ‏,‏ ففعلوا وطال ذلك بهم فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏وأما السرف والتبذير فإن من زاد على حد السخاء فهو مسرف ومبذر ‏,‏ وهو بالذم جدير ‏.‏ وقد قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏ ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ‏}‏ ‏
‏وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ ‏{‏ ما عال من اقتصد ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏وقد قال المأمون رحمه الله ‏:‏ لا خير في السرف ولا سرف ‏ ‏ في الخير ‏.‏ وقال بعض الحكماء ‏:‏ صديق الرجل قصده ‏,‏ وسرفه عدوه ‏.‏ وقال بعض البلغاء ‏:‏ لا كثير مع إسراف ولا قليل مع احتراف ‏.‏ واعلم أن السرف والتبذير قد يفترق معناهما ‏.‏ فالسرف ‏:‏ هو الجهل بمقادير الحقوق ‏,‏ والتبذير ‏:‏ هو الجهل بمواقع الحقوق ‏.‏ وكلاهما مذموم ‏,‏ وذم التبذير أعظم ‏;‏ لأن المسرف يخطئ في الزيادة ‏,‏ والمبذر يخطئ في الجهل ‏.‏ ومن جهل مواقع الحقوق ومقاديرها بماله وأخطأها ‏,‏ فهو كمن جهلها بفعاله فتعداها وكما أنه بتبذيره قد يضع الشيء في غير موضعه ‏,‏ فهكذا قد يعدل به عن موضعه ‏;‏ لأن المال أقل من أن يوضع في كل موضع من حق وغير حق ‏.‏ ‏

‏وقد قال احد المتقدمين ‏:‏ كل سرف فبإزائه حق مضيع ‏.‏ وقال بعض الحكماء ‏:‏ الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي واحد ‏.‏ وقال سفيان الثوري رضي الله عنه ‏:‏ الحلال لا يحتمل السرف ‏,‏ وليس يتم السخاء ببذل ما في يده حتى تسخو نفسه عما بيد غيره فلا يميل إلى طلب ولا يكف عن بذل ‏.‏ وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم الخليل ‏-‏ على نبينا وعليه السلام ‏-‏ ‏:‏ أتدري لم اتخذتك خليلا ‏؟‏ قال ‏:
‏ لا يا رب ‏.‏ ‏

‏قال ‏:‏ لأني رأيتك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ ‏.‏ وروى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال ‏:‏ ‏{‏ أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ يا رسول الله مرني بعمل يحبني الله عليه ويحبني الناس ‏.‏ فقال ‏:‏ ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ‏}‏ ‏.‏ وقال أيوب السختياني ‏:‏ لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان ‏:‏ العفة عن أموال الناس ‏,‏ والتجاوز عنهم ‏.‏ ‏

‏وقيل لسفيان ‏:‏ ما الزهد في الدنيا ‏؟‏ قال ‏:‏ الزهد في الناس ‏.‏ وكتب كسرى إلى ابنه هرمز ‏:‏ يا بني استقل الكثير مما تعطي ‏,‏ واستكثر القليل مما تأخذ ‏,‏ فإن قرة عيون الكرام في الإعطاء وسرور اللئام في الأخذ ‏,‏ ولا تعد الشحيح أمينا ولا الكذاب حرا فإنه لا عفة مع الشح ولا مروءة مع الكذب ‏.‏ وقال بعض الحكماء ‏:‏ السخاء سخاءان ‏:‏ أشرفهما سخاؤك عما بيد غيرك ‏.‏ وقال بعض البلغاء ‏:‏ السخاء أن تكون بمالك متبرعا وعن مال غيرك متورعا ‏.‏ وقال بعض الصلحاء ‏:‏ الجود غاية الزهد ‏,‏ والزهد غاية الجود ‏.

والله ولي الهداية والتوفيق
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى أسفل