المغالاة في كتب الصحيحين

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

نيغروبونتي

عضو فعال
التسجيل
27 مايو 2005
المشاركات
538
الإعجابات
0
المغالاة في الصحيحين : قال علماء العامة في الصحيحين وفي تصحيحهم وتوثيقهم لجميع أحاديثهما وتعديل مؤلفيهما من المدائح والإطراء كثيرا ، وأطنبوا في ذلك حتى بلغ بهم مبلغ الغلو والإفراط فيهما ، وكان نصيب البخاري من هذه المدائح والإطراءات أكثر من مسلم .


فتارة تراهم يبعثون سلام وتحية النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى البخاري وتارة أخرى يقصون الرؤى والأحلام في شأن صحيحه وينسبون إليه وإلى مسلم وصحيحيهما شتى الكرامات الفاضلة حتى أن بلغ الأمر بهم أن قالوا : إن رسول الله أيد صحة كتابيهما وأمضاهما .


ولكن الواقع أن هذه المنسوبات والكرامات ، المدائح والإطراءات والمغالاة بحقهما لا تتوافق مع متن الصحيحين وأسلوب مؤلفيهما فيهما ، كما سيتضح لك هذا الأمر خلال هذا البحث بالتفصيل .


فقبل أن نقوم بالتحقيق في الكتابين نورد بعض هذه الأقوال والمدائح التي قيلت بشأنهما كنماذج وأمثلة : قال الچلبي : أما الكتب المصنفة في علم الحديث فأكثر من أن تحصى ، إلا أن السلف والخلف قد أطبقوا على أن أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى صحيح البخاري ، ثم صحيح مسلم ( 2 ) .


قال محمد بن يوسف الشافعي : أول من صنف في الصحيح ، البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ، ومسلم مع أنه أخذ عن


* ( هامش ) *
( 2 ) كشف الظنون 1 : 641 باب علم الحديث . ( * )




-


البخاري واستفاد منه ، فإنه يشارك البخاري في كثير من شيوخه ، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز ( 1 ) .


قال الذهبي : وأما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله عز وجل ( 2 ) .


وكذلك قال الچلبي عن صحيح مسلم : جامع مسلم الصحيح من حيث الصحة هو ثاني كتاب وهو أحد الكتابين اللذين ليس أصح منهما شئ بعد كتاب الله ( 3 ) .


قال أبو علي النيشابوري : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ( 4 ) .


يقول الفاضل النووي في تقريبه : إن أصح الكتب بعد القرآن الصحيحان : البخاري ومسلم ، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ، وإن رجح البعض تقديم صحيح مسلم عليه ، ولكن الصواب والمختار هو الذي ذكرناه ( 5 ) .


وقال في مقدمة شرحه على صحيح مسلم : اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان : البخاري ومسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول ( 6 ) .


قال القسطلاني : قد اتفقت الأمة على تلقي الصحيحين بالقبول ، واختلفت في أيهما أرجح ، فصرح البعض بتقديم صحيح البخاري ، وصرح آخرون بتقديم صحيح


* ( هامش ) *
( 1 ) هدى الساري : 8 .
( 2 ) إرشاد الساري 1 : 29 .
( 3 ) كشف الظنون 1 : 641 باب علم الحديث .
( 4 ) وفيات الأعيان 4 : 208 ، تذكرة الحفاظ 2 : 589 ، كشف الظنون 1 : 642 .
( 5 ) التقريب للنووي : 3 . هذا الكتاب هو من أفضل وأقدم ما كتب في علم أصول الحديث ، وقام جلال الدين السيوطي بشرحه وأسماه تدريب الراوي ويعتبران معا من المراجع المهمة في علم الحديث .
( 6 ) شرح صحيح مسلم 1 : 14 . ( * )







مسلم ( 1 ) .

يقول ابن حجر المكي : الصحيحان هما أصح الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتد به ( 2 ) .

قال إمام الحرمين : لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته - هي مطابقة مع الواقع - وهي مما حكاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان حلفه صحيحا ولا كفارة عليه ، لأن الأمة أجمعت على صحة أحاديثهما ( 3 ) .


مغالاة أكثر : لم يقنع علماء أهل السنة في تعريفهم وتمجيدهم للصحيحين وتصحيح وتوثيق كل ما ورد فيهما من الروايات فحسب ، بل إنهم زادوا الطين بلة حينما سلكوا سبيل الغلو والإفراط في هذا المجال ، حتى ادعى أحدهم أنه رأى رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) في منامه وقال ( صلى الله عليه وآله ) : إن صحيح البخاري هو كتابي .


وينقل عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن شارح مختصر الخليل أنه قال : كنت مع شيخي الشيخ عبد المعطي التنوسي
( التونسي ) في زيارة لمرقد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ شاهدت شيخي خلافا لما اعتاده يمشي خطوة إلى الأمام

ثم يتوقف هنيئة ، ويكرر ذلك حتى وصل إلى قبر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، ووقف أمام القبر وتكلم بكلام لم أفهم ما قاله . وعندما رجعنا سألته عن قضية المشي والمكث والمحادثة الغير معتادة قال : كنت أستأذن رسول الله ( صلى الله عليه

وآله ) بالدخول والزيارة حتى أذن ، فلما دنوت منه قلت : يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وهل كل ما ورد في صحيح البخاري صحيح ؟ قال : نعم . قلت : أحدث عنك كل ما ورد فيه من الأحاديث ؟ قال : نعم ، حدث عني .


* ( هامش ) *
( 1 ) إرشاد الساري 1 : 20 .
( 2 ) الصواعق المحرقة : 9 ، وجاء في تطهير الجنان المطبوع بهامش الصواعق : 20 ذكر البخاري فقط .
( 3 ) شرح النووي على صحيح مسلم 1 : 19 . ( * )







ونقلت هذه القصة في كتب أخرى على نحو آخر : أن الشيخ التنوسي لما زار قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : هل ما ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم من الحديث صحيح ويجوز لي أن أحدث ذلك عنك ؟ قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : نعم ، إنهما جميعا صحيحان وحدث عني ما ورد فيهما ( 1 ) .


نقل عن أبي زيد المروزي أنه قال : كنت نائما بين الركن والمقام فرأيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) في المنام ، فقال لي : يا أبا زيد ، إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ فقلت : يا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وما كتابك ؟ قال : جامع محمد بن إسماعيل البخاري ( 2 ) .


قال محمد فريد وجدي : وغلا بعضهم فرأى أن يستأجر رجالا يقرأون الأحاديث النبوية في كتاب الإمام البخاري استجلابا للبركات السماوية - تماما كالقرآن - ( 3 ) .


قال القاسمي في قواعد التحديث : صحيح البخاري عدل القرآن ، إذ لو قرئ هذا الكتاب بدار في زمن شاع فيه الوباء والطاعون لكان أهله في مأمن من المرض ، ولو اختتم أحد هذا الكتاب لنال ما نواه ، ومن قرأه في واقعة أو مصيبة لم
يخرج حتى ينجو منها ، ولو حمله أحد معه في سفر البحر لنجا هو والمركب من الغرق ( 4 ) .


ما قيل من الرؤى والكرامات : يقال : إن البخاري ذهبت عيناه في صغره ، فرأت والدته إبراهيم الخليل ( عليه السلام )
في المنام ، فبشرها بصحة ابنها ، فقال لها : يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له ، فأصبح وقد رد الله عليه بصره ( 5 ) .


* ( هامش ) *
( 1 ) الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين : الحديث الثالث والثلاثون . استقصاء الأفحام 2 : 868 .
( 2 ) هدى الساري : 490 ، إرشاد الساري 1 : 29 .
( 3 ) دائرة معارف القرن العشرين 3 : 482 .
( 4 ) قواعد التحديث : 250 .
( 5 ) هدى الساري : 478 ، إرشاد الساري 1 : 31 ، تاريخ بغداد 2 : 10 . ( * )
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.