منذ الحرب العالمية الثانية، غالبا ما اقترفت الولايات المتحدة أخطاءها الاستراتيجية بسبب تضخيمها للمخاطر
العالم ليس سيئا بقدر ما نظن
كتب:فريد زكريا
في الحملة الرئاسية الانتخابية الأمريكية، كان الجدال حول السياسة الخارجية مكبوتا في الآونة الأخيرة. ربما لأن مواضيع أكثر أهمية مثل دعابة أحمر الشفاه والأمهات اللواتي يصطحبن أولادهن إلى مباريات الهوكي تصدرت العناوين. لكن يبدو أيضا أن التباين بين المرشحين الرئاسيين قد تضاءل. فخلافاتهما حول السياسة في العراق تقلصت مع استقرار البلاد إلى حد ما وسعي الحكومة العراقية إلى تحديد جدول زمني للانسحاب الأمريكي. كلا المرشحين يعارض طموحات إيران النووية وتدخل روسيا في جورجيا. وكلاهما يؤيد شن معركة قوية ضد طالبان في أفغانستان وباكستان.
لكن هناك فارقا أساسيا واحدا واضحا في نظرة المرشحين إلى العالم. وأكثر ما يتجلى هذا الفارق إذا طرحنا سؤالا بسيطا: في أي عالم نعيش؟ هذا السؤال لم يطرح على أي من المرشحين، وأشك في أن أيا منهما سيجيب بالصراحة التي ألمح إليها، لكن إليكم إجاباتهما حسب تقديري، المستمدة من كتاباتهما وخطاباتهما.
سيكون جواب جون ماكين أننا نعيش في عالم شديد الخطورة. في رأيه، التطرف الإسلامي هو التحدي الأهم في عصرنا هذا. والمجاهدون ـــ الذين تمولهم وتدعمهم دول تشاركهم آراؤهم ـــ يشكلون الخطر الأساسي على الولايات المتحدة. يرى ماكين متاعب متأتية من تنامي نفوذ الصين وروسيا والهند. روسيا والصين الأوتوقراطيتان تشكلان تهديدا بشكل خاص. وهجوم موسكو على جورجيا كان بالنسبة إلى ماكين "الأزمة الخطيرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة". ودور أمريكا، في محيط كهذا، هو استعمال قوتها بعنف ـــ قوتها العسكرية ـــ لمحاربة الشر ونشر الحرية وهــزيمة العــدو. وإلا سنخسر نضال القرن الـ21.
أما نظرة أوباما إلى العالم فهي أكثر تفاؤلا. المخاطر حقيقية لكنها ليست شاملة إلى هذا الحد. أوباما لا يتكلم عن التطرف الإسلامي عموما بقدر ما يتكلم عن القاعدة والمجموعات المتفرعة منها. مقارنة بالحرب الباردة ــ حين كانت آلاف الصواريخ النووية السوفييتية موجهة نحو المدن الأمريكية ــ فإن المخاطر التي نواجهها اليوم أقل بكثير، حسبما يشير. ويجادل بأن معظم الناس في العالم الإسلامي يريدون التطور وحياة أفضل، وليس الجهاد. الحلم الأمريكي يبقى حيا حتى في هذه الدول.
بالنسبة إلى أوباما، يجب على أمريكا استعادة قوتها العسكرية، ومحاربة تنظيم القاعدة وأمثاله، وردع الأنظمة المارقة مثل إيران. لكن دورها يقضي أيضا بأن تلزم الهدوء، لأن المبالغة في ردات الفعل على المخاطر غالبا ما تتسبب بمشاكل وأزمات جديدة. دمج كل المجموعات الإسلامية في خانة واحدة ينم عن تضخيم وسوء فهم للتهديد. الحرب العراقية، بالنسبة إلى أوباما، هي المثال الأوضح على ردة فعل مفرطة تنم عن هلع غير ضروري دفعت الولايات المتحدة إلى غزو بلد من دون استفزاز وتكبد خسائر هائلة. إذا كانت أمريكا قادرة على الحفاظ على رباطة جأشها وتوفير المساعدة التي تسعى البلدان للحصول عليها حقا، فيما يتعلق بالتطوير والعصرنة وإرساء الديموقراطية، فسوف تحقق مكاسب أمنية وتحافظ على شرعية أعمالها.
هاتان النظرتان إلى العالم تنطويان على بعض الحقيقة، لكن الحقيقة المطلقة في رأيي أقرب إلى نظرة أوباما، أكثر بكثير مما يود معظم السياسيين الأمريكيين الاعتراف به. نحن نعيش في زمن يسوده السلم بشكل مدهش. فقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة ماريلاند أن نسبة الوفيات من مختلف أنواع الحروب انخفضت إلى حد كبير خلال السنوات الـ20 الماضية وهي الآن أقل من أي وقت مضى في نصف القرن الماضي. وتظهر دراسة أجرتها جامعة سايمون فريسر أن عدد الإصابات المتأتية من العمليات الإرهابية ينخفض بشكل مطرد منذ هجمات 11 سبتمبر. من الواضح بشكل متزايد ــ إذا نظرنا إلى سجل التصويت من إندونيسيا إلى العراق وباكستان ــ أن عددا قليلا جدا من المسلمين في أي مكان يؤيد التطرف الإسلامي. كما أن عدد البلدان التي اعتنقت الرأسمالية والديموقراطية وصل إلى مستوى قياسي.
تجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ الحرب العالمية الثانية، غالبا ما اقترفت الولايات المتحدة أخطاءها الاستراتيجية بسبب تضخيمها للمخاطر. خلال خمسينات القرن الماضي، جادل المحافظون بأن دوايت أيزنهاور متهم بالتهدئة لأنه كان مستعدا لاحتواء الشيوعية بدلا من دحرها. الخوف من الشيوعية ساهم في نشر سياسات مكارثي في الداخل وتأييد أنظمة مشكوك بشرعيتها في الخارج. وقد اختار جون كنيدي أن يلتف على نيكسون باتخاذ موقف أكثر تصلبا والمجادلة بأن هناك فارقا كبيرا وخطيرا في عدد الصواريخ بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة (في حين أن الولايات المتحدة كانت تملك نحو 20000 صاروخ والاتحاد السوفييتي أقل من 2000 صاروخ). وشهدت سبعينات القرن الماضي جدالا محموما مفاده أن الاتحاد السوفييتي بدأ يتفوق على الولايات المتحدة عسكريا وكان على وشك "تحييد" أوروبا (مثلما فعل في فنلندا). الحقيقة طبعا هي أنه عندما كان المحافظون الجدد يجادلون بأن الاتحاد السوفييتي على وشك احتلال العالم، كان على وشك الانهيار التام.
منذ نهاية الحرب الباردة، تم إطلاق صفارات إنذار مماثلة مرات عدة. في تسعينات القرن الماضي، جادلت لجنة كوكس بأن الصين تبني جيشا ينافس جيشنا، مستشهدة بأرقام تبين أنها غير صحيحة. ومن ثم أتى صدام حسين، الذي وصف بأنه يشكل خطرا كبيرا ومحدقا على الولايات المتحدة. في الحقيقة، أكبر مشكلة واجهناها في العراق هي ضعفه واختلاله الكامل كدولة وأمة. الكلام عن المخاطر الكبيرة والفتاكة يأسر مخيلة الشعب الأمريكي. لكنه يشوه أيضا السياسة الخارجية الأمريكية بطرق قد تكون مكلفة جدا للبلد والعالم بأسره.