المجلس اليمني ... يمن واحد وآراء متعددة
::  قوانين المنتدى  |   طلب رقم التنشيط   |   تنشيط العضوية  |  استعادة كلمة المرور
العودة   المجلس اليمني :: الأقسـام العـامـة :: المجلس السياسي :: الشـؤون العربيـة والعالمية
 
أدوات الموضوع
07-01-2004, 08:41 PM   مشاركة رقم :: 1
عضو متميّز

الصورة الرمزية kaser119


تاريخ التسجيل: 22-12-2003
المشاركات: 1,720

افتراضي المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخــوة الكــــرام ، السلام عليكم ورحمـــة الله وبركــاته ، وبعد :

وجــدت في هذا الموضــوع دواء للنفس ، ووجدت فيه من رحيق الجنة عبقاً ، جعلني الله وإياكم من أهلها فرأيت أن أضعه بين أياديكم الكريمـة ، سائلاً الله تعالى أن يجزل الثواب لكاتبه الشيخ أبي عبد الله .

المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة

الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلاً، ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلاً، وسهل لهم طرقها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللاً، وكمَّل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

لقد اشتاقت نفوس الصالحين إلى الجنة حتى قدموا في سبيل الوصول إليها كلَّ ما يملكون، هجروا لذيذ النوم والرقاد، وبكوا في الأسحار، وصاموا النهار، وجاهدوا الكفار، فكان لكل واحد منهم، ولكل واحدة منهن مع الله جل جلاله أخبار وأسرار، جعلوها بين أيديهم عُدداً لا يطلبون جزاءهم إلا منه، فطريقهم إليه، ومعوَّلُهم عليه، ومآلهم يكون بين يديه. والحمد لله الذي جعل عز الدنيا بإقامة الدين وإظهاره على الدين كله، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وجعل الجنة موسدة للعاملين المخلصين لها، وهيأها زلفةً للمشتاقين إليها.

وإليكم شيئاً من أخبار المشتاقين الأولين، وطرفاً من أسرارهم، والجسور التي عبروا فوقها إلى عز الدنيا ونعيم الجنة، لعلها تكون منارةً للمشتاقين المتأخرين، وسبيلاً لنيل مرضاة رب العالمين.

1. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الثبات على العقيدة: فهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعمه أبي طالب راداً على قريش وما طلبته منه من مهادنتهم: " والله ما أنا بأقدر أن ادع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار". وهذا الزبير قد أسلم وهو ابن ثمان سنين وكان عمه يعلقه في حصير ويدخله عليه بالنار وهو يقول ارجع، فيقول الزبير: لا أكفر أبدا. وقد تحدى عبد الله بن مسعود قريشا في أنديتهم وتلا القران حول الكعبة في رابعة النهار وكفار قريش مجتمعون، وناله من الأذى ما ناله ولم يبال واحتسب ذلك لله تعالى، وكذا بلال وعمار وغيرهم.

2. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر إعلان الدعوة وتحدي الطواغيت: هذه سمية بنت الخُباط، أم عمار بن ياسر، أول شهيد استشهد في الإسلام، وهي ممن بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله عز وجل، وهي من المبايعات الصابرات الخيرات اللاتي احتملن الأذى في ذات الله. كانت سمية من الأولين الذين دخلوا في الدين الإسلامي وسابع سبعة ممن اعتنقوا الإسلام بمكة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وبلال وصهيب وخباب وعمار ابنها. فرسول صلى الله عليه وسلم قد منعه عمه، وأبو بكر الصديق قد منعه قومه، وأما الباقون فقد ذاقوا أصناف العذاب، وألبسوا أدراع الحديد، وصهروا تحت لهيب الشمس الحارقة. نالت سمية الشهادة بعد أن طعنها أبو جهل بحربة بيده في قُبلها، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته.

3. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر حب الاستشهاد في سبيل الله: عن ‏‏ أنس ‏‏رضي الله عنه ‏ ‏قال: غاب عمي ‏‏ أنس بن النضر ‏عن قتال ‏ ‏بدر، ‏فقال يا رسول الله: غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم‏ ‏أحد ‏وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ‏- ‏يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ‏- ‏يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله ‏سعد بن معاذ ‏فقال يا ‏سعد بن معاذ: ‏الجنة وربِّ النضر، إني أجد ريحها من دون‏ ‏أحد،‏ ‏قال‏ ‏سعد: ‏فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: ‏فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا ‏ ‏أخته ‏ ‏ببنانه،‏ ‏قال أنس: ‏كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ‏(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) إلى آخر الآية.

4. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر حب الجهاد في سبيل الله: أورد ابنُ الجوزي في صفة الصفوة وابنُ النحاس في مشارع الأشواق عن رجل من الصالحين اسمه أبو قدامة الشامي، وكان رجلاً قد حُبّب إليه الجهاد والغزو في سبيل الله، فلا يسمع بغزوة في سبيل الله ولا بقتال بين المسلمين والكفار إلا وسارع وقاتل مع المسلمين فيه، فجلس مرة في الحرم المدني فسأله سائل فقال: يا أبا قدامة أنت رجل قد حبب إليك الجهاد والغزو في سبيل الله فحدثنا بأعجب ما رأيت من أمر الجهاد والغزو فقال أبو قدامة: إني محدثكم عن ذلك: خرجت مرة مع أصحاب لي لقتال الصليبيين على بعض الثغور، فمررت في طريقي بمدينة الرقة، واشتريت منها جملاً أحمل عليه سلاحي، ووعظت الناس في مساجدها وحثثتهم على الجهاد والإنفاق في سبيل الله، فلما جن علي الليل اكتريت منزلاً أبيت فيه، فلما ذهب بعض الليل فإذا بالباب يطرق عليّ، فلما فتحت الباب فإذا بامرأة متحصنة قد تلفعت بجلبابها، فقلت: ما تريدين؟ قالت: أنت أبو قدامة؟ قلت: نعم، قالت: أنت الذي جمعت المال اليوم للثغور؟ قلت: نعم، فدفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية، فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها: إنك دعوتنا إلى الجهاد ولا قدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما فيَّ - وهما ضفيرتاي - وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي، قال أبو قدامة: فعجبت والله من حرصها وبذلها، وشدة شوقها إلى المغفرة والجنة. فلما أصبحنا خرجت أنا وأصحابي من الرقة، فلما بلغنا حصن مسلمة بن عبد الملك فإذا بفارس يصيح وراءنا وينادي يقول: يا أبا قدامة يا أبا قدامة، قف عليَّ يرحمك الله، قال أبو قدامة: فقلت لأصحابي: تقدموا عني وأنا أنظر خبر هذا الفارس، فلما رجعت إليه، بدأني بالكلام وقال: الحمد لله الذي لم يحرمني صحبتك ولم يردني خائباً، فقلت له ما تريد: قال أريد الخروج معكم للقتال. فقلت له: أسفر عن وجهك أنظر إليك فإن كنت كبيراً يلزمك القتال قبلتك، وإن كنت صغيراً لا يلزمك الجهاد رددتك. فقال: فكشف اللثام عن وجهه فإذا بوجه مثل القمر، وإذا هو غلام عمره سبع عشرة سنة فقلت له: يا بني؟ عندك والد؟ قال: أبي قد قتله الصليبيون وأنا خارج أقاتل الذين قتلوا أبي. قلت: أعندك والدة؟ قال: نعم، قلت: ارجع إلى أمك فأحسن صحبتها فإن الجنة تحت قدميها فقال: أما تعرف أمي؟ قلت: لا، قال: أمي هي صاحبة الوديعة، قلت: أي وديعة؟ قال: هي صاحبة الشكال، قلت: أي شكال؟ قال: سبحان الله ما أسرع ما نسيت! أما تذكر المرأة التي أتتك البارحة وأعطتك الكيس والشكال؟ قلت: بلى، قال: هي أمي، أمرتني أن أخرج إلى الجهاد، وأقسمت عليَّ أن لا أرجع، وإنها قالت لي: يا بني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الدبر، وهَب نفسك لله واطلب مجاورة الله، ومساكنة أبيك وأخوالك في الجنة، فإذا رزقك الله الشهادة فاشفع فيَّ، ثم ضمتني إلى صدرها، ورفعت رأسها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي، هذا ولدي، وريحانةُ قلبي، وثمرةُ فؤادي، سلمته إليك فقربه من أبيه. سألتك بالله ألا تحرمني الغزو معك في سبيل الله، أنا إن شاء الله الشهيد ابن الشهيد، فإني حافظ لكتاب الله، عارف بالفروسية والرمي، فلا تحقرَنِّي لصغر سني، قال أبو قدامة: فلما سمعت ذلك منه أخذته معنا، فوالله ما رأينا أنشط منه، إن ركبنا فهو أسرعنا، وإن نزلنا فهو أنشطنا، وهو في كل أحواله لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى أبداً،. فجالت الأبطال، ورميت النبال، وجردت السيوف، وتكسرت الجماجم، وتطايرت الأيدي والأرجل، واشتد علينا القتال حتى اشتغل كلٌ بنفسه، فالتفتُّ فإذا الجسد جسد الغلام وإذا الرماح قد تسابقت إليه، والخيلُ قد وطئت عليه فمزقت اللحمان، وأدمت اللسان، وفرقت الأعضاء، وكسرت العظام، رحمه الله.

5. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الصبر على فقد فلذات الأكباد: هذا حارثة بن سراقة، غلام من الأنصار، له حادثة عجب ذكرها أصحاب السير وأصلها في صحيح البخاري، لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من معركة بدر، ودخل المسلمون المدينة، بدأ الأطفال يتسابقون إلى آبائهم، والنساء تسرع إلى أزواجها، والعجائز يسرعن إلى أولادهن،، وأقبلت الجموع تتتابع، جاء الأول ثم الثاني والثالث والعاشر والمائة ولم يحضر حارثة بن سراقة، وأم حارثة تنظر وتنتظر تحت حرّ الشمس، تترقب إقبال فلذة كبدها، وثمرةِ فؤادها، كانت تعد في غيابه الأيام بل الساعات، وتتلمس عنه الأخبار، تصبح وتمسي وذكره على لسانها، تسائل عنه كل غاد ورائح، وتوميء إلى أصحابه وتسلم. وترقبت العجوز وترقبت فلم تر ولدها. فتحركت أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهْىَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ تجر خطاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلاَ تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ، صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ ‏.‏ قَالَ: ‏"‏يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى"‏. فلما سمعت العجوز هذا الجواب: جف دمعها، وعاد صوابها، وقالت: في الجنة؟ قال: نعم. فقالت: الله أكبر، ثم رجعت الأم الجريحة إلى بيتها، رجعت تنتظر أن ينزل بها هاذم اللذات، ليجمعها مع ولدها في الجنة.

6. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الصبر على البلاء وستر العورات: استمعوا إلى هذا الخبر العجيب الذي رواه البخاري عن عطاء بن أبي رباح في الأَمَة السوداء التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تلتمس منه أن يغير مجرى حياتها، فقد تعذبت فيها أشد العذاب، لا أحد يتزوجها، ولا يجلس معها، الناس يخافون منها، والأطفال يضحكون منها، تصرع بين الناس في أسواقهم، وفي بيوتهم، وفي مجالسهم، حتى استوحشوا من مخالطتها، ملت من هذه الحياة فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أني أصرع وأتكشف يا رسول الله، فادع الله لي، فقال صلى الله عليه وسلم: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: بل اصبر، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. فلما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من كلامه، نظرت المرأة وتأملت في حالها ومرضها، ورددت كلامه صلى الله عليه وسلم في عقلها، فإذا هو يخيرها بين المتعة في دنيا فانية يمرض ساكنها، ويجوع طاعمها، ويبأس مسرورها، وبين دار ليس فيها ما يشينها، ولا يزول عزها وتمكينها، وتبلغ النفوس فيها مناها، فقالت الأَمة المريضة: يا رسول الله بل أصبر، شوقاً إلى الجنة!

7. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر نصرة الدين: هؤلاء رجال ونساء أثبتوا أنهم إلى ربهم مشتاقون، وفي رضاه راغبون، ولسان حالهم يقول: فليتك تحلوا والحياة مريرة، وليتك ترضى والأنام غضاب. إنهم الأنصار في العقبة. عن جابر قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، عكاظ ومجنة، وفي المواسم يقول: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة، فلا يجد أحداً يؤويه ولا ينصره... فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم. فقال العباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة. وقام أسعد بن زرارة فقال: رويداً يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وتعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، وبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال – يعني اليهود - حبالاً وإنا قاطعوها، وإنا نأخذك على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه.

8. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الاستغفار والتوبة والانكسار لله: المشتاقون إلى الجنة، قد يذنبون ويخطئون، فكل بني آدم خطاء، لكنهم يسرعون إلى التوبة والاستغفار، ويغلبهم الخوف من العزيز الجبار، أولئك الصالحون قد يذنبون لكنهم إذا لاحت لهم ذنوبهم تجافت عن المضاجع جنوبهم، وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم، صفوا أقدامهم في المحراب، وأناخوا مطاياهم على الباب، في طلب مغفرة الرحيم التواب، فهم في محاريبهم أسعد من أهل اللهو في لهوهم. فهذه السيدة رابعة العدوية، الأوابة البكاءة، كانت إذا مرت بآية فيها ذكر النار سقطت مغشيًا عليها من الخوف، وإذا مرت بآية فيها تشويق إلى الجنة ركنت إليها، وكان تصلي الليل كله وتأنس في خلوتها بالله، وتجد في ذلك لذة لا يجدها الملوك، وكانت تضع كفنها أمام عينيها حتى لا تنسى الموت، وتلوم نفسها إذا تكاسلت قائلة: "يا نفس إلى كم تنامين، يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور".

9. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الجوع والفقر: وقد تصور الصحابة هذا الواقع وأدركوه حق الإدراك فانطلقوا في صراعهم مع كفار قريش على أقوى ما يكون وتحملوا الجوع في سبيل ذلك فقد أخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال (ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط). وأخرج الشيخان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول (والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قلت يا خالة: فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: "ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟" فقالا: الجوع يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما... رواه مسلم.

10. المشتاقون إلى عز الدنيا ونعيم الجنة عبر الشوق إلى الجنة: أخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال‏:‏ ‏"‏جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سل واستفهم، فقال‏:‏ يا رسول الله، فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملت بمثل ما عملت به إني لكائن معك في الجنة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام، ثم قال‏:‏ من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله، ومن قال‏:‏ سبحان الله وبحمده كتبت له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت عليه هذه السورة ‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر‏} إلى قوله‏:‏ ‏{‏ملكا كبيرا‏} فقال الحبشي‏:‏ وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فاشتكى حتى فاضت نفسه‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيده‏"‏‏.‏ وفي رواية: فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أخرج نفسَ صاحبكم الشوقُ إلى الجنة‏"‏‏.

أيها المسلمون والمسلمات: إن سيرة هؤلاء الأخيار لا تمل، وإن القليل الذي عرضناه لا يغني عن الكثير الذي أغفلناه، فلا بد من الاستزادة من هذا المعين الذي لا ينضب، ولكننا نختصر التزاماً بالوقت، ويبقى شوقنا عظيماً لمعرفة المزيد عن هؤلاء المشتاقين الأوائل إلى عز الدنيا ونعيم الجنة. وإنه لمن المحزن أن نرى العقيدة الإسلامية الموجودة عند الأمة اليوم قد فقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع، فغاضت منها الحيوية وصارت عقيدة جامدة لا أثر لها في النفوس، فلم يعد لدى المسلمين ذلك الحافز الذي دفع أسلافهم بالأمس لفتح الدنيا وحكم البشر ونشر الهدى وحمل لواء الحق والعدل يوم أن كانوا دولة واحدة يحكمها خليفة واحد تحت راية واحدة. وأصبح الكثير من أبناء هذه الأمة لا ينظرون إلى الآخرة، وحصرت نظرتهم بالدنيا، بل إن كثيراً من نفوس المسلمين قد فقدت تصور يوم القيامة والشوق إلى الجنة والحنين إلى نعيم الآخرة، وفقدت المثل الأعلى وهو نوال رضوان الله تعالى، وحصرت همها في متاع الدنيا. فصار الشوق إلى منزل ضخم ومركب فاره، وصار الحنين إلى المتع الزائلة والمال والجاه، وصار المثل الأعلى تحقيقَ الرغبات المادية، وإرضاءَ من بيدهم تحقيق تلك الرغبات. كما فقدت تلك النفوس ارتباط المسلمين بالأخوة الإسلامية، فصارت الأمة شعوباً ودولاً تحكم بغير ما أنزل الله، وحكامها عملاء لأميركا وغيرها من دول الكفر. كما فقدت تلك النفوس المسلمة الثقة بما انبثق عن عقيدتهم من أفكار ومعالجات لجميع نواحي الحياة، فطغت أفكار غير إسلامية وسادت أحكام غير شرعية في بلاد المسلمين، وانبهر الكثير من المسلمين بالأفكار الغربية ففقدوا تميزهم الإسلامي. إن أمتنا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، فحرام أن يلحقها الفناء، وإجرام أن يدركها العفاء، إنها الأمة التي نشرت الهدى في العالم، وحققت العدل في البشرية، وتحرّت الحق في حكم البشر، وشملت الناس بالرحمة وأحاطتهم بالرعاية، ونشرت الطمأنينة، وأوجدت الإستقرار، ومتعت كل من استجاب لدعوتها بالسعادة الحقيقية. إنها الأمة التي عاشت من أجل إنقاذ الناس من الشرك والكفر، واستشهد الملايين منها في سبيل إعلاء كلمة الله، وكان عملها الأصلي في الحياة هو حمل الدعوة الإسلامية للعالم، ومثلها الأعلى نوال رضوان الله تعالى. هذه الأمة الكريمة الفعال التي كانت تحمل هم الإنسانية كلها لتخرجها من الظلمات إلى النور، لا تزال الإنسانية مفتقرة إليها لتنقذها مرة أخرى من جشع الرأسمالية وقلق المادية، إلى راحة التقوى وطمأنينة الإيمان.

أيها المسلمون والمسلمات: إن مصيبتنا الفادحة تكمن في أن العقيدة الإسلامية قد انطفأ نورها في قلوبنا، وذهب أثرها في أعمالنا، وفقدت حرارتها في تصرفاتنا، وصارت ميتة في نفوسنا. فعلينا أن ننيرها بأحكام القرآن، وأن نحييها بذكر الله تعالى، وأن نجعلها تعيدنا خلقاً آخر، كالمسلمين الأولين من الصحابة والتابعين. علينا أن ننير عقيدتنا بالثقة بأفكار الإسلام وأحكامه، وبالعمل لإعادة سلطان الإسلام ورفع راية القرآن، بإقامة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة, ثم بحمل الدعوة إلى الناس كافة عن طريق الجهاد في سبيل الله، لنخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإسلام، ومن جحيم القلق والشقاء إلى نعمة الطمأنينة ونعيم السعادة. فأحيوا عقيدتكم بتقوى الله وطاعته، وبالخوف من عذابه، والطمع في جنته والشوق إليها، وبتقوية الصلة بالله، وبذكره في كل تصرف وتذكره عند كل عمل، وبالتقرب إليه، لا بالصلاة والصوم والزكاة والدعاء فحسب، بل بالالتزام بجميع أوامره والانتهاء عن جميع نواهيه، وقول الحق ومواجهة الباطل.

أيها المسلمون والمسلمات: إن عز الدنيا يعني إقامة دولة الإسلام لوضع القرآن والسنة موضع التطبيق داخلياً على من يحملون التابعية الإسلامية، وخارجياً بحمل الدعوة الإسلامية رسالة هدى ونور إلى العالم أجمع عن طريق الجهاد في سبيل الله. وإن نعيم الجنة يعني ما أعده الله لعباده المتقين من جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً جزاءً بما كانوا يعملون.

أيها المسلمون والمسلمات: يقول سبحانه وتعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، بشراكم أيها المستجيبون فأجر العامل منكم بخمسين من مثل أجر الصحابة إن عملتم عملهم، وقد من الله على الأمة الإسلامية اليوم برجال ونساء بلغ شوقهم إلى عز الدنيا ونعيم الجنة أن هدفوا نحورهم لإعزاز دين الله، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً، فالله اجعلنا منهم وثبتنا في صفهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

إعداد: الشيخ عصام عميرة

إمام مسجد الرحمن وخطيبه

بيت صفافا – بيت المقدس

 
08-01-2004, 09:33 AM   مشاركة رقم :: 2
عضو متميّز

الصورة الرمزية kaser119


تاريخ التسجيل: 22-12-2003
المشاركات: 1,720

افتراضي

{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}

 
+ إضـافة رد

أدوات الموضوع

الانتقال السريع :::

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.