د, الأهدل: التكفير والنفاق ومذاهب الفرق فيهما (1)

الكاتب : المناصر   المشاهدات : 360   الردود : 0    ‏2005-04-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-23
  1. المناصر

    المناصر عضو

    التسجيل :
    ‏2005-02-22
    المشاركات:
    21
    الإعجاب :
    0
    التكفير والنفاق ومذاهب الفِرق فيهما ( 1 )

    تمهيد..

    إن أمر التكفير خطير، كما أن التساهل الذي يؤدي إلى عدم تكفير الكافر.. خطير كذلك..

    والواجب الوقوف عند نصوص الشريعة وقواعدها، دون إفراط أو تفريط، والحكم في ذلك لله وليس لغيره، والمرجع في تكفير الشخص المعين هم لعلماء الذين تفقهوا في دين الله، وتمكنوا من معرفة نصوص القرآن والسنة وفقهوا معانيهما، وتبينوا من واقع الأشخاص الذين يراد الحكم عليهم وظروفهم، ثم التحقق من صحة تنزيل الحكم على كل شخص بعينه..

    ولا يجوز أن يترك الحكم بتكفير المسلم لمن يدعي العلم وهو منه خلي، ممن لم يتفقهوا على أيدي العلماء الذين أخذوا العلم عن أهله في الكتاب والسنة، وما يخدمهما من علوم الآلة، كأصول الحديث، وعلوم التفسير، وقواعد اللغة العربية، وقواعد الضرورات.. وأقوال أهل العلم وأوجه استدلالاتهم من مصادرها الأصلية..

    فقد سلط كثير من هؤلاء ألسنتهم الحداد على المسلمين بالتكفير، على جهل بقواعد التكفير التي بينها علماء المسلمين..

    وإن الواجب على علماء المسلمين أن يَقِفُوا أمثال هؤلاء عند حدهم، ويبينوا للمسلمين خطرهم ولا يجوز سكوتهم عنهم، لأن ذلك يجرئهم على الاستمرار في السباحة في هذا البحر المتلاطم الأمواج الذي لا يجيد السباحة فيه إلا أهله..

    وقوع التكفير قديماً وحديثاً..

    بعض المهتمين بالدعوة إلى الإسلام، ممن لم يتعمقوا في العلوم الإسلامية، وبخاصة العقائد التي تخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة التي مضى عليها أهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان...

    بعض هؤلاء ينكرون على من يتعرض لتلك العقائد ويبين فسادها، زاعمين أنها قد ماتت واندثرت مع الفرق التي كانت تعتقدها وتدعو إليها، وألا فائدة في الاشتغال بها وإحيائها، وأن الواجب الاشتغال بما يفيد المسلمين مما هو واقع، من الأفكار والمذاهب المعاصرة، والشؤون السياسية والاقتصادية والإعلامية..

    ولقد حصل حوار طويل بيني وبين قائد من قادة الجماعات الإسلامية في موضوع من هذه الموضوعات..

    فقال لي: إنكم تريدون نبش الموتى من قبورهم، هذه أمور عفا عليها الزمن، ولم تعد توجد إلا في صفحات الكتب الصفراء..!!!

    ونحن نوافقهم – في الجملة – على أن غالب تلك الفرق لم يعد موجودا باسم الفرقة، كالمعتزلة والخوارج والمرجئة والقدرية..

    ولكنا على يقين من أن غالب تلك العقائد لا زالت موجودة في صفوف المسلمين من أفراد وجماعات، ولا أظن أن عصرا من العصور خلا من ذلك..

    نعم قد تقل تلك العقائد أو بعضها في بلد وتكثر في آخر، وتقل في زمن وتكثر في آخر، ولكنها لا تندثر اندثارا كاملا..

    ولسنا نريد إطالة الكلام في سرد جميع تلك العقائد وإقامة البرهان من الواقع على وجودها، وإنما نقتصر على ما نحن بصدده هنا، وهو وجود من يغلو في التكفير بالمعاصي..

    وكذلك وجود ما يترتب على هذا الغلو، من معاملة من يُكَفرونه من الحكم عليه بالردة وما يترتب على ذلك من أحكام المرتد، كعدم استحقاق أقاربه إرثه، وعدم استحقاقه إرث أقاربه، وعدم تطبيق أحكام الجنازة عليه، فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين..

    والغالب أن الأشخاص أو الجماعة الذين يتصفون بهذا الغلو، يستحلون قتل من يحكمون عليه بالردة بأنفسهم، فيَعْتَدون مرتين:

    المرة الأولى: الغلو في التكفير وإخراج كثير من المسلمين من ملة الإسلام بدون برهان..

    والمرة الثانية: إعطاء أنفسهم حق تنفيذ العقوبات الذي هو حق للجماعة التي ينوب عنها في تنفيذه ولي الأمر..

    ويكون من آثار ذلك إهدار ضرورات الحياة التي من أعظمها حفظ النفس، وانتشار الفوضى في الأرض، وفقد المسلمين أمنهم في ديارهم، كما هو واقع مشاهد اليوم..[يراجع في من له حق إقامة الحدود كتابنا: "الحدود والسلطان"]....

    وقد تشعبت آراء الطوائف في هذا الباب:
    (فمنهم من أفرط، ومنهم من فرَّط، ومنهم من اعتدل).. [انظر: حاشية ابن عابدين (4/229-238) ومجموع فتاوى ابن تيمية (10/435)، (12/466-501)]..

    والمقصود هنا ذكر هذه الآراء باختصار، ليتضح حكم مرتكب الذنب على اختلاف أنواعه عند كل طائفة..

    وسنبين في هذا البحث ثلاثة مذاهب لثلاث طوائف:

    المذهب الأول: مذهب الخوارج والمعتزلة:
    يرى الخوارج والمعتزلة أن أي كبيرة يرتكبها المسلم ولم يتب منها، تكون مخلدة له في النار..
    إلا أن الخوارج يطلقون عليه - مع تخليدهم له في النار - الكفر في الدنيا..

    والمعتزلة لا يطلقون عليه الكفر ولا الإيمان، بل اسم الفسق في الدنيا، واستدلت كلتا الطائفتين بنصوص الوعيد الواردة في القرآن والسنة، ولهذا سماهم العلماء بالوعيدية، لتغليبهم نصوص الوعيد على نصوص الوعد..

    وقد ساق شارح الطحاوية رحمه الله – وغيره من أهل العلم - كثيرا من النصوص التي استدلوا بها، من القرآن والسنة:

    فمن القرآن..
    قول الله تعالى: (( ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون)).. [المائدة:44]....

    وقوله تعالى: (( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً )) [النساء: 93]..

    وقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً )) [الفرقان: 68-70]..

    ومن السنة..
    حديث ابن مسعود رضي الله عنه:
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) [البخاري، برقم (48) ومسلم، برقم (64)]..

    ومنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) [البخاري، برقم (4141) مسلم، برقم (66)]..

    ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
    أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( وإذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) [البخاري، برقم (5752)]....

    ومنها في حديث عبد الله بن عمرو قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ) [البخاري، برقم34، ومسلم برقم 58]..

    ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد ) [البخاري، برقم (2343) ومسلم، برقم (57)]..

    ومنها حديث جابر رضي الله عنه، قال:
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بين المسلم وبين الكفر والشرك ترك الصلاة ) [مسلم، برقم (82)]..

    ومنها حديث أبي شريح:
    أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن )..
    قيل: ومن يا رسول الله؟
    قال: ( الذي لا يأمن جارُه بوائقه )..
    [صحيح البخاري، برقم (5670) وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة، برقم (46)]..

    ومنها حديث أبي هريرة قال:
    ( من أتى كاهنا فصدقه أو أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ).. [أحمد (9532)]..

    ومنها حديث: ( من حلف بغير الله فقد كفر ) [رواه الحاكم بهذا اللفظ]..

    ومنها حديث: ( ثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت )..

    أوجه استدلال الخوارج والمعتزلة بهذه النصوص على مذاهبهم:

    الوجه الأول: إطلاق الشارع الكفر على من أتى معصية..
    مثل: (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) وغيره من النصوص..

    الوجه الثاني: نفي الإيمان عمن ارتكب معصية..

    مثل: ( والله لا يؤمن.. ) وقوله: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن.. )..

    الوجه الثالث: الحكم على من ارتكب معصية أنه من أهل النار..

    مثل قوله تعالى: (( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ))..

    ففي هذه النصوص وما شابهها دلالة عندهم على أن أهل المعاصي كفار في الدنيا عند الخوارج، و مخلدون في النار عندهم وعند المعتزلة..

    ونواصل في الحلقة القادمة إن شاء الله..

    موقع الروضة الإسلامي..
    http://www.al-rawdah.net/r.php?sub0=start
     

مشاركة هذه الصفحة