النرجسية والعبثية في الثقافة

الكاتب : as1   المشاهدات : 531   الردود : 4    ‏2005-04-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-22
  1. as1

    as1 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-04-20
    المشاركات:
    811
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]النرجسية والعبثية في الثقافة


    إن النظرة إلى الحياة في معناها وفلسفتها وحصيلة الأفكار والمعارف والمهارات والآداب والفنون هي مكونات أساسية في ثقافة أي إنسان. تلك المكونات التي تجد تطبيقاتها العملية في جملة القيم الأخلاقية والمعتقدات والعادات والتقاليد وأنماط العيش في سكنه وملبسه وأساليب انتاجه وتوزيع ثروته، وبالتالي في دوافع وتصرفات الإنسان وأساليب تعبيره وعلاقاته بالغير، لا بل وبالكائنات الأخرى وبالطبيعة بكل مكوناتها.

    إن هذا المعنى الشامل للثقافة في جميع مكوناتها يظهر بوضوح مدى امتداد الثقافة إلى جميع الجوانب الإنسانية من روحية وعقلية ونفسية وجسدية. فالثقافة هي حصيلة تفاعل الذات بكل ملكاتها وطموحاتها بالمؤثرات الخارجية من عائلية واجتماعية وبيئية. وينبغي أن يلعب الناس الأكثر ثقافة دوراً ريادياً في فهم الظواهر الحياتية وتفسير اتجاهات تطورها، وبالتالي دعم عجلة التطور الاجتماعي، بما يتميزون به من ملكات وقدرات وخبرات ومهارات ونظرة إنسانية متقدمة، لا بل عليهم أن يتهيأوا لمجابهة مصاعب وعواقب هذا التميز ويتحملوا المسؤولية الاخلاقية تجاه الغير من البشر والكائنات الأخرى.

    ولولا هذه الفئة من المثقفين في كل مكان وزمان لما تحقق ما تحقق من تطور في جميع مجالات الحياة على مدى التاريخ. وفي المقابل فإنه لم ولن يخلو مجتمع من المجتمعات من اؤلئك الذين نظروا إلى تميزهم نظرة إنسانية ضيقة، أو من اؤلئك الذين آثروا الراحة والسلامة، لا بل والانعزال والانطواء لأسباب قاهرة وغير قاهرة، ولتجارب مرة وغير مرضية.

    ولعلي لا أطيل بلا فائدة إذا تحدثت عن بعض السجايا النفسية التي تعكس دواخلنا وتتجسد في سلوكنا ومواقفنا ومبادئنا، لا بل ونظراتنا للحياة. فخصائص كالغرور والاعجاب بالنفس والأنانية وحب الذات والتعالي والتكبر والعجرفة والغطرسة والخيلاء مثلاً تقابلها سجايا نفسية أخرى كالتواضع والاتزان في تقدير الذات وحب الخير واحترام الغير والتضحية في العطاء والجهد ونكران الذات.

    فالمجموعة الأولى من هذه الصفات النفسية هي تعبيرات عن جهل صاحبها رغم معارفه! وغبائه رغم ذكائه! ومرضه رغم صحته! ونقصه رغم كماله! وقصر نظره رغم بعده!

    في حين تعكس المجموعة الثانية من هذه الصفات ذكاءً وحكمة وتواضعاً وأدباً وصحة وبعداً في النظر وكمالاً في الخلق رغم ما قد يشوبها هنا وهناك من نقص معرفي أو ابداع أو موهبة!

    إن طائفة الناس ممن يتحلون بالمجموعة الأولى من السجايا نراهم غالباً ما يعانون من حالات الانعزال أو الاحجام أو التوتر في العلاقات مع الغير أو الكآبة أو العطاء غير النافع للآخرين او البغضاء والكراهية والنفور أو يعيشون في مشادات كلامية وتشرذم أو تقوقع.

    إن الإنسان العاقل المضحي عليه أن لا تسكره خمرة الشعور بالابداع أو التفوق أو المعرفة، وإنما عليه أن يتذكر، أكثر من غيره، أؤلئك العمالقة من البشر ومن الذين خلد أعمالهم تواضعهم، وحفظت قلوب الناس قبل عقولهم أقوالهم وكتاباتهم وتسنن الكثيرون بأفعالهم وتصرفاتهم.

    وحديثي اليوم عن ظاهرتي النرجسية والعبثية في نفوس وسلوك بعض المثقفين وتأثيرهما على ثمرة عطائهم، ناهيك عن تأثير هاتين الصفتين في نفوس وسلوك ممن توهم أنه مثقف ينبغي عليه أن يتميز عن الآخرين، يجيء في اطار محاولات ثمير العمل الثقافي ورفع الشأن الإنساني له.

    لقد تميز الإنسان بعقل يفكر به ويحكم من خلاله على أفعاله وأقواله وأفعال الآخرين وأقوالهم. فما كان منها نافعاً مكث في الأرض، وما كان منها زبداً ذهب جفاء.

    فالابداع الفكري والفني للإنسان لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل عطاءً إنسانياً يساهم في إغناء الحياة بمادة ووسائل تطورها. كما يجب أن لا يبقى حبيس هواجس ذاتية ضالة أو مضللة. فعشق الذات الذي يغذيه وهم "الأنا" هو من أخطر الأمراض التي تصيب المثقفين والفنانين وتؤدي إلى ضياع الطاقات وإلى وخسارة كبيرة.

    لو أن كل مثقف أو فنان طرح على نفسه الأسئلة التالية:

    بماذا أبدعت في عملي؟ لماذا أبدعت في عملي؟ لمن أبدعت في عملي ؟ ما هي القيمة الإنسانية لما أبدعته في عملي؟

    ألا تساعد الاجابات عن هذه الأسئلة المثقف أوالفنان في الوقوف على إنسانية عطائه وبالتالي تلقي الضوء على سجاياه النفسية في نرجسيته أو حبه واحترامه للآخرين من خلال هذا العمل الثقافي أو الفني؟

    أما الظاهرة السلبية الثانية في أوساط بعض المثقفين أو الفنانين فهي ظاهرة العبثية في أعمالهم ودورهم الإنساني. وليس المقصود بهذه الملاحظة حجر عقول وابداعات المثقفين أو الفنانين في أقفاص جاهزة أو قوالب جامدة، حيث يفقد عندها الابداع روحه وتتوقف الحيوية في عقول وقلوب المبدعين.

    أريد بالعبثية هنا تلك النشاطات الثقافية والفنية التي لا تنتمي إلى هدف ذي معنى، ولا إلى غاية نافعة، وكذلك تلك النقاشات السفسطائية العقيمة أو تلك المرتدية أثواب الحزن والتشاؤم والمتباكية على أوهام وأماني غير واقعية أو عملية. أليس ذلك ضرباً من اللهو والضياع.

    لقد تنوعت مداخل المعلومات عند الإنسان. فالعين تمسح ما ينعكس عل شبكيتها من صور الأشياء وتنقلها إلى غرفة عمليات الفهم والتحليل والاستنتاج. وهكذا الأذن والأنف واللسان بتذوقه والأصابع بلمسها، لابل والقلب بإحساسه باعتبارها مجسات ومداخل للمعلومات. إن ذات المعلومات والصور والأصوات والروائح تفسرها العقول والنفوس المختلفة، ولأسباب كثيرة، تفسيرات متنوعة تصل حد التناقض أحياناً. فقدرات الإنسان الذهنية وطبيعة معارفه وسلامة طرائقه المنطقية في التفكير والتحليل والاستنتاج، ودرجة صفاء سجاياه النفسية والروحية ومقدار محبته للناس وحدود نكرانه لذاته كلها عوامل تحدد طبيعة ومعنى المدخلات من المعلومات وصهاريج معالجتها ومعادن وأثواب مخارجها ...

    أذكر تعليقاً طريفاً لأحد أساتذتي في جامعة بغداد، وهو يتصفح كتاباً أنيقاً لأحد "الشعراء" ، حيث قال وباللهجة البغدادية "لو موزعين هذا الكتاب بليا هذا الشعر، جان الناس استفادوا منا هوايا" ، أي أنه لو جرى توزيع هذا الكتاب وهو فارغ الصفحات لاستفاد منه الناس كثيراًً.

    وهكذا إذن يفترض أن يكون لكل عمل غاية وهدف، ولكل نشاط ثقافي أو فني رسالة يؤديها لكي ينتفع الآخرون بها، ولكي لا يضيع الوقت ولا الجهد المبذول في عمل عبثي لا طائل منه.

    إننا بحاجة إلى مثقفين وفنانين يعشقون حرية الابداع، ويعملون لها من أجل الآخرين الذين سيغمرونهم بالمحبة والتقدير والعرفان دونما نسيان نصيبهم من الدنيا، وبحاجة إلى اؤلئك المثقفين والفنانين الذين يعوون حاجات الناس وتطلعاتهم.... أتمنى أنني أصبت! أخوكم / المهاجر
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-04-23
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    الأخ العزيز / المهاجر ..

    نعم لقد أصبت لب الحقيقة

    فموضوعك جدا مفيد وفيه ما يشرح النفس ويدعوها إلى كسب الصفات المحمودة

    ونبذ الصفات الخسيسة التي تجر صاحبها إلى فقدان من حوله ..

    مرحبا بك كاتبا مبدعا ومحاورا مميزا ..

    حللت أهلا ونزلت سهلا .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-04-23
  5. ناصر البنا

    ناصر البنا شاعـر مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-06-11
    المشاركات:
    7,641
    الإعجاب :
    0
    اشكرك أخي المهاجر على هذا الموضوع القيم .وعلى هذه الفوائد الجوهريه التي اخرجتها من بحرك الدفاق.

    مع خالص تحيتي
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-04-25
  7. as1

    as1 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-04-20
    المشاركات:
    811
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]لقد أخجلتوني بهذا الترحيب ،، وان شاء الله اكون عند حسن الظن ،،، أخوكم / المهاجر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-04-26
  9. الليث الأسمر

    الليث الأسمر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-30
    المشاركات:
    1,372
    الإعجاب :
    0
    النرجسية
    يقال أنها نسبة إلى نرسيس
    ذلك الفتى الجميل
    الذي كان يجلس أوقاتاً طويلة
    على حافة النهر
    ينظر إلى نفسه
    وفي إحدى المرات سقط في النهر
    وعندها نبتت زهرة النرجس
    في المكان الذي كان يجلس فيه

    أخشى أن ينتهي الأمر
    بمن ذكرت بعض صفاتهم من النرجسيين

    إلى أن يسقطوا في النهر

    ولست أدري ما الذي سينبت حينها

    ولكن
    أنا متأكد أنها لن تكون النرجس

    لك خالص التحية
     

مشاركة هذه الصفحة