ذات يوم...ذات إحتضار

الكاتب : Sheba   المشاهدات : 1,121   الردود : 16    ‏2005-04-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-22
  1. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0
    [align=right]في يوم من الزمان، كنت قد قعدت على كرسي محطم فقد كثيرا من صموده، لاريح جسدي الذي يحتضر من شدة الجوع. و صارت عيناي تجولان في المكان بحثا عن شيء ذو قيمه لأبيعه و أهزم بثمنه الجوع الذي يصر على قتل جسدي المسكين. لكن عيناي عادتا الي بعد الجوله، حسيرتان منكسرتان لأنهما لم تجدا في منزلي شيء يباع يعود علي بالمال!

    حينها فقط أستفحل الألم فيني و تحول الى إحتضار حقيقي، و صارت مرارة الموت تضرب خيامها في فمي. حينها أشفقت على كل أموات الأرض و أحيائهم. أشفقت على من ماتوا لأنهم مروا ذات يوم بعذابي، و على الأحياء لأنهم سيمرون في يوم من الأيام بلحظات الاحتضار هذه.

    و فجأه، إستيقظت غريزتي البشريه و إنتفضت و ابت الا ان تتشبث بحبال الحياه و تقهر الإحتضار و تستعيد الروح. بدأت الأفكار تتقافز الى عقلي الذي فقد معظم خلاياه العصبيه. ..و رحت أقلب بين الأفكار لأجد فكره جهنميه بيدها إنقاذ حياتي من ايادي الموت القاهر. تبادر الى ذهني ان ابيع عروبتي. نعم، لا تتعجبوا، فللموت قوة اجباريه تنسي الواحد منا كل عزيز و غالي.

    صرت أتشبت بهذه الفكره المنقذه، فعروبتي آخر الأشياء التي أملك و أغلاها. كنت قد أحتفظت بها لأنهم أوصوني بذلك. كنت أعرف ان بيع عروبتي خيانة وطنيه، و جريمة أخلاقيه، ولكن......

    و أخيرا قررت الذهاب بجسدي الذي ينهش فيه الموت الى أقرب سوق. سرت بخطى متردده مرتعشه، فلحظة ألعن نفسي و ابصق في وجهها، و لحظة أصفح عنها و أعفيها. و بينما انا بين الحالتين، صرخ في مسامعي صوت من عالم الذكرى. كان صوت امي و ابي وهما يلاقناني الشهاده:

    - قولي يا بنتي..

    -نعم يا أبي

    -قولي أشهد بأنني عربيه، يمنيه، حرة ابيه

    فقلت كما لقنني، ثم اردف:

    -و أشهد أن الوطن هو امي و ابي و كل ما هو لي، و له سأكون و إليه سأعود بإذن الـه.

    فقلت كما قال. ثم همس صوت آخر من عالم الماضي، و كان صوت أمي:

    -قولي يا بنتي

    -نعم يا أمي..

    -قولي أشهد بأنني سأبقى مخلصه لعروبتي ابدا ماحييت...

    فجأه إنقطع صوت أمي بسبب أصوات الحاضر التي أحاطتني، و رأيت نفسي أقف أمام محل لبيع النفائس من الأشياء. لم أكن متأكده ما إذا كانت عروبتي من الأشياء، ولكنني كنت متأكده أنها من النفائس.

    و أمام ذاك المحل تصنمت للحظات لا اعلم عددها...

    -نعم أي خدمه؟

    هكذا داهمني صاحب المحل ذو الكرش المنتفخه كبلالين الألعاب الأولمبيه الضخمه....

    -لو سمحت، عندي شيء للبيع
    - تفضلي...

    رغم أن هذه الكلمه تعني الترحيب، الا ان ذاك المنتفخ لم تبدو عليه علامات الترحيب بي البته. ربما لان التجار يحبون البيع أكثر من الشراء.

    و بمرارة العلقم و بكل أنواع الألم...أخرجت عروبتي و وضعتها على طاولته الزجاجيه التي ينبعث منها رائحة سائل منظف قويه.

    -هممممممم...

    أخذ يقلبها في جميع الاتجاهات، عله يرى فيها شرخا او عطلا او حتى عيبا خلقيا...لكنه من الواضح لم يجد سوى مايسره. عرفت ذلك من خلال وجناته التي زاد أرتفاعها لتغطي عيناه الضيقه.

    -تبدو لي من النوع الأصلي....ممتازه!

    لم يمنعني قهر الاحتضار من الفرح. فرحت كثيرا جدا، أحسست بعصافير صغيره تحمل أنفاسي...سعدت كما لم أسعد من قبل، فعروبتي حقيقيه في زمن أنقرضت فيه العروبه. إزداد أعتزازي بنفسي و افتخرت بشده، حتى انني شعرت بأقدامي ترفرف في الهواء، فقد بالغت في الفرح.

    ثم ...من دون حياء او ذرة خجل قال ذاك المخلوق المنتفخ:

    -حسنا...كم تعطينا لنأخذها؟

    إنصدمت من منطقه، و تداعت أنفاسي، و تحطمت أضلع روحي بسرعه خارقه. ثم عدت الى منزلي ، وقد أنكسرت إنكسارا مشينا لم يعرفه بشر. و القيت بذاك الجسد الذي صار يتوق الى الموت، على ذاك الكرسي المحطم....و مت...

    ليس من شدة الجوع، ولكن من شدة الإحتقار!
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-04-22
  3. البحار

    البحار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-22
    المشاركات:
    19,341
    الإعجاب :
    17
    سبأ

    رائعة انتي في سرد المأسي ووصلت الى حد الاحتقار لعروبتنا

    الهذا الحد انتي مجروحة من عروبتك .... سرد جميل و فكرة للاسف ذات معنى

    نعم قولي لبطل القصة ان يموت

    على كرسيه المحطم

    من دون عنوان ولا هوية

    جرحتينا في عروبتنا الجريحة ...


    سرمد
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-04-23
  5. ابوخديجه

    ابوخديجه عضو

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    147
    الإعجاب :
    0
    رائع منك ياسبأ

    تدفق جميل وشاعري جعل القصه اشبه بقصيده في تشبيهاتها

    وجع حقيقي

    وحقيقه تحمل هم عربي اصيل

    جرحنا بمنتهى الألم ونزفنا من الأعماق

    اسلوب محترف لكاتبه متميزه

    شكرا لك يا سبأ
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-04-24
  7. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0
    [align=right]سرمد..

    صباحك سعاده جمه


    لا يا عزيزي، لست مجروحه من عروبتي على الأطلاق. على العكس، معتزه بها و افتخر بها. :)

    الفكره التي قصدتها هنا هي ماذا لو ان العروبه كانت شيئا يباع هذه الأيام؟ ماهو ثمنها؟ هل لها قيمه؟


    سعيده لمرورك يا سرمد.




    لي عوده...
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-04-25
  9. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0
    [align=right]ابو خديجه...


    أهلا و مرحبا بمرورك الكريم

    كتبت هذه القصه عندما كنت في السابعه عشره. كان أسلوبي عادي جدا،و مازال. لكن اشكر لك حسن خطوك و طيب كلماتك.

    كنت ومازلت اريد المرور على قصتك. سأوافيك قريبا ان شاء الله.


    كن في خير.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-04-25
  11. حضرمية مغتربة

    حضرمية مغتربة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-05
    المشاركات:
    14,712
    الإعجاب :
    0
    حقا أقصوصة رائعة وسرد جميل متناغم مع الأحداث بسلاسة
    أسجل إعجابي بك الى جانب اخوتي الكرام سرمد وابا خديجة :)
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-04-27
  13. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0
    [align=right]حضرميه مغتربه..

    كثيرة انا بك أيتها الشقيقه


    كوني في خير.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-04-30
  15. انين الخريف

    انين الخريف عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-08
    المشاركات:
    192
    الإعجاب :
    0
    كم انت مبدعه بالقصص اختي سباء قحطان

    فلماذا لاتجمعيها بكتاب للنشر

    ام ان النشر مازال محصور فقط للوزراء وليس البسطاء
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-05-01
  17. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0
    [align=right]انين الخريف

    اهلا بك

    .....سأجمعها عندما اقتنع بانها صالحه لنشر.


    شكرا لانك انت
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-05-02
  19. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    أديبتنا الرائعة / سبأ ..

    لقلمك وهج يخلب اللب ..

    لا لوم عليك إن بعت عروبتك

    ولا ذنب على التاجر إن طلب ثمنا ليأخذها

    لأننا أرخصناها بل لم نجعل لها ثمنا رغم نفاستها

    ولعل جيلا جديدا يأتي فيعيدها ذات قيمة تذكر ..

    دمت رائعة ..

    ولك الود .
     

مشاركة هذه الصفحة