فتوى الإمام الشاطبي في المولد النبوي

الكاتب : القيري اليماني   المشاهدات : 434   الردود : 0    ‏2005-04-21
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-21
  1. القيري اليماني

    القيري اليماني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-11-17
    المشاركات:
    2,972
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله ، و بعد:

    فمن الاحتفالات التي اعتاد الناس إقامتها في هذا الشهر الاحتفال بالمولد النبويِّ ، و هو لا شكَّ من البدع؛ لإنَّه اجتماعٌ على أعمالٍ يُقصد بها التقرُّب إلى الله ، و الله لا يُتقرَّب إليه إلاَّ بما شَرَع، و لا يُعبد إلاَّ بما شّرَع، فكلُّ مُحدثة في الدين بِدعة، و البدع منهيٌّ عنها.

    قال الله ـ تعالى ـ (( أمْ لهم شُركاءُ شَرَعوا لهم من الدِّين ما لمْ يأذَن به الله ))، و قال الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ (( مَن أَحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فو ردٌّ))، أخرجاه عن عائشة، و في لفظ لمسلم (( مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ))، و قال ـ صلى الله عليه و سلم ـ (( و كلّ مُحدثةٍ بدعة و كل بدعةٍ ضلالة))، رواه مسلم. و في حديث العرباض بن سارية قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ (( عليكم بسُنَّتي و سنَّة الخفاء الراشدين المهدييِّن من بعدي تمسَّكوا بها و عضُّوا عليها بالنَّواجذ و إيَّاكم و محدثات الأمور فإنَّ كلَّ محدثة بدعة )).

    و غير ذلك من الأحاديث الدالة على النهي عن الابتداع في دين الله، و عن تشريع الناس لأنفسهم عباداتٍ و أعمالاً يتقرَّبون بها إلى الله، و هي لم يشرعْها الله و لا رسوله ـ صلى الله عليه و سلم ـ(1).

    و قد تتابع أهل العلم منذُ ظهور هذه البدعة الشَّنيعة على إنكارها و إنكار ما يلتزمه الناس فيها دون سائر الأيام ، و من هؤلاء الأعلام؛ الإمام العلاّمة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي المالكي ـ رحمه الله ـ (ت790هـ) ؛ صاحب ’’ الموافقات ‘‘ و ’’ الاعتصام ‘‘ ؛ التي لم يُؤلَّف في بابها مثلها فكيف بأحسن منها ؟!!

    فقد ورد له كلامٌ نفيس ضِمن جوابه على جُملة مسائل في كثيرٍ من البدع التي اعتادها الناس (2)، و كانت المسألة الأولى عن حكم الوصيَّة من الميراث لإقامة المولد النبوي ، فقال ـ رحمه الله ـ:
    (( ...فمعلومٌ أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعةٌ محدثةٌ، و كلُّ بدعةٍ ضلالة، فالإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز و الوصيَّة به غير نافذة، بل يجب على القاضي فسخُه و ردُّ الثلث إلى الورثة يقتسمونه فيما بينهم، و أبعد الله الفقراء (3) الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصيّة ...))انتهى المراد من كلامه.

    و سُئل (4): هل كل بدعةٍ حُسِّنت أو قُبِّحت ضلالة لعموم الحديث، أم تنقسم إلى أقسام الشريعة كما قال بعض الناس(5)؟ و السلام.

    فأجاب ـ رحمه الله ـ بقوله (( .. قول النبيّ ـ صلّى الله عليه و سلم ـ ( كلُّ بدعةٍ ضلالة ) محمولٌ عند العلماء على عمومه، لا يُستثنى منه شيء ألبتّة، و ليس فيها ما هو حَسَنٌ أصلاً ، إذ لا حَسَن إلاَّ ما حّسَّنه الشرع و لا قبيح إلا ما قبَّحه الشرع، فالعقل لا يُحسِّن ولا يُقبِّح، و إنمَّا يقول بتحسين العقل و تقبيحه أهل الضلال.

    و ما ذكره بعض الناس في تقسيم البدع لا يصحُّ ظاهره ، بل له غَورٌ لا أقدر الآن على تقريره، فمن حمله على ظاهره زلَّ، و بالله التوفيق.

    و أمَّا قولكم أوَّلاً : هل نحن مأجورون على فعلها أو داخلون تحت وعيد ما ذكرتم؟ فإنَّ يحيى بن يحيى (6) قال: ( ليس في خلاف السنَّة رجاءُ ثوابٍ ).

    و السلام على من يقف على هذا من كاتبه الشاطبي و رحمة الله و بركاته ))اهـ.

    و للشيخ أبي عبد الله الحفَّار الغرناطي ـ رحمه الله ـ ( ت811هـ) فتوى في نفس الموضوع (7) ذهب فيها إلى ما ذهب إليه الشاطبي ، و أفاض في الجواب لمَّا سُئل عن رجلٍ حبَّس أصل توت على إقامة المولد ، ثمَّ مات فأراد ولده أن يتملَّك أصل التوت.

    و جاء في فتواه أنَّ السلف الصالح لم يفعلوا في ليلة المولد شيئاً زائداً على ما يفعلون في سائر الليالي، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ إنمَّا يُعظَّم بالوجه الذي شُرع في تعظيمه ، و هم قد اختلفوا في تعيين ليلة ولادته، و لو شُرعت فيها عبادةٌ لعيَّنها الصحابة و حقَّقوا.

    و قال الحفَّار ـ رحمه الله ـ (الخير كلُّه في اتِّباع السلف الصالح الذين اختارهم الله، فما فعلوه فعلناه، و ما تركوه تركناه، فإذا تقرَّر هذا ظهر أنَّ الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوبٍ شرعاً بل يُؤمر بتركه، و وقوع التَّحبيس عليه مما يَحمل على بقائه، و استمرار ما ليس له أصلٌ في الدين، فمحوه و إزالته مطلوبة شرعاً.

    ثم ها هنا أمرٌ زائدٌ في السؤال: أنَّ تلك الليلة تقام على طريقة الفقراء، و طريقة الفقراء في هذه الأوقات شنعة من شنع الدين، لأنَّ عُمدتهم في الاجتماع إنَّما هو الغناء و الشطح، و يقرِّرون لعوامِّ المسلمين أنَّ ذلك من أعظم القُربات، و أنَّها طريقة أولياء الله، و هم قومٌ جهلةٌ لا يُحسن أحدهم أحكام ما يَجب عليه في يومه وليلته، بل هم ممَّن استخلفهم الشيطان على إضلال عوامِّ المسلمين إذ يُزيِّنون لهم الباطل، و يُضيفون إلى دين الله ما ليس منه، لأنَّ الغناء و الشطح من باب اللَّهو و اللَّعب، و هم يُضيفونه إلى أولياء الله ، و هم يَكذبون في ذلك عليهم ليتوصَّلوا بذلك إلى أكل أموال الناس بالباطل، فصار التَّحبيس عليهم ليُقيموا بذلك طريقتهم تحبيساً على ما لا يجوز تعاطيه؛ فيبطل ما حُبس في هذا الباب على هذه الطريقة. و يُستحب لابن هذا المحبِّس أن يصرف هذا الأصل من التوت على بابٍ آخر من أبواب الخير الشرعيَّة، و إن لم يقدر على ذلك فينقله لنفسه))اهـ.

    و قبل أن أضع القلم أنقل لك أيُّها قارىء النَّهِم كلماتٍ نيِّراتٍ لعلاّمة الجزائر في زمانه الشيخ السلفي عبد الحميد بن باديس الصنهاجي المالكي ـ رحمه الله ـ (ت1359هـ) في الحثِّ على الاتِّباع و التَّحذير من الابتداع ، و حُقَّ لها أن تُكتب بماء الذهب و العيون لنفاستها.

    قال ـ رحمه الله ـ أثناء ردِّه على شيخه العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور في مسألة القراءة على الأموات (3/77ـ آثاره) (( ... و لا يكون الإقدام على إحداث شيءٍ للتقرُّب به مع ترك النبيِّ ـ صلى الله عليه و سلم ـ له مع وجود سببه، إلاَّ افتياتاً عليه، و تشريعاً من بعده، و ادعاءً ضِمنياًّ للتفوُّق عليه في معرفة ما يُتقرَّب به، و الحِرص عليه، و الهداية إليه، فلن يكون فعل ما تركه ـ و الحالة ما ذُكر ـ من المباحات أبداً ، بل لا يكون إلاَّ من البدع المنكرات...)).

    و قال في نفس السياق أيضاً (3/108) (( إنَّ هذا الأصل و هو ما تركه النبيُّ ـ صلى الله عليه و آله و سلم ـ مع قيام مُقتضيه فالدِّين تركُه، و الزيادة عليه بدعةٌ مذمومةٌ مخالفةٌ لمقصد الشارع ، هو حجَّةُ المصلحين في ردِّ البدع على الغالين و المتزيِّدين...)).

    و قال ـ رحمه الله ـ في رسالته الموسومة بـ '' جواب سؤال عن سوء مقال '' (3/163ـ آثاره) (( اعلموا ـ جعلكم الله من وُعاة العلم، و رزقكم حلاوة الإدراك و الفهم، و جمَّلكم بعزَّة الاتِّباع، و جنَّبكم ذلّة الابتداع ـ أنَّ الواجب على كلّ مسلمٍ في كلِّ مكانٍ و زمانٍ؛ أن يَعتقد عَقْداً يتشرَّبه قبله، و تسكن له نفسه، و ينشرِح له صدره، و يلهج به لسانه، و تنبني عليه أعماله؛ أنَّ دين الله ـ تعالى ـ من عقائد الإيمان، و قواعد الإسلام، و طرائق الإحسان، إنَّما هو في القرآن و السنَّة الصحيحة و عمل السلف الصالح من الصحابة و التابعين و أتباع التابعين، و أنَّ كلَّ ما خرج عن هذه الأصول ، و لم يحظ لديها بالقَبول ـ قولاً كان أو عملاً أو عقداً أو احتمالاً ـ ؛ فإنَّه باطلٌ من أصله، مردودٌ على صاحبه ـ كائناً من كان ، في كلِّ زمانٍ و مكانٍ. فاحفظوها و اعملوا بها تهتدوا و ترشدوا إن شاء الله ـ تعالى ـ ، فقد تظافرت عليها الأدلَّة من الكتاب و السنة و أقوال أساطين الملَّة، من علماء الأمصار و أئمَّة الأقطار و شيوخ الزهد الأخيار، و هي لَعَمر الحقِّ لا يقبلها إلاّ أهل الدين و الإيمان، و لا يردُّها إلاّ أهل الزَّيْغ و البُهتان، و الله أسأل التوفيق لي و لكم و لجميع المسلمين، و الخاتمةَ الحسنة و المنزلةَ الكريمة في يوم الدين، آمين و الحمد لله ربِّ العالمين))اهـ.

    و بهذه النَّصيحة النَّافعة و الوصيَّة الجامعة أختم المقال ، و صلّى الله على رسولنا الكريم و على جميع الصَّحب و الآل.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة