ظلّ دافئ ، لأصابع عبد الرحمن الوجيه ..

الكاتب : مروان الغفوري   المشاهدات : 1,179   الردود : 13    ‏2005-04-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-18
  1. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]

    ظلّ دافئ ، لأصابـع عبـدالرحمـن الوجيــه... بقلم: مروان الغفوري *


    [​IMG]


    د . عبد الرحمن الوجيه .. ذهب البارحة إلى الأمكنة الخضراء ، في حادث سير في الطريق إلى صنعاء .. صنعاء المنهكة .. !

    ( 1 )
    ستخبر أصدقاءك أنّ أكثر ما تفتقده خلفك ليس إلا بحثُك الذي لم يكتمِل بعد ، و أنّ خروجك الأكسيدوسي الأخير لم يكُن محاولة لجسّ الأبديّة .. أعلم أن عينك التي انطفأت مؤقتاً لن تتيح لك جرأةً لتنتقد فيها تلك الوجوه المصمتة التي غادرتْك بأصابعك القليلة ، رغم أنّك تدركُ أن طفلتيك الراقدتين في غرفة استثنائية لن تغفرا ذلك لهم ، و أن رفاقك الوطنيين ستنفجر بهم الغصّة .. لأنّك كنت وطنهم المستعار حين تخونهم الأمكنة .. الطريق المهشّم ، ذلك الذي عبرَ من خلالك ليُسْلِمَك و الاسماء الخفية التي لمحتها على جباه رجال المرور : كاليجولا .. - قبل أن تهمس في أذن رفيقك : أرى روما تحترق بين أصابع هؤلاء الأجلاف .. هذان المشهدان تسببا ، حتماً ، في انزلاقك إلى حديثِ مستعجل عن تغيير الطريق ، و حتميّة حياة مختلفة على غرار الأمم الأخرى ..كانت طفلتاك تحرّضانك على هذا التابو من التفكير .. تحرضانك ، بينما انشغلتَ بشرود متَجهّم .. و تراصّت أمام نافذتك الأخيرة صور الملائكة الذين يخشون الوجوه البيضاء .. كنتَ تبتسم لأنّ أمّك المنهكة تحاول أن تغريك بمديح ليس من شأنِك ، أن تذكرّها بعدل الإمامة ، و وحشية الإدارة المحلية ... كنتَ بعيداً ، ترتّب بشكل تلقائي موعداً غريباً سيمنحك أقداماً مثلّثة ، و عيوناً خضراء و مسارات مائية .. نسق متآلف من الطفولة و الخوف ، كنت تشير بيدك كأنّك تقول : قادمٌ أيتها البلاد التي لا تأكل ساكنيها . أنت تعلمُ الآنَ أننا نخاف مكانك ، و أنّك لا تريدُ أمكنتنا .. و لستُ متأكّداً من مدى اشتياقك لي ، أنا بالتحديد ، رغم يقيني أنّك تفعل ذلك دائماً .

    ( 2 )

    أصدُقك القول يا عبد الرحمن : الوطنية التي كنت أقلّب أوجهها أمامك ، و العير التي نفشتها الريح في قلبي لم تعُد تلك السارية المهمّة التي يمكن أن أعلّق عليها قطعة من القماش العاري ، و أكتب في ألماها : لا بد من صنعا و إن طال السفر ، بعد سفرك الطويل و المطلق . صنعاء ، هذه العجوز المتوارية خلف طرازٍ جديد من الأوجه الصلبة ، لم توفّر لـك أماناً مؤقّتاً .. ضنّت بسورٍ بسيط تحمي به المغادرين أمام أعين نسائهم بحثاً عن حكايةٍ تسكبُ الرزق في حاناتها . ضنّت ، يا صديقي الكثير ، بمشروع إداري يقيك - و أنت عاشقها المستنير - قطّاع الأرواح ، و أظافر " سمارة " المعكوفة . صنعاء ، جميلتك الأزلية يا عبد الرحمن ، تركت لجيرانك الأميين تفسير غيابك المفاجئ بأنّه قدرٌ صنعته أنت ، و أنّ مخلوقات غريبة كانت سبباً في دخول وردة حلمك في الفراغ .. و أيضاً ، لم تستحِ صنعاء ، وهي هي ، أن تشيّع غيابك بعبرةٍ كسولة ، كما فعلت أبداً مع أنفاس الغرقى و المهاجرين غير الشرعيين الذين يتخطفهم حرسُ الحدود .. أتذكر الحدود يا أكثر اليمانين وجعاً ! ؟



    (3 )

    ثمّة ما يلح في أثري ، ربما كان مجسّماً فقيراً لأقدام صنعاء المقطوعة ، و بناتها الخائفات . ثمة تفتقد الكائنات أصواتاً غير معترفٍ بها .. كالـ.. لشاب نزقٍ يلغي ميعاداً عاطفيّاً / حكايةً منهكة عن فتاة القبيلة الأولى ، قبل أن يغتال الخدمُ أباها السلطان - بكاء طفلٍ صغير هزمته ابنةُ الجيران حين أخبرته أنّ المنتخب اليمني لم يكن يمنيّاً صرفاً ، كان مجرّد حفلة سمراء لم تهتم كثيراً لرهانات الباعة المتجوّلين .. أدركُ تماماً أنّك لم تدِر ظهرك لهذه الضوضاء إلا لأنّك صدّقت أنّ شاطئاً أبيض ينتظر الموجوعين ، و أن بلاداً لا تأكل ساكنيها ستملأُ خوفك الحثيث بمنائر خضراء .. لذا ، كنتَ حريصاً على اصطحاب زوجك ، و تركتنا نحنُ الذين تعلّقت قلوبهم في قميصك الأخير الممزق .. تركتنا نتساءل : من منّا سيوقدُ المنازل القديمة ليهتدي إليها قلبُك حين تزورنا - كما كنتَ تفعل - في ليال عيد الفطر ، و ذكريات الجنود الذين سرقتهم المنايا ؟

    ( 4 )


    المدينة التي تركتها عينُك لم تعُد تحفل ، كما اعتادت ، بأعياد الحبّ و الميلاد .. الكنائس المعلّقة بصليب وجل باتت أشبه بامرأةٍ تحاول أن تنسى أغنيات " عبد الباسط " التي حفظتها بعد الثورة ، أعني تلك الثورة و حسب . منارة مسجدنا ببهجتها المطفأة تستحمُّ فرقاً من مشهد لم تعد تملأه الريح المدلّاة في حديثك المرتبك عن حق أقليمٍ ما ، إن شاء ، أن ينفصل عن أمّه الأرض ، و عن أشجار عسير و انتمائها الديالكتيكي .. و عن الأصولية المعاصرة .. قيل أنّ الأمكنة الخضراء تموتُ بعد ساكنيها المنطفئين .. و أنت يمنٌ صغيرٌ ظلّ يكبُر خلف البحر ، وبين أصابع يديك حنطةٌ مستوية توزعها على فقراء المدينة الحفاة . هيييه ، كنتُ أغضبُ منك حين تقول "عزّ القبيلي بلاده " بينما تأكل بلادُه فوق رأسه الضأن عملاً بمنطق الطير ..


    ( 5 )

    كنتُ على وشك أن أنقل إليك خبر مباراة " الشياطين الحمر و الدروايش " الأخيرة ، تلك التي انتهت بفاجعة فنيّة ، سقط على إثرها مرمى الدراويش ويكأنّ ما كنّا نشاهده ليس إلا فيلماً تراجيديّاً لجيلٍ من الأحرار يسحبون عربة موتى .. تدرك لماذا كنتُ أهتف لصالح الدراويش .. كنتُ أقول لك : الاسماعيلية قصيدة قديمة خبّأتها لي الأساطير بجوار البحر ، و أن الرياح التي سرقتها ليلاً ضلّت الطريق إلى المقبرة .. كنتُ أحدّثك عن وسيلةٍ أخرى ننجو بها من خيبة أملنا في نتائج المباريات الفاصلة ، و الانتخابات البرلمانية ، و أقترح عليك أن ننشغل بتشجيع فريق برشلونة .. و مراجعة أفلام غزاة الشمال ، و الملك آرثر .. كنتُ أحرّضك على العدمية لأني آكدٌ تماماً من حرصك على تجاوز الطموح . لم يكن فينا - نحن العابثين - من أحدٍ يتذكر معالم الأمكنة القديمة ، حتى الاسماء التي حفظناها خانت الذاكرة سهواً .. شيء واحدٌ حملناه من الحارة القديمة : التحدّي .. التحدّي باسم أسمائنا المرتبكة .

    ( 6 )

    تذكر يا عبد الرحمن .. كنتَ تقول لنا : لو أنّ الجهات المسؤولة فرضت ضريبةً معلومة على كل سيارة متّجهةٍ إلى صنعاء لترميم المنزلقات الخطرة .. و تسوير نقيل سمارة . كنتَ - كما عهدتُك - تكتفي بضرب مثال واضح و طرح فكرة يافعة . في حين كنتُ انفعلُ أمامك : يا صديقي ، الذين عبروا على جسور الموت أثناء حرب الانفصال لم يكونوا هم الذين ذاقوا حلاوة النصر .. و الشهداء الذين اختفت أسماؤهم من جداول المحرّرين تركوا أولادهم حفاةً بلا ظل . لم أتنبّأ بخوفٍ بين عينيك ، بالرغم من أنّك بدوتَ لي ، و للمرة الألف ، متوجّساً من وقع خطواتٍ ساذجة على سلّم حديثِك .. كنتَ تفرُك كلماتك كما لو أنّ عابرين فقراء يتوضّؤون بها . و كنتُ أجد ذلك الدفء القومي أمامك ، فأحاول جاهداً بعدميّتي المحضة أن أحرّض شهوة العبثَ فيك ، أن أقودَ ممكناتك إلى مستحيلٍ جزئي .. ربما قهقهتَ حين تسمعني أفلسِف ميتافيزيقا الحضور لقمصان الذين اختفت أقدامُهم في سمارة : يغرقون في حفنةٍ من الخوف ، و هم الذين ظلّت أجسادُهم طافيةً في جداول الناخبين !

    ________________________________


    (*) مشاركة خص بها مروان الغفوري (الصحوة نت) عن الراحل الدكتور عبدالرحمن الوجيه الذي توفي مع سبعة من أفراد عائلته في حادث مروري أليم مساء السبت الماضي ..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-04-18
  3. الشامـــــــخ

    الشامـــــــخ مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-04-09
    المشاركات:
    29,877
    الإعجاب :
    1
    للدكتور الرحمه ولك مني تحيه

    ان الكلام لايستطيع ان يعبر فماذا نقول وما نحدث انها فاجعه لا.............!

    هي اكثر من ذلك ولا اقول الا رحمه الله تعالى وادخله فسيح جناته

    وقد حدثني بعض الزملاء عن هذا الرجل وما بداخله من وطنيه وحرص على هذا الشعب المظلوم .
    وتمنيت اني التقيت به وجلست معه لكي استزيد من افكاره .

    ولك اخي العزيز اجمل تحيه على الابداع الذي تتحف مجلسنا هذا به
    فمقالاتك واشعارك لها شكل خاص واسلوب مميز.

    والشكر الجزيل لك ولكل اعضاء هذا المجلس


    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082 FF0000"] اخوك............................ الشامــــــخ[/grade]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-04-18
  5. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الله يرحمة ويرحم عائلته
    ويسكنهم فسيح جناته

    وشكرا على المشاركة الرائعه استاذنا مروان الغفوري
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-04-18
  7. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    الشامخ و الصلاحي ..

    قلبان أحبّهما .. ليحفظكما الله كما يجب .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-04-18
  9. بسباس

    بسباس عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-15
    المشاركات:
    1,699
    الإعجاب :
    0
    بسم الله

    اللهم تغمده واسرته بواسع رحمتك واسكنهم فسيح جنانك واحشرهم مع جده المصطفى وآاله الاطهار وصحبه الابرار, اللهم واجعل قبورهم من رياض الجنه وبدل سيئاتهم حسنات .

    اللهم وعوض اليمن عن هذا العبقري الالمعي خيرا يا ارحم الراحمين


    والفاتحة الى ارواحهم وارواح موتانا وموتى جميع المسلمين
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-04-18
  11. محمد ابوعلي

    محمد ابوعلي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-03-21
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    §¤°~®~°¤§حدث جلل ومصيبة لانماك معها الانقول انا لله وانا اليه راجعون ورحمة الله تغشاك ايها الدكتور الفاضل ووالله انها موعظة لنا من وفاة الكتور عبدالرحمن الوجيه فكم نسعى في الدنيا ونكد ونتعب نسوق الاماني والاحلام فإذ الموت يأخذنا على غفلة
    لازال الكتور معلما لنا في حياته وفي موته فهل من متعظ

    مع رجائي الدعاء له
    §¤°~®~°¤§
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-04-18
  13. محمد ابوعلي

    محمد ابوعلي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-03-21
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    العفو على الاخطاء الاملائية فهذه نتيجة للمصاب الجلل
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-04-18
  15. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    رائعة هي روح الصداقة والصدق التي تشع من رثائك أخي مروان
    لقد ابكتني كلماتك لفقد أخ لي لم تلده أمي
    نسأل الله أن يتغمد عبد الرحمن الوجيه
    وافراد عائلته المتوفون معه
    بواسع رحمته
    وأن يسكنهم فسيح جناته
    وأن يلهم اهلهم وذويه الصبر
    وإنا لله وإنا اليه راجعون
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-04-18
  17. abo.targ

    abo.targ عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-12-03
    المشاركات:
    1,153
    الإعجاب :
    1
    رائعة هي روح الصداقة والصدق التي تشع من رثائك أخي مروان الغفوري
    لقد ابكتني كلماتك لفقد أخ لي لم تلده أمي
    نسأل الله أن يتغمد عبد الرحمن الوجيه
    وافراد عائلته
    بواسع رحمته
    وأن يسكنهم فسيح جناته
    وأن يلهم من بقي منهم الصبر
    وإنا لله وإنا اليه راجعون
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-04-18
  19. Sheba

    Sheba عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-12-11
    المشاركات:
    887
    الإعجاب :
    0



    [align=right]هنا توقفت كثيرا يا مروان. لك حس المطر ايها الاخ النبيل.

    كم هي الحياة لئيمه و كم هي المدائن خائنه. نحب الحياه و نقدم لها ارواحنا لتقدم هي لنا الموت. نتغزل في جمال المدينه و نواعدها ونعود الى احضانها مخلصين، لتشيع هي اجسادنا و كأننا لم نعشقها ذات يوم.



    احزنتني كلماتك بقدر جمالها.
     

مشاركة هذه الصفحة