اي مهانة

الكاتب : محمد ابوعلي   المشاهدات : 315   الردود : 0    ‏2005-04-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-17
  1. محمد ابوعلي

    محمد ابوعلي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-03-21
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    قالها محمد"[1]" وحشرجة البكاء تكاد تتفجر من صدرٍ تملأه غلبة الدين وقهر الرجال والحزن على رفيق الدرب الذي شاهد بأم عينيه ومعه نحو ستين صيادا آخرين الفصل الأخير من فصول حياته ، مشهد فاق بكثير أعظم مشاهد الرعب " والتراجيديا " المؤلمة والقتل المجاني: "... لقد دفناه في جزيرة " تِيعُوه " الإرترية تحت أكوام من الرمال المالحة وإكراه السلاح ودفنا معه أرواحا وكرامات كانت هي الأخرى مصادرة في رحلة الموت والتسفير والإهانة ...الخامسة صباحا ... كان البحر رقيقا وهادئا في جزيرة " مُجَيْدحْ " غير أن الصيادين والبحر والتاريخ كانوا جميعا على موعد مع واحدة من أبشع الجرائم، القتل بدم بارد يتجاوز كل المواثيق والصلات الإنسانية وحسن الجوار ويتناسى سالف المعروف والإحسان، جريمة نفذت في حق مواطن قدم من وطن كان يوما ما يسمى بالسعيد قبل أن يتحول أهله إلى أمة مستباحة داخل الوطن وخارجه يموت المئات من شبابه في كل عام على بواباته برا وبحرا باحثين عن لقمة العيش والكساء في حدها الأدنى .
    نزل الجنود الارتريون من زورقهم واتجهوا صوب ذلك المركب الخشبي وصاحبه الذي أعياه الضغط والسكر والديون المتراكمة، طلبوا إليه تسليم المحرك الخاص بمركبه لم يجد مبررا يبيح لهم ما يفعلون ولم يكن يعلم أن تلك كانت مقدمة لمصادرة شاملة ستطال حتى روحه وهو عاجز عن الدفاع عنها لم يستطع التفاهم مع جنود لا يجيدون من العربية سوى بعض من مفردات السب والشتيمة " يا ابن الـ....." كان يطمع في أن يصل التفاهم معهم إلى طريق بيد أن نتيجة التفاوض كانت حفرة في جزيرة " تِيعُوه " النائية على مسافة يوم من ميناء " مصوَّع " وحصيرة من سعف النخيل وكأنما قدر لذلك اليمني أن يعيش غريبا ويموت غريبا ويدفن وحيدا، خيم الحزن والخوف والأسى على أرواح زملاءه وهم ينظرون إلى الجندي يوجه فوهة رشاشه إلى صدر سالم يحي مهيوب قبل أن يطلق عدة رصاصات قاتلة من مسافة قريبة هشمت اللحم والعظام وذهبت بالروح إلى الدار الآخرة ثم ما لبثت تلك الحادثة أن تتحول إلى حملة مصادرات واسعة بدأ بالنفس البشرية وانتهاء بكل ما يملكون من مال ومتاع وكرامة إنسانية،... أمر الجنود في البداية بإلقاء الجثة في البحر ليكون طعاما للسمك التي قدم ليصطادها فكاد أن يصبح هو صيدا لها ولكن وبعد توسلات ورجاءات من زملاءه وافقت الدورية على دفنه في جزيرة نائية رافضة إخراجه إلى بلده وأهله لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، لن يستطيع أطفال مهيوب وزوجته بعد ذلك اليوم حتى زيارة قبره، لن يستطيعوا وضع (إكليل) ولو من جريد النخل المتوافر بكثرة في منطقته - الخوخة- على ذلك القبر الذي قدر لصاحبه أن يبعث يوم الحشر مغتربا عن الديار والوطن وليكون شاهدا على وحشية الإنسان تجاه أخيه.
    كانت المعاملة وحشية إلى حد بعيد وكان الرعب يملأ المشهد بكل ما أوتي من قوة، صمد الصيادون في تلك الظروف الشديدة القسوة إذ لم يكن أمامهم سوى الصمود، رفضت الدورية الارترية السماح لهم بغسله أو الصلاة عليه أو حتى حفر قبر له كما يعامل الموتى من البشر فاضطروا إلى دفنه في حفرة صغيرة وفوق رؤوسهم الرشاشات مشرعة والموت بادية أنيابه لهم .
    و بعد احتجاز دام ثلاثة أيام في وضع غير إنساني قررت تلك السلطات ترحيلهم ولكن على مركب خشبي واحد من مراكبهم الخمسة ، ثم كانت رحلة العودة ، البحر هائج والمركب واحد والعدد يزيد عن الستين دونما ماء ولا أكل ولا كرامة، صارت دورية مسلحة خلفهم حتى أخرجتهم من مياهها الإقليمية رفضت تزويدهم بالماء أو الطعام إلا من دبة ماء واحدة سعة عشرين لترا.. نفد الماء في اليوم الأول من رحلة تستغرق ثلاثة أيام بلياليها في عرض البحر أما الطعام فلا تحدث عن ذلك أحدا ، بدأت رحلة البحث عن مقومات الحياة ، الحرارة لافحة والأرواح منهكة والأمل مات في النفوس يحدقون في السماء بوجوه يملأها الشحوب ولكن لا أمل إلا في الله وحده ، الموج يزداد حينا وينقص حينا آخر والأوضاع تضطرب تقطعت بهم السبل، الغالبية انهارت قواهم ولم تنهر عزائمهم في التشبث بأهداب الحياة ، استسلم معظم أعضاء رحلة الموت إلى قدرهم ، كانت أمامهم ثلاثة أيام بلياليها حتى يصلوا إلى السواحل اليمنية، في إحدى الجزر النائية عثروا على بئر آسنة الماء ولكنهم شربوه وتزودوه لباقي الرحلة فإما هو وإما الموت المحقق.
    تحطمت الآمال وماتت الأحلام في النفوس ولسان حال محمد يقول: أَنظُر إلى مصيبتي المتسعة باتساع البحر والعميقة بعمق البحر وأتأمل الواقع المر والمستقبل المخيف صورة زميلي القتيل والدفين هناك والمَرْكَب المصادر والديون الباقية والشيخ المقعد والعجوز التي تنتظر عودتي لإجراء عملية المرارة فعدت إليها بالمرارة، صورة الدولة التي لا زال الأمل في أن تقف معنا وتقوم بواجبها في التخاطب مع الدولة الارترية لإرجاع قواربنا وأموالنا المصادرة ، كتبت في مخيلتي ألف مناشدة للرئيس ، كنت أحاول بذلك إحياء الأمل في عودة المراكب المصادرة والكرامة المنتهكة والهروب من الرعب المحيط بي وبزملائي .
    لقد مات ما تبقى من أمل ضحل في نفوس أولئك الصيادين عندما وصلوا إلى مدينة الحديدة و لم يجدوا أدنى اهتمام بقضيتهم ، لم يحظوا حتى بفتح ملف لتسجيل القضية التي تعد قضية وطن بأكمله وليست قضية مجموعة من الصيادين فقط كما قال محمد ولا السؤال عن ملابسات الحادث، كانت تلك المشاهد والصور تملأ نفسي ولا زالت، أنا لولا حيائي لبكيت مثل الثكلى بسبب ما أجد
    ولكم اخواني الرأي
     

مشاركة هذه الصفحة