التديّن المغشوش

الكاتب : almutasharrid   المشاهدات : 659   الردود : 3    ‏2002-01-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-01-05
  1. almutasharrid

    almutasharrid قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-08-16
    المشاركات:
    4,475
    الإعجاب :
    0
    للتدين المنحرف أسباب نفسية وأخرى علمية ، تظهر في أقوال المرء وأفعاله ، وتلخص فيما يصدره من أحكام على الأشخاص والأشياء ، وتتفاوت هذه الأسباب قوة وضعفا وقلة وكثرة ولكنها على أي حال ذات أثر عميق في تحديد المواقف والاتجاهات ، والمفروض في العبادات التي شرعها الله للناس أن تزكي السرائر وتقيها العلل الباطنة والظاهرة وتعصم السلوك الإنساني من العوج والإسفاف والجور والاعتساف ، وكان هذا يتم لو أن العابدين تجاوزوا صور الطاعات الى حقائقها ! وسجدت ضمائرهم وبصائرهم لله عندما تسجد جوارحهم ، وتتحرك أنفس ما في كيانهم – وهو القلب واللب - عندما تتحرك ألسنتهم .

    إذا ما وقفت العبادات عند القشور الظاهرة والسطوح المزورة فإنها لاترفع خسيسة ولا تشفي سقاما .. وقد كتبت يوما عن الحطيئة عندما يشتغل بالدعوة وتساءلت : ماذا ننتظر من رجل طبيعته شرسة إلا الوعظ بفوارض الكلم وسيئ العبارات .. إن طبائع بعض الناس تحول الدين عن وجهته الى وجهتها هي فبدل أن تهدي تصد ، وبدل أن تسدي تسلب .. وقد نبه القرآن الكريم الى خطورة نفر من الأحبار والرهبان جعلوا الدين كهانة تفسد بها الفطرة وتصطاد بها المنفعة ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) وهذا النوع من الناس آفة الأديان كلها وفيه يقول الشاعر :
    وهل أفسد الدين إلا الملوك
    ================ وأحبار سوء ورهبانها
    فباعوا النفوس ولم يربحوا
    ================ ولم تغل في البيع أثمانها
    والآفات النفسية قد تبدأ من الطفولة ، بل قد تنحدر مع خصائص الوراثة وإذا لم تذهب بها التربية الراشدة نمت مع شابا وبقيت في دمه شيخا .. كم رأينا من سباق الكلام في الدين لاحصيلة له إلا اللغو والهباء فالواعظ لا يبلغ هدفه مهما كان بليغا إذا قارنته نية مغشوشة وتدبر سياسة هؤلاء المرضى العتاة وهم يقلبون الحق باطلا والباطل حقا يقول موسى لفرعون ( قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل ) ويكون جواب الطاغية وملته ( إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ) رجل يريد الفرار بقومه من العذاب فيتهم بأنه يريد إخراج المواطنين من أرضهم فإذا عرف نفر من الأتباع الحق وآمنوا به قيل لهم ( آمنتم به قبل أن آذن لكم ) سبحان الله لماذا ينتظر إذنك ؟ قديما وحديثنا وجد أولئك المنحرفون من حملة الأشياء الطنانة فكانوا بلاء على أممهم ، ودفعت الشعوب آلافا مؤلفة من القتلى ثمنا للمجد الشخصي الذي يزعمه رجل يقول : أنا الدولة وأنا وحدي والاستبداد السياسي هو البيئة الخصبة لاثبات هؤلاء الفراعين وهو السد الأعظم أمام ارتقاء أمم شتى ، والسر في انتشار رذائل الملق والصغار في جنباتها .

    عندما أبحث عن جرائم الانحراف بين المتدينين أجد هذا اللون في الفراعنة وراء جملة من المسالك التي نشجبها ونضيق بأهلها فالجماعة التي تحمل عنوان ( التكفير والهجرة ) مثلا نبتت أفكارها في السجون ونمت أشواكها وراء القضبان وهل أدافع بهذا القول عن التطرف ؟ لا … فأي عالم مسلم يأبى العوج الفكري والانحرافات النفسية ، إن هذا الشاب مختل المزاج فصاحب الرسالة ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وهؤلاء الشبان ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أصعبهما ، والإسلام يقدم الدليل ويؤخر العنف فما يلجأ إليه إلا كارها ، أما أولئك الشباب فقد نظروا الى الأسلوب الذي عوملوا به واستبيحت به حرماتهم فلم يروا أمامهم إلا السلاح !! ويوجد بين المتدينين قوم أصحاب فقر مدقع في ثقافتهم الإسلامية وإذا كان لهم زاد علمي فمن أوراق شاحبة تجمع كناسة الفكر الإسلامي والأقوال المرجوحة لفقهائه وهم يؤثرون الحديث الضعيف على الصحيح ، أو يفهمون الخبر الصحيح على غير وجهه ، وإذا كانت المدارس الفكرية في تراثنا كثيرة ، فهم مع ظاهر النص ضد مدرسة الرأي ، وهم مع الشواذ ضد الأئمة الأربعة وهم مع الجمود ضد التطور .. وقد سمعت بعضهم يحارب كروية الأرض ودورانها فلم تهدأ حربه حتى روى له أن ابن القيم يقول باستدارة الأرض ، ومازال البحث جاريا عن رواية أخرى تقول أن الأرض تدور كي يسكت ويستكين …!! هل بين أولئك القوم والخوارج القدامى قرابة روحية وفكرية ؟ ربما … بيد أن اتهام الخوارج بالافتئات على الأمة يمكن أن يستمع من خليفة راشد ، أعني من حاكم وليد شورى صحيحة وله مكانته الخلقية النزيهة ، أما أن يتوجه بالتهمة يزيد بن معاوية مثلا – فان الرد معروف ، سيقال له وما مكانتك أنت من الأمة ومصالحها وقيمها ؟ إن الجو الحر هو المكان الوحيد الذي يموت فيه التطرف ويتوارى أهله على بطء أو على عجل المهم أنهم لا يبقون ولا يستقرون .. على أن الفساد السياسي لايسيغ الانحراف العقائدي ولا العوج الفقهي وليس الدين ستارة لتغطية العيوب ، وانما هو طهارة منها وحصانة ضدها وفي تجاربي ما يجعلني أشمئز من التدين المغشوش وأصيح دائما أحذر من عقباه …. !! إن المنحرفين يسترون - بركعات ينقرونها – فتوقا هائلة في بنائهم الخلقي وصلاحيتهم النفسية وهم لا يظنون بالناس إلا الشر ، ويتربصون بهم العقبات لا المتاب ، وهم يسمعون أن شعب الإيمان سبعون شعبة ، بيد أنهم لا يعرفون فيها رأسا من ذنب ولا فريضة من نافلة ، والتطبيق الذي يعرفون هو وحده الذي يقرون … فالسواك سنة ، ومن حقنا أن ننظف أسناننا بأي فرشاة وأي معجون ، المهم نظافة الفم ، وهؤلاء ينظرون الى من لا يستعمل السواك نظرة مريبة ! لماذا لا يجعله في عروته مع القلم ؟ ولماذا لا يخرجه في المسجد وينظف فمه في الصف ثم يعيده بما فيه في جيبه ؟ هذا هو الدين عندهم ! والخلاف الفقهي لا يوهي بين المؤمنين أخوة ولا يحدث وقيعة وهؤلاء يجعلون من الحبة قبة ومن الخلاف الفرعي أزمة ، والخلاف إذا نشب يكون لأسباب علمية وجيهة وهؤلاء تكمن وراء خلافاتهم علل تستحق الكشف …. كتب أحدهم ردا علي جاء فيه إن الدعوة كانت تسبق القتال في صدر الإسلام ، ثم نسخ ذلك وأمسى القتال يقع دون حاجة الى دعوة تسبقه ! وساق حديثا لم يحسن فهمه ! وبدت لي خلال السطور المكتوبة صورة المؤلف المتحمس ، إنها صورة قاطع طريق يشن الغارات على الناس باسم الدين !! ولم يكتف المسكين بتدوين هراءه حتى ضم إليه سعاية الى أولي الأمر بأني أسأت إلى المرحوم الملك عبد العزيز !! هل ذلك مسلك الأتقياء الذين يخدمون التراث النبوي ؟ إن التدين يوم يفقد طيبة القلب ودماثة الأخلاق ومحبة الخلائق يكون لعنة على البلاد والعباد … والغريب أن التطرف لا يقع في مزيد من الخدمات الاجتماعية ولا في المزيد من مظاهر الإيثار والفضل ، انه يقع في الحرص البالغ على تقصير الإزار والتنطع السخيف في مكان وضع اليدين أو على طريقة وضع الرجلين خلال الصلاة ، والاهتمام الهائل هنا تقابله قلة اكتراث ببناء دولة الإسلام الغاربة والإقبال على تجميع العناصر التي لابد منها لاقامة حضارتنا واستعادة كياننا !!!!! والمجال المستحب للمغالين في دينهم يتفسخ عندما ينظرون في ذنوب الناس ، انهم يسارعون الى الحكم بالفسق أو الكفر وكأن المرء عندهم مذنب حتى تثبت براءته على عكس القاعدة الإسلامية … ومنذ أيام ثار جدل حول تارك الصلاة كسلا فلم يذكر أحد في شأنه إلا أنه كافر مستوجب للقتل مخلّد في النار !! قلت إن تارك الصلاة كسلا مجرم حقا ، ولكن الحكم الذي ذكرتموه في تاركها جحدا وإنكارا ما هو معلوم بالدين من الضرورة خروج من الدين ، أما الكسول فهو مقر بأصل التشريع قالوا : يقتل حتما ، قلت : لماذا تنسون حديث أصحاب السنن في أن الرجل لاعهد له عند الله - بتكاسله – إن شاء عاقبه وان شاء عفى عنه ! … ودخول هذه الجريمة فيما دون الشرك ، أعني إمكان العفو الإلهي عنها هو رأي جمهور المسلمين ، ومذهب الأحناف ألا يقتل الكسول وعلينا بالتلطف والنصح الحسن أن نقوده الى المسجد لا إلى المشنقة ….!! بيد أن المتطرفين يأبون إلا القول بالقتل ، وأن هذا وحده هو الإسلام ….. ومجال آخر هو قضايا المرأة إن حبسها وتجهيلها واتهامها هو محور النظر في شؤونها العبادية والعادية جميعا ويجب ليّ النصوص والآثار التي تربطها بالمسجد ،وبالأمر والنهي والتعليم ، وإذا خرجت من البيت لضرورة قاهرة فلا ينبغي أن يرى لها ظفر ، هي عورة كلها ، لاترى أحد ولا يراها أحد ، وعندما زارت رئيسة وزراء إنجلترا الشرق الأوسط قال لي أحد هؤلاء : أيسرك هذا فقلت ضاحكا : لعلها من أهل الظاهر تتبع مذهب ابن حزم الذي يجيز ولاية المناصب كلها للمرأة ماعدا منصب الخلافة العظمى ، قال : ابن حزم ضال مضل ! قلت : هو على أي حال مسلم له فقهه ! قال : ورأسها العاري ؟ قلت : ألا تراه مستورا ؟ قال: لم تضرب الخمار على الجيب ! قلت : أخطأت هداها الله … وهداك إنها يمكن أن تدخل في دين الله على شرط أن يعرضه عليها رجل غيرك ……..!

    ومن هؤلاء المتطرفين ناس لهم نيات صالحة ، ورغبة حقة في مرضاة الله وعيبهم – إن خلوا من العقد والعلل – ضحالة المعرفة وقصور الفقه ولو اتسعت مداركهم لاستفاد الإسلام من حماسهم وتفانيهم .


    ---------------------------------------------------------------------------------------
    مقتطف من مقالة كتبها الشيخ محمد الغزالي ( يرحمه الله ) في عام 1982 بعنوان التدين المغشوش تصف وصفا دقيقا ما وصل إليه الحال مع المزايدين باسم التدين والإسلام …
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-01-05
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    100%

    مقالة رائعة جدا استاذ متشرد للشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه

    نعم استاذ متشرد الدين لايقتصر على السواك وتقصير الثوب وما شابة ذلك من السنن!

    فالدين المعاملة والاصل احسان الظن بالمسلمين لا العكس!

    ان كان من أظافة شخصية فهي ان تصرفات بعض الشباب الخارجة عن الروح الاسلامية في الدعوة تعود الى غيرة هؤلاء الشباب والحماس للاسلام الذي هو في غير محله وعدم ادراكهم للدعوة بالقول اللين والكلمة الحسنة الطيبة !

    حقيقة مقالة اكثر من رائع

    شكرا لك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-01-05
  5. almutasharrid

    almutasharrid قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2000-08-16
    المشاركات:
    4,475
    الإعجاب :
    0
    الرجل علم اسلامي بارز

    أخي المتمرد

    الشيخ محمد الغزالي ( يرحمه الله ) علم اسلامي بارز أفنى عمره كله في الدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة .... ولم يكن من أصحاب الخزعبلات أو الخرافات والتفاسير الواهية للأحلام .... لقد قال يوما أنه يرجو من الله عز وجل أن يسخر له الأسباب ليكون قبره في طيبة الطيبة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ... قالها بنية صادقة وفي حديث عابر لا بقصد الدعاية والتأثير وفعلا لبىالمولى طلبه بعد سنين من أمنيته تلك وأدركته المنيّة أثناء حضوره مؤتمرا اسلاميا في المدينة المنورة ودفن بها ,

    هكذا هم الرجال الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه لقد تمنى على ربه وكان له ما أراد .

    اللهم ارحم الشيخ محمد الغزالي .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-01-05
  7. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    لا خلاف على الشيخ الغزالي رحمه الله

    استاذ متشرد

    علمائنا كلهم بارزون سواء كانوا في نجد أو في الحجاز أو في اليمن أو في مِصر أو الشام أو سائر بقاع الأرض
    ولكن تختلف أفهامهم ورؤاهم وتنظيراتهم فمنهم المتشدد ومن الميسر وهذا هو دائبنا من قابع الزمن ولنا في الائمة الاربعة قدوة في أختلاف فتاويهم فمنهم من جنح إلى العزيمة والتشدد ومنهم من جنح إلى التيسير وليس في كل الفتاوي فهيى تختلف فتاويهم من عالم لآخر فأحياناً أحدهم يشدد في مسألة ما واخر ييسرفيها وكذلك العكس في باقي الفتاوي !

    وهذه رحمة من الله لنا نحن العوام فمنا من ياخذ باليسر ومنا من ياخذ بالعزيمة

    أشكرك جزيل الشكر ورحم الله علمائنا
     

مشاركة هذه الصفحة