محاظرة السيد العلامة /حسين بدر الدين الحوثي

الكاتب : عشيق اليمن   المشاهدات : 344   الردود : 1    ‏2005-04-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-05
  1. عشيق اليمن

    عشيق اليمن عضو

    التسجيل :
    ‏2005-03-17
    المشاركات:
    6
    الإعجاب :
    0
    ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
    بتاريخ:
    25/1/2002م
    اليمن ـ صعدة



    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين.
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
    في مجال معرفة الله سبحانه وتعالى، وفي سبيل ترسيخ مفاهيم معرفته سبحانه وتعالى في أنفسنا لتعزيز الثقة به سبحانه وتعالى هناك وسيلة هي من أهم الوسائل ،تلك الوسيلة هي: التمجيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى من خلال عرض الثناء عليه بكماله ،كماله المطلق، والقرآن الكريم قد اشتمل على كثير من الآيات الكريمة التي كانت على هذا الأسلوب، قال تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر:22) {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر:23) {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:24)
    {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255) {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر:65) {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:18) {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص:70) { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:73) { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:101 ـ103) وكثير من السور في القرآن الكريم تصَدَّرت بالثناء على الله مثل قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} (سـبأ:1ـ2) {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(سـبأ: من الآية3)
    وسور أخرى تصدَّرت بقوله تعالى {سَبَّحَ}أو{ يُسَبِّحُ} مثل ما في أول هذه السورة سورة التغابن {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التغابن:1) {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:1) وكقولـه تعالى {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (يّـس:83) وقوله تعالى{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}،{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}(الروم:17ـ19) وما أكثر ما ورد في القرآن الكريم من أمثال هذه الآيات.
    وليس فقط في القرآن الكريم بل ورد على هذا النحو أذكار كثيرة شرعها الله لعباده أن يرددوها في صلاتهم وفي غير صلاتهم مثل( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ، والله أكبر). وهذه من أذكار الصلاة وكذلك (سبحان الله العظيم وبحمده) ، (سبحان الله الأعلى وبحمده ) ونحن في الصلاة ،ندخل في الصلاة بالتكبير لله (اللَّهُ أَكْبَرُ) وداخلها نكرر التكبير لله عند الركوع وعند السجود وعند القيام ،وعند القعود.
    والتسبيحة: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ،والله أكبر) هي من الأذكار التي وردت أحاديث بفضلها.
    كل هذا هو في الواقع خطاب ثناء على الله، يردده الإنسان بلسانه ليترك آثاراً في النفس.
    إذا تأملنا في الآيات الأولى قول الله تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } يتبادر إلى ذهنك كل ما عرضه في القرآن الكريم من أنه الملك ،وأنه الإله ،وأنه الرب ،وأنه المدبر لشئون السموات والأرض ،وأنه مالك لأمر عباده، هو الذي يحكم فيهم ،هو الذي يتولى هدايتهم، هو الذي يُشرِّع لهم ، { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }.
    كلمة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} التي نرددها ونرفعها في أذاننا كل يوم للصلاة ، كلمة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} التي تتردد في القران كثيراً ، سواء بعبارة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}أو عبارة { لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} تكريرها جيلاً بعد جيل سراً وجهراً هي في حد ذاتها دليل على أنه فعلاً ليس هناك إله إلا الله.
    من هو ذلك الإله الذي جاء يعترض علينا فيقول :لا ،بقي واحد ثاني. عندما نؤذن في الصلاة وبمكبرات الصوت (أشهد أن لا إله إلا الله) ونكرر ذلك ثم نقول في الأخير لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ونقرأ القرآن وهو مليء بـ{لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}لو كان هناك إله آخر لظهر.
    فنحن نرددها جيلاً بعد جيل مئات السنين ، يرددها المسلمون في كل بقاع الدنيا ، ولا أحد ظهر ليقول بأنه باقي واحد ثاني هو أنا.إذاً فحقيقة ليس هناك إله آخر.
    إنما نحن الذين نصنع آلهة داخل أنفسنا ، نصنع آلهة من الأشخاص ممن هم عبيد كالأنعام وليسوا حتى مثل بقية الناس، نحن من نصنعهم آلهة، ونحن من نصنع داخل أنفسنا آلهة، في الوقت الذي نسمع قول الله تعالى يتكرر في آذاننا وعلى مسامعنا {فاعلم أنه لا إله إلا الله}. والمؤذن للصلاة يقول لنا: (لا إله إلا الله ). ونحن نقول في صلاتنا { سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ،والله أكبر }.
    لماذا لا نفكر في كيف يجب أن نستفيد من تكرير { لا إله إلا الله } فنرسخ في داخل أنفسنا أن ما سوى الله لا يجب أن يخيفنا ، ولا ينبغي أن نخاف منه ، لا ينبغي أن نعتمد عليه ،ونطمئن إليه في مقابل الابتعاد عن إلهنا الذي لا إله إلا هو ،وهو الله سبحانه وتعالى.
    في درس سابق ( ) حول قول الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19) تحدثنا كثيراً عن كيف يجب أن نتعامل مع{لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، وكيف يجب أن يكون ترديدنا لها، وكيف نستفيد منها ، وكيف هو الأثر الكبير ،الأثر المهم الذي تصنعه في النفوس ، التي تحاول أن ترسخ معانيها فيها ، كيف ستصبح قوة تقهر كل من يبرزون في هذا العالم كآلهة للناس ، ممن هم عبيد أذلاء ضعفاء أمام الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض ، وكيف يجب أن تكون ثقتنا بالله ثقة مطلقة ، فما الذي يمكن أن نخاف منه سوى الله؟. من الذي يملك ما يملكه الله؟. من هو الكامل ككمال الله؟. من هو الحي الذي لا يموت ـ سوى الله؟. من هو القاهر كقهر الله؟. من هو الجبار كجبروت الله؟. لا أحد. لا أحد.
    حتى كل من يبرزون في هذه الأرض يتَعَاظَمُون أنفسهم ويقدمون أنفسهم كجبارين وطواغيت إنهم أذلاء ،إنهم ضعفاء،إنهم مساكين، مساكين أمام جبروت الله الواحد القهار، ما أضعفهم، وما أحقرهم، وما أذلهم، وما أذلنا نحن، وما أحقرنا، وما أضعفنا إذا أصبحنا نخاف منهم ولا نخاف من الله، ما أضعفنا وما أحقرنا وما أعمى بصائرنا إذا اطمئنينا إليهم، ولا نطمئن ولا نثق بالله سبحانه وتعالى.
    سبحانه وتعالى هو الله وحده فبه ثِق ،وعليه توكل ،وإياه فاسأل ، وبه فاستعِن، وإليه فارغب، وإياه فارهب، وإياه فاعبد، وله فأخلص ،{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }. أليست هذه وحدها تكفي أن تتعامل مع الله على هذا النحو، وأن تنظر إليه هذه النظرة؟ ؛أنه لا إله ءَأْلَهُ إليه ،أتجه إليه ،أصْمُد إليه ، أقصده، أعبده إلا الله
    {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أليس في هذا ما يدفعني إلى أن أثق به ،وأطمئن إليه، وأتوكل عليه، وأشعر بعظمته ، وأرسخ في نفسي الشعور بعظمته؟. هو عالم الغيب والشهادة ، فهو من إذا اعتصمت به اعتصمت بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بمن لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمتى يمكن أن يَسْتَغْفِلني أعدائي إذا كان وليي هو من يعلم الغيب في السموات والأرض ،هو عالم الغيب والشهادة؟. وأين يمكن أن أكون فلا يراني؟ أو أدعوه فلا يسمعني؟{قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}(طـه:46) {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء:217ـ 220)
    { هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وكما قلنا في درس سابق أن مجموع اللفظتين تفيد المبالغة في أنه رحيم بعباده.
    ولو تأملنا من خلال هدايته للناس ،من خلال تشريعه للناس، من خلال تدبيره لشئون عباده، لشئون مملكته لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر رحمته بنا، لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر حلمه عنا. رحمته الواسعة بنا ونحن ما نزال في بطون أمهاتنا ،وبهذا ذكَّرنا في القرآن الكريم.
    رحمته بنا ونحن في أحضان أمهاتنا، يعطفن علينا بقلوب مليئة بالرأفة والشفقة على الرغم من أننا نكون في ظرف لا ننفع الأمهات فيه بشيء ، بل نؤذيهنّ. أليس الولد يؤذي أمه بأشياء كثيرة؟. يقلقها وقت نومها ، يقلقها أثناء عملها ، يوسخ ثيابها، وتخدمه بكل رغبة ، تخدمه بكل ارتياح ، يعجبها وترتاح حتى عندما تسمع صوته، وإن كان في منتصف الليل بعد أعمال شاقة طول النهار، يعجبها أن تسمع صوته ، وتضمه إلى صدرها وتَحْنُو عليه بقلبها وعطفها.
    وهكذا تجد في مختلف الحيوانات الأخرى، حتى تلك الحيوانات الشرسة ،تلك الحيوانات ذات المنظر البشع. أنثى التمساح التي ليس له حِجْر تحتضن صغارها فيه، أين تضع صغارها؟. في فمها. ذلك الفم المليء بالأسنان الرهيبة ، فم طويل فيه مواشير من الأسنان فتحمل أولادها برفق وشفقة فوق أسنانها الرهيبة المفترسة، فيحس بالطمأنينة، ويحس بالارتياح فوق تلك الأسنان، التي لو رآها واحد منا عن بُعْد لولى هارباً من بشاعتها ،لا تحاول أن تطبق فمَها على صغارها، تطبق فمها بالشكل الذي فقط يمسك صغارها. الرحمة حتى داخل الفم المليء بالأسنان المفترسة البشعة الشكل الكثيرة العدد.
    وهكذا تجد في بقية مخلوقات الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمرحلة من مراحل المخلوقات هي مرحلة الولادة، ومرحلة الحضانة للصغار.
    مظاهر رحمته تعالى بنا واسعة جداً حتى في تشريعه لنا ،يشرع لنا ما هو ضروري بالنسبة لحياتنا أن نسير عليه، حتى وإن لم يكن هناك من ورائه لا جنة ولا نار. المتأمل يرى بأنه فعلاً ضروري للحياة ،أليس الناس يشرعون لأنفسهم قوانين ودساتير؟ ،هل وراءها جنة أو نار من الدولة التي تشرعها؟. لا. مجرد تشريعات يقال: تمشون عليها لتستقر بها الحياة السياسية والاقتصادية ، ويحصل استقرار داخل هذا الشعب أو ذلك الشعب فيسعد الناس. هذا كل ما يقولونه من وراء ما يشرعون. ومع هذا ما أكثر الأخطاء التي تظهر في تلك التشريعات ؛لأنها ناقصة جاءت من قاصرين وناقصين شرعوها للناس، الناس الذين لا يمكن أن يعلم بما هو تشريع مناسب لهم إلا الله الذي خلقهم سبحانه وتعالى.
    أمَّا الله سبحانه وتعالى فتجد كيف أنه فيما هدانا الله إليه وفيما شرّعه لنا مما هو ضروري بالنسبة لحياتنا لتستقيم عليه، ويسعد الناس في السير على نهجه ، يأتي ليعدنا على ذلك بالأجر العظيم والثواب الكبير ، برضاه وبالأمن يوم لقاه، وبالجنة التي عرضها السموات والأرض التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذّ الأعين. أليس هذا من مظاهر رحمة الله؟.
    لو أتى رئيس من الرؤساء وصاغ دستوراً معيناً ،أو قانوناً في مجال من المجالات وقال: من التزم به وسار عليه فسوف نعطيه قطعة أرض في محافظة (حضرموت) سعتها كذا وكذا بمضختها بالقائمين عليها ،لاتجه الناس لتطبيق ذلك القانون،ولآمنوا به ربما أعظم من إيمانهم بالقرآن من أجل أن يحصلوا على قطعة أرض، أو من أجل أن يحصل الواحد منهم على وظيفة معينة، وما قيمة الوظيفة ،وما قيمة قطعة الأرض في مقابل جنة عرضها السموات والأرض؟!. {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} (محمد:15) كل هذه الأنهار ،كل تلك الجنات المتدلية الثمار، كل تلك الجنات الواسعة المساحات، كل ذلك النعيم الدائم الذي لا ينقطع ،كله يعتبر زيادة منه سبحانه وتعالى ،رحمة لعباده ، وعدهم به فيما إذا ساروا على هديه، والتزموا بتشريعه، أن يمنحهم ذلك النعيم العظيم، هذه رحمة عظيمة.
    ثم تجد أثناء دفعه للناس إلى أن يلتزموا بتشريعه ، ودفعه بالناس إلى أن يسيروا على صراطه المستقيم الذي يوصلهم إلى مستقر رحمته الجنة، يفتح لهم في الدنيا أبواباً كثيرة لمضاعفة الأجر : من أول وَهْلَه الحسنه بعشر حسنات.
    أي الناس من أقاربك من أرحم الناس بك يمكن أن يبادلك على هذا النحو في تصرفاتك معه الحسنه بعشر حسنات؟. هل يمكن أن تتعامل معك أمُّك على هذا النحو في أمور تخصها فتقول لك: يا بني اذهب واعمل وحاول أن تكسب لي مائة ريال وأنا سأعطيك بدل المائة ألف ريال، هل هذا يحصل؟. أو أبوك هل يمكن أن يعمل هكذا؟. أو حتى أولادك هل يمكن أن يعملوا هكذا؟. أي الناس ممن هم رحماء بك يمكن أن يتعاملوا معك على هذا النحو؟ من حيث المبدأ مائه بألف ريال أو حسنه بعشر حسنات؟. لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى .
    من الذي فرض عليه هذا؟. هل أحد فرض عليه هذا من جهة عباده؟. لا.
    هو الرحمن الرحيم ،هو الرؤوف الرحيم الذي يرشدنا، ويشجعنا بمضاعفة الأجر على أعمالنا، لنكون جديرين بما وعد به أولياءه، لتثقل موازيننا يوم القيامة. فجعل الحسنة بعشر حسنات والسيئة واحدة منك يكتبها واحدة ،وعندما تتوب تمحي كلها وتتبدل حسنات مكانها، أليست هذه رحمة؟.{يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان: من الآية70) {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(هود: من الآية114) يحتفظ لك برصيدك من الحسنات مهما أمكن، إلا أن تأتي أنت بحماقتك فتعمل ما يحبطها ،فتصبح أنت من جنيت على نفسك.
    قد أعتذرُ إلى شخصٍ أسأت إليه ،ماذا يمكن أن يعمل لي بدل اعتذاري إليه؟. سيقول لي: ” جاهك على الرأس يا رجال ، وكانت زلّة وانتهت، ونحن اخوة من الآن فصاعدا ”. أليس هذا كل ما يمكن أن يعمله شخص يحترم وصولك إليه لتعتذر من زلة بدرت منك نحوه؟. أما الله فهو يتوب عليك بل هو أحياناً - ومع بعض عباده - يتوب عليهم أولاً ليتوبوا، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَـتُوبُوا}(التوبة: من الآية118) ومتى ما تاب أحدنا من زلة بدرت منه، أو سيئة هي في نفس الوقت ضر عليه وليست على الله. هل هناك ضر على الله فيما أعمل؟. فلأنني رفعت ضراً عن الله قدّر لي ذلك العمل فبادلني بحسنات بدل تلك الأزمة التي فككتها عنه؟. ليس هكذا.
    الله لا تضره معاصينا ،معاصينا ضر علينا نحن ،ولكن على الرغم من ذلك يأتي هو فيبدل ـ عندما نتوب إليه ـ يبدل سيئاتنا بحسنات ،الأمر الذي لا يكاد أن يفعله أي شخص ممن تعتذر نحوهم من زلة بدرت منك إليهم وإن كانت ضراً عليهم.
    أما الله سبحانه وتعالى فهو الذي لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، وهكذا يتعامل معنا.
    ثم هل هذا هو أكثر ما يمكن الحصول عليه وما يمكن أن يعمله بالنسبة لمضاعفة الحسنات؟. لا. يفتح مجالات واسعة ،ويفتح أبواباً واسعة: في خلال اليوم هناك أوقات معينة فيها، يُضاعِِف فيها الأعمال. في خلال الأربعة والعشرين ساعة هناك وقت متأخر في ثلث الليل الأخير يضاعف فيه الأعمال والحسنات أكثر. هناك داخل الأسبوع يوم واحد يضاعف فيه الحسنات وهو يوم الجمعة ، في نفس هذا اليوم ساعة واحدة يضاعف فيها الأجر أكثر. في السنة هناك شهر يضاعف فيه الحسنات أكثر إلى سبعين ضعفاً، وفي نفس الشهر ليلة واحدة يضاعف فيها الحسنات آلاف الأضعاف هي ليلة القَدْر.
    في ليالٍ وأيام معينة هي ليال العشر الأولى ذي الحجة تضاعف فيها الحسنات أكثر. هذا بالنسبة للزمن.
    وكذلك بالنسبة للأماكن هناك يفتح أماكن معينة تكون العبادة فيها أفضل: المساجد ،والمساجد متعددة هناك مساجد العبادة فيها أفضل من العبادة في المساجد الأخرى ، كالمسجد الحرام ومسجد رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) والمسجد الأقصى، في داخل المسجد الحرام بجوار الكعبة تبدوا الحسنات أكثر وتضاعف أكثر.
    ثم بالنسبة للأجواء التي تُؤدى فيها العبادة تجد كيف أن العمل الجماعي يكون الأجر فيه مضاعفاً أكثر فعندما تصلي جماعة تصبح صلاتك بنحو خمس وعشرين صلاة.
    وفيما يتعلق بالمال يفتح مجالات لمضاعفة الأجر بشكل أفضل وأكثر من الحسنة بعشر إلى الحسنة بسبعمائة حسنة وأكثر {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:261) أليس هو سبحانه وتعالى برحمته من يعمل على أن يضاعف حسناتنا؟. تلك الحسنات التي تصدر منا بأعمال بسيطة وليس بحاجة إليها ،بل نحن المحتاجون إليها ، فيضاعفها لنا ليرفع درجاتنا ،لأنه حتى وإن كان يريد منا أن ندخل الجنة فهو يريد أن ندخلها ونحظى بدرجات رفيعة فيها.
    فيما يتعلق بأعمالك أنت في الدنيا وأنت تجمع المال من الذي يمكن أن يتعامل معك من أسرتك على هذا النحو فيفرغ وقته ويُجهد نفسه في تَـثْمِير رأس مالك. فتجمع عند أخيك أو عند والدك أو عند أمك مائة ألف فيقوم هو بتثميرها ومضاعفتها فلا تمُرّ عليها فترة من الزمن إلا وقد أصبحت سبعمائة ألف ،هل هناك أحد يعمل هذا؟.
    هل يمكن لأبيك أن يعمل هذا؟ تودع عنده مائة ألف فيقوم هو بالعمل فيها والتجارة فيها واستثمارها لتصبح بعد أربع أو خمس سنين سبعمائة ألف؟. لا. بل قد لا يبقى رأس المال سالماً. سيأكلها ويقول: الولد وما ملك لأبيه، أليس هذا هو ما قد يحصل؟. وهكذا تجد أمك ،هكذا تجد أخاك ،هكذا تجد أباك، هكذا تجد إخوانك وأصدقاءك ،ليس هناك أحد مستعد ـ ممن هو رحيم بك ـ أن يُجهد نفسه ليُثَمِّر رأس مالك هكذا.
    ثم بعد أن يُثَمِّر رأس مالك فيصبح سبعمائة ألف هل سيعطيك فيما بعد سيارة قيمتها أربعة ملايين جائزة على أن مالك كثر إلى سبعمائة ألف هل هذا ممكن؟. أما الله فيعطي بعد مضاعفة الحسنات يضاعفها يضاعفها ثم في الأخير يعطيك جائزة مهمة جداً جداً لا يساويها شيء {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة: من الآية72)
    الإنسان لو يتأمل في القرآن الكريم لوجد من دلائل رحمة الله الواسعة في مجال هدايته وتشريعه لعباده وفيما يصنع الله لعباده لوجد كم هو ـ فعلاً ـ رحمن ورحيم، رحيم رحيم بعباده ما يجعله يستحي ويخجل أمام الله.
    هذا فيما يتعلق بتشريعه، وكما سبق فيما يتعلق بتدبيره لشئون خلقه مما ذكرنا من رعاية الصغار في المخلوقات.
    تدبيره أيضاً لشئون خلقه من الليل والنهار والحر والبرد وإنزال المطر وأشعة الشمس وكلها كلها تكون بالشكل الذي لا يضر الإنسان، ولا يضر ما يعتبر من الضروريات لبقائه حياً في هذه الدنيا ولاستقامة معيشته فيها ،فيأت الليل بقدر ،ويأتي النهار بقدر ،وتصل أشعة الشمس إلينا بقدر ،وين‍زل إلينا الماء من السماء مفرقاً بقطرات حتى لا يجرف أموالنا وبيوتنا وهو ملايين الأطنان في السماء.
    هل يأتي بالسحاب فين‍زل الماء منه دفعة واحدة على بلد واحد؟. كان سينهينا. لكن ين‍زل بشكل قطرات متفرقة فتجتمع القطرات فترى منها الأودية التي تجرف الصخرات.
    وكم ذكر في القرآن الكريم فيما يتعلق بتدبير شئون خلقه من مظاهر رحمته بهم ،ليفهموا أنه رحيم بهم.
    وإذا فهمنا أنه رحيم بنا ماذا يعني ذلك؟.
    هل يعني أن نقول لك الحمد يا الله، ولك الشكر يا الله)، ثم نتجه إلى اتخاذ آلهة من دونه نطيعهم ونمجدهم، وكأنه سبحانه مجرد فاعل خير لا علاقة له بنا ولا دخل له في شئوننا ـ لاـ إنه إلهنا وملكنا وربنا هو خالقنا ورازقنا بيده حياتنا وموتنا وإليه مصيرنا، هو الذي يجب أن نطيعه ونحبه ونتولاه ونعتصم به ونتوكل عليه ونخشاه.
    إذا عرفنا كم هو رحيم بنا، فستترك هذه المعرفة شعوراً مهماً في أنفسنا ؛لأنك حينها -كما ذكرت سابقاً- تستعرض أقرب المقربين إليك فلا تجد فيهم من يمكن أن يكون فيه معشار معشار ما يحيطك الله به من عنايته ورحمته، دع عنك مدير المديرية التي أنت فيها ،محافظ المحافظة التي أنت فيها ،رئيس البلد الذي أنت فيه من لا يعلم أين أنت ،ولا ممن أنت ،ولا كيف أنت ،ولا يبالي على أي حال كنت ،وهم من نخافهم، من نرغب إليهم، من نرمي بكل توجيهات الله بعيداً عنا من أجل الخوف منهم، من نتردد في أن نقول الحق من أجل الخوف منهم ،هل هم يمتلكون ما نخاف منه مثلما يمتلك الله؟. لا. هل أن فضلهم علينا أعظم من فضل الله علينا؟. لا. هل أن رحمتهم بنا أعظم من رحمة الله بنا ،فنحن نؤثر الرغبة إليهم والالتزام بتوجيهاتهم أكثر مما يصدر من جانب الله تعالى؟.لماذا؟. لماذا كل ذلك؟.
    لأنا كما قال الله سبحانه وتعالى {قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} (عبس:17) قتل: ***، *** الإنسان ما أكفره!!.
    وفعلاً كل إنسان يستحق اللعنة إذا لم يرجع ليتفهم جيّداً معاني رحمة الله به ،يتفهم جيداً معاني معرفته بالله ، ليعرف بأنه ليس هناك ما يمكن أن يدفعه إلى أن يميل إلى هذا الجانب أو ذلك الجانب لا لرغبة ولا لرهبة ،ولا لخوف ولا لرجاء.
    ومما يؤكد لنا أهمية المعرفة والتفهم لمعنى أنه تعالى رحيم بنا أن الله سبحانه وتعالى صدر سور كتابه الكريم بآية{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وهي آية من أعظم الآيات وأهمها،لها دلالتها المهمة جداً جداً، على أن كل هداية منه تعالى، وكل تشريع منه، وكل توجيه داخل هذا القرآن الكريم هو من منطلق رحمته، يقوم على أساس رحمته ،ويسير بنا في أجواء رحمته ، وينتهي بنا إلى مستقر رحمته. ثم تجد داخل السور نفسها أنه تكرر كثيراً ذكر الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مجتمعة أو مفترقة مثل{تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}( فصلت:2) {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة:2ـ3) وهكذا تتكرر.
    لو نأتي إلى هذا الاسم الإلهي {الرَّحِيمِ} ونتأمل مظاهر رحمته فينا لكفتنا هذه، فضلاً عن اسمه {عَلِيمٌ و حَكِيمٌ و خَبِيرٌ و سَمِيعٌ و بَصِيرٌ و قَدِيرٌ} إلى آخر أسماءه الحسنى ،اسمه العظيم{رَّحِيمِ} وحده لو نأتي ونتأمل معناه ونتلمّس مظاهره في حياتنا كلها، وفي تشريعه لنا لوجدنا أنفسنا في حالة سيئة من الكفران بالله ، من الظلم لأنفسنا ، وسنرى أنفسنا كما قال الله سبحانه وتعالى {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(ابراهيم: من الآية34)
    وعندما يذكِّرنا بنعمه في القرآن الكريم فهو كذلك لننظر إليها من منظار أنها مظهر من مظاهر رحمته بنا أيضاً ألم يتكرر في آيات كثيرة تذكيره تعالى لنا بنعمه علينا؟.أ لم تتكرر آيات كثيرة يقول لنا فيها {وما بكم من نعمة فمن الله} {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(لقمان: من الآية20) {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}(براهيم: من الآية34) وكون الأشياء كلها بالنسبة لنا نعمة منه أليس ذلك يعني أنها مظهر من مظاهر رحمته بنا؟. أليس ذلك يعني أنه سبحانه وتعالى رحيم بنا؟.
    ثم نأتي إلى بقية الأسماء الحسنى التي أثنى الله سبحانه وتعالى بها على نفسه في هذه الآية ؛لننظر إليه سبحانه وتعالى نظرةَ مَن نفسُه ممتلئة بالشعور بعظمة الله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ}(الحشر: من الآية23) يكرر نفس العبارة الأولى {هُوَ اللَّهُ}ولهذا التكرير أثره الهام في خلق التفاتة لدى الإنسان ليتوجه بانقطاع إلى الله، ثم أنظر كيف جاء بعدها جملةٌ من أسمائه تعالى من أول الآية تستشعر عظمة الله، الذي قال {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}(الحشر: من الآية21) لتتذكر دائماً من هو، كلما ذكِر اسمه أو تليت عليك آياته أنه {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ـ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر:22 ـ23) أنه {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } أنه الذي { لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أنه الذي { يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ثم تأمل كيف جاءت هذه الأسماء كلها بـ(أل) التي تفيد الاختصاص فقوله تعالى{الْمَلِكُ}يعني أنه هو وحده من له ملك السماوات والأرض وما فيهما ، إذاً فهو هو وحده من له حق التصرف فينا ،وهو وحده من يجب أن نرغب إليه ، ونخاف منه.
    ثم تجد مُلكَه سبحانه وتعالى ليس كمُلكِ الآخرين من البشر مُلْك تسلُّط،مُلك جبروت، ملك طغيان ، أوامر جافة ، وَنواهي جافة، لا تكريم فيها ولا كرامة معها. أما الله عز وجْل فإن ملكه مُلْكُ رحمة وهداية ملك تكريم ورعاية كله قائم من منطلق أن رب العالمين ، وهو الرحمن الرحيم بهم ، نفس المعنى الذي جاء في أول سورة الفاتحة{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة:1ـ3) هو الذي ربوبيته تقوم على أساس رحمته، ربوبيته لعباده مظهر من مظاهر مُلكه وتدبير لشئون عباده الذين هو مَلِكُهم.
    {الْقُدُّوسُ} المُن‍َزَّه المُعَظّم ،فأنت عندما تكون منقطعاً ،إليه ملتجئاً إليه تجهر بأنه ربك وأنه ملكك ،وأنه إلهك ،وأنه وليّك، فإنه من هو فخرٌ لك أن يكون إلهك ؛لأنه (قدُّوس)، هو من‍زّه ، هو معظّم ، أنت لم تلجئ نفسك إلى طرف تستحي إذا ما أحد عرف أنه وليك أو أنه قدوتك أو أنه رئيسك أو أنه ملكك فتخزى ،أما الله فإنه من يشرفك أنه إلهك أنه ربك وملكك، من تتشرف بأنك عبدٌ له
    ولهذه القضية أهميتها في السمو بالنفس حتى على مستوى القدوات من البشر، ألم نقل في مقام آخر إن من الفخر لنا، أن قدواتنا من أهل البيت ، ليسوا من أولئك الملطخين بعار المخالفة للرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) الملطخين بالأخطاء والمساوئ، والمواقف السيئة، فنجهد أنفسنا في الدفاع عنهم وفي تَنْمِيق مظهرهم.
    قدواتنا من أهل البيت هم من أولئك المن‍زهين المطهرين الكاملين في أنفسهم بإكمال الله لهم، ممن يشرفنا أن نقتدي بهم. فأنت لا تخجل إذا ما قلت أن وليّك الإمام علي بن أبي طالب  ، عد إلى الإمام علي  تعرّف على الإمام علي  تجد أنه بالشكل الذي يشرفك ،بالشكل الذي يجعلك تفتخر بأنه إمامك ،بأنك تتولاه.
    ولكن انظر إلى الآخرين كيف يتعبون أنفسهم وهم دائماً يدافعون عمن يتولونهم ، يحرفون معاني القرآن من أجلهم ، يحرفون معاني كلام رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) من أجلهم. يعملون على أن يحولوا سيئاتهم إلى حسنات ، يعملون على أن يقدموهم للأمة كأعلام. ولكن يكفينا شهادة على أنهم ليسوا ممن يمكن أن نفخر بهم إذا ما انتمينا إليهم أننا نجدكم أنتم تتعبون أنفسكم وأنتم تغطّون على خطيئاتهم ،وعلى قصورهم ونقصهم.
    الله سبحانه وتعالى {الْقُدُّوسُ}، هو الذي تفتخر بعبوديتك له، وتفخر بقربك منه. أليس هناك في هذه الدنيا من يفخر بأنه مقرب من الرئيس أو مقرب من الملك؟. ويرى لنفسه مكانة عظيمة يتطاول بها على الناس ، أنه شخص له كلمته عند الرئيس أو عند الملك أو عند رئيس الوزراء أو عند الشيخ فلان، أليس هذا هو ما نراه؟. ومن هم هؤلاء؟. من هم هؤلاء؟. البشر الضعفاء القاصرون الناقصون المساكين.
    فإذا كنا نجد من يفخر بقربه منهم ،من يفخر بتوليه لهم، من يفخر بطاعته لهم ، فلماذا نحن لا نفخر على الآخرين بأننا نعمل لنكون مقربين إلى الله؟!. أن نبحث عن كيف نحصل على ما فيه مجد لنا ،وعزة لنا، وفخر لنا هو أن نقرب من الله وأن نعزِّز علاقتنا به، وأن نرسخ تولينا له ؛لأنه {الْقُدُّوسُ}.
    {السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} سلام لأوليائه ، مؤمن لأوليائه ، فكن من أوليائه ليرعاك ويحيطك بالسلامة بالأمن من الضلال ، من الذل في هذه الدنيا، وهو من سيوصلك إلى دار السلام في الآخرة ، ألم يصف جنـته بأنها دار السلام في الآخرة؟.
    {الْمُهَيْمِنُ} هو المهيمن على كل شيء ،فكيف تخاف ،وكيف ترهب ممن هم تحت هيمنته!!. إذا كان رئيس أمريكا هو من يهيمن على بقية الزعماء ،ومَن هو؟ ، أليس هو مَن الله مهيمن عليه؟. فما هو إلا ذرة من ذرات هذا الكون الذي يهيمن الله عليه ،فانظر كيف نـتعامل نحن: نخاف من شخص هناك وهو مهيمن عليه شخص آخر، وهذا الشخص الآخر هو مهيمن عليه شخص آخر، وهذا الكبير في الأخير هناك من هو مهيمن عليه وهو الله الواحد القهار، الذي يقول لنا في كتابه {هُوَ اللَّهُ}.
    عبارة (هو) هي تناجيك في كل لحظة وأنت تبحث عن أن تـنصرف بذهنك إلى هذه الجهة أو إلى هذه الجهة ، تقول لك: {هُوَ} وحده {اللَّهُ}.
    بالإمكان إذا كنت تبحث عن السلام ،أو تبحث عن الأمن ، كما هو حال العرب الآن في صراعهم مع أعداء الإسلام والمسلمين يبحثون عن السلام ويـبحثون عن الأمن ،فلم يجدوا سلاماً ولم يجدوا أمناً وإنما وجدوا ذلاً وقهراً وإهانة ، ودوساً بالأقدام. لماذا لا تعودون إلى الله وهو الذي سيمنحكم السلام. أليست إسرائيل هي في موقع سلام بالنسبة للفلسطينيين؛ لأنها مهيمنة عليهم؟. هل هي التي تخافهم أم هم الذين يخافونها؟.
    نحن لو التجأنا إلى الله سبحانه وتعالى ـ بما فينا تلك الحكومات التي تبحث عن السلام ،وأولئك الكبار الذين يبحثون عن السلام من أمريكا، ويبحثون عن السلام من روسيا ، يـبحثون عن السلام من بلدان أوروبا، بل يـبحثون عن السلام من إسرائيل نفسها ، عودوا إلى الله هو الذي سيمنحكم القوة ،يمنحكم العزة فتكونوا أنتم المهيمنين على الآخرين لأنكم تمسكتم بالله السلام المؤمن المهيمن وهناك من الذي يستطيع أن يسيطر عليكم؟. من الذي يستطيع أن يؤذيكم؟. من الذي يمكنه أن يقهركم؟. أوليس هذا هو السلام؟.
    السلام لا يتحقق لك إلا إذا كنت في موقف عزة وقوة ومكانة، أما أن تبحث عن السلام وأنت تحت، - كما يصنع بعض الفلسطينيين، وكما يصنع العرب الآن - فإنما هو استسلام ،هو استسلام ،وأنت في الواقع تحت رحمة عدوك، بإمكانه أن يضربك في أي وقت ، بإمكانه أن يختلق لك مشكلة مع أي بلد آخر فتدخل في حرب مع ذلك البلد كما رأينا.
    هل يريد الناس سلاماً بما تعنيه الكلمة ،وأمناً بما تعنيه الكلمة؟. فليعودوا إلى السلام المؤمن المهيمن ، الذي كتابه مهيمن على الكتب ،الذي سيجعلهم مهيمنين بكتابه على بقية الأمم وحينها سيحظون بالسلام، وينعم العالم كله بالسلام.
    والإسلام هو دين السلام، لكن السلام بمعناه الصحيح، وليس بمعنى إقفال ملفات الحرب من جانب مع أعداء الله وأعدائهم فليس هذا هو السلام.؟ أن نقول : انتهى الأمر أن نلغي الجهاد ، ونلغي الحروب لنعيش مع الآخرين في سلام. هذا هو ما حصل لنا نحن المسلمين ، وما عمله كبارنا ،ظلوا يلهثون وراء السلام ويناشدون الآخرين بأننا نريد السلام ويـبحثون عن السلام ، بعد أن ألقوا آلة الحرب وألغوا اسم (الجهاد) ،فما الذي حصل؟. هل حصل سلام أم حصل دوس بالأقدام؟. بل حصل استسلام. أليس هذا هو الذي حصل؟.
    إفهم إسلامك الذي سيحقق لك السلام، فهو دين الله السلام ،لكن بمعنى آخر، متى ما سرت على نهج هذا الدين، متى ما تمسكت بهذا الدين ،متى ما اعتصمت بالله المشرِّع والهادي بهذا الدين ستكون قوياً ،ستكون عزيزاً ، ستكون الأعلى حتى وإن كنتم ترون أنفسكم في وضعية لا تملكون ما يملك العدو من قدرات وإمكانيات مادية {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}(محمد:35). ألم يستنكر عليهم أن يدعوا إلى السِّلم وهم في موقف يجب أن يكونوا هم الأعلون؟. فكيف تبحث عن السّلم مع الآخرين وأنت من يجب أن تكون أنت من يحاول الآخرون أن يبحثوا عن السِّلم معك ، فتقول لهم: أدخلوا في الإسلام لتحظوا بالسِّلم ،ليكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا. ألم يكن هذا ما عمله الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) في أيام جهاده ،عندما كان يخيرهم بين واحدة من اثنتين :إما الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،أو الحرب. أنتم تريدون السلام إذاً ادخلوا في هذا الإسلام لتحظوا بالسلام ، وإلا فليس أمامكم إلا السيف. حينها يصح أن نقول عن أنفسنا بأننا قد حصلنا على السلام ، وحينها سنعرف معنى كلمة(السلام) الذي شُوِّه معناه ، فأصبح يعني الآن الاستسلام للآخرين.
    {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ} أليس في هذه الأسماء الحسنى -التي تتحدث عن كمال الله سبحانه وتعالى- أليس فيها ما يصنع الثقة في نفوس أولئك الذين ارْتَمَوا تحت أقدام أمريكا وإسرائيل؟. لماذا يعرضون عن الله وهم من يعترفون ويشهدون بأنفسهم بأنهم مسلمون ،وأنهم مؤمنون بهذا القرآن الكريم؟ وبرسوله الكريم محمد(صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
    هذه هي التي ضربت المسلمين كباراً وصغاراً (عدم الثقة بالله) ، عدم الثقة بالله حتى فينا نحن الصغار نخاف من شخص هو مسكين بالنسبة للآخرين فهناك من هو مهيمن عليه ،والذي هو مهيمن عليه مسكين بالنسبة لذلك الأمريكي الذي في واشنطن الذي هو مهيمن عليه ،والكل مساكين ومقهورون تحت جبروت الله وقهره.
    ارتبط بالله رأساً وتجاوز كل هذه الأصنام في هذه الدنيا، وارتبط بالله رأساً، وثق به ، وهو من سيجعلك قوياً أقوى مما يملكه هؤلاء من وسائل القوة في هذه الدنيا.
    هو أيضاً { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} بما في هذه الأسماء من معاني العزة والجبروت والقهر للأعداء ،فأنت عندما تلتجئ إليه لا يمكن أن تقول عنه: (الله هو طيب ، لكن نفسه سمحة فإذا كان كذلك فلن يحرك ساكناً مع أعدائنا، ونحن عارفين له، فهو يريدنا أن نمسح أكتافهم ونحاول أن نحسن أخلاقنا معهم لأنه مسكين سالك لطريقه لا يريد أن يتدخل في شيء). هل الله هكذا؟. حاشى الله أن يكون كذلك.
    الله في الوقت الذي يقول لنا{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} هذه الأسماء تبدوا رقيقة ،ولكنه يقول أيضاً -إذا ما وثقت به وأنت في ميدان المواجهة والصراع مع أعدائك وأعدائه من يريدون ظلمك وقمعك واستذلالك- هو {عَزِيز} يمكنك أن تمتنع به ، وهو (جَبَّار،مُتَكَبِّر) سيقهرهم، وسيجعلك أنت من تقهرهم،ألم يقل الله تعالى{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}(التوبة:14) هو يقول: سأجعلكم جبارين على أعدائكم ،ومتكبرين على أعدائكم ،لكن عندما تثقوا بي. عندما تثق بالله ، ستثق بمن هو سلام لك وأمْنٌ لك في مقامات السلام معه ، وهو عزيز جبار متكبر سيمنحك من عزته وكبريائه وجبروته ما تقهر به أعداءك وأعداءه ، ليس هناك نقص إطلاقاً في جانب الله عندما تثق به وتلتجئ إليه.
    عندما تشعر بعظمته ليس فيه صفة واحدة كما هي في الناس ، والتي نسمعها كثيراً من بعضنا بعض تقول: (فعلاً أن فلاناً رجل جيد ، ولا يقصر في شيء لكن ليس من أهل هذه المواقف التي تحتاج إلى القوة ، ولا قدرة له في مثل هذا الموقف).
    أما الله فهو من يكون لك في كل المواقف ،ولك بأكثر مما يمكن أن تدرك ، ويرعاك من حيث لا تحتسب ،ويملأ قلوب الآخرين رعباً بالشكل الذي لا يمكن أن تصنعه وسائل إعلامك ،ولا يمكن أن تصنعه أيضاً آليتك العسكرية. هو من نصر نبيه بالرُّعب بمسافة شهر، وكم كان الجيش الذي معه؟. هم أولئك الذين حُوصروا في المدينة عدد قليل ونصره الله بالرعب، فكان بعض أعدائه من اليهود يخربون بيوتهم ويقطعون نخيلهم أحياناً ، ويرحلون خوفاً ورعباً من قبل أن يجيّش الجيوش عليهم،
    { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بعد هذه الأسماء الحسنى ترى غريباً جداً جداً أولئك الذين يلتجئون إلى غير الله سبحانه وتعالى ما أسوأ حالهم! ، ما أحط مكانتهم!، وما أتعسهم!. وما ألأمهم!، عندما يلتجئون إلى غير الله ،إلى صنم من الأخشاب أو صنم من الحجر أو صنم من البشر؛ لأنهم يخافون ، ويرجون منه أشياء ،والله قال لهم في هذه الآيات {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(الحشر:23) من يمكن أن ترجوه ،من يمكن أن تعتمدواعليه ، من يجب أن تخافوه؛ ولأنه ليس هناك في هذا العالم ، ليس هناك في الوجود من يمكن أن يكون متصفاً بكمال الله سبحانه وتعالى ،ولا بجزءٍ من كمال الله سبحانه وتعالى -إن صح التعبير- فإن من الظلم لأنفسنا ومن الإساءة إلى الله ربنا الذي هو { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ } من الإساءة البالغة إليه أن نجعل له شركاء فنمنحهم ولاءنا ، ومنهم نخاف ،وإليهم نرغب.
    { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. تن‍زيه لله عن أن يكون له شريك ، تن‍زيه لله وتقديس له عن أن يكون له شريك في ملكه، شريك في ألوهيته تنزيه له عن أن يسوّى به غيره،فيجعل نِدَّا له أو شريكاً له، تنزيه له عن أي قصور أو تقصير في تدابيره لشئون خلقه.
    {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(الحشر:24) {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} هو من قال لبني إسرائيل: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}(الاسراء:6) عندما يقول الناس: نحن قليل الآخرون قد يستذلونا ،قد يُقتل منا كذا ،ونحن قليل لا نستطيع أن نعمل شيئاً). الله هو الخالق، هو الذي يستطيع أن يمدكم بأموال وبنين ، ألم يقل نوح  لقومه {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}(نوح:10) {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً}(نوح:11) {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}(نوح:12) إذا ما قتل ابني هذا وابني هذا هو من سيمدني بأبناء آخرين {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً }.
    هو الخالق هو البارئ ، كلمة {بَارِئ} تشبه معنى كلمة {خَالِق} فيما تعنيه من الإبداع والابتداع، أو أنه فاطر ما خلقه.
    { الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } أن يخلق الشيء على كيفية معينة على نحوٍ معين ، الذي برأ النّسَمَة ، كما كان في قَسَم الإمام علي ( والذي فلق الحبّة وبرأ النّسَمة) خلقها على كيفية معينة ، فطرها هو وابتدعها هو بدون مثال سابق.
    {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فهنا ذكر لنا مجموعة من أسمائه الحسنى ، ماذا تعني؟. تعني كمالاً بالنسبة لله سبحانه وتعالى، ليس مجرد أسماء ألفاظ لا تعني شيئاً. الآن لو وضعنا لشخص منا عدة أسماء هل يمكن أن تزيد في معانيه شيئاً فنسميه :أحمد ومحمد وقاسم وصالح ومسفر وجابر. هل لهذا زيادة فيك؟. لا. هل تغير هذه الكلمات عن كمال بالنسبة لك؟ أو تعطي شهادة بكمالك؟.الله هنا عرض لنا مجموعة من أسمائه الحسنى التي هي حديث عن كماله ، كماله المطلق في كل شيء ، (عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)
    ثم قال لك أيضاً له الأسماء الحسنى ، عُد إليها في بقية الآيات والسور في القرآن الكريم واجمعها وستجد كم هي. أشبه شيء بإحالة لنا إلى ما ذكره من أسماءه في بقية السور والآيات الأخرى، ارجع إليها هناك حكيم ، حليم سميع ، بصير إلى آخر أسمائه الحسنى، تلك الأسماء التي تشهد بكماله ، لترى نفسك بأنه يمكن لك، بل يجب عليك، بل لا يجوز لك غير هذا أن تتوكل عليه ،وأن تثق به ،وأن تستشعر عظمته سبحانه وتعالى.
    استشعار عظمته في نفوسنا أن تملأ عظمته نفوسنا ،هذه قضية مهمة ، قضية مهمة، ولا شيء يمكن أن يمنحنا هذا الشعور سوى القرآن الكريم فيما يعرضه من أسماء الله الحسنى ، ومعانيها ،ومظاهرها ،وما فيها من شهادة بكمال الله سبحانه وتعالى.
    { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } هذه آية الكرسي -تحدثنا عنها في درس سابق- ، هي في نفس هذا المسار يمكن أن نتحدث عنها في مجال خلق شعور بعظمة الله سبحانه وتعالى ، وثناء عليه ،وشهادة بكماله، وكل أسمائه الحسنى ، هي مفردات تعبر عن كماله المطلق سبحانه وتعالى هو العلي العظيم.
    وهذا الأسلوب بالنسبة لنا يجب أن نرسخه في حياتنا أن تكون هناك أوقات كما نحن ندعو الله في أوقات معينة يكون هناك أوقات نمجِّد الله فيها ، نعظم الله نقدس الله ، من خلال ذكره الكثير الذي شرعه مثل (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ولا إِلَهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ) يردد الإنسان هذه التسبيحة كلما تذكر ،هي ثناء على الله ، وتعظيم وتمجيد لله سبحانه وتعالى ، تترك في النفس أثراً طيباً هو شعور بعظمة الله ، وتذكر دائم لله سبحانه وتعالى.
    هناك أيضاً في دعاء الإمام علي  أو في ما أثر عنه ، وفيما أثر عن الإمام زين العابدين  من هذا النوع، من الكلام الذي هو تمجيد لله شيء كثير ،مناسب جداً أن يعود الإنسان إليه. فقط نحن نرى أنفسنا ندعو الله سبحانه وتعالى أدعية ربنا آتنا ..اللهم اقض حاجاتنا ، اللهم ..اللهم) أليس هذا هو ما يحصل؟. هذا يسمى دعاء ، هناك نوع آخر يسمى (تمجيد لله وثناء عليه)، هو عبادة مهمة ذات قيمة عظيمة، ولها أثرها فيما يتعلق بالنفس، في مقام معرفة الله سبحانه وتعالى واستشعار عظمته.
    فيما أثر عن الإمام زين العابدين  في دعاء يوم عرفة قال  : (الحمد لله رب العالمين ،اللهم لك الحمد بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام،رب الأرباب ،وإله كل مَأْلُوه، وخالق كل مخلوق، ووارث كل شيء، ليس كمثله شيء ،ولا يعزب عنه علم شيء ،وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء رقيب.
    أنت الله لا إله إلا أنت،الأحد المُتَوحِّد، الفرد المُتَفَرِّد. وأنت الله لا إله إلا أنت، الكريم المتكرم، العظيم المتعظم، الكبير المتكبر. وأنت الله لا إله إلا أنت العلي المتعال الشديد المِحَال. وأنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم. وأنت الله لا إله إلا أنت السميع البصير القديم( ) الخبير. وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم الأكرم ،الدائم الأدْوَم. وأنت الله لا إله إلا أنت ،الأول قبل كل أحد ،والآخر بعد كل عدد. وأنت الله لا إله إلا أنت الدّاني في علوّه والعالي في دُنُوِّه. وأنت الله لا إله إلا أنت ذو البَهَاء والمجد ،والكبرياء والحمد. وأنت الله لا إله إلا أنت الذي أنشأت الأشياء من غير سِنْخٍ( ) ، وصوَّرت ما صورت من غير مثال ،وابتدعتَ المبتدَعات بلا احتِذَاء، أنت الذي قدَّرت كل شيء تقديراً ،ويسرت كل شيء تيسيراً ،ودبرت ما دونك تدبيراً.
    أنت الذي لم يُعِنْك على خلقك شريك، ولم يؤازرك في أمرك وزير، ولم يكن لك مشاهد ولا نظير، أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت ، وقضَيتَ فكان عَدلاً ما قضيتَ ، وحكمت فكان نَصَفاً ما حكمت، أنت الذي لا يحويك مكان ،ولم يقم لسلطانك سلطان، ولم يُعْيِك برهان ولا بيان. أنت الذي أحصيت كل شيء عدداً ، وجعلت لكل شيء أمداً وقدرت كل شيء تقديراً. أنت الذي قصُرَت الأوهامُ عن ذاتيّتك ، وعجزت الأَفهامُ عن كيفيتك ،ولم تدرك الأبصار موضع أيْنِيَّتِك ، أنت الذي لا تُحَد فتكون محدوداً، ولم تُمثَّل فتكون موجوداً( ) ،ولم تلد فتكون مولوداً. أنت الذي لا ضد معك فيعاندك ، ولا عِدْل فَيُكَاثِرَك ،ولا نِدَّ لك فيعارضك ،أنت الذي ابتدأ واخترع ، واستحدث وابتدع، وأحسن صنع ما صنع،
    سبحانك ما أجل شأنك ، وأسْنَى في الأماكن مكانَك( )، وأصدع بالحق فرقانَك، سبحانك من لطيفٍ ما ألطفك ، ورؤوفٍ ما أرأفك ، وحكيمٍ ما أعرفك، سبحانك من مليكٍ ما أمنعك، وجوادٍ ما أوسعك، ورفيعٍ ما أرفعك، ذو البهاء والمجد ، والكبرياء والحمد ، سبحانك بسطت بالخيرات يدك( )، وَعُرِفت الهداية من عندك، فمن التمسك لدين أو دنيا وجدك.
    سبحانك خضع لك من جرى في علمك، وخشع لعظمتك ما دون عرشك، وانقاد للتسليم لك كل خلقك، سبحانك لا تُحَسّ ولا تُجَس ، ولا تُمَس، ولا تُكَاد ولا تُمَاط ( )،ولا تُنازع ،ولا تجارَى ،ولا تُمَارَى ، ولا تخادَع ،ولا تماكَر. سبحانك سبيلك جَدَد( )، وأمرك رَشَد ،وأنت حي صمد. سبحانك قولك حُكم، وقضاؤك حَتْم، وإرادتك عزم. سبحانك لا رادّ لمشيئتك ، ولا مبدل لكلماتك. سبحانك باهر الآيات فاطر السموات، بارئ النسمات).
    أليس هذا تمجيداً لله تعالى؟.
    وهكذا الإمام زين العابدين  يُمَجِّد الله سبحانه وتعالى بهذا الأسلوب الذي يشد النفوس نحو الله ،يشد القلوب نحو الله سبحانه وتعالى ، ومن خلاله تتعرف على معاني أسماء الله الحسنى ، وتعرف سعة علم الله ، ما أمكنك ذلك، وتعرف حكمته، وتدبيره، وقدرته.
    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يعرفنا بأسمائه الحسنى ، وأن يعرفنا من كماله ما يجعلنا نثق به ، ونعتمد عليه، ونعتز به فنؤمن به ونقدس له.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-04-05
  3. عربي2005

    عربي2005 عضو

    التسجيل :
    ‏2005-04-05
    المشاركات:
    165
    الإعجاب :
    0
    سلمت يداك يا اخي الكريم واقول للناس ((شوفو العلماء ايش يعملو وشوفو السلاطين ايش يعملو وانتو الحكم واضربو بعرض الحائط الخلافات المذهبيه او السياسيه وحكمو عقولكم..
     

مشاركة هذه الصفحة