أيها الشهيد، يا دكتور عبد العزيز الرنتيسي..هل تسمعني؟!!

الكاتب : الشنيني   المشاهدات : 378   الردود : 0    ‏2005-04-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-04-02
  1. الشنيني

    الشنيني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-10-05
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    من أنت يا عبد العزيز؟
    كيف اشتعلتَ
    وأضأتَ السماء والأرض وأنتَ من حمأةٍ وطين
    ومن أي ثدي للمجد رضعتَ
    ومن أي نبع مقدس عذب النطق والتفكير شربتَ
    وبأي كفٍ رقيقة تلمستَ الحقيقة؟
    وبأي عشق للإنسان الصادق الطاهر النقي درجْتَ
    ومشيتَ، وركضتَ، وقفزتَ في الفضاء دون تعثرٍ
    واندفعتَ تحمحم للمواجهة
    حتى ارتفعتَ إلى حدود الشهادة
    فحلَّقتَ، وسموتَ، واتسعتَ، ثم انتشرتَ أفقاً ومدى؟!!

    لقد نبتَ العشب الأخضر تحتَ وقع خطاك يا عبد العزيز، وأبرقتْ السماء مبشرة بالمطر، وها نحن نستعد للاغتسال بشمس الحرية تحتَ قباب تضحياتك، نتطهر بسحب وفائك، ونتوضأ لصلاة الشكر بماء الكرامة والكبرياء.


    وأنتَ؛ ما كنتَ نبياً يا عبد العزيز، ولا كان يوحى إليك، عندما قلت لقادة شعبك ذاتَ صباحٍ في لقاء مع إذاعة لندن سنة 2002: أعطوني خمس سنوات فقط، لأحرر لكم الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تكتمل الخمس سنوات التي طلبتها يا عبد العزيز، لقد مضتْ أربع سنوات فقط على الانتفاضة، ليقرر شارون الانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية!!! لقد نجحت بتفوق يا رجلُ، وأوفيت بوعدك وأنت شهيدٌ، وعجز شانئك شارون الذي طلب من بني قومه بعد انتخابات مارس 2001؛ طلب مائة يومٍ ليحقق لهم الأمن والاستقرار، وتصفية الانتفاضة، ولكن شارون خسئ فأله، ولم يفِ بوعده، وأنت يا [ أبا محمد] يا عبد العزيز أوفيت، وشفيتَ صدر المؤمنين، فمن منكما الحي يا ترى، ومن منكما الميت؟!!!


    ولكن، قل لي يا أيها الشهيدُ: كيف قرأتَ كف المستقبل، واخترقتَ الزمن؟ ليرحمك الله، على ماذا اعتمدتَ في تقديرك؟ وأنت بشرٌ مثلنا، لك طاقة التفكير المحدودة بحجم المعرفة المتداولة بين الناس، أم هل سَمحتْ لك سنواتُ السجن تحتَ حراب الأعداء، وانصياع الأصدقاء بالإبحار في التجربة الفلسطينية الحديثة التي انطلقت سنة 1965، فدرستَ مقومات بقائها، وثغراتِ ضعفها، واستطعتَ أن تنسج الثوب الفكري الواقي من رصاص التآمر والضعف؟ أم هو الإيمان الراسخ بعدالة القضية التي تمثلها أعطاك سره، وكشف عنك الحجاب، فعرفت الجواب؟ أم هو تقديرك الصحيح لطاقة شعبنا، ومكتنز قدراته التي أسهمتَ في تفجيرها أنتَ، فكانت عاملاً حاسماً في تحديد زمن الانتصار؟ أم هو اكتشافك لوهم وزيف أعدائك، وضعف إيمانهم في تحمل تتالي ضرباتك، وباطل فكرتهم في مواجهة الإرادة الصلدة لشعبك، وتشتت رأيهم رغم ما يبدو عليهم من تماسك!!!.


    حقاً لقد أدرت الإدارة الصحيحة في استثمار طاقة شعب مقهور مفتاح الأقفال الصدئة التي غلقت الأمل، ورسّخت بلاطة البطش الجاثمة على صدر شعبنا سنوات، ولكن الذي زحزح الباطل، وزلزل الظلم، وفتت رسوخ غطرسة القوة، هو الفهم الصحيح لآلية حل الصراع الذي بدأه أعداؤك بالإرهابِ، فكان تعميق الفهم الأيديولوجي الصحيح بين الشبابٍ مقدمة الانطلاق لما أنت مقتنع به من حق ثابت، ورؤية للصواب.


    فكيف لو لم يُكمم فمُك، وتُقيد قدمُك، ويُحصى عليك نفسُك؟ كيف لو أُطلقت يدُك دون محاولات الكسر والحشر وتجسيد الإعاقة، ومحاولات الالتفاف والاستخفاف والاحتراز من العراقة؟ لقد أدرك شارون أبعاد خطرك، وبُعدَ نظرك، فاجتهد شخصياً على التحديق في صورتك، وقرر تصفيتك، ولكنك سبقته، وقررت تصفية جيوب الخوف، والوهم، والفزع، والتردد والوجل، والتشكك، والمستحيل من بين صفوف الشعب الذي وثق بك، وأحبك، والتف من حولك، وافترش بمبادئك، وتلحف بأهدافك، يتتبع خطاك، ويتنسم عبير مشوارك.


    ما تغيرت يا عبد العزيز، منذ وقع بصري عليك لأول مرة قبل أربعين عاماً، سنة 1965، عندما ذهبت مع أمي [آمنة الرنتيسي] لتقدم لكم التهنئة بمناسبة نجاحك بتفوق في امتحان الثانوية العامة، ظللت أنظر بإعجاب إلى ذلك الشاب اليافع، المبتسم، المجامل، الذي يبدو هاشاً باشاً للدنيا التي فتحت له ذراعيها، ففرد ذراعيه للناس بالفرح، لقد استحضرت الصورة ذاتها عندما أتيتَ إلي مصافحاً، في غرفة 11 من قسم ج في سجن غزة سنة 1993، يومها كنتُ أنا منقولاً من سجن نفحة الصحراوي، وكنت أنت مقيماً في سجن غزة بعد عودتك من إبعاد مرج الزهور، صعدتَ إليَّ فرحاً من قسم ب في الطابق الثاني، وفاجأتني بحرارة اللقاء، وبهجة العناق، وجملة التعارف بيننا؛ أهلاً يا خال، يومها رأيتُ الشاب اليافع ذاته _ رغم السنين _ والابتسامة والهشاشة والبشاشة ذاتها التي لم تفارقك، وما انفككت تمنحها للمهنئين لك، وأنا واحد منهم سنة 2003، في مسجد أبي بكر الصديق في مدينة غزة، والفرح يملأ قلبك بمناسبة عقد قران ولدكم محمد، ونجاته ونجاتك من المحاولة الأولى الفاشلة لتصفيتكما، لا أعرف لماذا همس إليَّ أخي وقتئذٍ: لنزاحم وسط المهنئين، ونقتحم سنبلة الرجال التي تحيط به، فقد لا نراه ثانية، ساورني ذلك الإحساس رغم وقف إطلاق النار الذي ساد في حينه.
    فعلاً لم نرك بعدها إلا مسجى على أكتاف الرجال، تهلل بالبشارة، هاشاً باشاً تفتح ذراعيك للناس جميعهم، في تلك اللحظات التي تهدجت فيها الروح، ورنتْ البصيرة، رَنّتْ أصداء صوتك عبر الهاتف في أذني، وكنتَ قد اتصلتَ بي قبل استشهادك بزمنٍ قصيرٍ للاطمئنان عن مصير ابن أخي الشاب محمد عقيل، الذي قصفته الطائرة الحربية الإسرائيلية في 20/10/2003، فشلّت منه حركة كل أعضاء الجسد، واختطفت منه النفس، وأبقت له العقل المفكر بقدرة الخالق، والقلب النابض بحياة العظة حتى يومنا هذا، لقد سمعت عبر الهاتف شكواك وأنينك لا من شدة المراقبة الإسرائيلية لك، وكثافة الملاحقة، ولا من الطائرات التي تتعقبك، ولا ممن يطاردونك من الأعداء، وإنما من صمت الأصدقاء على بعض العملاء الذين امتلكتَ الوثائق التي تدينهم، وما برحوا يتبوءون مكاناً رفيعاًَ جداً، هكذا قلت لي عبر الهاتف بتحسرٍ، وتأوهٍ، يومها عرفت حجم الأثقال التي تنوءُ تحتها، وتضغط على مركز تفكيرك، واستشعرت عظمة الأمانة التي ارتضيتَ حملها، فشمختَ بتقديرك.


    اليوم أكتب لك عنك، بعد عام على استشهادك، وأنا في لحظة اتزان، بعيداً عن رجفة الانفعال لفقدك، ونار الحزن لرؤية الفرح في عيون أعدائك، لقد تقلبت على جمر الاندهاش لهذه الدنيا العجيبة، المغررة المغرورة، لقد كانت فرحة اليهود تعادل حزن المسلمين لفقدك يا عبد العزيز، أو تزيد عن ذلك قليلاً.



    فيا ليت شعري بعضُ برقٍ ورعودٍ ومطرْ
    ليتني أجْلُوَ عن وجه النهار الحزن
    أمحو ما تراكم من خطرْ
    ليتني سيف تزيّن بالحقيقة
    ساطع يلمع في كف العبرْ
    ليتني عصف الرياح
    موجة كالتل تطوي في الدياجير السلاح


    ومن حمل السلاح الذي صوبت نار إرهابه على صدر عبد العزيز الإنسان، الذي حلق بأحلام البراءة، وأجنحة النسور.
    اليوم وبعد عام على استشهادك تدهمني الذاكرة، فينتشلني الواقع من حالة الذهول، وأنا أرى، وأسمع، وأتلمس طيفك في تصريحات شارون عن الانسحاب مهزوماً من غزة، وفي حضورك أنت يا عبد العزيز في مؤتمر الحوار في القاهرة، وفي حضور صورتك البائن حتى يومنا هذا في شوارع المنصورة، والزقازيق، والإسكندرية، وكل المدن المصرية، والعربية والإسلامية، شاهداً ورمزاً، وأنت تعانق رأس الشيخ أحمد ياسين، إن تلك الصورة المعلقة على جدران القلوب لتشهد أن أريج أنفاسكم سيظل يعبق بالشرف في كل بلاد المسلمين، وأن عدوى مواقفكم الرجولية قد أصابت الشرق، وأن صدى إرادتكم تدوي على الأرض كلها، فتهتز لها الآفاق، هنيئاً لك يا عبد العزيز، ما سبقتنا إليه من رضا ووفاق.


    د. فايز صلاح أبو شمالة - مفكرة الإسلام
     

مشاركة هذه الصفحة