الرد على من أنكر تفسير الاستواء بالاستيلاء

الكاتب : anwar sleiman   المشاهدات : 2,114   الردود : 0    ‏2002-01-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-01-02
  1. anwar sleiman

    anwar sleiman عضو

    التسجيل :
    ‏2001-12-26
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    بسم الله وبه نستعين
    ذكر البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الحسن قال: وفيما كتب إليَّ الاستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر والغلبة، ومعناه أن الرحمن غلب العرش وقهره، وفائدته الاخبار عن قهر مملوكاته، وأنها لم تقهره، وإنما خُصَّ العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات، فنبَّه بالأعلى على الأدنى، قال والاستواء بمعنى القهر والغلبة شائع في اللغة، كما يقال استوى فلان على النَّاحية إذا غلب أهلها. وقال الشاعر في بشر بن مروان:

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق .

    يريد أنه غلب أهله من غير محاربة. قال وليس ذلك في الآية بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء غلبة مع توقع ضعف، قال ومما يؤيد ما قلناه قوله عز وجل: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} والاستواء إلى السماء هو القصد إلى خلق السماء، فلما جاز أن يكون القصد إلى السماء استواء جاز أن تكون القدرة على العرش استواء.اهـ

    ونقل الحافظ ابن حجر والبيهقي في الاسماء والصفات ما نصه: وفيما روى أبو الحسن بن مهدي الطبري عن أبي عبد الله نفطويه قال أخبرني أبو سليمان ـ يعني داود ـ قال كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما معنى قوله: {الرحمن على العرش استوى} فقال إنه مستو على عرشه كما أخبر، فقال الرجل إنما معنى قوله استوى أي استولى، فقال له ابن الأعرابي ما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على العرش فلان حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر.اهـ

    وأما توقف أبو منصور البغدادي وابن بطال وابن الأعرابي وبعض الأشعرية وردهم تأويلَ الاستواء بالاستيلاء مُدَّعينَ أن الاستيلاء لا يكون إلا بعد ضعف وهذا لا يُتصور في الله تعالى مع نسبتهم هذا التأويل إلى المعتزلة فهذا الرد لا يستقيم ومردود لما بينَّاه وما سنذكره من تأويل الاستواء بالاستيلاء لكبار من العلماء ولا سيما أن الإمام المجمع على إمامته الحافظ تقي الديـن السبكي قال فيما نقله المحدث الزبيدي: أن المقدم على تفسير الاستواء بالاستيلاء لم يرتـكـب محذورا ولا وصف الله بما لا يجوز عليه، والمفوض المنـزه لا يجـزم على التفسير بـذلـك لاحتمال أن يكون المراد خلافه وقصور أفهامنا عن وصف الحق سبحانه وتعالى مع تنـزيهه عن صفات الأجسام قطعا. ثم قال فيمن يفسر الاستواء بالقعود ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد الأجسام قال شيئا لم تشهد لـه به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له فيؤاخذ بإقراره ولا يفيده إنكاره. واعلم أن الله تعالى كامل الملك أزلا وأبدا والعرش وما تحته حادث فأتى قوله تعالى ثم استوى على العرش لحدوث العرش لا لحدوث الاستواء. وكذلك ما قاله القاضي أبو بكر بن العربي: إنَّ لكلمة استوى أكثر من خمسة عشر معنى فمن فـسر استـوى بالاستيلاء والقهر جاء بما يوافق لغة العرب ولم يأت بما يخالف لغة العرب ولا الشريعة المطهرة.اهـ

    فلو كان تأويل الاستواء بالاستيلاء يشعر ضعفاً لأَشعر قوله وهو القاهر فوق عباده والله تعالى كان قاهراً ولم يكن عباد. قال الحافظ الزبيدي: فإن قيل: فهذا يُشعر بكونه مغلوبا مقهورا قبل الاستواء قيل إنما يشعر بما قلتم أن لو كان للعرش وجود قبل الخلق وكان قديما والعرش مخلوق وكل ما خلقه حصل مسخرا تحت خلقه فلولا خلْقه إياه لما حدث ولولا إبقاؤه إياه لما بقي ونص على العرش لأنه أعظم المخلوقات فيما نقل إلينا.اهـ وكذا قال الحافظ ابن حجر: وقد ألزمه من فسَّره بالاستيلاء بمثل ما ألزم هو به من أنَّه صار قاهراً بعد أن لم يكن، فيلزم أنه صار غالباً بعد أن لم يكن والانفصال عن ذلك للفريقين بالتمسك بقوله تعالى: {وكان الله عليماً حكيماً} فإنَّ أهل العلم بالتفسير قالوا معناه لم يزل كذلك.اهـ

    فـفي كتاب أساس التقديس للـرازي ما نصه فإن قيل هذا التأويل ـ الاستواء بالاستيلاء والقهر ـ غير جائز لوجوه:ـ الاول: أن الاستيلاء عبارة عن حصول الغلبة بعد العجز وذلك في حق الله تعالى محال. الثاني: أنه إنما يقال فلان استوى على كذا إذا كان له منازع ينازعه وذلك في حق الله محال.الثالث: أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان المستولى عليه موجودا قبل ذلك وهذا في حق الله تعالى محال، لأن العرش إنما حدث بتكوينه وتخليقه. الرابع: أن الاستيلاء بهذا المعنى حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات، فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائـدة. والجواب: أن مرادنا بالاستيلاء القدرة التامة الخالية عن المنازع والمعارض والمدافع وعلى هذا التقدير فقد زالت هذه المطاعن بأسرها، وأما تخصيص العرش بالذكر ففيه وجهان:ـ الأول: أنه أعظم المخلوقات فخص بالذكر لهذا السبب كما أنه خصه بالذكر في قوله: {وهو رب العرش العظيم} لهذا المعنى.اهـ

    ففي كتاب التذكرة الشرقية للإمام المحدث أبي نصر عبد الرحيم بن عبدالكريم القشيري ما نصه: ولو أشْعَرَ ما قلنا توهم غلبته لأشعر قوله: {وهو القاهر فوق عباده} بذلك أيضا حتى يقال كان مقهورا قبل خلق العباد هيهاتَ إذ لم يكن للعباد وجودٌ قبل خلقه إياهم بل لو كان الأمر على ما توهمه الجهلة من أنه استواء بالذات لأشعر ذلك بالتغير واعوجاج سابق على وقت الاستواء فإن البارئ تعالى كان موجوداً قبل العرش ومن أنْصَفَ علم أن قول من يقول العرش بالرب استوى أمثل من قول من يقول الرب بالعرش استوى. فالرب إذا موصوف بالعلو وفوقية الرتبة والعظمة ومنـزه عن الكون في المكان وعن المحاذاة. ثم قال. وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنـزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويُتصورُ في أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونحمل الآيات الموهمة تشبيها والأخبار الموهمة حـدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ من ذلك ويتمسكون على زعمهم بقول الله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله}. وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمين وهؤلاء أَتوا الدينَ والعوامَّ من طريقٍ يغترُّ به المستضعَفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلُّوا في قلوبهم وصفَ المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنـزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائحَ فسالَ به السيلُ وهو لا يدري.اهـ

    قال الإمام بدر الدين بن جماعة في إيضاح الدليل ما نصه: فإن قيل: إنما يقال استولى لمن لم يكـن مستوليا قبل أو لمن كان لـه منازع فيما استولى عليه أو عاجز ثم قدر؟ قلنا: المراد بهذا الاستيلاء القدرة التامة الخالية من معارض وليس لفظ {ثم} هنا لترتيب ذلك بل هي من باب ترتيب الأخبار وعطف بعضها على بعض. فإن قيل فالاستيلاء حاصل بالنسبة إلى جميع المخلوقات فما فائدة تخصيصه بالعرش؟. قلنا: خُص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات إجماعا كما خصه بقوله: {رب العرش العظيم} وهو رب كل شىء فإذا استولى على العرش المحيط بكل شئ إستولى على الكل قطعا، إذا ثبت ذلك فمن جعل الاستواء في حقه ما يُفهم من صفات المحدثين وقال استوى بذاته أو قال استوى حقيقة فقد ابتدع بهذه الزيادة التي لم تثبت في السنة ولا عن أحد من الأئمة المقتدى بهم وزاد بعض الحنابلة المتأخرين فقال: الاستواء مماسة الذات وأنه على عرشه ما ملأه وأنه لا بد لذاته من نهاية يعلمها وقال ءاخر: يختص بمكان دون مكان ومكانه وجود ذاته على عرشه قال والأشبه أنه مماس للعرش والكرسي موضع قدميه، وهذا منهم افتراء عظيم تعالى الله عنه وجهل بعلم هيئة العالم فإن المماسة توجب الجسمية والقدمين يوجـب التشبيه والإمام أحمد بريء من ذلك فإن المنقول عنه أنه كان لا يقول بالجهة للبارئ تعالى وكان يقول الاستواء صفة مسلّمة وهو قول بعض السلف رضي الله عنهم.اهـ

    وقال الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز ما نصه: السادس عشر استواؤه على العرش وهو مجاز عن استيلائه على ملكه وتدبيره إياه قال الشاعر:

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق. اهـ



    وقال الشيخ محي الدين محمد بن بهاء الدين الحنفي في كتابه القول الفصل في شرح الفقه الأكبر: ومنها الاستواء بدلالة قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} وقال الأكثرون هو الاستيلاء فيؤول إلى القدرة.اهـ

    وقال أبو الحسن الصغير في كفاية الطالب الرباني في قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} فمعنى استوائه على عرشه أن الله تعالى استولى عليه استيلاء ملك قادر قاهر ومن استولى على أعظم الأشياء كان ما دونه في ضمنه ومنطويا تحته، وقيل الاستواء بمعنى العلو أي علو مرتبة ومكانة لا علو مكان.اهـ

    وفي الفتح الرباني على نظم الرسالة للشيخ محمد الشنقيطي:

    وهو فوق عرشه المجيد بعلمه جلَّ عن التقييد

    [وهو فوق عرشه] فوقية شرف وإجلال وقهر لا فوقية حيز ومكان لاستحالة الفوقية الحسية عليه تعالى لاستلزامها الجرمية والحدوث الموجبين للافتقار المنـزه عنه الخالق جل وعلا.اهـ

    وفي تفسـير النسفي عند قوله: {الرحمن على العرش استوى} استولى، عن الزجاج ونبه بذكر العرش وهو أعظم المخلوقات على غيره وقيل لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يرادف الملك جعلوه كناية عن الملك فقال استوى فلان على العرش أي ملك وإن لم يقعد على السرير البتة وهذا كقولك يد فلان مبسوطة أي جواد وإن لم يكن لـه يد رأسا والمذهب قـول علي رضي الله عنه: الاستواء غير مجهول والتكييف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة لأنه تعالى كان ولا مكان فهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان.ا هـ
     

مشاركة هذه الصفحة