النفطيون وحادث الحرم

الكاتب : fas   المشاهدات : 906   الردود : 0    ‏2005-03-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-03-28
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    النفطيون وحادث الحرم
    المدفع قبل الفتوى
    النفطيون وحادث الحرم
    مع بدية الثلاثينيات استراح آل سعود من خصومهم الأشداء المتزمتين الملقبين بالإخوان بعد صراع دام سنوات طويلة .
    وفي 20/11/79 الموفق لليوم الأول من عام 1400 هـ اقتحم جهيمان العتيبي المسجد الحرام في صلاة الفجر وأعلن ظهور المهدي المنتظر .
    ولم تكن حركة جهيمان مجرد طفرة شبابية كما هو حال الجماعات الإسلامية اليوم ونما كانت امتداد لتيار الإخوان القديم الذي قامت على أكتافه دولة آل سعود الثانية ..(1) لقد تبني جهيمان طرح الإخوان المعادي للوقع وكل ما هو حديث فرفض التصوير وجهاز التلفزيون والإذاعة والصحف وكتب المعاصرين وأجاز تقصير الثواب وإطالة اللحى والصلاة بالنعال في المساجد .
    الشيء الوحيد الذي ميز جماعة جهيمان عن الأخوان هو تبني جهيمان فكرة المهدي وإعلان ظهوره من بين أفراد الجماعة .
    ورغم أن رسائل جهيمان التي تحدد فكر الجماعة ومنطلقاتها تكشف لنا عن موقف معاد للكم السعودي وللفقهاء المتحالفين معه إلا أن هذا الموقف لا يعكس بعدا سياسيا في حركة الجماعة فهي بعيدة كل البعد هذا الجانب .(2)
    وكل ما في الأمر أن هذه الجماعة انشقت عن الخط السلفي الوهابي السائد وتبنت أطروحة أكثر تشددا وانغلاقا في مواجهة الواقع ومع تعميقها في علامات وفتن أخرى الزمان وظهر المهدي ونزل عيسى من السماء بالإضافة إلى تبنيها موقف الرفض تجاه آل سعود أجد هذا الموقف نوعا من التناقص الداخلي في الجماعة تنقص بين إرادة التغير وبين الانعزال عن الوقع ، ولم يكن هناك من مخرج وحل لهذا التناقص سوى تبني فكرة ظهور المهدي التي تحولت من مجرد تصور إلى واقع حين اكتشفت الجماعة أن العلامات الخاصة بالمهدي والصفات المتعلقة بشخصه تنطبق على أحد أفراد الجماعة فبايعوه على الخروج لتتحقق على يديه النبوءات التي أشارت إليها الأحاديث النبوية …(3)
    وأولي هذه النبوءات أن المهدي سوف يلوذ حين ظهوره بالحرم المكي وعندما تحاصره جيوش الكفر عندئذ يخسف الله بها .
    بهذا التبرير الشرعي اقتحم جهيمان ومجموعته الحرم وبتبرير شرعي آخر دكت القوات الفرنسية والأردنية والسعودية والحرم وقتل المهدي المدعي والكثير من أنصاره واستسلم جهيمان ومن بقى على قيد الحياة وقدموا إلى محاكمة سريعة حكمت بإعدام (61) منهم على رأسهم جهيمان العتيبي..
    ـ المدافع فوق الفقهاء
    انطلق جيش آل سعود وحلفائهم الفرنسيين والأردنيين لتدمير الحرم بمن فيه فور علمهم بالحادث..
    لم ينتظروا فتوى الفقهاء .. ولم يطرحوا على المقتحمين التفاوض .
    فعندما يتعلق الأمر بمستقبل الحاكم تخرس السنة الفقهاء ولا يرتفع صوت إلا صوت المدفع..
    وبعد أن أنهى آل سعود مهمتهم وقضوا على أعدائهم اتجهوا نحو الفقهاء طالبين منهم الفتوى.
    وخرجت الفتوى ونشرت بالصحف السعودية ولكن بعد مضي عدة أيام من وقوع الحادث..
    وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن آل سعود لا يكنون أدنى احترام أو توفير لفقهائهم فما هم في نظرهم إلا واجهة يلجأون إليها وقت الحاجة وفي هذه الحالة لم تكن هناك حاجة لهم لأن الأمر يتعلق بالحرم قبلة جميع المسلمين ومهما فعل آل سعود في سبيل استرداد الحرم وتخليصه من أيدي المعتصمين داخله ففعلهم هذا مبرر ومقبول لدى الرأي العام الإسلامي فما هي الحاجة اذن الفتوى الفقهاء …؟
    ولكن هل فقهاء النفط هذه الحقيقة ..؟
    لقد جميع آل سعود الفقهاء وأجبروهم على صياغة فتوى يشير نصها إلى أن وقت صدورها يسبق قيام آل سعود بالهجوم على الحرم ..
    ولم يصدر أي شجب أو استنكار من فيل فقهاء النفط لألاعيب آل سعود فقد استسلموا وأطاعوا صاغرين مخافة أن يقعوا في محظور شرعي لو تبنوا موقف الرفض فالحاكم واجب الطاعة وشر الأعمال الخروج على الجماعة ..
    ولم ينته الأمر عند حد الاستغناء عن الفقهاء في مواجهة الحادث بل تجاوزه إلى الاستغناء عنهم في محاكمة المتهمين حيث صدرت الأحكام وبسرعة وبأوامر ملكية دون أن يكون للفقهاء إي علم أو دور .
    وبدلا من أن يقوم آل سعود بالحصول على موافقة الفقهاء على أحكام الإعلام الصادرة ضد جهيمان ورفاقه استندوا على الفتوى المزعومة في عب تبرير موقفهم والطريف أن الفقهاء بعد أن اكتشفوا انهم استغلوا من قبل آل سعود طالب بعضهم تولي أمر محاكمة المتهمين ولما رفض طلبهم رفضوا بدورهم التوقيع على الأحكام الصادرة ضد جهيمان ورفاقه ..
    ولنعرض نص فتوى الإعدام التي أصدرها خالد بن عبد العزيز وقام بتنفيذها شقيقه نايف وزير الداخلية والصادرة بتاريخ 19/2/1400هـ الموافق 7/1/1980 . أي بعد مضى (48) يوما من وقوع الحادث ..
    تقول الفتوى الملكية : اطلعنا على ما رفعتموه ـ أي نايف ـ لنا من الاعترافات التي أدلى بها المجرمين الذين المتدوا على الحرم وأدخلوا فيه السلاح والذخيرة وأغلقوا أبوابه على المسلمين الذين أدوا فيه صلاة الفجر في اليوم الأول من شهر محرم المنصرم عام 1400 هـ وقد روعوا المسلمين في الحرم الذي جعله الله للناس أمناً وسفكوا الدماء البريئة بغير ذنب وأجبروا الناس في الحرم على مبايعة أحد أفراد الفئة الضالة المفسدة زاعمين أنه المهدي وهددوا من لم يستجب بالسلاح كما هو مسجل في إحدى خطب هذه الفئة الضالمة التي ألقاها أحد رؤوس الفتنة صبيحة عدوانهم على الحرم واستنادا على فتوى أصحاب الفضيلة العلماء بقتالهم مستدلين بقولة تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم قاتلوهم ) ولان هيئة كبار العلماء قد اصدروا في دورة مجلسهم الخامسة عشرة بيانا استنكروا فيه هذه الجريمة الخطيرة وهذا البيان من الهيئة لواقع هؤلاء المجرمين يحتم علينا معاقبتهم عقوبة تزجر عن الفساد ونرضى بها ربنا سبحانه ..
    ولأننا تلقينا الفتاوى التي تبين جزاء هؤلاء منهم ما هو مشافهة من عدد من العلماء ومنها ما هو محرر من عدد آخر من كبار العلماء وفيها قولهم هؤلاء المفسدين ما نصه : نفيدكم ـ سلمكم الله ـ أن هؤلاء لهم حكم المحاربين الذين قال الله فيهم (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) وقال العلماء في فتواهم : وما دام أن الجميع اعترفوا بجريمتهم بالقتل والفساد في حرم الله فيجوز للإمام قتلهم ..
    وعلى هذا فاعتمدوا قتل الأشخاص الموضحة أسماؤهم بالبيان المرفق إرضاء لله سبحانه وغضبا لحرمة بيته الحرام وحرمة عباده الذين يعبدونه حول البيت وشفاء لغيظ المسلمين وهؤلاء هم الذين صدرت منهم الإقرارات المسجلة في سجلات محكمة مكة المكرمة لدى عدد من القضاة ..(4)
    من الواضح أن هذا البيان لم يذكر أسماء الفقهاء الذين وافقوا مشافهة أو الذين وافقوا بجواب محرر مما يدل على أن البيان صدر دون مشورتهم أو علمهم ..
    كانت الفتوى الصادرة بخصوص جهيمان ومجموعته على لسان الفقهاء أشبه إلى حد كبير بفتوى الملك خالد السابقة إذ تبدو وكأنها صادرة عن القصر الملكي لا عن هيئة كبار العلماء ..
    تقول الفتوى : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه محمد وعلى اله وصحبة وبعد ففي يوم ثلاثاء اليوم الأول من شهر المحرم عام أربعمائة وألف من الهجرة دعانا نحن الموقعين أدناه جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود فاجتمعنا لدى جلالته في مكتبه بالمعذر وأخبرنا أن جماعة في فجر هذا اليوم بعد الصلاة الفجر مباشرة دخلوا المسجد الحرام مسلحين وأغلقوا أبوب الحرم وجعلوا عليها حراسا مسلحين منهم وأعلنوا طلب البيعة لمن سموه المهدي وبداوا مبايعته ومنعوا الناس من الخوارج من الحرم وقاتلوا من مانعهم وأطلقوا النار على أناس داخل المسجد وأصابوا غيرهم وأنهم لا يزالون يطلقون النار على الناس خارج المسجد ، واستفتانا في شانهم وما يعمل فيهم فأفتيناه بأن الواجب دعوتهم إلى الاستسلام ووضع السلاح فإن فعلوا قبل منهم وسجنوا حتى ينظر في أمرهم شرعا فإن امتنعوا وجب اتخاذ كافة الوسائل للقبض عليهم أدى إلى قتالهم وقتل من لم يحصل القبض عليه منهم إلا بذلك لقوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) ولقول النبي (ص) " من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم ويشق عصاكم فاضربوا عنقه " رواه مسلم والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ونسأل الله تعالى أن يعلى كلمته وينصر دينه وان يخذل من أراد الإسلام والمسلمين بسوء وان يشغله بنفسه انه سميع مجيب وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ويبدوان آل سعود احسنوا أن هذه الفتوى غير كافية وغير مقنعة للرأي العام فألحقوها بفتوى أخرى أكثر انضباطا ووضوحا وأدق صياغة من الجانب الفقهي ..
    تقول الفتوى الثانية : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى اله وصحبة نسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويخذل من أراد الإسلام والمسلمين سوء وان يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يكبت من أرادا الفساد والإلحاد في حرم الله وانتهاك حرمته وسفك دماء المسلمين وبعد … فإن هذا العمل الشنيع الذي قامت به هذه الطائفة الظالمة التي انتهكت حرمة الله وأقدس بقعة في أرضه وسفكت فيه الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام وفي رحاب الكعبة المشرفة وروعت المسلمين الآمنين في أمن الله وحرمه .. عمل مخالف لكتاب الله وسنة رسوله (ص) وإجماع الأئمة ويعتبر منكرا عظيما وإجراما شنيعا وإلحادا في حرم الله الذي قال الله فيه :( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب اليم ) وقال سبحانه وتعالى : ( ومن اظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيه اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الأخرى عذاب عظيم ) وصح عن رسول الله ( ص) انه قال " أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنها لم تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب " متفق عليه .. وهذه الطائفة تجرأت على مخالفة أمر الله وأمر الله وأمر رسوله (ص) وإجماع الائمة ولذلك سال ولاة الأمور عن الحكم لمكافحة شر هؤلاء فصدرت الفتوى الشرعية بأن على ولي الأمر أن يقضي على فتنتهم باتخاذ كافة الوسائل . ولو أدى ذلك إلى مقاتلتهم ان لم يندفع شرهم إلا بذلك . لقوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ) .
    وهذه الآية وان كانت نازلة في الكفار فإن حكمها شامل لهم ولغيرهم ممن فعل فعلتهم فاستحل القتال في الحرم بإجماع العلماء ولقول الرسول (ص) :" من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاضربوا عنقه كائنا من كان " وهكذا حكم من يدعى انه المهدي وغيره وهذه الطائفة أرادت شق عصا المسلمين وتفريق كلمتهم والخروج على إمامهم فدخلت في عموم هذا الحديث وغيره من النصوص الشرعية الدالة على معناه . وولاة الأمور وفقهم الله لكل خير مشكورين على ما قاموا به من جهد لإخماد هذه الفتنة والقضاء عليها . فنسأل الله أن يعز بهم الإسلام والمسلمين وان يوفقهم لما فيه صلاح البلاد والعباد انه سميع مجيب وصلى الله على نبينا محمد واله وصحبه وسلم ..(5)
    وقد وقع على هذه الفتوى (27) عالما على رأسهم عبد العزيز بن باز (6)
    ومن الواضح أن نص الفتوى الثانية يختلف عن الأولى اختلافا كبيرا . فإن قلنا بأن أن نص الفتوى من عند الفقهاء فهذا يؤكد نظريتنا في فقهاء النفط انهم أدوات لآل سعود ..
    ولعل هذه الدينونة وهذا الولاء الذي يوالونه لآل سعود يعود سببه إلى أن مصير الخط الوهابي ومستقبله يرتبط بهم . فإن سقط آل سعود سقطت الوهابية وسقطوا هم بالتالي من ورائها..
    الصحف النفطية
    قامت الصحفة النفطية بواجبها على اكمل وجه تجاه حادث الحرم كما هو حالها دائما في مواجهة الأحداث التي تهتز لها عروش النفط ..
    قالت مجلة الاعتصام : كان أولى بهذه الطغمة المارقة ـ لو كان لها أدنى صلة بالإسلام أن تتخذ لها موقعا في فلسطين أو في إريتريا أو في أفغانستان أو الفلبين أو اليمن الجنوبية أو تشاد أو تايلاند حيث تعلن حروب الإبادة الشيوعية والصليبية والبوذية على الإسلام والمسلمين.. أما أن تتخذ هذه الطغمة المارقة لنفسها موقعاً في بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمناً .. فتروع المسلمين وتحتبس الرهائن . وتعطل شعائر الله .
    فإن مثل هذا العمل لا يليق إلا بالصبية العبثة المغامرين .. ان النفوس المهينة التي كان لها ومازالت مواقف في الشماتة للنظام السعودي هي أهون لدى المسلمين الصادقين من أن يعبا بها أو يقام لها وزن . وبيت الله الحرام بعد ذلك ليس ملكا للسعودية التي أدت وجبها بعقل وحكمة ..(7)
    وفي مقال آخر تقول : حادثة احتلال الحرم مريبة ومشبوهة وقامت من أجل الدنيا لا من أجل الدين .. القوى المعادية للإسلام وراء اقتحام الحرم .. بإحكام المؤامرة الخبيثة الحاقدة .. إن هذه المؤامرة لم تنته بعد .. ولكن مازال هناك بعض الأذيال في المنطقة يعملون على تقسيم الدولة هناك إلى منطقة نجد ومنطقة الحجاز . ولازال لأعداء الإسلام صنائع وعملاء .. فعلى المسئولين السعوديين أن يكونوا يقظين لهؤلاء المترصدين ..(8)
    وكتبت صحيفة عكاظ تقول تحت عنوان (تأملات في الحادث) .. هل الحادث جزء من المخطط العالمي للقضاء على الدعوة الإسلامية . بإضعاف المسلمين بضرب بعضهم البعض وبالتأثير على بعض دوي النفوس المريضة بإقناعهم بشعارات ودعوات زائفة بهدف التأثير على الغير .. ويتساءل كتاب المقال .. هل لجماعة الإخوان المسلمين ـ وقد ضربت في مصر والسودان والآن في سوريا ـ علاقة بمثل هذه الجماعة التي احتلت الحرم . بعد أن رأى القائمون عليها أن تتحول إلى جمعيات دينية ذات طابع سرى لتكون أكثر انتشارا وتغلا في العقول البسيطة دون أن تدري ..(9)
    وصدرت صحيفة السياسة الكويتية بمانشيت عريض يقول : المعتدون على الحرم من الإخوان المسلمين ..(10)
    ثم اتهمت صحيفة الرأي العام جماعة التكفير والهجرة بالوقوف وراء الحادث مشيرة إلى أن الجماعة أحد فصائل الإخوان المسلمين بمصر ..(11)
    وقد أجمعت الصحف السعودية في وقت الحادث على اتهام جماعة الإخوان وجماعة التفكير بتدبير الحادث ونقلت هذا الاتهام على لسان مسئولين سعوديين ..
    وذكرت جريدة الفجر التي تصدر من (أبو ظبي) أن الجناة على الأغلب من الوهابيين أو من منظمة أهل الحجاز ..
    أما الصحف المصرية فقد اتهمت إيران وروسيا وليبيا واليمن الجنوبي ..
    وذكرت صحيفة الأهرام أن هناك احتمالين : أحدهما أن تكون الجماعة من أنصار الخميني . والآخر أن العملية ربما كانت بتدبير عناصر شيعية متعاطفة مع الخميني ..(12)
    واتهمت صحيفة الجمهورية نقلا عن مصادر أجنبية كلا من ليبيا وروسيا وعدن بالتخطيط للحادث ..(13)
    وقد تبنت الصحف المصرية هذا الموقف لأن السادات كان في حالة عداء مع السعودية في تلك الفترة فمن ثم هي وجهت اتهاماتها لخصومه المعارضين لسياسته تجاه إسرائيل ..(14)
    إن الصحف النفطية تخشى على آل سعود من الزوال وتشكر نعمتهم على الدوام . فهي انطلقت تلقى بالتهم يمينا ويسارا على جماعة الإخوان تارة . وجماعة التفكير تارة أخرى ثم على إيران والشيعة . ثم على أعداء الإسلام من شيوعيين وصليبيين ويهود إلا أنها لم تثير أية شبهات حول آل سعود والدوافع الحقيقية للحادث فليس هذا دورها ولا مهمتها . كما لا تثر أية شبهات حول المنابع الفكرية التي اعتمد عليها جهيمان وجماعته والتي هي مستمدة من الفكر الوهابي لأن ذلك سوف يقود بالطبع إلى التشكيك في فقهاء النفط ومعتقداتهم وسوف يؤدي إلى حدوث بلبلة فكرية قد تنعكس بالتالي على آل سعود أنفسهم ..
    هوامش
    (1) أسقط محمد على الدولة السعودية الأولى بغزوه جزيرة العرب . وقامت الدولة السعودية الثانية بالتحالف بين ابن سعود وعلماء الوهابية والإخوان الذين تخلص منهم ابن سعود بعد ذلك ثم حصر سلطة علماء الوهابية في مجال الفتوى والإرشاد وقبض هو على زمام الأمور وأعلنها ملكية .. انظر تاريخ آل سعود لناصر السعيد وانظر زلزال جهيمان في مكة لفهد القحطاني ـ ط لندن ..
    (2) هناك سبع رسائل تنسب لجماعة جيهمان .ثلاث منها من وضع جهيمان وهي : الفتن وأخبار المهدي والدجال ونزول عيسى (ع) وإشراف الساعة .. ورسالة الفطرة السليمة ثم اختصار رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية . أما الأربع الباقية فهي من وضع عناصر الجماعة وهي : رسالة بيان الشرك وخطره . ورسالة اوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله . ورسالة مداخل الشيطان لإفساد القلوب ثم رسالة البيان والتفصيل في وجود معرفة الدليل وهي من وضع محمد بن عبد الله القحطاني المهدي المدعى وهذه الرسائل كما هو واضح من عناوينها سلفية وهابية الطابع ولا تشير إلى أية أبعاد سياسية أو مدلولات فكرية تنظيمية ..
    (3) انظر أحاديث آخر الزمان في أبواب الفتن وعلامات الساعة بكتب الأحاديث ..
    (4) انظر زلزال جيهمان ..
    (5) المرجع السابق ..
    (6) المرجع السابق ..
    (7) الاعتصام عدد محرم 1400 هـ ديسمبر 1979 م ..
    (8) المرجع السابق ..
    (9) عكاظ عدد 26/11/1979 ..
    (10)السياسة عدد /27 /11/1979 ..
    (11)الرأي العام عدد 27/11/1979 ..
    (12)الأهرام عدد 22/11/1979 ..
    (13)الجمهورية عدد 25/12/1979 .. وقد ذكرت الجمهورية في عدد سابق بتاريخ 22/11 أن المسلحين الذين اقتحموا البيت الحرام ينتمون إلى زمرة خارجة عن الدين الإسلامي منشقة عن طائفة الشيعة ..
    (14)أدلى السادات بخطاب حول حادث الحرم هاجد فيه العائلة السعودية وذلك بتاريخ 28/1/1980 وكان مما قاله فيه : السعودية والعائلة السعودية في محنة أرجو ألا تنقل العائلة السعودية محنتها إلى الخليج والى الأمة العربية .. حين يقع التسيب نشوف كيف يعلمون وكيف يستطيعون أن يواجهوا من غير مصر ..
    مطالب ووعود لم تتحقق
    الحركة الإصلاحية في السعودية
    (2-2)
    الثورة اليمنية وتداعياتها في السعودية
    في 19 أيلول (سبتمبر) 1962 توفي أمام اليمن أحمد فتولى الحكم ابنه وولي عهده الأمير محمد البدر، وفي 26 من الشهر ذاته قامت الثورة في اليمن، حيث استغلت مجموعة من الضباط المناوئين للحكم الملكي برئاسة عبداللّه السلال فرصة تغير الإمام فأطاحت بالحكومة واستولت على السلطة. حصل النظام الجمهوري الجديد على تأييد فوري من مصر، وعند ابتداء شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1962 كانت 26 دولة قد اعترفت بالجمهورية العربية اليمنية.
    قررت العائلة السعودية الحاكمة رص صفوفها لمواجهة الخطر القادم من اليمن، وكان غالبية الأمراء يميلون إلى حرمان الملك سعود من أي دور فعال في السياسة بسب صلاته مع الإصلاحيين و(الأمراء الأحرار). كما أن واشنطن كانت تؤثر فيصل، لأنها لم تنس تصريحات سعود وأعماله ذات الطابع القومي في المرحلة الأولى لتسلمه السلطة. وإزاء ضغط الأمراء وعلماء الدين اضطر الملك سعود في 25 (أكتوبر) 1962م إلى تعيين فيصل رئيساً للوزراء ووزيراً للخارجية مرة أخرى.

    خلع سعود ومبايعة فيصل ملكا

    بعد أن أعلنت حكومة فيصل الأحكام العرفية في الأول من كانون الثاني (يناير) 1963، شرعت بالتنكيل بالمعارضة، فاعتقلت الشخصيات ذات الميول الإصلاحية، بالإضافة إلى إلقاء القبض على عدد من الضباط المظليين بتهمة التآمر ضد نظام الحكم؛ وفي نفس الوقت عمدت جبهة التحرير الوطني الى تصعيد خطابها ونشاطها في الخارج. وفي خريف 1962م قصد سعود أوروبا للعلاج، فأخذ فيصل يعمل بنشاط لأحكام سيطرته على السلطة، فعيّن أخاه غير الشقيق عبداللّه قائداً للحرس الوطني وأخاً آخر حاكماً للرياض. وحين عاد سعود إلى الرياض في 27/4/1963، وجد نفسه في عزلة كبيرة وبلا صلاحيات ذات قيمة؛ وفي وقت لاحق ـ ونظراً لرفضه أن يكون ملكاً بالإسم، طالبه 39 من إخوته بتسليم فيصل السلطة الفعلية، على أن يظل ملكاً بروتوكولياً، ولكن رفض وغادر الملك سعود البلاد احتجاجاً.
    إثر ذلك عزل فيصل كل أبناء سعود من المناصب الحكومية الهامة، وعين محلهم أخوته الثلاثة خالد وفهد وسلطان، وعمه الأمير مساعد بن عبدالرحمن الذي كان من خلصائه؛ وبعد ذلك أبعد ولي العهد عن العاصمة جزءاً كبيراً من الحرس الملكي الذي كان مؤلفاً من ثلاث كتائب مزودة بالدبابات والمدافع الحديثة والتي تدرب غالبية ضباطها في الولايات المتحدة (نقلت كتيبتان إحدهما للمشاة وأخرى مدرعة إلى الحدود السعودية اليمنية في الجنوب، وتم دمجهما في الجيش النظامي). كان الحرس الملكي عماد قوة الملك سعود، وأكثرهم ولاءً له، وكانوا يتقاضون رواتب عالية ويحصلون على دور وقطع أراضي وسلف حكومية للبناء، ولكن الحرس الملكي أُضعف بهذه الخطوة. لذا حين أراد سعود العودة، رفض فيصل إلا بشرط أن لا يتدخل في إدراة السلطة، فاضطر إلى الموافقة وعاد إلى السعودية في 13 أيلول (سبتمبر) 1963م•
    في 22 مارس 1964م قام سعود بمحاولة يائسة لاستعادة السيطرة على الدولة، فطالب بوضع السلطة التنفيذية بكاملها تحت إشرافه؛ رفض فيصل الطلب وحشد الحرس الوطني لمؤازرته. وفي 25 مارس نصح مفتي الديار السعودية الملك سعود بالموافقة على مطالب ولي العهد، فرفض الملك أملاً في الحصول على دعم وحدات الحرس الملكي المتبقية تحت أمرته، وحينذاك أصدر فيصل أمراً إلى الحرس الوطني بتطويق القصر، وتمّت استمالة رئيس الحرس الملكي الذي أمر قواته بالإستسلام. وفي 29 مارس أصدر العلماء فتوى بزعامة محمد بن ابراهيم آل الشيخ، حول تسليم السلطة بأكملها لفيصل على أن يبقى سعود ملكاً بالاسم فقط؛ وإثر هذه الفتوى أصدر مجلس الوزراء سلسلة من القرارات في 28-30 مارس تقضي بإلغاء سيطرة الملك على الحرس الملكي وحرسه الخاص، وتسليم التشكيل الأول لوزارة الدفاع والثاني لوزارة الداخلية. كما ألغت تلك القرارات البلاط الملكي وقلصت المخصصات السنوية للملك الى النصف، فجعلها 138 مليون ريال سعودي.
    لقد كانت إحداث آذار (مارس) عام 1964م تكراراً لانقلاب عام 1958م، مع فارق واحد وهو أن سعود حاول في هذه المرة إبداء نوع من المقاومة ولكنه أخفق. وبدأ فيصل في صيف 1964م يمهد للإطاحة باخية غير الشقيق عن العرش نهائياً. وفي 24 تشرين الأول (أكتوبر) غادر فيصل جدة متوجهاً إلى الرياض، والتقى في الطريق بزعماء البدو، كما اجتمع الأمراء وشيوخ القبائل وعلماء الدين في العاصمة، حيث عرضوا على سعود التنازل عن العرش والكف عن ممارسة النشاط السياسي. وفي 28 تشرين الأول (أكتوبر) 1964م اجتمع علماء الدين في منزل مفتي الديار السعودية محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ثم عقدوا اجتماعاً آخر مع الأمراء في فندق (صحارى) بالرياض، حيث بلغ عدد المشاركين في الإجتماعين ـ كما يذكر دي غوري ـ زهاء مائة أمير و 65 عالماً، أي كل الفئة العليا من الهرم السياسي الديني في السعودية.
    وفي 2 نوفمبر 1964، صادق مجلس الوزراء على قرارين: فتوى العلماء بمبايعة فيصل ملكاً، ورسالة وقعها جميع أفراد الأسرة المالكة تبايع فيصل ملكاً وتدين له بالولاء؛ كما بايع الملك الجديد أعضاء مجلس الشورى وممثلو أهم المحافظات؛ وتوجه أعضاء الحكومة برئاسة خالد إلى سعود لإعلامه بالقرار الذي رفضه. وفي 4 تشرين الثاني (نوفمبر) اقسم الحرس الوطني يمين الولاء لفيصل، ولكن سعود ظل متردداً في قبول ما حدث آملاً في حدوث معجزة، فهدده فيصل بحرمانه من أملاكه ووضعه تحت الإقامة الجبرية إذا استمر متعنتاً. حينذاك وقع سعود تنازله عن العرش، وفي كانون الثاني (يناير) 1965م غادر سعود البلاد، بعد أن أدى يمين الولاء لأخيه. وفي آذار (مارس) 1965م عين فيصل أخاه غير الشقيق الأمير خالد ولياً للعهد.
    وبهذا انتهت مرحلة الصراع الظاهرة على السلطة بين آل سعود والتي استمرت ست سنوات. وفي العام الأول لتوليه الحكم جمع فيصل بين منصبي الملك ورئيس الوزراء، وتولى السلطة التنفيذية الفعلية وكان يقوم بتعيين الوزراء وإعفائهم ويقبل استقالته، وصار جميع الوزراء خاضعين مباشرة للملك الذي غدت لديه عملياً سلطة كبيرة مماثلة لسلطة والده عبدالعزيز.

    المعارضة في الستينات ومطلع السبعينات

    أدت ثورة اليمن والمجابهة المصرية السعودية إلى تصاعد مؤقت في نشاط مجموعة الأمير طلال. فقد أعلن في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1962 عن تشكيل جبهة التحرير العربية ونشر برنامجها؛ وذكر طلال أن التنظيم الجديد سيناضل من أجل إقامة نظام ديمقراطي في السعودية وإلغاء الرق هناك والعمل في سبيل إعادة النظر في اتفاقيات الامتيازات النفطية بغية حماية مصالح البلد، وإنشاء شركة وطنية لاستخراج النفط، والكفاح في سبيل الوحدة العربية وضد الأحلاف الإمبريالية والقواعد العسكرية. وقد راعى الأمير فيصل الكثير من مطالب طلال وأدرجها في بيانه الحكومي لاحتواء المعارضة، دون أن يفعل ذلك.
    في مطلع الستينات وضعت الصيغة التنظيمية لمجموعة معارضة أخرى وهي اتحاد أبناء الجزيرة العربية (اتحاد شعب الجزيرة العربية فيما بعد)، وترأسها ناصر السعيد، الزعيم النقابي السابق في أرامكو. أعلنت المنظمة أنها تمثل جميع فصائل الكادحين، بمن فيها العمال والفلاحين والطلاب والموظفين والجنود والضباط والأطباء، ووزعت المنظمة في جدة والرياض ومكة منشورات مناهضة للحكم الملكي، ودعت في إذاعة موجهة من القاهرة إلى تصفية الحكم الملكي السعودي وتأسيس جمعية وطنية تمثل كل فئات الشعب. وبعد ثورة اليمن انتقلت قيادة الاتحاد من القاهرة إلى صنعاء حيث أنشأت قيادة عليا للعمل في السعودية، كان من بين أعضائها ناصر السعيد.
    بديهي أن مجموعتي الأمير طلال وناصر السعيد كانتا متباينتين من حيث التركيب الاجتماعي والتطلعات السياسية وأساليب النضال، وكانتا تتبادلان التهجمات. أما جبهة التحرير الوطني فقد حاولت توحيد القوى المعارضة، وفي كانون الأول (ديسمبر) 1962م اندمجت بجبهة التحرير العربية، حيث صار اسم التنظيم الجديد جبهة التحرير الوطني العربية، وانتخب الأمير طلال بن عبدالعزيز أميناً عاماً لها، وشرعت بنشر مطالبها وأفكارها في صحيفة (الكفاح) اللبنانية تحت ركن (صوت الجبهة). وكان برنامجها يشمل المطالبة بالحكم الدستوري الديمقراطي وانتخاب هيئات السلطة وحرية الفكر والكلمة وحرية الاجتماع والتنظيم السياسي والنقابي، وحق العمال في الإضراب والتظاهر، وإجراء تغيير جذري في الجهاز الحكومي، ونشر التعليم ومكافحة الأمية وتعليم النساء أسوة بالرجال، وتصنيع البلد، وتوزيع الأراضي الأميرية على الفلاحين، وتطوير الصحة، وتوفير الخدمات الصحية لجميع المواطنين، وإقامة التعاونيات الزراعية، وتحسين وسائل المواصلات، وتعزيز الجيش وتجهيزه بأحدث الأسلحة، وإعادة النظر في اتفاقيات النفط لصالح العربية السعودية، وإنشاء شركة وطنية لاستخراج وتكرير النفط، والدفاع عن الوحدة العربية والنضال ضد الأحلاف الإمبريالية والقواعد العسكرية، واتباع سياسة الحياد الإيجابي والتعايش السلمي وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية مع جميع البلدان.
    بيد أن مجموعة طلال انسحبت في آب (أغسطس) 1963م من جبهة التحرير الوطني العربية، ومنذ ذلك الحين أخذت تسمى مجدداً جبهة التحرير الوطني؛ وقد تدهورت علاقات (الأمراء الأحرار) بالرئيس عبدالناصر وخاصة بعد أن أخذت إذاعة اليمن تدعو إلى (تصفية جميع أفراد الأسرة السعودية المالكة دون استثناء). وفي شباط (فبراير) 1964م عاد طلال إلى الرياض بعد أن كان أخوته الآخرون قد وصلوا إليها قبل شهر من ذلك. وبذا انفرط عقد (الأمراء الأحرار)، ولم يسمع شيء منذ ذلك الحين عن نشاطهم السياسي.
    لم تتمكن المعارضة الديمقراطية الثورية المنظمة من إحراز نجاح داخل المملكة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1962م اعتقل 40 من الضباط الشباب الذين خططوا للقيام بانقلاب؛ وفي شباط (فبراير) 1963م اكتشفت أجهزة الأمن السعودية مجموعة جديدة توحد الوطنيين فعمدت الى اعتقالهم.
    مظاهرات ومطالب
    شهد البلد اضطرابات عمالية في فترة 1962-1966؛ ففي عام 1962م توقف عمال المطابع المصريون في جدة عن العمل احتجاجاً على التهجمات الإعلامية السعودية ضد مصر؛ وفي عام 1963م أضرب السعوديون العاملون لدى أحد المقاولين في المنطقة الشرقية؛ وفي العام نفسه جرى إضراب في معمل للإسمنت؛ وأضرب عمال النفط في المنطقة المحايدة مطالبين بتقليص أسبوع العمل من 48 إلى 40 ساعة؛ وفي عام 1964م قاطع عمال أرامكو مطاعم الشركة وحوانيتها، ونظموا مظاهرة. وبالرغم من صدور مرسوم عام 1965م يحظر كل أنواع الاتحادات والروابط العمالية وحتى العقود الجماعية، فإن تسعمائة من عمال أرامكو برهنوا عام 1966م على وجود نوع من التنظيم لديهم، ورفعوا إلى مكتب الشكاوي التابع لمجلس الوزراء عريضة تتضمن مطالب اقتصادية. بيد أن كل هذه النشاطات لم تكن ذات طابع جماهيري، فحتى مطلع عام 1967م لم تكن هناك بوادر تدل على أن النظام السعودي قد تعرض لخطر جدي يذكر من قبل المعارضة السرية. وكانت السلطات السعودية تعلن بين الحين والآخر عن اعتقال أفراد بتهمة القيام (بنشاط هدام) أو (الانتماء إلى منظمات سرية معادية للنظام). ففي كانون الأول (ديسمبر) 1965م أعلنت وزارة الداخلية عن اعتقال 65 شخصاً بتهمة القيام بـ(نشاط هدام)، ووجهت لـ 34 شخصاً تهمة (الانتماء إلى منظمة سرية انحرفت عن الصراط المستقيم، وترمي إلى الإخلال بأمن البلاد)؛ وبعد أن سجل المتهمون إقراراً تحريرياً أعلنوا فيه أنهم مذنبون وطلبوا العفو، أطلق الملك سراحهم ولكن حظر عليهم مزاولة وظائف حكومية، وأبعد الأجانب منهم. وكانت هناك مجموعة ثانية تتألف من 13 شخصاً اتهموا بـ (الشيوعية) واتباع (المبادئ الهدامة) وحكم على 19 منهم بالحبس لمدد تتراوح بين 5 و 15 سنة.
    في 9 كانون الثاني (يناير) 1967 أعلن عن إلقاء القبض على (مخربين مدربين)، واتهموا بتنظيم تفجيرات في مؤسسات حكومية عديدة منها وزارة الدفاع ومبنى البعثة العسكرية الأمريكية وقصور الأمراء والقاعدة العسكرية القريبة من حدود اليمن؛ وزعم أن المخربين ليسوا من المواطنين السعوديين، بل إنهم متسللون من جمهورية اليمن؛ وفي آذار (مارس) أعدم 17 منهم علناً في الرياض (بقطع رؤوسهم) وطرد من البلد ما يزيد على 600 يمنياً الى خارج الحدود. وفي كانون الأول (ديسمبر) 1966م انتقل الملك السابق سعود من أوروبا إلى القاهرة، وسرعان ما غدا واضحاً أنه لم يفقد الأمل في استعادة عرشه بمساعدة الرئيس عبدالناصر؛ ومن سخريات القدر أن سعود كان من خصوم الرئيس المصري، وسبق أن اتهم بتنظيم مؤامرة لاغتياله. تحدث سعود في سلسلة مقابلات من إذاعة القاهرة واصفاً فيها فيصل بـ (عميل للإمبريالية) واتهمه بأنه (تحالف مع الاستعمار ضد أشقائه العرب). وقد عكست تصريحات سعود أمله في العودة إلى البلد (بأي ثمن)، وأثارت تكهنات بأنه يخطط لتنظيم غزو عسكري لاستعادة السلطة بمساعدة القبائل الموالية له عبر الحدود اليمنية.
    في نيسان (أبريل) 1967م وصل سعود إلى صنعاء في زيارة استغرقت ثلاثة أيام، وقد رحب به عبداللّه السلال باعتباره (الملك الشرعي) للسعودية. ولكن بعد العدوان الإسرائيلي في حزيران (يونيو) 1967م، جرى تقارب مصري سعودي وتقرر وقف العمليات العسكرية في اليمن، وبذا توقفت حملة سعود وغادر إلى أوربا في أيلول (سبتمبر)، ولكنه عاد إلى مصر في تشرين الثاني (نوفمبر)، إلا أنه لا تتوفر معلومات عن نشاطه السياسي لحين وفاته في شباط (فبراير) 1969م.
    إبان حرب حزيران جرت في رأس تنورة والظهران ومدن أخرى في المنطقة الشرقية مظاهرات معادية لإسرائيل وأمريكا، وهاجم المتظاهرون في الظهران القنصلية الأمريكية، جرى إثرها حملة اعتقالات، وتذكر بعض المصادر أن عدداً من المعتقلين قد قتلوا، كما طرد من السعودية مئات الفلسطينيين بتهمة التحريض. وفي أواخر حزيران (يونيو) نظم العمال في أرامكو إضراباً جزئياً استمر بضعة أيام.
    شهدت سنة 1968م انحساراً وقتياً في المعارضة الداخلية والخارجية للملك فيصل، وبدا أن النظام قد استعاد استرخاؤه بعد هزيمة عبد الناصر، وسحب القوات المصرية من اليمن، حيث تخلت مصر عملياً عن دعم المعارضة داخل المملكة مقابل دعم مالي ومساعدات أخرى من السعودية، كانت في مسيس الحاجة إليها لبناء قواتها المسلحة. ومن جهة أخرى، أثارت سياسة التغييرات التدريجية والحذرة التي أجراها الملك فيصل استياء داخل الأسرة الحاكمة، سواء لدى أولئك الذين اعتبروا التغييرات مغالية في الليبرالية والديناميكية، أو الذين اعتبروها بطيئة للغاية وغير حاسمة؛ وكان لكل من وجهتي النظر هاتين أنصار بين الأمراء، مما أدى إلى احتكاكات مبعثها التنافس الشخصي.
    عملت سراً في السعودية خلال الستينات ومطلع السبعينات بضع منظمات ديمقراطية ثورية هي جبهة التحرير الوطني السعودية واتحاد شعب الجزيرة العربية، بالإضافة إلى المجموعات الجديدة مثل (الحزب النجدي الثوري) الذي أعلن عن اعتزامه النضال ضد ما أسماه (الطغمة الرجعية الحاكمة)، والجبهة القومية الديمقراطية في العربية السعودية المكونة من بعثيين وناصريين سابقين؛ وكانت مراكز نشاط هذه القوى خارج المملكة، كما كان لها أعضاء نشطاء داخل البلد، وفي القوات المسلحة، التي كانت مستهدفة بشكل خاص لتكون أداة للتغيير.

    المحاولات الانقلابية ما بين 1954 ـ 1977

    عندما سعى الملك عبدالعزيز آل سعود، إلى إنشاء القوات المسلحة كان الهدف الظاهري التصدي للخطر المتزايد الناتج عن الأعداء الإقليميين ـ الهاشميين بشكل خاص في العراق والأردن ـ وكان يسعى إلى حماية سلطته الشخصية من الأمراء المنافسين له في الداخل، وقد زودت البلاد ببنية عسكرية جيدة، تم تدريبها على أيدي الأمريكان وبعثات عسكرية مصرية، إلا أن محاولة الانقلاب التي جرت في العام 1954 نبهت آل سعود لوجود مخاطر كثيرة من الأجهزة العسكرية، وكانت عمليات التطهير تتكرر، إلا أن بعض العناصر صمدت بوجه هذه العمليات، فاستمرت العمليات المعادية للملكية، ففي الفترة الممتدة من بين 1957 ـ 1959 تم توقيف الآلاف، بتهمة التخريب والتمرد، وازدادت أعداد الضباط السعوديين المعادين للولايات المتحدة الأمريكية والمؤيدة للأطروحات القومية وتحديداً المتعاطفين مع الثورة المصرية بقيادة جمال عبدالناصر، فبدأت تتنامى (حركة الضباط الأحرار)، حيث تظاهر في عام 1958 عدد من الضباط والجنود احتجاجاً على إنهاء البعثة العسكرية المصرية، وعودة القوات الأمريكية والمستشارين العسكريين الأمريكيين، وفي 2 و8 أكتوبر عام 1962، انضمت أربع مجموعات من القوات الجوية السعودية إلى مصر، وهي محملة بالأسلحة والذخائر، فلجأت السلطات السعودية إلى الطلب من واشنطن حراسة المجال الجوي السعودي، بعد عقاب جماعي للقوات المسلحة السعودية، ولكن وعلى نطاق أخطر وأعظم اكتشف حرس القصر الملكي في نوفمبر 1962، مؤامرة كانت تحاك ضد الملك من قبل مجموعة من الأمراء من العائلة الحاكمة، إلا أنهم فروا إلى مصر قبل توقيفهم.
    ومرة أخرى، أنزل الملك سعود العقوبة على الأسطول الجوي كله، وأمر بنزع مخزون مدفعية الدبابات التابع للقصر الملكي؛ وبعد أن حسم الصراع على السلطة لصالح الملك فيصل، اتخذ الأخير إجراءات صارمة ضد القوى المعارضة وسعى إلى إسكات الناشطين السياسيين المتأثرين بالأيديولوجيات المزدهرة في المحيط العربي، فقام الملك فيصل بترويج خطابية الأصالة الإسلامية والأطروحات الوهابية، وأصبحت خلفية إصلاحات فيصل في تطوير النظام التعليمي والمؤسساتي في أجهزة الحكومة، تقوم على هذه الأطروحات الموغلة في التزمت الديني، وضمن بذلك امتثال المراجع الدينية، ووضع القومية كفكرة مناقضة للإسلام واحتضن جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وفي نفس الوقت أقام الملك فيصل علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ونجحا سوياً في تصوير جميع الحركات الإصلاحية والقومية بأنها من فعل الشيوعية العالمية، إلا أن السعودية بقيت غير محصنة تجاه الانقلابات والثورات، ففي 5 أبريل 1969، وقبيل ساعة الصفر، استطاعت المخابرات المركزية الأمريكية من كشف مخطط لانقلاب كبير ومحكم، أعده عدد من الضباط السعوديين معظمهم من سلاح الطيران، من ضمنهم مدير إدارة الأكاديمية العسكرية الجوية في الظهران، وآمر قاعدة الظهران، ومناصرين في الرياض والقواعد العسكرية الأخرى، وكانت الخطة تقضي بالهجوم على الملك والأمراء النافذين، ثم إعلان قيام جمهورية الجزيرة العربية. وعلى أثر ذلك تم توقيف مئات الضباط كما شلّت حركة الطيران العسكري لأسابيع، وحتى عند عودة حركة الطيران، بقيت الطائرات العسكرية بدون ذخيرة لفترة غير قصيرة. كما اعتقل عدد من العاملين في أرامكو، وموظفي المصارف الذين لهم علاقة بتلك المحاولة، وأعدم العشرات، وفاق عدد من أدخلوا إلى السجون الألفين، ونشر في الصحافة العربية والمعارضة السعودية في الخارج أخبار عن حملات مداهمات واعتقالات وإعدامات وأنباء عن محاولات انقلابية أخرى في سبتمبر ونوفمبر عام 1969، وكذلك في مايو ويوليو عام 1970.
    ولم تشهد القوات السعودية حركة تطوير وتحديث جدية إلا بعد إعلان بريطانيا انسحابها من الخليج ووفاة الزعيم العربي جمال عبدالناصر، وإن كانت عملية التحديث حذرة ومعتمدة على وجود قوات أخرى من باكستان والولايات المتحدة الأمريكة، إلا أن ذلك لم يحد من ظهور محاولات انقلابية أخرى، ففي صيف 1977، أذيع أن المسؤولين السعوديين اكتشفوا محاولة انقلابية في قاعدة تبوك الجوية، وفي هذه الحادثة تم الاعتماد على الاستخبارات العسكرية المصرية والأردنية، لقمع الانقلابيين، وتم توقيف كافة الطيارين باستثناء ثلاثة استطاعوا الهرب إلى العراق، ومرة أخرى لجأت السلطات السعودية بتحديد مدة الطيران العسكري بنصف ساعة فقط وبدون ذخيرة، وضاعفت الهبات والأجور لكبار الضباط، إلا أن الخشية من الانقلابات كانت حاضرة دائماً.
    انحسرت المظاهر العلنية للمطالب الإصلاحية والانقلابية بسبب الفراغ الذي أحدثته وفاة الزعيم العربي جمال عبدالناصر عنصراً فصعد نجم الملك فيصل كزعيم عربي بدا مؤهلاً لملء فراغ الزعامة، خاصة بعد حرب 1973، وارتفاع مداخيل النفط آنئذ. لكن فيصل لم يعمّر طويلاً حيث جرى اغتياله في 25 مارس 1975 على يد ابن اخيه الأمير فيصل بن مساعد بن عبدالعزيز. بعد كثير من التكهنات بشأن دوافع القاتل، أبلغت الحكومة مواطنيها أن الاغتيال كان (عملاً فردياً)؛ وتذكّرت غالبية السعوديين أخ القاتل، الأمير خالد الذي قاد في عام 1965 تظاهرة ضد فتح المحطة التلفزيونية أسفرت عن مقتله برصاص الشرطة السعودية. وفي الوقت الذي لم تقدم الحكومة تفسيراً لاغتيال الملك، طلع السعوديون بتأويلاتهم الخاصة، حيث ربط البعض الأمر بتنحية سعود عن الحكم خاصة وأن القاتل كان قد تزوج حديثاً من إحدى بنات سعود، بينما راجت شائعات عما يحاك من (مؤامرات أميركية وصهيونية) ضد المسلمين، فصور اغتياله في المخيِّلة الشعبية على أنه انتقام غربي من المقاطعة النفطية عام 1973م•

    عهد الملك خالد 1975-1982

    تُوّج خالد بن عبدالعزيز (وُلد عام 1912) ملكاً في غضون ثلاثة أيام بعد موت فيصل، وسُمي أخوه غير الشقيق فهد ولياً للعهد. وخلال السنوات الثماني من عهد خالد (1975 ـ 1982) بدأ التناقض يتبدى بين خطابية فيصل الإسلامية من جهة والرخاء والنزعة المادية المتعاظمة في المجتمع من الجهة الثانية. ولعل عهد الملك خالد كان سيخلو من الأحداث المثيرة لولا عوامل خارجية عدة كانت لها تداعياتها في العربية السعودية. أولاً، إن الثورة الإيرانية مارست تأثيرها في التطورات السياسية الداخلية وألهمت قوى إسلامية في العديد من البلدان العربية ومنها العربية السعودية. ثانياً، عمل الغزو السوفياتي لأفغانستان على تهويل المخاوف السعودية من الشيوعية وتوفير المبرِّر وراء الشراكة المتينة مع الولايات المتحدة واستطاعت الرياض ان تحتوي المتطرفين الاسلاميين وتوجههم إلى أفغانستان. وثالثاً، وضعت الحرب الإيرانية - العراقية في الثمانينيات نزاعاً إقليمياً على مقربة من الحدود السعودية.
    (1) حركة جيهمان العتيبي: خلال موسم الحج في 20 نوفمبر 1979، كان حصار جهيمان بن محمد العتيبي ومحمد بن عبد الله القحطاني مع العديد من الأتباع السعوديين وغير السعوديين في الحرم المكي، المظهرَ الأسطع لما كان يعتمل من توتر في المجتمع السعودي. كان قائد العملية جهيمان العتيبي واعظاً نشطاً غامر بإبداء آرائه حول الحاكم الإسلامي العادل والعلاقات مع (القوى الكافرة) والنزعة المادية والفساد والعلاقة بين العلماء والسلطة، وطالب بعزل آل سعود من الحكم. عمدت الحكومة إلى استنفار العلماء، وأصدرت إدارة البحوث العلمية والإفتاء فتوى تدعم الفئة الحاكمة وتجيز التدخل العسكري في الحرم المقدَّس. وأُنهي الحصار بعد قتل (الزعيم الروحي للحركة) وأسر قائد الحركة العسكري ومنظّرها مع 170 من الأتباع. تطلَّب سحقُ التمرّد أسبوعين، والاستعانة بقوات خاصة أردنية وفرنسية ومستشارين أمريكيين، وأسفر عن سقوط العديد من القتلى؛ وفي 3 ديسمبر 1979 خرج آخر المتمردين من المسجد الحرام.
    رسالة المتمردين السياسية طغى عليها إعلانهم أن زعيم الحركة الروحي محمد القحطاني هو (المهدي المنتظَر)، الذي كان مفهوماً خلافياً في الإسلام السني، واستثمرت الحكومة هذا الخلاف للنيل من المتمردين. وشرع كبار العلماء في إجراء مناظرة لاهوتية حول صفات المهدي الحقيقي طامسين بذلك المعارضة السياسية التي كانت هي أساس التمرد؛ وخلص العلماء إلى أن القحطاني لا يمكن أن يكون المهدي المنتظر حقاً مبرِّرين بذلك إخماد الحركة بوحشية داخل المسجد، وهو حرم مقدس مُنع سفك الدماء فيه حتى قبل ظهور الإسلام. لكنَّ الفئة الحاكمة والسعوديين الاعتياديين على السواء، أدركوا أن التمرد لم يكن حول (مهدي) مزيَّف أو حقيقي، بل كان حول تطور أسفر عن نتائج اجتماعية متناقضة، وتوترات لم تكن تتوقعها حكومة رفعت لواء التحديث دون توفير أرضية جديدة للشرعية. فلقد كان حصار المسجد جزءاً لا ينفصل من نتائج التحديث المادي إبان السبعينيات، وهو كان يقظة سياسية استندت إلى خطابية دينية أصبحت أكثر تمفصلاً برعاية مراكز العلوم الدينية، وفي ظل التربية والتعليم. وكان جهيمان يتميز عن فيصل الدويش، المتمرد الإخواني في عام 1927ـ1930، بتربيته الدينية وعلمه اللاهوتي اللذين تطورا خلال فترة مديدة من الدراسة في جامعة إسلامية فتحتها الدولة السعودية.
    (2) تحرك الشيعة :التوترات الاجتماعية نفسها التي أدت إلى حصار المسجد أخذت تتبدى في المنطقة الشرقية حيث يعيش غالبية الشيعة السعوديين الذين يعمل معظمهم في حقول النفط ولكنهم كانوا يواجهون أشكالاً مختلفة من التمييز الطائفي، وحقيقة أن المذهب الوهابي وصم الشيعة بالزندقة، لم تفعل سوى مفاقمة التمييز ضدهم كأقلية منعزلة. وظهر تناقض آخر في السبعينيات، إذ كانت الصناعة النفطية تتركز في منطقة الشيعة حيث يساهمون بالقسم الأعظم من الأيدي العاملة شبه الماهرة وغير الماهرة؛ ولم يُترجَم هذا إلى فرص اقتصادية وتعليمية واجتماعية أفضل للسكان؛ فخارج معسكرات أرامكو لم تجنِ غالبية الشيعة فائدة من التوسع في الخدمات الصحية والاجتماعية، وهم كانوا ممنوعين من مهن معينة مثل الجيش ومؤسسات التعليم، كما كانوا ممنوعين من إقامة مجالس العزاء بمناسبة عاشوراء في العلن، ومن بناء مساجدهم الخاصة، وأصدر العلماء الوهابيون عدة فتاوى تكفر الشيعة، ولم تفعل الدولة شيئاً يُذكَر لإسكات الآراء الدينية المتطرفة.
    حوَّل نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979 العديدَ من الناشطين الشيعة إلى متمردين إسلاميين؛ وفي عام 1979، نزل الشيعة إلى الشوارع بمناسبة عاشوراء متظاهرين ضد الحكومة وسياساتها فأرسلت اليهم 20 ألفاً من أفراد الحرس الوطني لإخماد مظاهراتهم التي هي تعبير عن الاستياء من وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية. في المصادمات مع الحرس الوطني سقط العشرات قتلى وجرح المئات كما اعتقل نحو ألف وثلاثمائة شخص.. ويتذكر الشيعة هذا الحدث بوصفه (انتفاضة المنطقة الشرقية)؛ وبدأت (منظمة الثورة الإسلامية) الشيعية السرية التي تمثل الطائفة في المنطقة الشرقية، تبرز بوصفها المتنفَّس السياسي للطائفة بعد تلك الأحداث العفوية. وكان أعضاء المنظمة من طلاب (جامعة البترول والمعادن) وعمالاً في الحقول النفطية، وبعد سلسلة من المواجهات الدموية انتقلت قيادة المنظمة إلى المنفى، ونشطوا في إصدار العديد من المجلات المعارضة.
    بعد اضطرابات 1979-1980 اعتمدت الحكومة السعودية معالجة برغماتية ووعدت بسلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية. واعترف المسؤولون الذين زاروا المنطقة بعد هذه الأحداث مباشرة، علناً بما تعانيه الطائفة من حرمان اجتماعي واقتصادي، واعدين بتحسين التعليم والخدمات الصحية والبنى التحتية الاقتصادية للمدن الشيعية. ولكن تلك الإجراءات المحدودة في أهدافها أخفقت في تهدئة الأوضاع، ولم تتحقق مصالحة وإن كانت هشة إلا في عام 1993، وبضغط من تداعيات حرب الخليج عام 1991 وحصار العراق.

    عهد الملك فهد: التقشف والمعارضة السلفية

    ورث ولي العهد فهد (وُلد عام 1921) العرش بعد وفاة خالد؛ كان الانتقال سلساً لأن فهد كان أصلاً تولى ممارسة سلطات واسعة خلال السنوات الأخيرة من حكم خالد، وقد أحكم الملك مع أخوته الأشقاء الستة سيطرتهم على المناصب الحكومية الحساسة وخاصة الدفاع والداخلية، فيما أصبح أخوهم غير الشقيق عبد الله، قائد الحرس الوطني، وليَّاً للعهد والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء؛ وفي عام 1986، خلع الملك فهد على نفسه لقباً جديداً هو (خادم الحرمين).
    تزامنت سنوات فهد الأولى على العرش مع هبوط حاد في أسعار النفط التي بلغت أدنى مستوياتها في عام 1986، إذ انخفض سعر النفط من 32 دولاراً للبرميل إلى 15 دولاراً في أوائل الثمانينات متسبباً في تناقص عائدات النفط السعودية بنسبة تزيد على 30%. وفي غضون ستة أشهر، بين يناير ويوليو 1986، انخفضت أسعار النفط من 26 دولاراً للبرميل إلى 8 دولارات للبرميل، الأمر الذي جعل الناتج السعودي في وضع لا يحسد عليه. للمقارنة، فإن ذلك الناتج بلغ عام 1982 مستوى لا سابق له زاد على 400 بليون ريال سعودي، بينما انخفض في عام 1986 إلى 271 بليوناً.
    لم يعد بالإمكان اعتبار الرخاء الذي عُرف في عهدي فيصل وخالد من المسلَّمات في وقت كانت الحكومة السعودية تحاول التكيف مع هبوط أسعار النفط الذي أماط اللثام عن ضعف الاقتصاد القائم على سلعة واحدة، وكثيراً ما كانت سنوات فهد الأولى على العرش توصف بأنها عهد التقشف، على النقيض من سنوات الرخاء في عهدي فيصل وخالد. اعتمدت الحكومة الإبطاء بوتيرة في تحديث البنية التحتية للبلاد وصرفت النظر عن كثير من المشاريع التنموية الهامة، نتيجة عجوزات متعاقبة في الميزانية.

    المعارضة السلفية: بعد حرب تحرير الكويت في العام 1991، واجهت حكومة الرياض نشوء حركة إسلاميّة سلفيّة تدعو إلى تغيير شامل. وظهر الخطر الديني على مستويين مختلفين: أولاً بين رجال الدين أنفسهم؛ وثانياً بين رجال الدين وآل سعود. أبدى عدد من الزعماء الدينيّين البارزين معارضتهم حيال مستقبل المملكة السياسي، كما أن حالة أجهزة الدفاع فيها أظهرت أن كافة استثمارات الحكومة وجهودها في هذا الصدد قد ذهبت سدى؛ في الوقت نفسه، حاول بعض رجال الدين الأصغر سنّاً إعادة النظر في تعاليم الزعماء المتقدّمين فعارضوها، واعتبروا هؤلاء الشيوخ منصاعين لآل سعود الذين (أفسدوهم).
    يمكن إرجاع مصادر التحدّي السلفي إلى خطابَي مطالب (عريضتين) وُجِّها إلى الملك فهد من قبل مجموعة من العلماء والمفكرين في مايو 1992؛ إذ دعا أول خطاب إلى إنشاء مجلس مستقلْ للشورى، يكون من صلاحيّاته البتُّ في الشؤون السياسية الداخليّة والخارجية، بهدف تحقيق المساواة بين كافة السعوديين أمام القانون بغضّ النظر عن منزلتهم ووضعهم، وإعادة توزيع المال العام، ومحاسبة سائر المسؤولين، والتزام أكبر بالقيم الإسلامية. أمّا العريضة الثانية (وقعها 107 شخصاً) فقد توسعت في هذه المطالب، لافتَة النظر إلى سوء الإدارة العامة والفساد. تميّزت هذه العريضة (وتسمى مذكرة النصيحة) عن الأولى بجرأتها الأكبر، وقدّمت توصيات مفصّلة، كما ركّزت توصية أخرى على الحاجة إلى القضاء على التأثيرات الحضاريّة الغربيّة (مثل الحدّ من الحصول على هوائيّات عبر الأقمار الصناعية)، والحدّ من الإتّصال بالغرب (خاصة في ما يتعلّق بشراء الأسلحة)، وتعزيز العلاقات مع البلاد المسلمة المماثلة.
    كان العديد من الموقِّعين على هذا الخطاب رجال دين- أئمّة، وخطباء، وقضاة ومحاميين شرعيين ومعلّمين، معظمهم من نجد والرياض، مهد الحركة الوهابية والقاعدة التقليديّة لآل سعود. من أبرز الخطباء، كان سلمان العودة وسفر الحوالي، اللذان شكّلا تحدّياً مباشراً للسلطات الحكومية. كان جوهر الخطابين المطالبة بتغيير البنية السياسية في السعودية، ونقل مقدار هام من السلطة من عائلة آل سعود الحاكمة إلى نخبة معيّنة من رجال الدين المتزمّتين، وكان معظم رجال الدين هؤلاء من الشباب وقد عارضوا أيضاً العلماء المتقدّمين في المملكة إذ اعتبروا هؤلاء من الموالين لآل سعود. لكن المؤسسة الرسمية ممثلة في هيئة كبار العلماء أدانت، كما كان متوقعاً، هاتين العريضتين بصفتهما مضلّلتين ومسبّبتين للشقاق، وقد رفض سبعة علماء فقط توقيع الرّد الرسمي، فدفعوا للاستقالة بسبب تراخيهم، وتمّ استبدالهم بدم جديد أكثر تحرّراً. واللافت للنظر هو أن مجلس الشورى الذي طال انتظاره قد افتتح أخيراً في أواخر ديسمبر 1993، كاستجابة حذرة من حكومة الرياض للضغط المتزايد للمشاركة السياسية، كما أن إصدار النظام الأساسي جاء فوقياً ومفروضا من الحكومة دون مناقشة أو حوار، وأخضع جميع السلطات للملك.
    واجه آل سعود التحدي الإسلامي بمزيج من التردّد والاسترضاء؛ فقد كان من شيم الملك فهد اجتناب المواجهة؛ ولكن لما بدى أن الحركة الإحتجاجية قد تتطور، ضربت أجهزة الأمن ضربتها وقامت باعتقال عدد من المشايخ وضيقت هامش التجمعات والتعبير، وزادت من سيطرتها على المراكز الدينية والجوامع، إضافة الى المراقبة المستمرة لأداء المشايخ وميولهم.
    المعارضة المدنيّة - السلفية: في 3 مايو 1993، قام ستة أشخاص بتحدّي آل سعود إذ أعلنوا عن إنشاء (لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعيَّة)؛ اقتضت مهمّتهم (النضال من أجل القضاء على الظلم وإعادة إحياء الحقوق الشرعية، والسهر على حفظ حقّ الشعب بالتعبير عن آرائه بحرية والعيش بشكل شريف وكريم في بيئة يسودها العدل والمساواة). أمّا سبب تحرّكهم فهو، كما أعلنوا، رغبتهم (بوضع حدّ للانحلال الاجتماعي). لكن على الرغم من لهجتهم المعتدلة بشكل عام، عمدت حكومة الرياض إلى صرف الستة من مناصبهم الرسميّة وتوقيفهم وإخضاعهم لاستجوابات وتحقيقات صارمة. بعد مرور بضعة أشهر، غادر الناطق الرسمي باسم اللجنة الدكتور محمد المسعري خلسة إلى اليمن، ومنها إلى لندن حيث طلب حقّ اللجوء السياسي، وقد باءت كافة مساعي الملك فهد لإقناع رئيس مجلس الوزراء البريطاني في حينه جون ميجر، بطرده من بريطانيا، بالفشل. تميزت البلاغات الرسميّة الصادرة عن اللجنة في عهد زعامته بالاحتراف، فقد كانت ترسل المعلومات عن القمع الممارَس في المملكة بالفاكس إلى آلاف الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، وحتى داخل المملكة؛ كما أن تلك البلاغات كانت تُرسَل عبر الإنترنت، أي أنه كان يطّلع عليها أيّ شخص مهتم بالشأن الداخلي في السعودية. تزعمت اللجنة معارضة نظام العائلة الحاكمة، وبدا أن لها شبكة فعّالة من المناصرين داخل المملكة السعوديّة.
    يمكن تفسير نشأة المعارضة السلفية بأنها محصلة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية وعناصر التحديث المعتمدة، والتي وسعت قاعدة النزاعات في المجتمع السعودي، كما عمقت التناقضات بين النظام والطبقات والفئات الاجتماعية الطامحة إلى اصلاحات أعمق، والاستيلاء على السلطة في خاتمة المطاف، أو الشراكة فيها. لقد اختل التوازن الاجتماعي القديم في العربية السعودية، ولكن لم يقم توازن جديد رغم كل ما يبتدع من مرتكزات واجراءات جزئية، وهذه حالة مهزوزة ومشحونة بانفجارات اجتماعية قد تتخذ اشكالا غير متوقعة على الاطلاق.
    عودة الصدام بين الدين والدولة: جولات الصراع السابقة بين الأصولية الوهابية والدولة السعودية حكمتها جملة من التسويات الهشة والوعود التي لم تنفذ، أما الجولة الجديدة فتبدو أكثر شراسة من سابقاتها ويقودها رجال متعلمون وسياسيون مع تراجع ملحوظة للدعم الامريكي لسلطة آل سعود. مع ان علماء الدين كانوا بوجه العموم مؤيدين للنظام السعودي، إلا ان علاقتهم به لم تتسم دوماً بالانسجام الكامل. كل ما حصل ويحصل في المملكة السعودية منذ إنشائها انما كان من قبيل الاستجابة والتوفيقية بين الواقع والمتغيرات، والحفاظ على السلطة بيد آل سعود دون منازع. فبعد كل هزة او خلاف مع القوى الأصولية المتزمتة، تعمد الحكومة السعودية لاثبات تعهدها بتنفيذ احكام الشريعة الإسلامية وفقاً للمذهب الوهابي، وتحاصر المجتمع والأفراد بالمزيد من القيود، وتعيد الاعتبار للقوى الإسلامية المتطرفة من خلال حشد مؤيدي الحكم من علماء الدين، وفي نفس السياق تعد القوى السياسية الحداثية ـ دون أن تنفذ ـ بإجراء اصلاحات سياسية ومدنية.
    إن نفور الحكومة السعودية من توسيع المشاركة السياسية والديمقراطية يأتي من الخوف أن تؤدي المشاركة السياسية والديمقراطية الدستورية إلى تجريد آل سعود من الانفراد بالسلطة، إلا أن عدم توسيع المشاركة السياسية سيزيد من نقمة الفئة الحداثية وقد يؤدي إلى فقدان السلطة السعودية للشرعية ويدفع بقوى التحديث والديمقراطية إلى مساندة التغيير بأي شكل، في ظل تراجع الدخل الفردي وتزايد البطالة، وتزايد الفوارق الطبقية، حيث ان مطالب التغيير اصبحت قاسماً مشتركاً لدى الجميع. كما أن الاستمرار في اتخاذ الوهابية مبداً مثالياً دون اجراء أي تغيير حقيقي في محتواها لملاءمة الواقع، قد اسهم في اضعاف شرعية نظـام الحك، وأدى إلى صدام متكرار بين الدين والدولة.
    الرد على الكواشف الجلية
    الحلقة الثانية

    وحاصل ما ذكره الكاتب في كتابه يتلخص في المسائل الآتية:
    1ـ ذكر أن سبب تأليفه لهذا الكتاب أنه كثيراً ما جمعته مجالس مع رؤوس لدعوات وجماعات خاضوا فيها حول كل حكومة وطاغوت فإذا ما تعرض الحديث أو تطرق إلى هذه الدولة.. فتلك عندهم عقبة كؤود فبادر المذكور إلى المساهمة في إماطة اللثام عن وجه هذه الدولة الذميم ـ على حد زعمه ـ .
    2ـ أن الدولة السعودية في عهد الملك عبد العزيز دولة كافرة خائنة ملبسة مدلسة وكذابة وفاجرة، وعميلة للغرب وأنها نظام بريطاني أمريكي ماسوني كافر، يسعى لهدم الإسلام ونزعه من قلوب الناس ونشر مظاهر الكفر الصراح في مجتمعات المسلمين.
    3ـ علماء السعودية عملاء للنظام عبدة الدرهم والدينار وجواسيس لا يخشون الله أو يخافونه، يزينون للنظام ما يهوى، ويبيعون الفتاوى ويصدورنها حسب الأهواء والرغبات وأنهم علماء للطاغوت وخراس للعقيدة .. الخ.
    4ـ أن الدولة السعودية لا تحكم إلا بالقوانين الوضعية، وما يوجد لديها من تطبيق لبعض حدود الإسلام أو بعض الأعمال الخيرية كطباعة المصحف ومساعدة المسلمين والجهاد الأفغاني هو من باب التستر عن جرمها وذر الرماد في العيون وشراء ذمم قادة الجهاد الأفغاني.
    5ـ إقراره بأن الذين طعنوا في الدولة السعودية وكتبوا عنها إما شيعة وإما رافضة أو شيوعيون ملاحدة حتى توهم كثير من السذج أو البسطاء أنه لا يعادي هذه الدولة أو يتبرأ منها إلا أعداء الشريعة والدين فهو يبرأ إلى الله من هؤلاء وهؤلاء حتى لا يفرح بكتابه الروافض والشيوعيون ويزعم أنه لم يكتب الكتاب لأجلهم أو لسواد عيونهم!
    6 ـ زعم أن العقيدة التي ينطلق منها في منهجه هي عقيدة أهل السنة والجماعة والسلف الصالح وأنه سني موحد نجدي عربي أصيل.
    7ـ تعرض إلى فتنة الإخوان وخلاف رؤوسهم (سلطان بن بجاد وفيصل الدويش، وظيدان بن حثلين ) مع الملك عبد العزيز وأنهم لم يخالفوه إلا من أجل الدين بسبب موالاة الملك عبد العزيز للإنكليز ضد الإخوان.
    8ـ زعم أن شكسبير زعيم الإنكليز كان في جيش الملك عبد العزيز ضد ابن رشيد الموالي للدولة العثمانية وأنه قتل على أيديهم في وقعة جراب.
    9ـ مصدره في هذه القضية عن من سماه بالشيخ الجليل ونقل عنه قصصاً وحكايات مفادها إدانة الملك عبد العزيز وتجريمه من موقفه من الإخوان وقادتهم، وزعم أن الشيخ الجليل كان من المقربين من الملك عبد العزيز ومن خواصه وأنه حدثه بهذه الوقائع وأنه حينما ظهر لهذا الشيخ الجليل أن الملك عبد العزيز موالي للإنكليز فزع منه وفر من مجلسه، ولم يفصح عن اسم هذا الشيخ الجليل!!
    10ـ تعرض لحادث تقليد الملك فهد للقلادة التي عليها صليب في بريطانيا، وكذلك تبادله للهدايا مع الرئيس الأمريكي وزوجته وأن هذا يدل على ماسونيته وعمالته للغرب.
    11ـ زعم أن الدولة السعودية تشرع في كثير من المجالات قوانين وضعية تحكم بها وتلزم الخلق بها لكنها لا تطلق عليها قوانين بل تسميها أنظمة ومراسيم وتعليمات وأوامر ولوائح تمشياً مع سياسة التلبيس التي تنتهجها.
    12ـ زعم أن الدولة السعودية حينما تحكم بالشريعة الإسلامية هو من باب التمسح بها وهي لعبة من ألاعيبها ومخادعة السذج والعميان بإقامتها لبعض الحدود الشرعية على ضعفاء الخلق فيها لتوهم الناس بأنها تطبق الأحكام الإسلامية.
    13ـ وهي بذلك لا تختلف عن باقي الدول العربية في تطبيقها لبعض الشريعة كالأحوال الشخصية وتحاكمها للقوانين الوضعية في الباقي.
    14ـ زعم أن مما يدل على تحاكمها للقوانين الوضعية ـ على المستوى الداخلي ـ سنها لكثير من الأنظمة كنظام مراقبة البنوك ونظام الجنسية العربية السعودية ونظام المطبوعات والنشر، ونظام الجمارك والجيش وغيرها، وذكر أمثلة في ذلك سيأتي تفصيلها في ثنايا الرد.
    15ـ تعرض لموقف الشيخ محمد بن إبراهيم مما سماه التلاعب بالمحاكم الشرعية وسلب اختصاصاتها.
    16ـ زعم أن مما يدل على تحاكمها للقوانين الوضعية على المستوى الخارجي انضمامها إلى هيئة الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة العمل الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي مع إقامتها الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع أمريكا وغيرها.
    17ـ زعم أن الاتفاق العسكري السعودي نموذج لتبديد ثروات المسلمين وذكر ضمن هذا التبويب تحليلات واستنتاجات وإحصائيات وقضايا كبيرة اشتملت على كثير من التناقضات ـ كما سيأتي بيانها ضمن الرد التفصيلي.
    18ـ زعم أن إقامة روابط الحب والود والإخاء بين هذه الدولة وبين دول الخليج العربي عبر مجلس التعاون الخليجي المقرِّين بتحكيم الديمقراطية والقوانين الوضعية دليل على كفرها وكذلك الأمر عنده فيما يتعلق بالأخوة العربية عبر الجامعة العربية وأن مناصرة الجامعة العربية وتوليها هذا من قبيل تولي الكفار، ومن تولى الكفار فهو كافر!!
    19ـ وكذلك الأمر عنده ينسحب على مؤتمرات القمة الإسلامية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وأنها مؤامرات على الإسلام، وليست قمة بل قمامة ! وشَنَّع على هذه الدولة استضافتها لزعماء الدول الإسلامية في رحاب الحرم المكي في الدورة الثالثة.
    20ـ إقراره بأن جيهمان أخطأ وأن جريمته كانت في حمل السلاح في الحرم بالذات مما سبب سفكاً لدماء كثير من الأبرياء، ومراده بالأبرياء من قتل من الحجاج والمصلين وليس رجال الأمن ا لسعودي.
    21ـ مع اعترافه بأن جريمة جيهمان جريمة عظيمة ودعا الله أن يغفرها له لتأوله، لكنها لا شيء بجانب جرائم الحكومة السعودية ومنها الصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر، وفتنة المسلمين في دينهم.
    22ـ ثم تعرض لموقف الحكومة السعودية من القضية الأفغانية وأنها تحرص دوماً على أن تجعل من نفسها الوصي الشرعي على قضايا المسلمين ومنها قضية أفغانستان.
    23ـ وأن السعودية دفعت الملايين للقضية الأفغانية ليس لله ولكن لإرضاء أمريكا.
    24ـ طعن في الشيخ جميل الرحمن حاكم كُنَر لأنه على علاقة وطيدة بالسعودية وأنها أملت على الشيخ جميل عدة شروط لتلقى مجلته التي كان يصدرها الدعم عندهم ومن تلك الشروط عدم الطعن في اليهود والنصارى.
    25ـ زعم أن المعسكرات التي يديرها العرب في أفغانستان لا يسمحون بالتدريب على المتفجرات بناء على أوامر من الحكومة السعودية.
    26ـ زعم أن الحكومة السعودية دفعت لقادة الأحزاب على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم الكثير من المساعدات المادية والعينية حتى اشترتهم وسيطرت عليهم سيطرة كاملة حقيقية، فكان لها ما تريد.
    27ـ ثم يناقض نفسه بعد ذلك فيقول: السعودية دفعت أموالاً طائلة لقبائل الشيعة المتحكمة بالطرق الباكستانية المؤدية إلى معسكرات التدريب للتضييق على المجاهدين والمتدربين العرب ومنعهم من المرور فيها.
    28ـ وذكر أن المخرج من هذه الدولة وأمثالها الهجرة والجهاد.
    إلى غيرها من المسائل التي ذكرها في كتابه، وقد أشتمل كتابه على كثير من التحليلات الكاذبة والتناقضات الواضحة مع قلة البضاعة في الأدلة الشرعية وأصولها ومقاصدها.
    ولقد سلكت طريقتين في الرد عليه:
    إحداهما طريقة إجمالية تشتمل على: تأسيس أصول ووضع مقدمات مهمة بين يدي الرد بمثابة اعتراضات كلية على هذا الكتاب ومن ثم يعقبها الطريقة التفصيلة في الرد عليه بمنهج علمي مستمد من الكتاب والسنة أقوال أهل العلم المعتبرين.
    وهذا أوان الشروع في المقصود؛ والله حسبنا ونعم الوكيل

    المقدمة الأولى:
    التعريف بالدولة السعودية
    اعتاد من تناولوا التاريخ السعودي بالكتابة أن يقسموه إلى ثلاثة أدوار:

    الدور الأول:
    يبدأ الدور الأول بالمبايعة التي تمت بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود سنة 1157هـ، وينتهي باستسلام الإمام عبد الله بن سعود لإبراهيم باشا سنة 1233هـ.

    الدور الثاني:
    أما الدور الثاني فيبدأ عند أكثر الباحثين ـ بنجاح الإمام تركي بن عبد الله في إخراج بقية جنود الحاميات العسكرية التابعة لمحمد علي من نجد سنة 1240هـ، وينتهي بانتصار الأمير محمد بن رشيد على الإمام عبد الرحمن بن فيصل سنة 1309هـ.

    الدور الثالث:
    أما الدور الثالث فيبدأ باستيلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ الملك عبد العزيز على الرياض سنة 1319هـ.
    واعتاد من كتبوا عن تلك الأدوار أن يسموا كل دور منها دولة (تاريخ المملكة لابن عثيمين ص7) فالدولة السعودية نسبة إلى مؤسسها في الدور الأول وهو الإمام محمد بن سعود، ولقد ارتبط التاريخ الحديث لهذه الدولة ارتباطاً عميقاً بالحكم السعودي حتى أصبح اسمها المملكة العربية السعودية، مع أن هذه التسمية لم تحدث إلا في الدولة السعودية الثالثة.
    ولقد استمر مؤسس الدور الثالث ـ الملك عبد العزيز ـ في الجهاد والحروب ضد خصومه قرابة نصف قرن حتى توحدت هذه الجزيرة وصارت تحت إمرته وقيادته وأصبح هو الحاكم الشرعي لهذه الجزيرة.
    ومن القواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة: أن من غلب الناس بسيفه وصارت له شوكة وقوة فتولى الحكم واستتب له فهو إمام تجب بيعته وطاعته وتحرم منازعته ومعصيته ، قال الإمام أحمد رحمه الله ـ في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار: (... ومن غلب عليهم ـ يعني: الولاة ـ بالسيف حتى صار خليفة، وسمي أمير المؤمنين، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً ) (طبقات الحنابلة 1/242، 246).
    واحتج الإمام أحمد بما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنه ـ أنه قال: (.. وأصلي وراء من غلب) (الأحكام السلطانية ص23).
    وقد أخرج ابن سعد في (الطبقات 4/193) بسند جيد عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صَلَّى خلفه وأدَّى إليه زكاة مالهِ.
    وفي صحيح البخاري ـ كتاب الأحكام، باب كيف يُبايع الإمام الناس ـ عن عبد الله بن دينار، قال: شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك قال:
    (كتب: إني أُقِرُّ بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله ما استطعت، وإن بني قد أقَرُّوا بمثل ذلك)
    قوله: (حيث اجتمع الناس على عبد الملك):
    يريد: ابن مروان بن الحكم.
    والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرَّقة، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان، كُلٌّ منهما يُدْعَى لَهُ بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ. وكان ابن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، فلما غلب عبد الملك واستقام الأمر بايعه.
    وهذا الذي فعله ابن عمر من مبايعة المتغلب هو الذي عليه الأئمة، بل انعقد عليه الإجماع من الفقهاء.
    ففي (الاعتصام للشاطبي 2/626): (أن يحيى بن يحيى قيل له: البيعة مكروهة؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جورٍ؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان وبالسيف أخذ الملك، أخبرني بذلك مالك عنه، أنه كتب إليه، وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه. قال يحيى بن يحيى: والبيعة خير من الفرقة) اهـ.
    وروى البيهقي في (مناقب الشافعي 1/448) عن حرملة قال: (سمعت الشافعي يقول: كُلُّ من غَلَبَ عَلَى الخلافة بالسيف، حتى يُسمَّى خليفة، ويُجْمٍعَ الناس عَلَيه، فهو خليفة) انتهى.
    وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في (الفتح) فقال:
    (وقد أجمع الفقهاء عَلى وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء) انتهى.
    وقد حكى الإجماع ـ أيضاً ـ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ فقال:
    (الأئمة مجمعون من كل مذهب عَلَى أن من تغلب على بلد أو بُلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قَبْلَ الإمام أحمد إلى يؤمنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحداً من العلماء ذكر أن شيئاً من الأحكام لا يَصح إلا بالإمام الأعظم) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية 7/293) اهـ.
    وقال العلامة الصنعاني ـ رحمه الله تعالى ـ ( سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام: 3/499) في شرح حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: ( من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات فَمِيتَتُهُ ميتَةٌ جَاهلية).
    (قوله: "عن الطاعة" أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه. وكان المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يُجْمِعِ الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم. إذ لو حُملَ الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقَلَّت فائدتُهُ.
    وقوله: "وفارق الجماعة" أي: خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم، واجتمعت به كلِمَتُهُمْ، وحاطَهُم عن عدوهم) اهـ .
    وقال العلامة الشوكاني ـ رحمه الله ـ (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار 4/512) في شرح قول صاحب (الأزهار): ( ولا يصح إمامان):
    (وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رُقْعَتِهِ، وتباعد أطرافه؛ فمعلوم أنه قد صار في كل قُطْرٍ أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القُطر الآخر كذلك، ولا ينعقد لبعضهم أَمْرٌ ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.
    فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحدٍ منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامِرُهُ ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر.
    فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته، وبايعه أهْلُهُ، كان الحكم فيه أن يُقْتَلَ إذا لم يتب.
    ولا تجب على أهل القُطر الآخر طاعته، ولا الدخول تحت ولايته؛ لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سُلطانها، ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يُطاق.
    وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد والبلاد...
    فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لِمَا تدُلُ عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أَوَّل الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.
    ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها) اهـ.
    فهذه أقوال ثلاثة من علماء الأمة المجتهدين تقرر صحة تعدد الأئمة في بيعة الاضطرار. معوِّلُهَا على الأدلة الشرعية، والقواعد الْمَرعيَّة، والمصالح الكلية. وقد سبقهم إلى نحو هذا ثُلَّةٌ من العلماء المحققين.
    من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس: (إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان.
    قال ابن عَرَفَة ـ فيما حكاه الأُبِّيُّ عنه ـ: فلو بعد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة جاز نصب غيره في ذلك القطر.
    وللشيخ علم الدين ـ من علماء العصر بالديار المصرية يجوز ذلك للضرورة ..) اهـ.
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ ( مجموع الفتاوى:35/175ـ176):
    (والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوّابه، فإذا ذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق...) اهـ.

    المقدمة الثانية:
    عقيدة الدولة السعودية ومنهجها ودستورها
    المبحث الأول:
    عقيدة الملك عبد العزيز آل سعود (رحمه الله)
    كان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ سلفي العقيدة، ينتهج عقيدة السلف الصالح لهذه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهي العقيدة التي دعا إليها الكتاب والسنة، وكان عليها سلف الأمة، ومنهم الأئمة الأربعة رحمه الله تعالى عليهم جميعاً.
    وكان ـ رحمه الله ـ من بيت ورث هذه العقيدة السلفية ونصرها ودعا إليها، فمؤسس الملك السعودي الإمام محمد بن سعود ـ رحمه الله تعالى ـ المتوفى 1179هـ هو الذي وقف مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ وأيده في دعوته لعقيدة السلف، ونصره بالسيف والسنان، حينما أتى الشيخ ـ رحمه الله ـ إلى الدرعية سنة 1147هـ طالباً النصرة في دعوته، فقبل ذلك محمد بن سعود وحمل لواء الذب عن هذه الدعوة ثم من بعده ابنه عبد العزيز ثم ابنه سعود بن عبد العزيز، وببركة هذه الدعوة الإصلاحية ساد ملك آل سعود. وبعد أن كان ابن سعود يحكم قرية واحدة ساد ملكهم جميع أراضي شبه الجزيرة تقريباً.
    واستمر آل سعود في الدفاع عن العقيدة السلفية، حتى بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1206هـ، وهكذا نشأ الملك عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ على هذه العقيدة السلفية، المتضمنة لتوحيد الله تعالى وحده، ووجوب صرف العبادة له دون سواه، ووجوب إتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحكيم شرع الله في كل الأمور، وتعلم العلم النافع، ومحبة الصحابة والتابعين، وأئمة الدين جميعاً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من مسائل عقيدة السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم جميعاً. وخطبه وكلامه ـ رحمه الله ـ في الحث على التمسك بالإسلام خير شاهد على صحة عقيدته، وسيأتي نماذج كثيرة منها في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى، وكذلك فقد صرح ـ رحمه الله ـ بأنه سلفي العقيدة، يدعو إلى الكتاب والسنة ويحكمها، وحذر من مخالفتها، بل وحارب البدع المنافية للكتاب والسنة بكل طريقة ممكنة، ومن أقواله التي تبين سلفيته في العقيدة:
    1ـ يقولون: إننا وهابية، والحقيقة أننا سلفيون محافظون على ديننا نتبع كتاب الله وسنة رسوله، وليس بيننا وبين المسلمين إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه).
    وهذا الدفاع منه ـ رحمه الله ـ عن هذه العقيدة، ونفي نسبة نفسه إلى الوهابية خصوصاً، لكن إلى السلفية عموماً، يوضح أنه كان يرى أن دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ هي دعوة إلى عقيدة السلف الصالح نفسها، ولا ينبغي أن تسمى بالوهابية، فإن هذه التسمية إنما أطلقها أعداء العقيدة السلفية بقصد تنفير الناس منها.
    2ـ و قال ـ رحمه الله تعالى ـ في خطابه الذي ألقاه بمكة المكرمة يوم الأربعاء 30/11/1351هـ قال: (يسموننا الوهابيين ويسمون مذهبنا بالوهابي باعتبار أنه مذهب خاص، وهذا خطأ فاسد نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثهاها أهل الأغراض، نحن لسنا أصحاب مذهب جديد وعقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق عندنا بين الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وكلهم محترمون في نظرنا).
    3ـ وقال ـ رحمه الله أيضاً ـ يبين عقيدته التي يدين بها والقائمة على توحيد الله عز وجل والنقية من البدع: (هذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعو لها، وهذه هي عقيدتنا وهي عقيدة مبنية على توحيد الله عز وجل خالصة من كل شرك منزهة عن بدعة، فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعو إليها).
    4ـ وكذلك فإنه ـ رحمه الله ـ يرى أنه لا يجوز الفصل بين الكتاب والسنة، أو سب أحد من الصحابة أو تكفير المسلم بغير حق، ويرى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل الناس وأنه صاحب الشفاعة المرجوة يوم القيامة، ويرى أن طلب الشفاعة هو دعاء الله تعالى بقبولها، ويرى أن المرء لا يسعه إلا إتباع مذهب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، يقول ـ رحمه الله ـ مقرراً جميع ذلك في خطاب ألقاه في أعيان البيت الحرام:
    (من الناس من يقول آمنا بالله، وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم يسبون آل بيته، ويسبون عمر، وعثمان، وأصحابه، وكيف ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، ولا نستطيع أن نفعل ذلك إلا بإتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح.
    والذي نمشي عليه هو طريق السلف، ونحن لا نكفر أحداً إلا من كفره الله ورسوله، وليس لنا مذهب سوى مذهب السلف الصالح، ولا نؤيد بعض المذاهب على بعضها.
    فأبو حنيفة، والشافعي، ومالك، وابن حنبل أئمتنا، فمن وجدنا الحديث الصحيح معه اتبعناه، فإن لم يكن هناك نص، فإنما هو الاجتهاد في الفروع، والأصل كتاب الله، وسنة رسوله لا نفضل أحداً على أحد، ولا كبيراً على صغير.
    وهل يقبل العقل أن هناك من هو أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هناك قبيلة أعز من قبيلة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قريش، ولكن النسب لا يغني عن الإنسان شيئاً.
    والتقوى ليست مجرد السجود، ولكن بالتفرقة بين الحق والباطل...، ومن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم يقل: وأشهد أن محمداً رسول الله لا تقبل منه، وكل إنسان لا يصلى على الرسول فهو ضال، وكل من لا يرجو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة، ومعنى طلب الشفاعة أن تقول: ( يا رب محمد شفع فينا رسولك محمداً).
    5ـ كما قال ـ رحمه الله تعالى ـ يبين أنه على عقيدة السلف والخلفاء الراشدين: (أنا داعية أدعو إلى عقيدة السلف الصالح ... وهي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاء عن الخلفاء الراشدين).
    يتبين مما ذكرناه من كلامه ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان على عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم جميعاً، وهذا هو ما سعى إليه ونصره، ودعا إليه، وقاتل من أجله، وألزم جميع من تحت يديه به؛ فرحمه الله تعالى رحمه واسعة.
    قال الأستاذ عبد الرحمن الرويشد: " أحيا الملك عبد العزيز تقليداً قديماً في بلاط آل سعود. وهو حلقة الدرس التي تقام بحضور الملك.
    ذلك التقليد يقوم على قراءة بعض الكتب في تفسير القرآن الكريم، وشرح السنة النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكتب التاريخ والأخبار أمام الملك وحاشيته في المجلس العام.
    ومن الكتب التي عرفت واستمع الناس إليها في مجالس الملك عبد العزيز: تفسير ابن كثير، وسيرة ابن هشام، والبداية والنهاية في التاريخ لابن كثير، وسيرة الخلفاء للسيوطي، وسراج الملوك، ومقدمة ابن خلدون، وفتح المجيد في شرح كتاب التوحيد، وكتاب الترغيب والترهيب، وكتاب الكبائر للذهبي.
    وقد أشار الزركلي: إلى أنه سمع في مجلس الملك عبد العزيز ثلاثة كتب من التراث وهي: تفسير القرطبي، وكتاب البداية والنهاية لابن كثير، وكتاب الآداب الشرعية لابن مفلح.
    وقد سأل الزركلي الأمير عبد الله بن عبد الرحمن ـ وهو أحد علماء آل سعود المعدودين ـ عن عادة الدرس هذه، فقال الأمير عبد الله: إنها عادة قديمة تناقلناها عن أسلافنا. اهـ
    ولم يدخر الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ وسعاً، ولم يترك مناسبة تمر إلا واغتنمها في سبيل حث الناس من حوله ـ بل وجميع المسلمين عموماً ـ على التمسك بالكتاب والسنة، وعقيدة السلف الصالح، ونبذ جميع ما خالفها من بدع وخرافات، والأخذ بالإسلام نقياً كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد استفاضت أقواله وخطبه في هذا المجال، حتى بلغت القاصي والداني، وسجلت
     

مشاركة هذه الصفحة