الانذار العاجي الى فرنسا

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 582   الردود : 1    ‏2005-03-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-03-27
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0

    هنالك اعتقاد سائد لكنه غير معلن صراحة، بأنّ ثقافة العنف تستقي جذورها من أفريقيا. تقود هذه الفكرة المسبقة حتماً الى قراءة عنصرية ـ لا سياسية ـ للنزاعات القائمة من أجل السيطرة على القارّة الافريقية، والتي لطالما اعتبرت تعبيراً عن أحقاد عرقيّة عائدة لعشرات ومئات السنين. انّ وسائل الاعلام الغربية، مع كليشاهاتها المعتادة، مصرّة على نقل الصراع العاجي بحيث يظهر الرئيس، وهو السيّد لوران غبغبو، على أنّه شخص عنيف وحذق في الوقت نفسه، لا بل مستنير أيضاً. يقابله الثوّار الذين يتميزون باتقان التواصل، إضافة الى جموع صارخة من "الوطنيين الشبان" في أبدجيان. هكذا، بعد أسبوعين من بداية التمرّد، في 16 أيلول/سبتمبر 2002، قام وزير خارجية فرنسا، السيد دومينيك دو فيلبين، باختصار آليّاته لاعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي بما يلي: " ترتكز الأزمة الراهنة على عناصر تقليدية. فان الخليط العرقي والديني الموجود في ساحل العاج، والذي يظهر خاصّة من خلال الانشقاق بين الشمال والجنوب، يمرّ بوضع متأزّم منذ اختفاء هوفويت بوانيي." بعبارات أقل تحضّراً، يصبح تصريحه كالتالي: "سيّداتي سادتي، لا تزال القصّة نفسها تتكرّر في معمعة أفريقيا الحبيبة."

    من هنا، يصبح كل شيء مقبولاً، بما فيه تقسيم بلد مهمّ والتشريع لثورة مسلّحة. وإذا كان من الضروري الافصاح عن الأضرار التي يلحقها الحديث المتّسم بالعرقية في ساحل العاج [1] ، لا يجب التوقف فقط عند تأثيراته، مهما كانت مذهلة وعرضة للّوم. فان التعتيم على البعد "الفرنسي ـ الأفريقي" لبعض النزاعات، يؤدي الى طريق مسدود أو مثير للسّخرية. فساحل العاج لم يصل الى ما هو عليه اليوم فقط لأن اتنيني الديولا والبيتيس اكتشفا عدم قدرتهما على العيش معاً. في الحقيقة، اصبح جلياً بأنّ باريس لا تزال تشكّل مركزاً للأزمة العاجية.

    تشكل نسبة المصالح الفرنسية في مستعمراتها السابقة، ثلث الاستثمارات الأجنبية وثلاثين بالمئة من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي [2]. فمنذ العام 1960، وبفضل عقود جائرة، اكتسبت الشركات الفرنسية حقّ التصرّف ونقل 75 بالمئة من الثروات المنتجة في هذه البلدان الى وطنها. في العام 1994، حاول الرئيس هنري كونان بيديي، الخلف المعين لفيليكس هوفويت بوانيي، اصلاح تلك الشوائب عن طريق مقايلة عقود تصدير القهوة والكاكاو لبعض العمالقة الاميركيين، ومنح رخصة تنقيب عن النفط في المياه الاقليمية للشركة الاميركية فانكو، من اجل التنقيب عن النفط في عرض البحر. بعدها تمّ اقالته بانقلاب على الحكومة في نهاية كانون الاول/ديسمبر 2005.

    من جهته، يحاول السيد غباغبو أيضاً ارخاء قبضة الشركات الفرنسية. ففي البلاد التي يترأسّها، تخضع كلّ من وسائل النقل والمياه والكهرباء الى مراقبة شركات Saur, EDF, Orange, Bouygues، في الوقت الذي تسيطر فيه كلّ من الـ Société générale والـ BNP والـ Crédit lyonnais على القطاع المصرفي. وبدأت عملية فتح الأسواق للمنافسة الدولية، وقد اتّضح، في مرفأ أبيدجيان الثالث ومطار سان بيدرو، أنّ شركة Bouyges الفرنسية هي أقلّ قدرة على المنافسة من الأفارقة الجنوبيين والصينيّين. فقد ضاعف هؤلاء العرض الذي قدّموه بعامل مقايضة "المرفأ مقابل الكاكاو". لكنّ اكتشاف منجم مهمّ للنفط في جاكفيل، قرب أبيدجيان، زاد من حدّة التوتّر، والضغوطات على السيد غباغو -المتّهم بمحاولة التقرّب من الولايات المتحدة- أصبحت قوية لدرجة أرغمته على التراجع عن قراراته في نهاية العام 2004، ومعاودة التأكيد على بعض العقود الفرنسية . [3]

    لا نسمع شيئاً عنّ كلّ ذلك على الاطلاق، وقد اكتفى عدد من المثقفين الأفارقة برفع دعوى ضدّ الرئيس الموجود. صحيح أنّ السيد غباغبو قد حوّل ساحل العاج الى منطقة خطرة بالنسبة للمعارضين وللأجانب والصحافيين الذين يشكلون شهوداً مزعجين. ففي آذار/مارس 2004، انطلقت مسيرة مسالمة تمّ قمعها بالدماء، وبعد تسجيلها وقوع 120 قتيلاًَ اثر الحادثة ، اتّهمت منظّمة الأمم الدولية نظام غباغبو بارتكاب تعدّيات خطيرة على صعيد حقوق الانسان. وفي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2004، في مقدّمة الهجمات التي استهدفت مركز قيادة القوّات الجديدة في بواكي، تمّ تخريب واحراق مراكز كلّ من حزب ساحل العاج الديمقراطي وتجمّع الجمهوريين، كما استهدفت في الوقت نفسه مراكز لثلاثة صحف معارضة للمنطق السّائد. وقد بدأت "سرايا الموت" بسلسلة غير مبرّرة من الاعدامات التي تتخطّى القانون. لكنّنا، وبالرغم من كلّ ذلك، نشعر بأنّ النقمة على الرئيس تقتصر على بعض الأسباب دون سواها. فعلى غرار رئيس زيمبابوي روبير موغابي، انّ السيد غباغبو متّهم لتعدّيه على مصالح بلد غربي.

    وإذا كانت الفتن التي اندلعت في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 ، لم تؤدّ الى اصلاح الأمور، فذلك لا يعني بانها لا تعمل على تغيير وجه الصراع كلياً. فخلال أربعين عاماً من المصاحبة التي أعقبت فترة الاستعمار، يبدو انها المرة الاولى التي تتعرّض فيها حياة المواطنين الفرنسيين للخطر في أفريقيا بهذه النسب الكبيرة. يمكننا القول بأن التقاتل بين الأفارقة أصبح أمراً لا بدّ منه. وأمام أسى المواطنين العاديين الذين وصلوا الى مطار رواسّي وسط الدموع، نسي الفرنسيّون أنّ جنودهم قاموا بقتل مواطنين عاجيّين على أرض بلادهم، وأنّ السيّد جاك شيراك أمر بتدمير الأسطول الجوّي التابع لدولة مستقلة، بهدف تطمين 15000 شخص من مواطنيه والثأر من مقتل تسعة جنود فرنسيين.

    باختصار، حتّى الذين هم الأكثر تعبيرا عن الشكوك، عليهم الاعتراف بانّ باريس تلعب دوراً مهماً في التنازع من أجل السلطة في مستعمراتها القديمة. فلطالما كانت فرنسا معتادة على التصرّف وراء الكواليس، لكنّ حوادث أبيدجيان أرغمتها على كشف القناع. و من المؤسف أنّ بعض المدنيين الفرنسيين، الذين لا علاقة لهم بسياسة حكومتهم، اضطرّوا أن يدفعوا باهظاً ثمن هذه التصفية. هكذا كشفت الامور للأفارقة عن حقيقة الامور. لكنّ التواجد العسكري المكثف على الارض لم يسمح للدولة الفرنسية بضمان أمن رعاياها في مربع حمايتها. لذا ارغمت على الدفاع عن نفسها، وتورّطت في تبريرات غير مقنعة.

    في الرابع من تشرين الاول/أوكتوبر 2004، وخلال جلسة الاستماع له في مجلس الشيوخ، لمّح السيد دومينيك دو فيلبان عن احتمال استفادة التمرّدين من دعم خارجي. قال بأنّ "الوضع قد تطوّر بسرعة، ممّا اثار تساؤلات حول احتمال وجود تواطؤ او دعم من الخارج." عندما يتحدّث وزير فرنسي للخارجية عن أفريقيا الفرنسية ، فهو يدرك تماماً ما يقول، فكلّ كلمة تؤخذ بعين الاعتبار، كذلك التكتّم عن بعض الامور. فقد نسي الوزير في حديثه أن يضيف بأنّ بلاده متّهمة بقوّة بتمويل التمرّد. هكذا، وعلى غير عادة، وجدت فرنسا نفسها في موضع الاتهام، هي التي بقيت حتى الآن في موقع السيطرة على أفريقيا "الخاصة بها". ان الاشتباكات السريعة التي وقعت في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر 2004، بين القوّات الوطنية المسلّحة لساحل العاج وجنود عملية ليكورن، لم يكن لديها أيّ أهمّية عسكرية. مع هذا ،لا يجب التقليل من اهمية البعد الرمزي لها. فحتى قبل وقوع تلك الاشتباكات، كان الكثير من العاجيين يعتبرون ليكورن على انها قوة احتلال. ربما لم تكن فكرة الامم المتحدة سديدة يوم طلبت من فرنسا ارسال ما سمّي بقوة سلام الى ساحل العاج، فهي لا تستطيع المجاهرة بعدم الانحياز . وقد بدا ذلك جلياً من خلال ردّها العنيف في السابع من تشرين الثاني/نوفمبر، فبالنسبة لها كان من الضروريّ ارسال هذا الانذار، بما فيه للدول الاخرى من زبائن المربع الذي لفرنسا الحضور القوي فيه.

    ان اتباع منطق الامثولة هذا يتطابق مع منطق الجيش الذي يتنقل في أراضي العدوّ. بالاضافة الى ذلك، ان ما يحمله التاريخ من أثقال يجعل الجنود الشبّان يشعرون بانهم هنا لحراسة بعض الشعوب الصغيرة التابعة للأمبراطورية. ومقابل مسارعة رؤساء الدول الأفريقية الى تأييد الايليزه، وهم ليسوا من كبار الديمقراطيّين كما يعلم الجميع، شهدت العديد من الدول الفرانكوفونية ادانة قوية لما قد يتحوّل الى حملة استعمارية دامية.

    في كانون الثاني/يناير 2003، حذّر المؤتمر الاجتماعي الافريقي في أديس أبابا، وبكلّ وضوح، انّه "في حال استمرّت فرنسا باتباع منطقها الامبراطوري الحالي، فقد تؤدّي الى مضاعفة التدخّلات العسكرية في القارة خلال الاعوام المقبلة. وانّ الافارقة لن يسمحوا بذلك. فعلى ضوء مجزرة رواندا التي وقعت في العام 1994، وحرب الكونغو الاهلية في العام 1997، اضافة الى النزاعات القائمة في وسط افريقيا وساحل العاج، اصبح من الملحّ على الدول الافريقية الفرانكوفونية اعادة تقييم علاقاتها بالقوّة الاستعمارية السابقة."

    قد يشكّل المنحى الذي اتّخذته الأزمة العاجية فرصة ممتازة. ومن المحبّذ، قبل أيّ شيء آخر، رؤية الناخبين الفرنسيين وهم يتساءلون عمّا تفعله جيوشهم في ساحل العاج. الأمر يدعو للسخرية، فان المجتمع على استعداد لتقبّل الجواب نفسه الذي تعطيه السلطات الفرنسية ، ذلك انّه يصدّق بسرعة أفكار رؤسائه المعلّبة في ما يخصّ هذا الموضوع بالذات. ويظهر بانّ المواطن الفرنسي المتوسّط على اقتناع بانّ 3800 عنصر من جنوده متواجدين في ساحل العاج لأسباب أخلاقية بحتة. وبحسب ما يقال هنا وهناك، لولا وجود هؤلاء الجنود لتمكّنت فئة من الاشخاص، ممّن يستسهلون القتل، من تدمير بلدهم الامّ . وقد استرجع البعض ما حدث في رواندا، لكنّهم غفلوا عن مسؤولية فرنسا في مجزرة 1994 . [4]

    يشكّل ساحل العاج اهمّية كبرى بالنسبة للحكومة الفرنسية، اضافة لبعض المنظّمات المتعدّدة الجنسيّات. وان كانت عناصر ليكورن متواجدة فيه أكثر بثلاث اضعاف من عناصر المنظّمة الاقتصادية لدول افريقيا الغربيّة، فذلك ليس حبّاً بالسلام،علماً بأنّ تلك القوّة ضخمة جداً ومجهّزة بأكثر ممّا هو ضروري لحماية بعض الألوف من الفرنسيين. ومن الغريب أنّ اعادتهم المكثّفة الى الوطن قد الغيت منذ بداية الازمة. فانه من المهمّ جداً، بالنسبة لباريس، البقاء داخل اللّعبة، حتّى ولو كان ذلك على حساب بعض الضحايا الفرنسيين.

    في الواقع، لطالما كانت الحكومات الفرنسية، اليساريّة منها واليمينيّة، تتمتّع بحرّية التصرّف في الامبراطوريّة المستعمرة سابقاً. الامر الذي أدّى الى جرائم سياسيّة مقصودة والى السّرقة، وفق القانون، للموارد الاقتصادية العائدة للعديد من الدول، والى دعم الديكتاتوريات الدمويّة. والى الآن، كانت جميع تلك المسائل تحصل في الخفاء. أمّا اطلاق بالرّصاص، في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، فقد حصل على مرأى من الجميع.

    خلال أقلّ من سنة، قام كلّ من الرئيس الرواندي بول كاغامي والسيد غباغبو، بالتشكيك علناً بفرنسا، معبّرين عن ذلك بحدّيّة كبيرة. ليس الأمر من باب الصدفة. في ما يخصّ ساحل العاج، كان يجب قراءة العديد من الاشارات بصورة أوضح، وذلك منذ زمن بعيد. فالاحساس بالعداوة لفرنسا لم يظهر فجأة في تشرين الثاني/نوفمبر 2004. فقد تمّ، وللمرّة الأولى، تخريب المدرسة الثانويّة جان-مرموز والمركز الثقافي الفرنسي في أيار/مايو 2004. كما قتل جان هيلين الصحافي الفرنسي في اذاعة راديو فرانس في 21 تشرين الاول/أوكتوبر 2003، كما أنّ صحافيّا آخر، يدعى غي-أندريه كيفير، لا يزال مفقوداً منذ 16 نيسان/آبريل 2004. وقد تمّ تطويق وزيرالخارجية الفرنسي من قبل حشد غاضب في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، ومرّات عديدة تمّ محاصرة السفارة وكتيبة مشاة البحرية الثالثة والاربعين .

    اتى كلّ ذلك نتيجة للاتفاقات التي وقّعت في ليناس- ماركوسيس في 24 كانون الثاني/يناير 2003. والحكومة الفرنسية التي رعت تلك المعاهدات قد أبدت وقاحة لا توصف، أقلّه على الصعيد الشكليّ. فلماذا قامت بجمع الطبقة السياسية كافّة والآلية الحكومية لدولة مستقلة، داخل احدى القاعات في الضاحية الباريسية وتسليم ادارة الاعمال لموظف باريسي عادي؟ أيّ رئيس دولة يتمتّع بقليل من عزة النفس، قد يقبل بتعيين السيد سيدو ديارا في منصب رئاسة الحكومة، واعتباره حيادياً واحترامه خارج حدود بلاده، وفرض تعيين رؤوساء حركة التمرد المسلحة في وزارات مهمة كالداخلية والدفاع.

    منذ ذلك الحين، بدأت الأمور تنحدر من سيّىء الى أسوأ، وأدّى الازدراء بالشعور القومي للعاجيين الى مضاعفة الاخطاء. وقد صرّح دومينيك فيلبين، على أثر اجتماعه بالسيد غباغبو، بما يلي "لقد طلبت من الرئيس ارسال المرتزقة وتثبيت طائراته بالأرض." فاختصر احد الصحافيين الفرنسيين كلامه ممازحا بما يلي: "ذهب دو فيلبين الى ابيدجيان لاعادة غباغبو الى الطريق الصحيح ."

    ان نتيجة تلك التحريضات مزرية. الامر الذي وضع فرنسيو ساحل العاج امام التساؤل الوحيد وهو معرفة أسباب تلك الازمة. فمن الصعب عليهم التأقلم مع فكرة العيش بخوف في وطنهم الثاني. فبعد الصدمة التي ولّدتها الاحداث الاخيرة، لم يعد احد يفكّر بهم في فرنسا. ربّما سيضحّى بهم على مذبح الواقعية. في الايام العادية، اذا امكننا القول، كان ليتمّ قتل او اطاحة السيد غباغبو من السلطة من خلال التحضير لمحاولة انقلاب. لكنّ هذا الخيار اصبح يترافق اليوم مع بعض المخاطر. هل يعني ذلك بأنّ مشاكل أبيدجيان تهدد المصالح الفرنسية في القارة الافريقية؟ من السذاجة تصوّر ذلك، مع انه من الخطأ وضع حادثة ابيدجيان على حدى. فمن المحتمل قيام تحرّكات شعبيّة اخرى في المستعمرات الفرنسية السابقة.

    ان النقمة تزداد في كلّ مكان في افريقيا، وقد عرف الرئيس العاجي كيفية الاستفادة من ذلك. من المؤكّد ان السيد غباغبو لا يحثّ الناس على الحلم، فلن يعتبره أي كان بمثابة توماس سانكارا أو باتريس لومومبا. وهو، بدون شكّ، موصوم بعاهة كونه رئيساً منتخباً بطرق غير صائبة. لكنّ نقطة ضعفه تكمن في تشجيع جوّ من الكره لفرنسا يؤدّي الى تحريف القراءة السياسية للصراع. وان كان هنالك ارادة فعلية بالانفصال عن النموذج الاستعماري الجديد، فمن المهمّ القيام بتسديد حسابات "العاجية" بصورة جريئة ونهائية، وذلك للحفاظ على مصداقية السيد غباغبو. فكما يعتبر كلّ من كوامي نكروما وشيخ أنطا ديوب، انّ وحدة الشعوب الافريقية ("الأفريقانية") هي قبل كلّ شيء موضوع انساني.

    من الصعب اقناع العاجيين بان رئيسهم عبارة عن بطل رومانسي جاء لتحريرهم، فهم يتعاملون مع سياسيّ مختلّ، عنيد ومتسرّع في بعض الاحيان. لكنّ السيّد غباغبو تمكّن من الاستفادة من الوضع، اذ برهن عن جرأة تفوق غالبيّة ناظريه الافارقة. لم يعد ساحل العاج ارضا قائمة وراء البحار، لقد اصبح بلداً معرّضاً لاعتداءات مسلّحة. ولا يجب لوم الرئيس لأنّه أراد ارجاع المسلّحين الى حدود القانون الجمهوري. فأيّ شخص مكانه كان ليفرض نزع السلاح من ايدي المتمرّدين.

    وصلت محاولة التشهير بالسيد غباغبو الى طريق مسدودة كونه يتمتّع بحقّ التصرّف. وبامكاننا التشكيك بسلطة مراقبيه المعنويّة، الذين لا يتأثّرون ابداً بتورّط بلادهم في مجزرة رواندا، بالرّغم من الشهادات المُفحمة حول الموضوع. وبعد أحد عشر عاماً من هذه المجزرة، أصبحت اليوم كلّ من أبيدجيان وبواكي مناطق دامية لعمليّات الجيش الفرنسي. يختار البعض اعتبار هذه الفضيحة مجرّد خبر كبير في صفحة المتفرّقات. ومن جهة اخرى، فانّ غياب الصّور، التي تشهد على عمليّة "تنظيف" العاصمة العاجية من قبل عناصر قوّة ليكورن، ترمز الى رفض مواجهة الحقيقة. تلك المشاهد التي لم تصل الى باريس، لن تغيب ابداً عن ذاكرة العاجيين. فحتى فيما يتعلق بالمصالح الفرنسية في افريقيا، لقد ولّت ايّام الجريمة المثالية.






    --------------------------------------------------------------------------------

    *بوباكار بوريس ديوب
    Boubacar Boris Diop

    * كاتب سنيغالي، من مؤلّفاته البراءة المستحيلة، دار فيليب راي، باريس، 2005.


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] Colette Braeckman, “ Grande fatigue des Ivoiriens ”, Le Monde diplomatique, septembre 2004.

    [2] Bernard Ahua, “ La France se taille la part du lion dans l’économie ivoirienne ”, Manière de voir n° 79, “ Résistances africaines ”, janvier-février 2005

    [3] شركة Bouyges مسؤولة عن تحديث حاملات البضائع في مرفأ ابيدخيان، وتم تلزيم توصيل مياه الشفة لشركة توزيع المياه، وهي فرع مستقلّ لشركة Saur، وذلك حتى العام2007.

    [4] L’Etat français et le génocide au Rwanda, coordonné par Laure Coret et François-Xavier Verschave, Karthala, 2005.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-03-27
  3. الأموي

    الأموي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-01-06
    المشاركات:
    4,258
    الإعجاب :
    0
    [align=justify]الأخ الثمثمي نقولك رائعة، ولكن عندي مقترح مهم لننتفع بها، وهي تلوين كل مقطع بلون غير السابق عليه، فيكون أحد المقاطع بالأزرق والآخر بالأحمر الغامق -مثلا- حتى يسهل علينا قرائتها.
    وجزاك الله خيرا.
     

مشاركة هذه الصفحة