هذا المعارض من ذاك النظام!

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 437   الردود : 1    ‏2005-03-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-03-27
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0

    لا أريد أن يستشف أحد من هذا المقال أنني أريد تبرئة الأنظمة العربية الحاكمة من اتهامات المعارضين لها أو أن أشكك في وطنية كل المعارضين العرب. فالسياسات العربية الرسمية داخلياً وخارجياً تجعل حتى تلاميذ المدارس الذين يفقهون بالسياسة كما أفقه أنا بالانشطار النووي العنقودي يعارضون الحكومات العربية. لكن لا بأس أن نغير الاتجاه بين الحين والآخر للتعرف على الوجه الآخر للساحة السياسية العربية ألا وهو وجه بعض المعارضين العرب الذين نتضامن معهم بشكل أعمى في كثير من الأحيان. أليس حرياً بنا أن نتساءل إذا كان هؤلاء معارضين حقيقيين؟ هل الذي يحرك معارضتهم لهذا النظام أو ذاك حبهم للوطن أو رغبتهم الصادقة في تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في العالم العربي واجتثاث الفساد والدفاع عن المظلومين؟ أم أن مشكلة الكثيرين منهم مع هذا النظام أو ذاك مشكلة شخصية بامتياز ألبسوها ثوباً سياسياً عاماً؟

    بحكم علاقاتي الإعلامية مع الحكومات والمعارضات في آن واحد تـُتاح لي في بعض الأحيان فرصة التعرف عن كثب على الأسباب التي حدت بهذا المعارض أو ذاك لإعلان معارضته للنظام الحاكم في بلده. وعندما تسمع وجهة نظر الحكومة حول انشقاق بعض السياسيين أو الكتاب أو المثقفين تـُصاب بدهشة كبرى. صحيح أن بعض الحكومات العربية تحاول تشويه سمعة معارضيها أحياناً بأن تنسب سبب معارضتهم لأسباب سخيفة وشخصية كي تقلل من قيمتهم وتقضي عليهم سياسياً، لكن هذا يجب ألا يعمينا أيضاً عن أن بعض المعارضين أصحاب الصوت العالي امتهنوا المعارضة لغايات شخصية لا علاقة لها أبداً بالسياسة أو الوطنية. والأمثلة كثيرة جداً لكنني سأكتفي ببعضها.

    كثيراً ما نسمع بعض الكتاب والمثقفين العرب يصرخون بأعلى صوتهم ضد الفساد في بلدانهم إلى حد يجعلنا نعتقد أنهم يتمتعون بنزاهة ونظافة يد عز نظيرها. لكن بعضهم لا مانع لديه في الوقت نفسه أن يُعامل بطريقة استثنائية من قبل الدولة. فهو يريد مثلاً تخليص كل معاملاته الإدارية في الدوائر الحكومية بطريقة ملتوية، فإذا كان هناك استثناءات للحصول على تراخيص من نوع ما فلا بأس أن يكون أول المستثنين، وإذا كان هناك مثلاً منح دراسية إلى الخارج فهو يريد أن تكون واحدة من نصيب ابنه أو ابنته، وإذا كان لا بد للوساطة أن تكون سيدة الموقف في تحصيل الحقوق فهو أولى بها من غيره. باختصار فإن هذا النوع من المعارضين يطالب بأن يدخل الجميع من الباب بشرط أن يدخل هو دائماً من النافذة، وإلا! وقد حدثني أحد المطلعين على سيرة بعض هؤلاء المثقفين المعارضين المزعومين أن معظمهم على علاقات وثيقة بأجهزة الأمن وربما يمضون وقتاً أطول في دوائر المخابرات والسلطة منه في مكاتبهم. ومادامت مطالبهم البسيطة مستجاباً لها فهم مستعدون لأن يخرسوا ويكفوا ألسنتهم الطويلة عن فساد الدولة. أما إذا وجدوا أن الطريق وعرة للحصول على مبتغاهم من السلطة فعندئذ يولون وجوههم صوب المعارضة والنقد.

    لقد ذاع في وقت من الأوقات صيت أحد المثقفين العرب في إحدى الدول العربية وراح يفضح يوماً بعد يوم حالة الفساد المبتلى بها بلده إلى حد أن الذين كانوا يقرأون مقالاته في الصحف العربية ويستمعون إلى أحاديثه في الإذاعات والفضائيات ظنوا (وبعض الظن إثم) أن الرجل مصلح طاهر من طينة الكواكبي والطهطاوي أنعم الله به عليهم كي يخرجهم من ربقة الفساد والاستبداد. لكن سرعان ما نكتشف أن الرجل أزبد وأرغى عن الفساد في بلده لا كي يخلص العباد منه بل كي يبتز النظام لعله يعينه في منصب مرموق لا أكثر ولا أقل.

    وفي يوم من الأيام برز معارض فجأة وملأ شاشات الفضائيات ضجيجاً حول تدهور الأوضاع في بلده وفساد النظام وظلمه الرهيب بحق الشعب مع العلم أنه كان يمضي جل وقته بصحبة أركان النظام "الجائر" ويسكر على موائدهم. وتمضي الأيام فإذا بنا نكتشف سر هذا التحول المفاجئ في سيرة ذلك المعارض، فقد تبين أنه هرب من بلاده بعد أن اتهم باختلاس مبالغ خيالية فلم يجد غير وسيلة المعارضة كي يبيض بها أمواله المنهوبة. فكم من المعارضين استغلوا المعارضة لكي يستروا بها لصوصيتهم وفسادهم! وبالتالي كلما كان صوت بعض المعارضين أعلى كانت الفضيحة الشخصية التي يريدون التغطية عليها كبيرة للغاية.

    ومن عجائب بعض المعارضين العرب أيضاً أن أحدهم اضطرته زوجته القوية أن يهرب من البلاد ويعلن معارضته للنظام لأن (الحرم المصون) كانت تحب العيش في اسكندنافيا هذا بالرغم من أن بعلها "الصنديد" كان عسكرياً عتيداً ذا شاربين هائلين يمكن للنسر أن يقف عليهما.

    ويجب أن لا ننسى أيضاً قصص بعض الدبلوماسيين العرب الذين طاب لهم العيش خارج بلادهم وأصيبوا بكآبة هائلة عندما انتهت فترة إيفادهم فانشقوا على النظام الذي أوفدهم وأعلنوها معارضة. وكلنا يعرف قصة ذلك السفير العربي الهمام الذي خدم نظام بلده في أمريكا لسنوات طوال لكنه ما لبث أن انقلب على النظام عندما بدأ يضعف أمام الضغط الدولي فراح يكتب المقالات السخيفة في بعض الصحف العربية الصفراء ضد ديكتاتورية النظام في بلده مستخدماً كل طاقاته "الدبلوماسية" في الكذب والتلفيق والنفاق.

    ولا ننسى أيضاً أولئك المعارضين الذين اشترتهم بعض أجهزة الاستخبارات الغربية للتشويش على بلدانهم من العواصم الغربية كي يكونوا دلالين أو مطية عندما يحين الغزو. ولا استبعد أن يكون هذا الصنف من المعارضين تحديداً هو المطلوب والمبارك أمريكياً هذه الأيام.

    وكم تفاجأنا برخص وتفاهة الأهداف التي كان بعض المعارضين "يناضلون" من أجلها. فقد تبين لنا مثلاً أن بعض المعارضين المشهورين الذين صنعت منهم الفضائيات نجوماً تنازلوا عن المعارضة لمجرد أنهم حصلوا على جوازات سفر وإذن من السلطات كي يزوروا أوطانهم ويروا عائلاتهم التي حُرموا من مشاهدتها لأكثر من خمسة وعشرين عاماً. وكم كنت أشعر بالإحباط والحزن الشديدين عندما أرى بعض المعارضين الذين أزبدوا وأرغوا على مر السنين ضد أنظمة الحكم في بلدانهم وهم يعبرون عن استعدادهم للتخلي عن كل أشكال المعارضة وحتى الكلام مقابل أن ترضى عنهم السلطة وتسمح بعودتهم إلى بلادهم تماماً كما تفعل الأنظمة الاستبدادية عندما يهددها أسيادها بالويل والثبور. فلا تغتّرنَّ بمظهرها القوي وصوتها العالي، فهي تهرع كالفئران المذعورة وتخر ساجدة ملبية كل الشروط عندما تخضع للضغوط كما أخبرنا الكواكبي في كتابه الرائع (طبائع الاستبداد). لاحظ التماهي بين مستبدينا ومعارضيهم! وكم تساءلت: كيف لنا أن نغير أنظمة الحكم الفاسدة من رأسها حتى أخمص قدميها في بلادنا العربية بمعارضات ومعارضين من هذا النوع الرخيص والبائس والسقيم والجبان؟ أين هم من العظيم نلسون مانديلا الذي أمضى أكثر من سبعة وعشرين عاماً وراء القضبان دون أن يتنازل قيد أنملة عن المقاومة حتى تتحرر بلاده من الطغيان والعنصرية؟ لقد شاهدنا كيف أن بعض المعارضين العرب قد غيروا لهجتهم فجأة بعد أن سُمح لهم بالعودة إلى أوطانهم. صحيح أن بعضهم عاد إلى المهجر بعد زيارة أهله في الوطن واستمر بالمعارضة لكن شتان بين معارضته القديمة الشرسة ومعارضته الحالية الأليفة التي غدت باهتة للغاية إن لم نقل مشكوكاً فيها.

    لا شك أن ممارسات الأنظمة الحاكمة في بلداننا تفتح شهية كل من هب ودب لمعارضتها حتى الزاهدين بهذه الدنيا من راهبات ورهبان لكثرة موبقاتها وسرطاناتها، لكن بعض المعارضين العرب قد أعطوا المعارضة اسماً سيئاً كما يقول الانجليز بسبب رخص العديد منهم. ولو أن بعضهم خلا بنفسه لبعض الوقت لكي يحلل أسباب معارضته لوجد كم هو سخيف وأناني ونرجسي وتافه ولربما أسخف وأسفل وأتفه من بعض الأنظمة التي يعارضها. ولو كانت الحكومات العربية أكثر وعياً وأرحب صدراً وأقل همجية لما أبقت الكثير من معارضيها في الغربة. صحيح أن بعضها اضطر إلى تعيين أحد المعارضين وزيراً كي يشتري صمته، لكن ليس كل المعارضين بهذا الغلاء كما لاحظنا إلا من رحم ربي كقادة بعض الأحزاب المزعومة مثلاً الذين لا يقبلون بأقل من سيارات مرسيدس ومكتب وفاكس ووظيفة وزارية لزوجته وبضعة مسدسات (إذا كان مستهدفاً من المتأسلمين) كي يهتفوا باسم الحزب القائد ويزاودوا عليه.

    إن هذا الانحطاط في العمل المعارض لا يسيء للمعارضين العرب بقدر ما يسيء للأنظمة العربية الحاكمة. فبفضل أنظمتنا الاستبدادية الشمولية القبيحة عجزنا عن تنظيم معارضات أضعف الإيمان، فأصبحنا نتحدث عن معارضين هزيلين متناثرين هنا وهناك لا عن معارضات متماسكة ذات أهداف واستراتيجيات وطنية متكاملة. وهذا سببه طبعاً ليس ضعف المعارضين فقط بل طبيعة النظم الاستبدادية التي أممت حتى المزابل ودورات المياه ومجاري الصرف الصحي فما بالك بالقوى والأحزاب والمجتمع المدني.

    لكن كي لا يعتقد البعض أن هذا المقال مخصص للنيل من المعارضات العربية بشكل عام أريد أن أوكد أن هناك معارضين شرفاء في الداخل والخارج لم تستطع لا سياط الظلم ولا مخالب التجويع ولا برد الزنازين أن ينال من صمودهم وثباتهم على مبادئهم. وقد ضحى بعضهم بزهرة شبابهم في المعتقلات، ولما خرجوا من غياهب السجون ظلوا يرفعون أصواتهم في وجه المستبدين وسيظلون بالرغم من أن العمر بلغ بهم عتياً. وهناك معارضون يفضلون العيش على الكفاف في المهجر ويعانون الأمرّين على أن يبيعوا أنفسهم للأنظمة الحاكمة حتى لو كان المقابل منصباً وزارياً. لكن هذا النوع من المعارضين ضئيل جداً للأسف الشديد.

    هل لاحظتم مدى التماهي بين الأنظمة العربية الحاكمة وبعض معارضيها؟ إن المغلوب يسعى دائماً إلى تقليد الغالب حتى في مساوئه إلى حد يجعلنا نقول بكل أريحية إن هؤلاء المعارضين من ذاك النظام أو كما يقول المثل الشعبي: "طنجرة ووجدت غطاءها"، وإذا كانت الأنظمة متعفنة إلى درجة التشبع فلا عجب أن تنجب معارضين عفنين على شاكلتها. لقد قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إن كل شيء حتى الغناء والطرب، ناهيك عن السياسة، ينهار ويتفسخ عندما تتدهور أحوال العمران البشري (المجتمعات)، فما بالك إذا كان حال الاجتماع العربي بشقه السياسي أشبه بحال عصا سليمان تفسخ وشبع تفسخاً وهو بحاجة فقط لضربة بسيطة كي يخر أرضاً ويذهب هباء منثوراً؟!.



    د. فيصل القاسم
    (جريدة الشرق القطرية)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-04-02
  3. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    يبدو أن هولاء لايفهمون شئ
     

مشاركة هذه الصفحة