غريب .. الوقت الضائع

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 575   الردود : 4    ‏2001-12-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-29
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    غريب .. الوقت الضائع

    قصة للقاص اليمني المقالح عبد الكريم من المجموعة القصصية "غريب الوقت الضايع "


    مع أنه يصعب على المرأة غالباً الارتفاع لمستوى التجرد في تفكيرها..
    أو معالجة الأمور بذهنية عملية..
    لكنها أحيانا تُدلي بآراء جريئة يستحيل على الرجل التفوه بها .

    -جيمس جويس-


    التحرر ..‍‍؟؟ آه ..
    هو السبب لولاه لما سجنت .. لولاه لأكملت دراستي
    لكن الفضل يعود للفتيات اللاتي يصبحن نجوما لامعة في سماء(الفضيحة)السوداء..
    بفهمهن التحرر انفلاتاً وانطلاقاً إلى ما وراء اللامعقول واعتبارهن الحرية استهتارا وعبثاً..

    الليل أمواجٌ سودٌ.. لهفتي زورق تعبث به أكف شيطانية ..ولَمَّا يجد مرفأً يفيء إليه.. قلقي لَمَّا يخبو لهيبه.. ساعتي على معصمي دقاتها ضحكات ساخرة ممعنة في إغاظتي ..وأنا يا أنا .. الانتظار ..
    كل ليلة هكذا.. ما إن يُرخي الليل أستارُهُ المعتمات حتى يبدأ سباقي مع الزمن.. مع عقارب الساعة.. انتظره لكنه لا يأتي لي أنا .. أنا بالذات ..
    أدري ذلك وأعيه منذ سنة كاملة .. ومع هذا أجد نفسي في مثل هذا الوقت مدقوقة إلى عقارب الساعة ..محددة أنفاسي بين إطارها الصغير كتابوت يضيق به ساكنُه ..مقيدة في خطوات قصيرة بين المطبخ وغرفة الجلوس ..ألبي طلباتهم جميعا ..حتى إذا ما تعالى على الباب قرعٌ صافٍ كمنقار طير يضرب صدفة ..حملت شتاتي ولملمت شظايا لهفتي المتناثرة وفتحت له الباب ..‍!
    هي أسعد لحظات ليلتي تلك .. لحظة فتح الباب ..أطالعه ابتسامةً هادئةً.. كل شئ فيه يبتسم ..كلماته تخرج من فمه متعبة .. حين يلقي تحية المساء يخال سامعها أنه سينهار أمامه كجبل من رمل .. لكنها هي الأخرى مبتسمة في جهد أمٍ خرجت للتو من أتون مخاضها يبشرونها بمولودها ..!!
    أبادله أنا ابتسامته ..يدرك ذلك رغم أنه لا يراها .. غِدَاف وجهي يمنعه من ذلك .. شئ في قرارة نفسي يُنْبِئَني بإدراكه وفهمه همس أنفاسي اللاهثة لفرط كثافة تلك اللحظة عندي .. والتي كثيرا ما تمنيت لو تحدث المعجزة لليلة واحدة وتطول تلك اللحظة !!؟ لكن كيف .. الممر صغير بدايةً من الباب الذي يطرقه- بعد قطعه الحوش بدخوله من البوابة – حتى غرفة الجلوس التي يستقر به المقام فيها .. في حين ألج أنا غرفة أناديهم .. أخبرهم أنه قد أتى .
    السادسة والنصف مساء .. أكاد أُجَنّ ونصف ساعة تحول كسد ذي القرنين دون مجيئه .. نصف ساعة أدريها ستتمدد كما تتمدد المعادن بالحرارة .. ستطول كصحراء يجوبها تائه يشرف على الهلاك .. حتما ستكون كذلك .. أخشى ما أخشاه انفجار بركاني .. أن يعرفوا ما دفين صدر لمياء .. أن يصلهم دفء جوانحي .. أو يشتم أحدهم شذى ترقبي أو نيران لهفتي لهذا الغريب .
    الغريب .. الغريب ..!؟
    تماما كصداقة اثنين في قطار .. ما أن يصل بهما إلى المحطة الأخيرة حتى يفترقا .. يقصد كل منهما مرماه .!
    غريب ..!؟؟ فقط أفتح له الباب وأبادله تحية المساء همسا .
    غريب ..!؟؟ أحادثه غالبا من بعيد.. (من وراء حجاب) بحيث لا يراني .. يصلني صوته عميقا جائعا .. له مخالب حانية .. كعطره الذي يمد لي ذراعيه فاتحا لي صدره ملجأ للاحتماء .. وعطره مثله لحظات ويذهب .. يتبخر .. يتلاشى .. يصير كالسراب !
    وأريد أن أقول له (عطرك جميل) .. لكن أجدني مقيدة بجدية لا أستطيع الخروج منها .. كممثل مسرحية يقول على المسرح كل ما لديه .. كل ما حفظه .. وأنا حفظت كلمتين … ( من ..؟!) حين يطرق الباب (مساء النور) حين أرد عليه تحيته فقط .. وبضع كلمات حين تكون "الرقابة" غائبة كهذه الليلة !
    والباب مفتوح أو شبه والثلاثة إلى جواره .. نتبادل معا الحديث الذي غالبا ما يكون مملا مضجر .. إما عن يوسف ومستواه الدراسي.. أو عن صباح ونبيلة وتحصيلهما العلمي ..ولا شيء غير ذلك .. أوَ أقوى على محادثته عن أي شيء وهم قربنا يسمعون حديثنا !!؟
    مجبرة كل ليلة إذا ما توافرت جدران إضافية لسجني (كوجود والديَّ في المنزل) أن انسحب إلى غرفتنا نحن البنات .. أجلس هناك أشاهد التلفاز مع والديَّ أو وحدي حتى يغلبني النوم .. أو اتجه للمطبخ أعد طعام العشاء .
    كثيرا ما استرقت السمع من وراء هذا الباب الخشبي . كم أحسدها صباح .. تجلس جواره .. تشتم رائحته (ما أحلى رائحة الرجل) !! تراه ..تُكَلمهُ ..تلمس يديه حين يمسك بها مداعبا .. لمّا تخبرني بذلك أشعر بحقد نحوها .. نحو أبي الذي منعني من مواصلة التعليم ما دمت قد حصلت على شهادتي الإعدادية .. وبحجة الخوف عليّ من مآلٍ مفجعٍ كالباقيات ممن يُكَملنَّ تعليمهنّ .
    صباح بقي أمامها القليل ربما عامين حتى تحصل هي الأخرى على التقاعد مثلي .. وإجترار الحسرة كل ما تذكرت ماضيها كتلميذة .. وحنين دافق يشدها إليه .. ورائحة المدرسة بفصولها وممراتها تكوي منخريها .. تماما كما يحدث لي ..!؟
    ربع ساعة فقط ويأتي …
    الليلة لهفتي نارٌ حارقةٌ تلتهمني .. تلتهم مني كل لحظة جزء .. تماما كنار تبتلع غابة من طرفها حتى الطرف الآخر .. مُخَلِّفة وراء منهوم سنابكها رماداً أسوداً .. هذا ما أحسه اللحظة .. هاهي أعصابي رويداً رويداً تقارب على الإنهيار .. لهجتي في الكلام مع أشقائي صارت حادة عصبية .. توتر منفعل يسيطر على كل حركة أقوم بها .. موزعة نظراتي ما بين ساعتي وأي عمل أقوم به أمامي .. بين يدي !
    تُراه الآن يسير في الطريق !!؟
    لا أدري بالضبط أين منزلهم .. كان هنا في حينا حتى بداية هذا العام عندما نزح مع أسرته إلى حي قريب منا.
    كثيرا ما إلتقينا .. (نلتقي) ..!؟؟ ليس بالمعنى الحرفي للكلمة .. كنت أراه مصادفة وأنا أفتح البوابة ليدخل أبي بسيارته إلى الحوش .. كان يُكثر الجلوس أمام منزلهم أي أمامنا مباشرة مع انحراف بسيط لجهة اليسار .. وكثيراً ما استرقت النظر من ثقب صغير ببوابة البيت الكبيرة إلى الشارع فأجده .. إما جالسا يرتشف كأسا من الشاي بعد تناوله الغداء .. أو واقفا يحادث صديقاً له .
    قليلة هي المرات التي سمعت فيها شيئا من (أشعاره) .. قصائد يحفظها عن ظهر قلب لشعراء كُثْر .. طريقة إلقائه الشعر كم هي ساحرة .. ممتعة كموسيقى ندية اللحن .. كبساط ريح تحمل سامعها لدنيا معطرة .. رقيقة دافئة .. تُنسيه رتابة واقعهِ المملّ كفيلم هزلي صامت .. تخلع عنه كل همومه التي اكتسبها من احتكاكه بكل من حوله .. تجعله مخلوقا شفافا يطير في السماء بأجنحة من نور .. مخلفا وراءه ما ورث من ضغائن وكره وحقد كومَ رماد على الأرض .. كما تفعل الأفعى مع جلدها كل عام .. ترميه خرقةً باليةً وقد ضاقت به .. كرهته … لو نستطيع فعل هذا الشيء مع كل ما يضايقنا .. نكرهه بشدة بشدة .!!؟
    القليل ..
    أجل بقي القليل ويأتي .. أبي وأمي الليلة في الخارج .
    كم أتمنى أن أرتمي على صدره منبع العطر والدفء .. أرتمي بأوبة أليفٍ لأليفهِ أروي له حكاياتي وألمي .. وتروي له دموعي الغزيرة البائسة مأساة وحدتي في هذا العالم .. الذي غدا كشارعٍ خلفي بعد منتصف الليل في مدينة مقفرة تقطنها أبابيل الذئاب الجائعة الشرسة ..!؟
    ليتني الليلة أسمع منه شعرا خريري الوقع .. رائع الكلمات الأثيرية .. ككل أشعاره التي سمعتها هنا في إحدى الليالي الهاربات من مغاور (الرقابة) الصامتة..!؟
    كنت جالسةً أمام الباب النصف مغلق في إنفراجة ساخرة .. وأمواج هلع وخوف تتلاطم قعر أعماقي .. من أن تزل لسان أحد الثلاثة أمامه فيما بعد .. ويخبر والديه عن لمياء وكيف أنها جلست قرب الباب (تنادم) الأستاذ هاني .. معوقةً بذلك عليهم سماعه أو التركيز على ما بين أيديهم ..!؟
    لكن لو يعرفون ما يجري داخلي .. ما يهدر عمق أعماق صدري من عواصف عاتيات تثير النار والتراب والحيرة .. تنفث دخانا وغبارا يتصاعد وأكاد أختنق بلججهِ الرجيمة .. لتسقط دميعات ذليلات بائسة الشجن تجرف لثامي .. وأنا أمام الباب الحاقد وقد أوصدوه من الداخل بإحكام شديد .. ليقف تجاهي شامتا بي .. غولا رهيبا يمنع حبيبة ذبلى المنى من لقاء حبيبها .. من البوح والشكوى عن كل ما عانت في غيابه وتعاني .. وتزداد معاناة وهو يقارع هذا الغول المقيت .. وعبثا انتصاره وباطلا قراعه .. وهيهات يفعل !!؟
    إنها الخرافة .. قوت العقول الضعيفة .. العادات البالية كثيرا ما حالت بين حبيب وحبيبة .. كثيرا ما منعت أنيساً عن أنيسه ..كثيرا ما حطمت القلوب وكسرتَّها شظايا بريئة .. تدوسها أقدام حاقدة الشماتة كانت قد تابعت قصة الحب الذي انتهى نهاية درامية محزنة كنهاية كل حكايا الغرام ..!؟
    (قيس وليلى) خالدان ما ماتا .. نفخا روحيهما في الدورة الدموية لكل شاب وشابة أحسا قلوبهما نابضة .. نبضها مختلف .. له وقع جديد .. ونكهة مميزة .. وموسيقى فريدة من نوعها .
    هاني .. هاني ……
    لا أدري سر هذا الخيط المربوطة إليه .. بل لا أدري بالتحديد متى تبينت وجود خيط خفي كهذا .. يشدني به.. يسحبني إليه .. يرميني قعر بئر سحيقة من الشرود كل ما حدثتني أفكاري عنه .. عن كل شيء فيه .. عن أي شيء فعله ويفعله ..!!؟
    أجدني أراقبه كلما سنحت لي الفرصة مراقبة "عاشقٍ مستهامٍ" .. مراقبة مدقق يريد معرفة كل التفاصيل عن هذا الذي أمامه .. لأمر ما يهمه فيه يدفعه لذلك .. يدعوه لمتابعة حركاته .. لإحصاء سكناته .. لحظة بلحظة..!
    حتى وأشقائي معه ساعة الدرس .. أحيانا أَنسلُّ إلى الحوش الخلفي قاصدةً نافذة الغرفة الجالسين فيها .. أتابع بعيون شغوف كل ما يجري داخلها .. أصب اهتمامي كله على هاني .. أسجل حركاته بدقة مقياس (رختر) حين يسجل قوة زلزال .. أتابعه حين يغضب كسيد إقطاعي طيب في مزرعته .. أو صامتا غريق تأملاته بينما انحنى أشقائي على دفاترهم يكتبون ما طلبه منهم .. تستحوذ على شعوري تقاطيع وجهه المنتصبة بكبرياء جبل أشم ..!
    وحذرةٌ أنا في مراقبتي .. لا لكي لا يراني أو يكتشف وجودي .. بل من أشقائي ومغبة تفسير ذلك حين يُطرح الأمر على أبي .. أما هاني فكثيرا ما انتبه لوجود زوج من العيون خلف الزجاج .. ملتصق كحبتي مطر.. يسجل كل ما يدور بالداخل كلاقطة فوتوغرافية .. ليكتفي هو عند ذلك برسم ابتسامة هادئة شاحبة .. سرعان ما تموت و تتلاشى .. كذكرى تجيء من الماضي وسريعا تعود إليه ..وأدرك أنا من ابتسامته أنه قد فهم السر ..!؟
    فتاة حمقاء بلا مراء من تخرج بين سكاكين البرد والليل يلفها وكل ما حولها لتراقب أستاذا يدرس أخوتها لكنه يدرك .. كل شيء يبرهن على ذلك .. وأشعر بالارتياح تضج به عروقي بعد أن أرى شبح ابتسامته آويا لكهوف مظلمة .. لأعود أنا أدراجي منتصرة بما حصلت عليه .. راضية به ..!
    سيأتي .. سيأتي ……
    لن يتأخر إلا دقائقَ معدودة .. ما دامت الساعة قد أعلنت تمام السابعة مساء .. وبعد لمّا نسمع طرقه المعتاد على البوابة .
    أجلس .. قد يلحظ علي أشقائي أثارا ما وجدوها فيّ قبل الليلة . جوارهم أشاهد التلفاز .. علي التحكم بأعصابي .. الانتباه لكل حركة تصدر عني بحيث لا تثير ريبة كل هذه العيون حولي .. المحاصرة لي .. الملتصقة بي كل ما نهضت وعدت للغرفة ..!
    سيأتي .. نعم سيأتي ..
    ما غاب ليلةً عن هنا إلا ليلة الجمعة باعتبارها إجازة يرتاح فيها من عناء شق الطريق إلينا لأجر زهيد .. زهيد للغاية .. ينفحه أبي به آخر كل شهر .
    هاني .. أحبه ..!!؟
    سؤال كبير .. كبير .. غالبا ما أَلَحّ به عقلي علي بضراوة .. كثيرا ما كررته على نفسي .. وكثيرا جدا ما كابرتهُ.. هاربة منه أحاول التملص من أذرعهِ .. بِتُّ أخشاه كلما طرق فكري !!
    أحس بمعركة حامٍ وطيسها شديد قراعها .. وأنا أمعن في تقليب السؤال / الجمرة في ذهني .. بإدنائه وإقصائه من مخيلتي .. من فحصه جيدا ككائن غامض تحت مجهر هدوئي المهتز بشدة .. ولا أجد جوابا شافيا لسؤالي ولا معنى محدد لتصرفاتي هذي كلها ..!؟
    أحبه .!!؟؟ متى ..؟ كيف ..؟؟! لماذا ..!؟ وماذا..!؟ وماذا .. ماذا ..؟!هنا أقف .. ماذا سأجني لي إن كنت أحبه حقا ..؟! بل إذا كان هو يحبني ..؟! الفرق شاسع بيننا .. مجتمعنا قسم نفسه لطبقات وفوارق .. هو من طبقة وأنا من أعلى .
    أحبه ..!! هل أحبه ..؟!
    إبتسامته الشاحبة الترتسم على شفتيه تؤكد لي من جديد .. عبث ما بي وباطل ما يدور .. وأن كل ما يجري لا يغدو سوى عمل أشبه بحراثة البحر ومحاولة زرعه توت .. ابتسامته تقول إنه يعرف ذلك .. لذا يكتفي برسمها على شفتيه كثعلب حانق متذمر يمط شفاهه .. يصف عنبا بالحموضة ..ما دام عجزه الكليل قد توج كل محاولاته وقفزاته للوصول إلى العناقيد لالتهامها ..!!

    هاني ..
    يا غريب الوقت الضائع..
    بزغت متأخرا ..
    لماذا .. بعد رحيل عمري ..
    بعد انطلاق القطار ..
    أفل بي .. و ها أنت واقف ..
    تلوح بجناحي قلبك مودعا ..
    القطار يمضي .. صورة كلينا عن الآخر تذبل ..
    تغيب .. كما المنحنى يُغيب قرية صغيرة ..
    نتوارى خلف أسوار اللارجوع الفولاذية ..
    عبثا أمد يدي أو أنت ..
    المسافة كبيرةٌ كبيرةٌ موجعة
    وكلانا عن الآخر يبتعد
    يذوب .. يذوب ..

    ياه ..ما كل هذا العذاب ..ولمه ..!؟
    ألا يكفي جحيمي لأزداد جحيما إضافيا فوقه .. السابعة والربع وبعد ما جاء .. ما رَنَّمت طرقاته مفاصل الباب .. تراه لن يجيء الليلة ..!؟
    لا…. سيأتي .. قلبي الذي يدق مهدهدا وهّاج اشتياقه لمقدم هاني كل ليلة يقسم لي اللحظة إنه قادم .. افتقدته في هذين الأسبوعين السابقين عطلة نصف العام الدراسي .. لم أره .. لم يأتنا .. والليلة موعده لا بد .
    هسهسة نبض قلبي مربوطة بتراتيل خطاه .. ما يكاد طرقه يتعالى حتى تكون زغاريد قلبي الوارفة حنينا قد وصلت لأوِّجها .. ولهفتي الراجفة بين جنبيّ لذرى ذراها العَطِشْ .. لأتوج أنا كل هذا برؤيته .. بغسل زجاج عيني بمرآه النفيس .
    أفتح له الباب .. قليلا يخمد بركاني ..مؤقتا تستكين ولولاته .. ليعاود ثورانه من جديد كأنما يستهويه استهلاك نفسه .. مورثا لي أرقا وحشيا لانهائي الضراوة حين يغطي كل نقاط جسدي وزوايا روحي فيشعلها كلها .. ليتعملق قلق وسواس .. يُحكم لجامه عليّ .. يرميني في شباكه .. يقيد حركتي فلا أستطيع الهرب منه ولا الفرار والإفلات من قبضته كمارد من نار ..!
    كيف النجاة .. وهو يتمنطقني غارسا جذوره عمقي .. وهاني جواري وليس قربي أحسه !!؟
    كم ليلةٍ نهضت فيها من نومي مفزوعة أتأكد من رؤياي .. أحقا هاني كان معي .. سرنا معا جوار بعضنا .. قطف زنبقا وجوريا .. صنع لي إكليلا توج به رأسي بينما ساليةٌ تلهو أنامل الريح بخصلات شعري !؟ صاغ لي عقدا من نرجس علقه على صدري يعانق ناهديّ في رقة شفيفة ..!!؟؟
    وأهب من نومي .. عقلي الباطن يقظٌ يفسر .. يحلل كل شاردة وواردة بصرامة وباستيقاظي يكون قد برعم النتيجة النهائية .. وقد أدرك ووثق أن ما أراه لا يغدو سوى (أضغاث أحلام) .. ريش ملون في مهب عاصفة هوجاء .. ليصير كل شيء أثرا بعد عين في سجني الرهيب هذا !!
    بيتنا .. آه .. (سجن زندا) ..!!؟
    حبيسة جدرانه الصماء أنا لا يُسمح لي قط بمغادرته للعالم الخارجي .. وإلى أين سأخرج …؟!
    لا صديقات لي إلا جاراتي اللواتي يقاربنني سنا ويقاسمنني مصيري الأسود هذا .. كلنا سواء عدا بعض فتيات الأُسر التي تؤمن بالحرية .. سامحةً لفتياتها تذوق شيء منها .. واستنشاق حفنة شذى تحرر ..!
    التحرر ..!!؟ آه …
    هو السبب .. لولاه لما سجنت .. لولاه لأَكملتُ دراستي .. لكن الفضل يعود للفتيات اللواتي يصبحن نجوما لامعة في سماء "الفضيحة"السوداء .. بفهمهنّ التحرر انفلاتا وانطلاقا إلى ما وراء اللامعقول .. واعتبارهنّ الحرية استهتارا وعبثا .. لذا سرعان ما يسقطنّ .. سقوطهنّ مدو كجرس إنذار .. يسقطنّ في بئرٍ سحيقة لعدم (تطبيقهن) التحرر على نحو لائق ..!!
    لولا كل هذا لسُمِحَ لي وكل فتاة مثلي بممارسة حياتها طبيعيا .. لا جبروت يُفرض ولا قيد يُدق .. لكن الخوف مما حدث لغيري أن يحدث لي يشل أبي بل (يجبره) على إلقاء أوامره القاهرة في صرامة عتيدة نافذة لا تقبل المناقشة .. أو حتى مجرد إعادة النظر فيها .
    يقول كلمته المستبدة ولا زال قادرا على إخضاع كل الرقاب لها .. تنفذها قسرا .. قبل وصوله ـ كما قال ذات مرة ـ لمرحلة حرجة لا يأبه لكلامه ولايلتفت لصراخه .. وبالتالي لا تنفذ أوامره ..!!
    كم أحسدها صباح .. على الأقل لا تقبع في جوف هذا السجن إلا فترة نسبية فهي تذهب للمدرسة .. تخرج.. ترى الناس رجالاً نساءً أطفالاً .. يسيرون أمامها وبجانبها .. أو في محلاتهم قابعين .. تقابل أستاذها الرجل هناك في المدرسة وهنا في البيت .
    هاني …… ألن يأتي الليلة ..!؟
    ياه .. السابعة والنصف وبعد ما أتى …!!؟
    يتعالى في الخارج صوت .. يُخيل لي أنه صوت صباح .. هو كذلك بالفعل ..!!!
    ماذا …… ؟!! لا يمكن …… لا .
    سبحت في بحر أفكاري ونسيت نفسي ..!
    هاني ……!!؟ حسنا .. حسنا ……
    صاغرةً أُنفذ أوامر صباح .. سأخرج ……
    فتحت هي الليلة .. فتحت الباب لهاني بينما كنت أنا شريدة البحث عنه في جوانحي .!؟
    ألمحه يتقدم .. يقطع الحوش .. يصعد درجات السلم الثلاث .. يقطع الممر إلى غرفة الجلوس ..!!
    أنسل أنا إلى غرفتي ..
    أجتر مرارة يغصّ بها قلبي .. حتى مجرد شم عطره وسماع همس لونه .. يضنون به علي ..!!؟
    ما حصلت الليلة على شيء منه سوى لمحة خاطفة والنور يتفجر عند كتفه وصدره .. كلهم .. كلهم ضدي..كلهم يقف في وجهي لكي لا أستنشق دفقه هواء أحيا بها .. كلهم ..!!
    أحلامي لا يتاح لي مقابلتها .. وهي المتبقية لي في سهل عمري الأجرد ..!
    تستقبلني الغرفة ساخرة الجدار .. متهكمة الطلاء .. في أحشائها أرتمي ..
    مجرد حشرة حقيرة ذليلة .. على البلاط تافهة ..
    معرضة للانسحاق بأي قدم عابرة ..
    آه .. آه ..
    أه ……!!؟؟؟
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-12-29
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الفاضلة ريا أحمد

    القصة جميلة جميلة جدا وفيها من الفوائد مالاتُعد!

    وكأن اخانا القاص لم يسرد هذه القصة كقصة من خياله وكأنها حصلت على واقع الارض بل كثير من هذه القصص على واقع الأرض!

    وانا اقرأ القصة عشت لحظات درامية كأنني اتابعها على شاشة التلفاز فكنت ارى لهفة البطلة وتوترها الذي كانت تعيشه ولحظات الهم العاصف بكيانها ,وتكدرها واضطرابتها, لهفتها وجنونها عملها في البيت حملقة عينيها إلى الساعة ..انتظارها بشغف مرور الوقت البطيء كمن لايستطيع التنفس لعدم وجود الاكسجين..
    وكثيراً ما اعجبتني مصطلحات القاص في هذه القصة وما ترسخ في ذهني وصفه على لسانها لعيني (هاني) كأنهنّ حبتي مطر...هذا الوصف في غاية الروعة ! في كل وصف جميل لهذه القصة يسرح بنا الخيال الى خارج نطاق القصة بدون ان نخرج عن القصة!
    كثيرة هي المطصلحات التي استخدمها وكان لها قوة في جذب القارىء!
    ثم انه ناقش قضايا مهمة جدا في مجتمعنا اليمني على وجه الخصوص!

    ومن ضمن ما ناقشه منع المرأة عن التعليم حجة الحرية والتحرر !!
    هذه صراحة مؤلمة جدا وكأن القاص عاش في جنوب اليمن اثناء الحكم البغيض كثيرات هن من حرمنا من التعليم بسبب الاختلاط ودعوى التحرر مع انه لم يتطرقلها بشكل مباشر!! إلا ان هذا بالفعل قد كان سبب في منع الكثير من بنات الجنوب في الاستمرار في السلك الدراسي! وكأن الاباء لسان حالهم قول اصون شرف بنتي بعدم تعليمها ولا اخسره بتعليمها!

    نقطة أخرى مهمة تطرق لها وهي الكبت من قبل بعض العائلات على بناتهن وهذا اعتبرها جريمة ان تعيش امرأة حبيسة البيت لاتعرف مايدور في الخارج وكأن المناظر الطبيعية والبحار لم تُخلق إلا للرجال وكأن كل ماتتمتع به العيون خاص بالرجال!(( أي عقول هذه ))

    وقضية أخرى وهيى القوية في هذه القصة وهيى التمييز الطبقي بين العائلات فهاهي البطلة مع ما تعيشة من قصة حب مع هاني إلا انها تعي تماما ان طريقهما مسدود بسبب التمييز الطبقي!!!!!!!!!!!!!

    اخيرا اشكرك على نقل هذه القصة واشكر الأخ القاص المقالح عبدالكريم على إبداعه في هذه القصة التي ولا شك استفدت منها كثيرا في اموراً عديدة!

    تحياتي
    :)
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-12-29
  5. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    هلا

    اشكر ردك الجميل على القصة يا أخي المتمرد

    القصة بالفعل رائعة وتحمل ألم كبير والإبداع ليس بغريب على قاصنا المبدع المقالح عبد الكريم ..

    لك تحياتي
    الريانة
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-12-31
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    قضية في غاية الأهمية

    لتحرر ..!!؟ آه …
    هو السبب .. لولاه لما سجنت .. لولاه لأَكملتُ دراستي .. لكن الفضل يعود للفتيات اللواتي يصبحن نجوما لامعة في سماء "الفضيحة"السوداء .. بفهمهنّ التحرر انفلاتا وانطلاقا إلى ما وراء اللامعقول .. واعتبارهنّ الحرية استهتارا وعبثا .. لذا سرعان ما يسقطنّ .. سقوطهنّ مدو كجرس إنذار .. يسقطنّ في بئرٍ سحيقة لعدم (تطبيقهن) التحرر على نحو لائق ..!!
    لولا كل هذا لسُمِحَ لي وكل فتاة مثلي بممارسة حياتها طبيعيا ..

    =============

    نعم هنا القضية التي أبدعا الأستاذ القاص المقالح عبد الكريم في تجسيدها ..!!!

    وهي : الحرية المسئولة

    وهي قضية معاشة تخفف الأيام كل يوم من مرارتها لكنها مجسدة ولم تختص بجزء من الوطن كما قال أخي العزيز المتمرد بل شملت اليمن من اطرافها الى أطرافها ...

    وفعلاً عشنا مشهداً رائعاً بدرر من تعبيرات مستقاة من بحر لغتنا الجميلة ، وبقلم مبدع ..يملك ناصية الحرف وزمام القلم .. وبتعبير صادق واحساس مرهف جعلنا نعش الجو الذي عاشته الفتاة في القصة ..فنتألم لظلمها وننقم لواقعها كناتج لفهم خاطئ .. ونحن نرقب مشهد المدرس هاني وهو يحمل في نظراته هم واقع معيشي وتطلعات روح تطير بجناح الشعر الى عالم السعادة .


    شكراً لأديبتنا القاصة / ريا احمد ....

    هذا الاختيار الرائع والنافذة المطلة على أدباء من أرض السعيدة ...


    :rolleyes:
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-12-31
  9. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    الحرية المسئولة

    لتحرر ..!!؟ آه …
    هو السبب .. لولاه لما سجنت .. لولاه لأَكملتُ دراستي .. لكن الفضل يعود للفتيات اللواتي يصبحن نجوما لامعة في سماء "الفضيحة"السوداء .. بفهمهنّ التحرر انفلاتا وانطلاقا إلى ما وراء اللامعقول .. واعتبارهنّ الحرية استهتارا وعبثا .. لذا سرعان ما يسقطنّ .. سقوطهنّ مدو كجرس إنذار .. يسقطنّ في بئرٍ سحيقة لعدم (تطبيقهن) التحرر على نحو لائق ..!!
    لولا كل هذا لسُمِحَ لي وكل فتاة مثلي بممارسة حياتها طبيعيا ..

    =============

    نعم هنا القضية التي أبدعا الأستاذ القاص المقالح عبد الكريم في تجسيدها ..!!!

    وهي : الحرية المسئولة

    وهي قضية معاشة تخفف الأيام كل يوم من مرارتها لكنها مجسدة ولم تختص بجزء من الوطن كما قال أخي العزيز المتمرد بل شملت اليمن من اطرافها الى أطرافها ...

    وفعلاً عشنا مشهداً رائعاً بدرر من تعبيرات مستقاة من بحر لغتنا الجميلة ، وبقلم مبدع ..يملك ناصية الحرف وزمام القلم .. وبتعبير صادق واحساس مرهف جعلنا نعش الجو الذي عاشته الفتاة في القصة ..فنتألم لظلمها وننقم لواقعها كناتج لفهم خاطئ .. ونحن نرقب مشهد المدرس هاني وهو يحمل في نظراته هم واقع معيشي وتطلعات روح تطير بجناح الشعر الى عالم السعادة .


    شكراً لأديبتنا القاصة / ريا احمد ....

    هذا الاختيار الرائع والنافذة المطلة على أدباء من أرض السعيدة ...


    :rolleyes:
     

مشاركة هذه الصفحة