أغتيال الشيخ

الكاتب : المحب لوطنة   المشاهدات : 569   الردود : 0    ‏2005-03-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-03-10
  1. المحب لوطنة

    المحب لوطنة عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-10-31
    المشاركات:
    358
    الإعجاب :
    0
    [grade="00008B FF6347 008000 4B0082"]13-2-1425 هـ



    هذه القوة المتواضعة الهائلة التي كان يجسدها الشيخ البطل هي كل ما أرادت إسرائيل اغتياله . هذا التصميم ، وهذه الروح المقاتلة ، هي كل ما استهدفته إسرائيل ، لكنها لم تصل لأبعد من بدن الشيخ ، وكرسيه ، ودمائه







    الشيخ أحمد يـاسـيـن
    ما الذي اغتالوه .. ؟

    أحيانا كثيرة لا تستطيع قوى الظلام أن تصل لأبعد من تمزيق الجسد ، بينما كانت تسعى وراء الروح ، وتريدها هي . لهذا ارتفعت صيحة بروتس متألمة في مسرحية يوليوس قيصر: " لو أننا نستطيع أن نقبض الروح دون أن نمزق الجسد " . وما أرادته إسرائيل بجريمة اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين لم يكن بدنه ، ولا ذلك الكرسي المتحرك الذي سيدخل تاريخ الشعب الفلسطيني باعتباره رمزا لمجاهد أسطورة ، ولكن روح أحمد ياسين ، ومنهجه الذي لا يعرف الاستسلام أو المساومة .

    تمكنت إسرائيل من الشيخ بعد كفاح الشيخ البطولي الطويل ضد الاحتلال مما أجبر إسرائيل على اعتقاله مرتين عام 83 ، وعام 89 ، وظل محبوسا في المرة الأخيرة ثمانية أعوام فقد خلالها الإبصار بعينه اليمنى بعد ضربه عليها أثناء التحقيق معه ، ثم أفرج عنه عام 1997 في إطار عملية تبادل . وفي سبتمبر العام الماضي حاولت إسرائيل اغتياله ، لكنه نجا من الموت مصابا بجروح . في فجر 22 مارس الحالي حلقت ثلاث مروحيات أباتشي وأطلقت ثلاثة صواريخ على الشيخ بعد أن أدى الصلاة في مسجد المجمع الإسلامي الذي أقامه بنفسه بالقرب من منزله في غزة . ووصف مراسل وكالة رويترز الحادث بقوله إنه أسرع إلي المكان حينما سمع ثلاثة انفجارات قوية ، فلم ير سوى بقايا المقعد المتحرك للشيخ ياسين وقد كسته الدماء خارج المسجد . وأضاف : " نظرت حولي لأعرف أين الشيخ ياسين .. ثم رأيته راقدا على الأرض " . هكذا رحل الشيخ عن خمسة وستين عاما ، تاركا خلفه على أرض فلسطين إطارا واحدا من مقعده المتحرك يدور في الفراغ إلي ما لانهاية ، مذكرا من ينسى بروح الشيخ ، وكفاحه ، ومنهجه الذي أقض مضاجع إسرائيل ، وضرب مثالا للبطولة حتى عندما يكون المرء عاجزا ، ومريضا ،
    وغير قادر على الحركة .

    وحياة الشيخ أحمد ياسين حياة فلسطينية ، تشربت كل آلام وصبر وبسالة مئات الآلاف من شعب فلسطين ، فاجتمعت في عروقه كل دماء شعبه ، وحين سالت تفجرت نافورة في كل ناحية . عاش الشيخ نكبة 1948 بكل أبعادها وهو صبي في العاشرة ، وأجبرت النكبة أسرته على الانتقال إلي غزة ، وعاني مع عائلته مرارة الفقر والحرمان ، وعام 1952 أصابه الشلل وهو في السادسة عشرة من عمره فحكم عليه بملازمة مقعده المتحرك ، لكن ذلك لم يمنعه من استكمال دراسته في جامعة الأزهر بالقاهرة ، ثم العودة إلي غزة من جديد ليعمل مدرسا وداعية وخطيبا مفوها في مساجدها . وكان حلم تحرير الوطن يسكن الشيخ ، ويملأ يقظته وأحلامه ، فقرر تأسيس حركة حماس ، وأعلن ميثاقها في أغسطس 1988 . وتضمن الميثاق منذ البداية كل ما جعل الحركة " هدفا استراتيجيا " لإسرائيل على حد قول وزير الدفاع الإسرائيلي . فقد جاء في الميثاق أنه لا يصح التفريط في فلسطين أو في جزء منها لأن أرض فلسطين وقف إسلامي إلي يوم القيامة ، وأن الحركة ترفض الاعتراف بدولة الاحتلال أيا كان نوع الاعتراف ، وترفض حل الدولتين ( فلسطينية وإسرائيلية ) الذي يقتضي الاعتراف بأن حدود دولة الاحتلال هي حدود ما
    قبل عام 67 ، واعتبرت الحركة أن الصراع في جوهره صراع وجود لا حدود ، وأن الدولة العبرية تشكل مشروعا شموليا معاديا مكمل لأطماع قوى الاستعمار الحديث الرامية للسيطرة على مقدرات الأمة وثرواتها . وهكذا كان تأسيس حماس متزامنا مع موجة التراجع التي بدأت تطل برأسها معلنة إمكانية القبول بالوجود الصهيوني ، ونوعا من رد الفعل الوطني على التنازلات . وكان الشيخ ياسين يعي أن التنازلات بئر لا قرار لها ، وأن الخطوات الأولى على ذلك الطريق لن تكون نهاية الطريق ، كما أن عدوا إجراميا مثل إسرائيل لن يعطي الشعب الفلسطيني شيئا إلا مرغما ، وبالقوة ، والمقاومة وحدها . ولهذا جاء الإعلان عن تأسيس حماس في ذات الوقت تقريبا الذي جرى فيه الاستعداد عام 1988 لعقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر ، ومن ثم الإعلان من هناك عن الاعتراف الضمني بإسرائيل ، وقبول قرارات مجلس الأمن . في هذه اللحظة تحديدا ظهرت حماس ، وأطل الشيخ ياسين على الشعب الفلسطيني ، بوجهه الذي يشف عن روحه في وشاح أبيض وابتسامته الهادئة ورقبته المحنية قليلا إلي جانب وصوته المتهدج ، وتصميمه الهائل .

    وهكذا في اللحظة التي ظنت فيها إسرائيل أنها ستحصد اعترافا بوجودها من كافة الفصائل الفلسطينية برزت منظمة حماس ، لتحطم ذلك الحلم ، وتنتشر مؤكدة أن المقاومة المسلحة هي وحدها طريق الخلاص ، ولهذا أنشأت حماس جناحها العسكري نهاية عام 1991. وكان كفاح الشيخ ينطلق من ضرورة إبقاء جذوة الصراع مشتعلة حتى اللحظة التي تكتمل فيها شروط حسم المعركة.

    و رفض الشيخ ، وحركة حماس خلال مسيرة طويلة كافة مشاريع التسوية السياسية التي كانت إسرائيل تقدمها طعما لاستدراج المقاومة إلي التخلي عن سلاحها . وكانت الحركة تعلن دائما أنها أنها ليست ضد مبدأ السلام إذا وجدت ما يستجيب لمطالب الشعب الفلسطيني ، لكنها لم تجد ما يوفر الحد الأدنى من الحقوق في كل المشاريع التي طرحت بدءا من مشروع بيكر ، وخطة شولتز ، ومسيرة مدريد واشنطن ، واتفاقيات أوسلو، وغزة – أريحا أولا ، واتفاقية جنيف العام الماضي . ففي كل تلك الاتفاقيات جرى التنازل لإسرائيل عن معظم فلسطين ( 87 % من أراضيها ) ، وفيها كلها كان الهدف النهائي لإسرائيل خلق دويلة منزوعة السلاح والسيادة أقرب إلي حكم ذاتي منقوص . وقد كشفت عشر سنوات كاملة منذ توقيع اتفاقية أوسلو عن أن السلام المزعوم وهم لم يتكشف إلا عن مزيد من القتل والتجريف وبناء الأسوار والاحتلال والمعتقلات والتصفيات والإبادة اليومية للشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من العالم أجمع .

    وأدى منهج الشيخ ، وصلابته ، إلي تزايد شعبية حركة حماس ورمزها الشيخ ياسين ، كما أدى إلي مضاعفة الضغوط الداخلية عليه ، وتحويله هو وحركة حماس إلي " هدف استراتيجي " . ولهذا تعرض عدد كبير من قيادات الحركة للاغتيال مثل د . عبد العزيز الرنتيسي ، وخالد مشعل ، بينما استشهد بعضهم في تلك الاغتيالات مثل عماد عقل ، وصلاح شحادة ، واسماعيل أبو شنب وغيرهم . وتوضح دراسة فلسطينية ذلك التركيز الإسرائيلي على اقتلاع منهج المقاومة بالتصويب المكثف على حماس ، فقد أشارت الدراسة إلي أن شهداء الحركة – منذ اتفاقية أوسلو – شكلوا أكثر من ثلث شهداء المقاومة الفلسطينية ! وكان الشيخ يواجه كل ذلك دون أن يتخلى عن منهجه ، وفي رده على من طالبوه بقبول الأمر الواقع صرح الشيخ بقوله : " كيف أقدم بيتي لمن سرقه وشردني ؟ وكيف أقبل منه ما فعل وأوافق على احتلاله وسرقته ، وأعترف له بشرعية احتلاله ؟ وكيف أعترف بأن المقاومة لتحرير الأرض إرهاب ؟ إذا قالوا عن جهادنا للحرية إرهابا فليشهد الناس أننا إرهابيون . أما طريق الاستسلام فمرفوض " . وعندما أثار الأمريكيون غبار تهمة الإرهاب في وجه الشيخ ياسين رد عليهم بقوله:" يجب أن نقول لأمريكا
    أن الشعب الفلسطيني لا يملك إلا نفسه مع متفجرات بسيطة وسلاح بسيط ، فإذا كنتم لا تريدون العمليات الإستشهادية والاستشهاديين فلتعطونا طائرات ودبابات وحينئذ سنقاتل دبابة بدبابة وطائرة مقابل طائرة ، أما أن تنزع سلاحي وتسلح الطرف الآخر وتعتبر أن سلاحي جريمة وسلاحه هو جيد فهذا شيء مرفوض"

    ولكن تشدد الشيخ الراحل لم يكن يعني غياب قدرته على التعامل مع اللحظة السياسية ، فقد عرضت حماس مؤخرا شروطها لأية عملية تسوية ، وفي مقدمة تلك الشروط : الانسحاب الكامل من الضفة والقطاع بما في ذلك القدس ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلي ديارهم ، والإفراج عن كل المعتقلين ، و قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة . لكن إسرائيل لم تقدم شيئا يستجيب لأي من تلك المطالب وتمسكت بمشروعها لإجهاض الحق الفلسطيني لصالح التوسع والمستوطنات . أيضا عرضت حماس سبع مرات وقف إطلاق نار وهدنة على تل أبيب ، والتزمت بعرضها عددا من المرات ، لكن إسرائيل كانت تواجه كل عرض بمزيد من الغطرسة .

    بعد اغتيال الشيخ ياسين صرح الناطق باسم البيت الأبيض الأمريكي بأن على كل الأطراف أن تحسب عواقب أفعالها . وبذلك بارك الأمريكيون عملية الاغتيال كما باركوا وأيدوا سياسيا وعسكريا كل عمليات إبادة الشعب الفلسطيني ، إلا أن نفس الناطق الرسمي نفى أن تكون الإدارة الأمريكية على علم مسبق بعملية الاغتيال . جدير بالذكر أن الشيخ ياسين خلال التحريض الإسرائيلي على قتله ، وقبل شهر من محاولة اغتياله الفاشلة في سبتمبر العام الماضي صرح بقوله : " لو نفذ الصهاينة هذه التهديدات فسيكون بوش موافقا على ذلك " . وفي حديث للشيخ مع صحيفة الأسبوع المصرية في يناير هذا العام قال الشيخ :

    " القوة الفلسطينية المتواضعة هي التي أجبرت العالم على التعامل مع قضيتنا بجدية أكبر ، لأننا نسعى لرفع الظلم عن أبناء شعبنا ، ونحن لن نعترف بإسرائيل مطلقا فأراضي عام 48 هي أرضنا مثل أراضي عام 67 اغتصبتها عصابات الصهيونية " .

    هذه القوة المتواضعة الهائلة التي كان يجسدها الشيخ البطل هي كل ما أرادت إسرائيل اغتياله . هذا التصميم ، وهذه الروح المقاتلة ، هي كل ما استهدفته إسرائيل ، لكنها لم تصل لأبعد من بدن الشيخ ، وكرسيه ، ودمائه ، أما الروح

    فإنها تواصل سيرها ، وتنمو ، وتدور بلا نهاية ، مع دوران إطار المقعد المتحرك الملقى على أرض فلسطين وفي ذاكرتها وفي تصميم من لا يرون طريقا إلي بلادهم سوى الدفاع عنها إلي النهاية .

    لقد قتلوا البدن فحرروا الشيخ من مقعده وأحالوا الروح التي كانت نجمة مشعة في الليل إلي شمس كبيرة تشيع الدفء في بيوت فلسطين ، وتصب نارها [/grade]
    على أعدائهم .
     

مشاركة هذه الصفحة