زفة الموت

الكاتب : المحب لوطنة   المشاهدات : 417   الردود : 0    ‏2005-03-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-03-10
  1. المحب لوطنة

    المحب لوطنة عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-10-31
    المشاركات:
    358
    الإعجاب :
    0
    2-10-1425 هـ




    .. أكاد أجزم أنّ هذه العادة ، عادة الاحتفال بالموت ، ليست ذات مساسٍ بمكانة الرمز الذي نزعم ، فالأمّة العربيّة وهي تلطم خدودها وتشقّ جيوبها ، لا يعنيها من أمر الراحل سوى أنّه " تمثال " لهذه العاطفة التي تتأجّج كلّما هلك هالكٌ أو نفقت نفسٌ كانت تحرّك جسدها المسجّى أمام الموكب المعدّ للنياحة ولطم الخدود !
    متأكّدٌ تمام التأكّد أنّ أكثر الذين يبكون هذه " الجنائز " المُحتفى بها لا يبكون إلاّ تداعياً للموقف ، وهذه إنسانيّةٌ يُشكرون عليها ، فالموت – بطبيعته – يفرز شعوراً عاطفيّاً يستوجب انكساراً وخضوعاً وصمتاً مهيبا ، ولكن ليس في كلّ الأحيان ، فثمّة نفوس تموت فتولد بموتها نفوسٌ أخرى ، وثمّة هالكون تحيا بهلاكهم الأمم ، وما فرعون عن ذلك ببعيد ! ، وبين عواطفنا وعقولنا خيط أبيض يتجلّى لذوي البصائر ، أمّا أولئك الذين لا يتبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود فعليهم الانتظار حتّى تسطع شمس الحقيقة !
    ما أريد الوصول إليه هو أنّنا نقف بين إنسانيّتنا تجاه موقف الموت وواجبنا تجاه الأجيال اللاحقة ، فليس صحيحاً ، ولا من الأمانة في شيء ، أن ينسينا الموت حدود الحزن ، إن كان ثمّة حزن يستحقّه أيّ هالك ، وليس من الصدق مع التاريخ أن نعبث في صفحاته بمجرّد حزنٍ عابر ، لأنّ الجيل سيسجّل حزننا موقفاً موثّقاً لهؤلاء الذين نذمّهم أحياء ونصنع منهم فاتحين إذا ما هلكوا !
    ولأنّ العرب في هذا الزمان يجيدون لغة الدموع فهم من أرقّ الأمم مع هالكيها ، وهم من أكثر المحتفلين بالموت رغم فشلهم في الحياة ! ، أظنّ أنّ الأمر لايعدو أن يكون تأدية للواجب وتنفيساً عن كبتٍ مزمن وأدته سنوات القهر والذلّ في شتّى المجالات ، وإنّك لتعجب من هذا التناقض في الأمر : يعيش بيننا هؤلاء الذين نزعم أنّهم رموز ، فلا نرى لهم أثراً في حياتنا ، ولا نجد معهم إلاّ " خيبتنا " وصَغارنا ( بفتح الصاد ، وهو الفتح الوحيد الذي حقّقناه في جميع القضايا ) فإذا ما هلكوا أو ماتوا – سيّان – ظهرت لنا سيرة البطولة لتجعلنا نتساءل : أيكون هذا الذي مات اليوم هو ذلك الحيّ بالأمس ؟ هل صنع منه الموتُ بطلاً جديداً أم أنّ البطولة كُتبت بمداد الدمع الذي لا يلبث أن يجفّ وينتهي أثره بعد لحظات ؟ بيد أنّ هذا الدمع سيبقى مدوّناً لمن بعدنا في وثيقة تاريخيّة تقول : إنّ الذي مات كان بطلاً رغم أنّه لم يكن كذلك من قبل! ، وعلى الجيل الذي ينتظر أن نفرغ من كتابة التاريخ ، عليه أن يحلّ عقدة هذا النصّ التاريخي ، ثمّ لا يهمّ بعد ذلك ماذا ينتج من وجهات النظر طالما أنّ " الرأي " يحتمل الاختلاف ! ؛ ولتبقى قضايانا معلّقة تنتظر فراغنا من تفكيك ذلك الرمز الذي فكّك وحدتنا وأعاد لنا الصراع من جديد !
    إنّ أزمتنا الحقيقيّة ليست في هذه الأسماء التي تطفح على سطح قضايانا ، ثمّ تمرّ مروراً لا يهزّها ولا يسقط منها ثمرةً واحدة ، أزمتنا الحقيقيّة هي في هذه " العواطف " الهوجاء التي تصنع لنا تماثيل يعكف عليها الدهماء من النّاس فيضلّون الطريق ، أزمتنا دموعنا التي تكتب ، لا دموعنا التي تجفّ ، ولو أنّنا وضعنا كلّ شيءٍ في مكانه اللائق به لوسعنا أن ندفن هذا " الراحل " بصمت كما كان صامتاً في حياته ، لو أنّنا نقيس أمورنا لما كان هناك داعٍ لهذا الضجيج الذي تسيل به الشوارع من أطرافها ، فلنكن – إذن – صامتين ، فالصمت فيه طاقةٌ إنسانيّة تليق بعواطفنا العربيّة وفيه – أيضاً – عدلٌ مع الجيل الذي يرقبنا من شرفات الغيب ليقرأ ما كتبه التاريخ !

    إنّ من أخطر المراحل التاريخيّة تأثيراً في كتابة التاريخ هي تلك التي تتشكّل تحت ضغوط العاطفة الإنسانيّة ، فكثيرٌ من الأبطال الذين وصلوا إلينا يمتطون سطور المؤرّخين ، ربما وصلوا بعد أن صبغتهم العاطفة آنذاك بصبغتها الزاهية ، فتناقلتهم الأفواه والأوراق حتّى لم يعد بوسع أحدٍ أن يفتّش عن معولٍ يكسر به هذا الصنم الذي يقطن رؤوس النّاس ، ولو أنّه فعل – كائناً من كان – لرشقته سهام النقد أو لعصفت به ريح التعصّب ، وأخطر من ذلك أن يأتينا التاريخ بعدوٍّ في ثياب صديق !
    ولأنّنا في زمن تموج فيه الأحداث موجاً ، وتختلط فيه الرؤى اختلاطاً لا يتبيّن فيه المبصر طريقه ، فإنّ هذا يعني أنّنا نعيش في لحظات إخصاب حرجة سيكون لها شأن في تشكيل عقول الناشئة من بعد ، وعليه فمن الواجب أن نتّقي الله فيما نكتب ، ولنحذر أن نركب موجة في بحرٍ لجيّ ، أو أنّ نستمطر غيمةً إعلاميّة ذات برقٍ ورعد ، فأكثر الذين تسوقهم رياح الإعلام يحتاجون إلى تمحيص ، ومن غرس في أرضه " شوكاً " فلا ينتظر أن يجني " عنباً " حلوا !


    لقد دأب الإعلام ، بشتّى وسائله ، على صناعة النجوم ، وحشد طاقاته كلّها ليجعل منهم رموزاً بعد الموت ، فصار – بهذا المفهوم الإعلاميّ – كلّ ميّتٍ مكافحاً فيما مضى من حياته ، والأعجب من ذلك أنّ الإعلام لايأبه إلاّ لمن هم تحت أضوائه من قبل ، فديانا – مثلاً – كانت فقيدة على مستوى العالم ؛ فلا غرو أن تتحرّك لها أقلام الكتّاب وأن تتفتّق أكمام القرائح ، حتّى الشعراء العاميّون كان لهم نصيبٌ من تركة الحزن عليها ، ونزار قبّاني ، الشاعر الهالك ، كان له – أيضاً – نصيب من هذا " البكاء الإعلاميّ " والرثاء المعلّب ، فقرأنا – ساعات تأبينه – شعراء يبكونه بحرقة ، وكأنّه فقيد فاتح من عظماء الفتح الإسلاميّ ، ومثله بعض الرموز السياسيّة كجمال عبدالناصر ، وقس على ذلك بقيّة الطابور من هذه الأسماء التي تتوهّج أمام عدسات الكاميرا فإذا ما فتّشت حقائبها فاحت عليك رائحةٌ عفنة تجعلك تتساءل بحرقة وألم : وعلامَ هذا البكاء إذن ؟ إن كان البكاء من أجل " الموت " فحسب ، إن كان طاقةً شعوريّة تبحث لها عن متنفّس ، فإنّ في دماء الأبرياء من المستضعفين المسلمين ما يفجّر كلّ هذه الطاقات ! وإن كان البكاء على " صورةٍ " كانت تلوح أمام الكاميرا ففي بقيّة الصور ما يملأ كلّ عين لا ترى إلاّ ما يطفو على السطح !

    لا ، لست مع أولئك الذين لا يحرّك الموت مشاعرهم ، فيتركون ما يجب أن يفعلوه إلى ما لايجب أن يقولوه ، ولكنّني – أيضاً – لست مع تكريس هذه الظاهرة التي تتبع " الميّت " إلى قبره بشعارات الفتح ولا فتح ، وبهتافات النصر ولا نصر ، وليس عندي لذلك إلاّ سببٌ واحد : هو أنّنا في مرحلة حسّاسة من التاريخ ونريد أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع من خلفنا ، كي لا تستمرّ الأمّة في مسيرتها خلف الأبطال " الفاتحين " بلا فتح ، والمناضلين بلا نضال
    !
     

مشاركة هذه الصفحة