فنجان قصة (2)/نوره عبد الله زيلع ...قارئة الفنجان

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 510   الردود : 0    ‏2001-12-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-28
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    نوره عبد الله زيلع

    مواليد صنعاء 1973م.

    أعمال :
    =====
    قاصة وتكتب الشعر .
    لها "حبات من اللؤلؤ"مجموعة قصصية 2001
    تنشر في عدد من الصحف اليمنية والعربية .
    عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين .
    عضو اللجنة التحضيرية بنادي القصة _إلمقة المسؤولة المالية فيه .
    عضو منتدى العمري لإحياء التراث الشعبي .


    قارئة الفنجان



    طرقات على الباب تخبر بأن هناك شخصاً يرغب بالدخول.
    قالت العرافة بصوت صارم :
    ـ ادخل ! .
    ولجت امرأة يقطر من شرشفها رائحة توقظ النائم من سباته ،أومأت العرافة للمرأة بالجلوس أمامها ، انثنى استواؤها وتقرصفت جالسة كورقة ذابلةعلى غصنٍ واهٍ .
    حملقت العرافة إلى وجه المرأة فرمقت في بريق عينيها الباهترغبة جامحة في معرفة مستقبلها المجهول.
    يتصاعد دخان البخور خانقاً العناكب الساكنة في زواياالغرفة، والعرافة تمرر حبات المسبحة من بين أناملها ، والنار المشتعلة زادت المكاندفئاً ، بينما دلة القهوة كانت فوق الجمر وحولهـا الفنجانين في وضعأنيق.
    ضوء الشمس يتسرب إلى الغرفة عبر نافذة صغيرة ، وتتململ علىصدر العرافة قلادة من العقيق اليماني الرفيع.
    تمد العرافة يدها إلى دلة القهوة ، لتسكب للمرأة فنجاناً منالقهوة، تناولته المرأة بصمت، لمحت على حوافي الفنجان أطياراً رمادية تناجي ماضيها ،بدأت في رشف قهوتها ، برشفات متقطعة، والضباب مازال محوماً على المكان يمثل أجساداًتتوغل الأيدي من بينها، وأسئلة متموجة تقف غصة، امتزجت بمرارة القهوة، أنهت رشفقهوتها بهدوء، أخذت العرافة تقلب الفنجان بنظراتها المتمعنة، فترى صوراً حسيةلأصوات بائسة ، والمرأة تترقب بخوف .
    خيم الصمت على المكان، صمت مريب في المجهول الذي تبحث عنه،فتسمع صرير أسنانها المتشنجة، فلسعتها ذاكرتها فمرت عليها أول صورة تعارف عندماتقرب منها الدكتور في المستشفى ،وقدم لها كرت التعارف، كرت حرر بتوقيعه الدخولإلى عالم خاص، ومن بين الضباب تصطدم عيناها الحائل فيها عتمة بإعصار، تأخذها هواجسنفسها :
    ـ تمزقني ذكرى زوجي الذي احتضنته أفعى الغربة، فاستعذبالإقامة بين أنيابها .
    لوت رقبتها لرؤية النافذة الصغيرة ثم عادت تقول :
    ـ حين عاد من غربته ملَّت أذناي المقارنة اليومية بيني وبينالشقراوات .
    وتسمع جلدها يحترق مع صوتها المتأجج، تحملق العجوز فيالفنجان، اكفهر وجهها المترهل بالتجاعيد، والدموع الساخنة تساقط من زجاج النافذة،والمرأة تنتظر لعل العجوز تتفوه بشيء، مازال الفنجان يدور في يدها مترنماً معأهازيج شرارات النار المشتعلة ، وبينما تعود المرأة تناجي نفسها :
    ـ عبثاً أحاول أن أقرأ في كتابي المفتوح ، هل ماتت الحروفعلى لسان العجوز، فلم تعد تجيد الكلام .
    ترفع المرأة نظرها إلى السقف، ثم إلى الأرض، فترى أجنحتهاتضمر تدريجياً، فقدت إرادتها في التغلب عليها، كما فقدت قدرتها على الخوف، حتىالموت، قالت :
    ـ كم هيجتني أسراب من الغربان في أعماقي، عبثاً أحاولإخمادها.
    طقطقت أصابعها ، بدأت تتململ ، الجو بارد رغم اشتعال النار،برد رغم حبات العرق العالقة على جبينها.
    والعجوز بعينين خاملتين ترصد ما تراه في الفنجان فتفوح معرائحة القهوة ، فخيم على المكان الصمت، كل شيء صامت حتى الخوف ، وتعود المرأةللحديث مع نفسها:
    ـ أنا مهزومة ..، عند تلك الشفتين التي تلهب عنقي ، أنامهزومة عند تلك اللحظة، اللحظة التي أبحث فيها بأن أكون أنثى .
    والعجوز مازالت تنظر إلى الفنجان، بدأ الملل يظهر عليها،فقالت:
    ـ أدرك مع هذا الدخان تحت أي عنوان يندرج مصيري، وفي أيةصفحة يطويني المستقبل .
    واستدارت بوجهها إلى الساعة المعلقة على الحائط، فدعكتعيناها من الضباب الذي يحيط بها ، شحب وجهها ، ضغطت على شفتيها خوفاً من التأخيرعلى موعدها معه، نهضت وإذا بديدانٍ ساحت تحت شرشفها، نفضتها ويدها قابضة على مقبضالباب، خرجت.
    دمدمت العجوز بألم :
    ـ المجتمع ليس بحاجة إلى أن تزيد عليه بائسة أخرى .

    صنعاء 10-5-1999م

    المصدر : القصة العربية
     

مشاركة هذه الصفحة