فنجان قصة (1)/نسيم محمد الصرحي

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 699   الردود : 1    ‏2001-12-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-27
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    في هذه السلسلة سنقدم في كل حلقة قاصة يمنية وقلم مبدع بنكهة البن اليمني


    نسيم محمد حمود الصرحي

    مواليد عام 1975م

    أعمـــال :

    تم نشر العديد من القصص لها في عدد من المجلات والجرائد .
    لها قراءات في القاعات الآتية :
    "قاعة العفيف الثقافية".إتحاد الأدباء والكُّتاب اليمينين .
    "دار الكتب".نادي القصة .
    عضوه في نادي( إلمقه ) _ومن أعضاء اللجنة التحضيرية في النادي .
    مسئوله تنظيميه في نادي (إلمقه ) .
    شاركت في العديد من المسابقات الثقافية داخل الوطن وخارجه .
    ===============

    ومات مبتسماً
    بقلم: نسيم محمد الصرحي


    ما بال هذا السعال لا يفارقه حتى وهو في لحظات نومه وهدوئه ..؟ يحاول أن يتخلص منه بأن يبتلع ذلك الدواء المقرف.. لطالماكره أن يشربه ولكن لا مفر فطبيب المخيم نصحه بشربه و إلا فإن حالته ستزداد سوءاً ..ابتسم بسخرية ، منذ متى كان يهتم بحياته ؟ منذ متى كان يعتبر نفسه إنساناً له كيان..وجدان .. مشاعر ..؟ :rolleyes:
    فلتزدد حالته سوءاً وليذهب جسده للجحيم ..هذا الجسم النحيل الأسود الذي ضاق ذرعاً بحمله معه أين ما حل ..لماذا..؟ لماذا يحمل لنفسه كل هذه الكراهية استقر ببصره على زجاجةالدواء التي بيده ..صارت فارغة ؛ أنزعج لذلك ورمى بها نحو زاوية الخيمة التي امتلأت بالزجاجات الفارغة . ألقى بجسده على الفراش المتواضع وجال ببصره نحو أركان الخيمة المتهالكة . زم شفتيه بمرارة تحمل كل ذلك الألم الذي عانى منه طوال تلك السنوات ..منذ عامه العشرين وحتى عامه الثلاثين عشر سنوات من المعاناة ..مذ غادر وطنه المليء بالثورات والتمردات والمذابح هرباً من القتل والمرض والفقر والتعذيب .. أملاً في أن يجد ضالته من الراحة والهدوء في وطن آخر ووصل به المطاف الكر والفر اللجوء إلى عدن ..عدن السمراء ..وظن بأنة بوصوله إليها سيرخى بجسده لينام بهدوء دون أن يقطع نومة صوت القنابل والقذائف التي تنهال على مدينته ليل نهار ..سيأكل بهدوء وسيعمل بهدوءأيضاً..وربما وفر بعض المال وبنى له بيتاً وربما يتزوج .. وتصير له أسرة..من يدري ؟ وتهاوى كل شئ ..عدن لم تكن هي المرفأ الجميل الذي أحب أن يستقر فيه ..وحينما خاب ظنه تلاشت أحلامه وتضاءلت آماله . :confused:
    نظر إلى جسده المريض حتى استقرت عيناه علىسقف الغرفة ، عرف أخيراً أن هذا الجسد قد أنهكه المرض و استوطنته جرثومة خبيثة ،هذا الجسد آن لة أن يستريح ..يستريح من حياة الذل والفقر والمرض والاضطهاد ..وكأن كل ما يكرهه ويخاف منه هو أن يموت وحيداً ..يحب صحبة الناس ويكره الوحدة ..يكرهها ويخاف منها كثيرا منذ متى كان وحيداً ..؟! منذهروبه وتسلله إلى عدن وبالأصح منذ أن توفى والده في تلك الحرب اللعينة..بعدها ضاعت أحلامه في العيش بكرامة وفقد رغبته في الحياة وفر إلىعدن..لاجئا ؛ وجد الكثير من الإهمال..وعدم اللامبالاة بلجوئه ..ورأي أعداداً هائلة من اللاجئين أمثاله ، ضمهم جميعاً مخيم واحد يشرف عليهأطباء يعملون في المنظمات الدولية .. :(
    مرت أيامه..شهوره..سنينه..وهو لا يجد الراحة..كيف له أن يعيش ويحيا وكل من حوله يمقتون وجوده..بل وجودهم جميعاً ، ويعتبرونهم حثالةألقت بها بلادهم إليهم.. لطالما سمع هذا ممن يقتربون منهم ومن مخيمهم ..ولطالما رأى نظرات الاستعطاف والشفقة من زوارهم..ما كان يخطر بباله أنه سيكون محط شفقة أنظار الناس . وما كان يفكر ولو للحظة أنه سيقضي كل أعوامه الشابةفي أركان مخيم.. تنهد بعمق.. لقد توصل لأمر ما ..بعد هذه السنوات..ما عاد في العمر بقية ..هذا السعال..في الأمر سر ما ..! ذلك الطبيب ذو الوجه الأحمر المتقد تحدث بلغة لا يتقنها هو..لم يفهم شيئاً مما قاله..وما شعر به هو تلك النظرات التي تبادلها مساعدو الطبيب حينما استمعوا لتعليقه على نتائج فحصه . أدرك حينها بأنه مريض ..ومرضه مستعصٍ..لا يدري ما هو..؟! ولا يظن بأنه يدَّعي المرض ..فهذا المخيم الذي يقطن فيه..والحال المزري..والأوبئة التي تحيط بهم..وتلك الدماء التي يخرجها من فمه في كل نوبة سعال تنتابه.. الأمر لا يتحمل السخرية والابتسام..صحته في تدهور مستمر ..إذن لماذايبتسم ؟ وبدون سابق إنذار..في لمحة بسيطة وجد نفسه يعتدل من رقاده صارخاًمنادياً زملاءه .. دقائق..حتى ألتف حوله زملاؤه ..زملاءالشقاء والمعاناة وكل منهم يهدئ من روعه ويخفف من حدة صراخه .. لماذا صرخ ...؟ ولماذا أحب أن يراهم.. هل هي صحوة الموت؟ هل هو الخوف من أن يفقد آخر أمانيه.. الخوف من أن يموت وحيداً بعد هذا العمر المُضني .. لم يعديشعر بشيء مما حوله ..كل ما استطاع أن يلمحه بعينيه المليئتين بالدموع ، هوتلك الجلبة التي أحدثها صراخه وذلك الطبيب الذي حاول أن يحتوي الموقف بأن يغرز له بعض الإبر في ذراعه .. لحظات ..عيناه ترتخيان وبعض التأوهات الهلعةتصل مسامعه، لم يعد يرى شيئاً ؛ بعض الدماء تحجب عنه رؤيتهم . :(
    السعال أخرج ما تبقى من دماء في جوفه،وبرغم كل ما حدث أغمض عينيه بهدوء ..وابتسم ..
    أجل ..ابتسم بعد سنين العناء ولأول مره من القلب ..ودون سخرية..الآن ..الآن فقط لم يكن لوحده فيأحرج مواقفه..وأخيراً كان هنالك من يخشى وفاته ويحاول إبقاؤه على قيد الحياة . وأخيراً ..مات مبتسماً..!!








    المصدر : :القصة العربية
    بإشراف الأديب /جبير المليحان
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-12-28
  3. SHAHD

    SHAHD عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2000-11-24
    المشاركات:
    718
    الإعجاب :
    4
    ما أقسى أن يكتشف الإنسان أن أحلامه أكبر بكثير مما يمكن أن يستوعبها واقعه 000
    وما أشد ها رعبا .. تلك اللحظة التي يتخيل فيها الإنسان أن يموت وحيدا 00

    أبدعت الكاتبة في رسم لوحة إنسانية للألم ... لم تهمل ريشتها تصوير أدق تفاصيله ... جذبتني للوقوف أمامها طويلا 000

    لكن .. قمة الإبداع في هذه اللوحة - من وجهة نظري - هي تلك اللحظة التي صورت فيها الكاتبة ... كيف يمكن أن تكون لحظة الموت الحزينة .. هي ذاتها لحظة ميلاد للسعادة 000

    أخي فهمي .....
    فكرة رائعة .. ضمن سلسلة أفكارك التي أثريت بها مجلسنا ...
    واصل تعريفنا بهذه النجوم الجميلة الساطعة في سماء وطننا 00
    ولك كل التقدير .. والود ...
     

مشاركة هذه الصفحة