كتاب جديد من تأليف المترجم الخاص بصدام حسين

الكاتب : fas   المشاهدات : 1,036   الردود : 0    ‏2005-02-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-28
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    كتاب جديد من تأليف المترجم الخاص بصدام حسين ( سامان عبدالمجيد ) نشرته على حلقات جريدة البيان الامارتية ...

    تحياتي



    إنها الأوامر فلا داعي للنقاش!، سلسلة من الأخطاء الفادحة والتصرفات الارتجالية في مؤسسة الرئاسة
    سنوات صدام ـ الحلقة الاولى


    تأليف : سامان عبدالمجيد

    حتى آخر لحظة، ظننتُ أن الحرب قد لا تنشب، فبعد أن ظلّ لزمنٍ طويل يرفض تقديم أيَّ تنازلٍ قبل صدّام حسين في نهاية المطاف أن يخفّف من غُلوّه وعناده، فأمر بتدمير صواريخ «الصمود»، وسمح للطائرة الاستكشافية الأميركية من طراز «يو2» بأن تُحلّقِ في أجواء العراق. كنتُ على اقتناع بأن صدّام سيخرج من جعبته ورقته الأخيرة، وبأنّ الأزمة ستنتهي إلى مخرج نهائي على نحو ما انتهت الأزمات السابقة.

    لقد ظللتُ أعمل إلى جانبه خلال الفترة التي تعقّدت فيها الأزمة، وكنت أعلم أنّ صدّام كان أقدر على التصرف بكثير من البراغماتية على الرغم من تصوره التقليدي للشرف والعزّة، وكنت أعرف أيضاً، بفضل المعلومات التي كنا ننقلها إليه، أنه كان يعي خطورة الوضع.. حق الوعي. في الغالب كان صدّام ينهض في حدود الخامسة صباحاً، وقد شعرنا حقاً خلال الشهور الستة التي سبقت الحرب أنه لم يذق طعم الراحة قط. كان يُرسل إلينا بريده بواسطة حرّاسه، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار.

    كان جهاز نقل الرسائل مُروّضاً ترويضاً مُتقناً، ففي الأوقات العادية كان رجلٌ من رجال الأمن يحمل رسائلنا إلى الرئيس فيسلّمها إلى مكتب الاستقبال في بناية سرّية تقع خارج القصر، فيتكفّل رجلٌ ثانٍ من الأمن بنقلها إلى سكرتير الرئيس الخاص، عبد حمود الذي كان يضطلع بفتحها، ولا شيء من كل هذا تغيّر أثناء الأزمة، فقد ظل صدّام يُمسك بزمام العراق حتى النهاية. أما نُهى زوجتي فقد كانت على اقتناع بأن المأساة قادمة لا محالة، ولذلك ما فتئت تذكّرني:

    - يجب أن نفكر في جلب مخزون من المؤونة الغذائية.

    كنت أراها عند كل عودةٍ من القصر، في ساعات الليل المتأخرة، تُعدّ العدّة تأهباً لأي طارئ، فأحاول في كل مرة لطمأنتها، فقد كنت على اقتناع بأنَّ الحرب لو قامت فعلاً فلن تكون إلا حرباً طفيفة وبعيدة. كنت أحدّث نفسي بأن الصّراع لو قدّر له أن ينفجر، فإن المقاومة العراقية سوف تصمد لأسابيع عديدة، فلا يمكن للنظام أن ينهار كما ينهار قصرٌ من ورق.

    ولا أخفيكم أنني من الناحية العملية لم أستبق الأحداث بأي حال، فلم أكن قد أعددتُ أيّ شيء، حين طلب جورج بوش من الرئيس صدام مغادرة البلاد قبل بداية الصراع بأيام. ومع ذلك، فقد جعلني هذا الإنذار الأخير أدرك أن الحرب قائمة لا محالة، لكنّ الرئيس ما كان ليقبل بمثل هذا الإذلال ولا ليرضى بالمنفى بديلاً، وقد كان الأميركيون يدركون ذلك حين وضعوا السكين على رقبته.

    أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة غادرنا الشقة الوظيفية التي أقمنا فيها منذ ما يقارب الأربع سنوات في شارع أبو نواس على طول نهر دجلة. كان ذلك قبل قيام الحرب بيومين فقط، كنا آخر من يهرب من سكان العمارة، وأقمنا عند أخت زوجتي في حي الضباط بالزيتونة.

    وقد تركت معظم أغراضي بالبيت، ما عدا التلفزيون والحاسوب، فلم نحمل معنا إلا الأشياء الضرورية. وقد حرصتْ زوجتي على أن تُتلف كل ما من شأنه أن يعرضنا للخطر. لم أفهم في الحال السبب الذي جعلها تفكُّ من على الجدار الصّورَ التي كنت أرافق فيها الرئيس.

    - لماذا تفعلين هذا؟

    - لا ينبغي أن يعرف أحدٌ أنك كنت تعمل مع صدّام، سيعرّضنا ذلك لكثير من المتاعب!

    قلتُ لها مؤكداً:

    - اسمعي! الوضعُ على أيّ حال لن يتدهور إلى هذا الحدّ!

    كانت نُهى تحسّ بما كان سيأتي من أحداث، من نهبٍ وتخريب وسرقة وعنف، كانت تعلم أنّ السكان سينتقمون من عملاء النظام القديم.

    في المواقع البديلة

    كانت رئاسة الجمهورية تمتلك العديد من المساكن والعمارة الفارغة في بغداد، وحتى يحبط القصف الأميركي الذي ما فتئ ينهال على العاصمة العراقية على مدى عشر سنوات، تعوّد النظام على ترحيل المكاتب في حالات الخطر، فكان تارة يستقر لبعض الوقت في بنايات عادية، وكان الموظفون وأهم أصحاب المقام يقيمون في عمارة عادية للغاية، مثلما كان الأمر أثناء القصف الذي تعرضت له بغداد في شهر ديسمبر عام 1998.

    وكنا نسمّي تلك المساكن بالمواقع البديلة. لقد كان القادة يعون جيداً المخاطر التي كانت تحدق بهم، فحرصوا على أن ينظموا أنفسهم حتى لا يمسّهم أي أذى، كان ذلك على أي حال ما يمكن أن يعتقده أي مراقب خارج النظام، لكنّ الواقع كان مختلفاً كل الاختلاف.

    في شهر أكتوبر 2002 تلقت الوزارات الأمر بالشروع في ترحيل أرشيفاتها، كان العراق قد قبل للتو عودة خبراء منظمة الأمم المتحدة في نزع السلاح، مبرزاً بذلك إرادته الطيبة ونيته الحسنة في تهدئة الأزمة القائمة بينه وبين الولايات المتحدة. كان علينا أن نخفي الملفات المهمة قبل وصول المفتشين إلى بغداد.

    كنا نعلم أن معظم أولئك المفتشين كانوا جواسيس حقيقيين، فقد قدموا إلى العراق من أجل البحث عن عتاد محظور، ولكن أيضاً من أجل الاستحواذ على الوثائق. لقد وضعنا إذن أرشيفنا في مكان آمنٍ، ليس من أجل إخفاء المعلومات التي من شأنها أن تعرضنا للخطر في مجال التسلح، ولكن لأننا لم نكن نرغب في أن يكتشف الأميركيون أسرار دواليب الرئاسة. وقد تلقينا الأمر أيضاً بإخفاء حواسيبنا للحيلولة دون حصول الأميركيين على نسخ من الأقراص الصلبة.

    وأذكر أنني حاولت التدخل لدى أعضاء أمن القصر لثنيهم عن هذا الأمر، إيماناً مني بأن إخفاء الحواسيب قد يكون أكثر الأمور إثارة للشبهات من منظور المفتشين، فإن نحن وضعنا أنفسنا في حالة دفاع فإن ذلك يعني اعترافنا بالتهم الموجهة إلينا. بداية كلِّف شخصان بفرز الوثائق، وبعد مرور يومين نقل الرجلان كل الوثائق بلا تمييز إلى مكانٍ بديل، وهو المكان نفسه الذي لجأنا إليه أثناء القصف في ديسمبر 1998.

    وقد ضمّت هذه الوثائق، على الخصوص، محاضر جلساتِ لقاءاتِ الرئيس بما فيها اللقاءات غير المسبوقة. ولم تتصل هذه الوثائق من قريب أو بعيد بأسلحة الدمار الشامل! ولذلك فقد حيّرني إخفاء هذا النوع من المعلومات. لقد كان الأمن كلما سألت سؤالاً في هذا الشأن ردّ قائلا:

    - ولماذا نعطيهم هذه الوثائق؟

    وقد أمر صدّام أيضاً بأن يلتزم موظفو الرئاسة كافة بتدريب عسكري صارم.

    - نحن على وشك أن نواجه العدو!

    علينا أن نعدّ أنفسنا، وأنتم الذين تلازمون الرئيس يجب أن تحاربوا حتى آخر رجل! هكذا كانوا يقولون لنا.

    وهكذا شارك أعضاءٌ من أمن الرئيس الخاص في تدريبات فدائية جد قاسية. فقد كان عليهم أن يقطعوا مشياً على الأقدام مسافة تزيد على عشرة كيلو مترات كل يوم، وأن يتدربوا على سائر أنواع الأسلحة: كلاشينكوف، قاذفات صاروخية من طراز ار. بي. جي وأسلحة الدفاع المضاد للطائرات الخ...

    وإذا كان تكوين هؤلاء مكثفاً وفي غاية الجدية والصرامة، فلم يكن ذلك شأن موظفي القصر الآخرين. أما فيما يخصنا نحن، فقد كان مقرراً أن نتلقى على مدى ثلاثة أشهر ساعتين من التدريب العسكري صباحاً والقدر نفسه من التدريب عصراً، أما أنا فلم أحضر هذه الدروس إلا ثلاثة أيام فقط، فسرعان ما أعفي عدد كبير من الموظفين رفيعي المستوى من هذه التدريبات، فقد كان إعداد البرنامج سيّئاً.

    وقد أضحت التمارين عديمة الجدوى: لقد علّمونا في الأسبوع الأول السير بخطى ثابتة، وفي الثاني تركيب الكلاشينكوف وتفكيكه، وفي الثالث لم نجد شيئاً نفعله، وقد كان مقرراً لنا درسٌ في تقنيات حرب العصابات داخل المدن، لكنّ حتى ضباط الصف كانوا يقرّون بأن في الأمر مضيعة للوقت، وكنا كلما ذهبنا إلى ميدان الرمي لم يكن في حوزة كل واحد منّا سوى ثلاث طلقات. قبل اندلاع العمليات العسكرية، كان الموظفون يعيشون في حالة من نفاد الصبر ومن القلق بسبب الخطر الوشيك، فكانوا يسألونني:

    - لماذا لا نغادر مكاتبنا؟

    بعد الإنذار الأخير الذي أطلقه جورج بوش في اتجاه صدّام، توجهتُ على الفور إلى علي عبدالله، سكرتير الرئيس الصحافي بذلك السؤال، فقال لي:

    - لا يمكنكم أن تتخذوا قرار الإخلاء من طرف واحد، فسوف يقال عنكم إنكم جبناء، فقلت له:

    - لكن الأميركيين سوف يقصفون العراق وسوف نكون أهدافاً مميّزة! لكن عبد حمود، سكرتير صدّام الخاص ما لبث أن رخص لنا بنقل مكاتبنا في اليوم التالي لذلك الإنذار، أي قبل الحرب بيومين، فقد تلقينا في الأخير الأمر بالتراجع نحو الموقع البديل الذي أُعِدَّ لنا خصّيصاً في حي الحارثية الرئاسي، ليس بعيداً عن قصر السلام الرئاسي، الذي قصفه الأميركيون بعد ذلك نحو خمس أو ست مرات.

    تصرفات ارتجالية

    كنت قبل الحرب قد ذهبت للتعرف على المكان. كان المكان عبارة عن فيلا واسعة من طابق واحد، طُليت جدرانها باللون الأمغر، تقع بشارع الزيتون، وهي بيت مجهول في حي ثري من أحياء العاصمة. كان هذا البيت في السابق ملكاً لصلاح عمر العلي التكريتي وهو قريب لصدام وسفير سابق في الولايات المتحدة حتى تاريخ ارتداده العام 1982، فبعد فراره قامت الدولة بمصادرة بيته.

    وهنا أيضاً كم كانت التصرفات ارتجالية! قبل عمليات القصف الأميركية العام 1998 كنا ورثنا بيتاً في مجمّع الوزراء بحي المنصور حيث كان يُقيم أكثر من خمسين من مسؤولي العراق رفيعي المستوى. كان المكان غير لائق للاحتماء، فقد اكتشفنا بعد الازمة أن المساكن المجاورة كانت قد أُخليت من قبل سكانها لأنّ الحيّ كان يأوي معسكراً لتدريب الأمن الخاص بالرئيس.

    لذلك لم ينجُ هذا الحيّ من القصف المكثف، فهذا الاختيار دليل على مدى حماقة القادة العراقيين في اتخاذ القرارات التي تقع على عاتقهم، كلّما كان الأمر لا يمت بصلة مباشرة بحياة الرئيس شخصياً. فحين جاء عابد حمود في شهر فبراير يقترح علينا الرجوع إلى المجمّع الوزاري بالمنصور، لم نتردّد في رفض هذا العرض، فلم يجد بداً من أن ينصحنا بالتوجه إلى مسؤول إدارة المواقع البديلة حتى يدلنا على مكان آخر نأوي إليه.

    وقد بدا لنا حيّ الحارثية الذي لجأنا إليه في الأخير هادئاً ساكنا، فقد كان البيتُ متوارياً خلف أحد الأسوار ممّا يجعله خفياً عن الأنظار، لكن ما لبثنا أن علمنا بعد حين أن عدداً كبيراً من مسؤولي البعث - الحزب الوحيد في سلطة بغداد - ومنهم طه ياسين رمضان، الرجل الوفي لصدام، كانوا يُقيمون على بعد خمسين متراً فقط عن ذلك المكان.

    وكان الحي يأوي أيضاً مدرسة للحزب، وهو ما يعني أننا كنا محاطين بأهداف كامنة. وقد كان هذا البيت الذي أمكننا أن نقوم فيه بواجبنا حتى لحظة سقوط بغداد قد أُعِدَّ ملجأً لرئيس الديوان الذي رفض العودة إليه بسبب موقعه غير الآمن، فما دام الأمر كذلك فما الذي جعلهم يمنحوننا إياه؟ والسبب في ذلك بلا شك عدم كفاءة أحد مسؤولي الرئاسة ومتابعةٍ سيئة للملفات، فضلاً عن أن مكتب إعلامنا لم يكن بالأهمية ذاتها للأمن المقرب من الرئيس.

    في الوقت ذاته نُقلت مصالح الرئاسة الأخرى إلى الضفة الأخرى من نهر دجلة، ليس بعيداً عن الحارثية، في أحياء اليرموك والمنصور، أما المصالح الأقل أهمية، المرتبطة أساساً بالشرطة فقد تم إخفاؤها في إحدى المدارس، ولم ننقل أيّ عتاد، وقد ظل الموظفون يتردّدون على مكاتبهم حتى تحت القصف.

    ولم يتوقف الارتجال عند هذا الحدّ، فقد جاء سائقان مكلفان بنقل البريد إلى الرئيس يشكوان من أن هذه الترتيبات الأمنية لم تشملهما حيث لم يقترح عليهما أحدٌ أيّ موقع بديل يلجآن إليه، ولما كانا يعيشان على مقربة من القصر الجمهوري فقد خشيا كثيراً على حياتهما. كنتُ على استعداد لإيوائهما، لكنّ علي عبدالله لم يوافق على ذلك.

    وعلى الرغم من أن عملهما كان وثيق الصلة بعملنا فقد ظل علي عبدالله يعتبر أنهما لا يمثلان جزءاً من مكتبنا. فلأسباب الأمن والسريّة لم يكن من حقّهما أن يعرفا من كان يدخل ويخرج من بيتنا في الحارثية، فلم يجد هؤلاء بدّاً من العودة إلى بناياتهم التي تعرضت للصواريخ الأميركية الأولى التي استهدفت القصر منذ بداية الحرب. وقد عاد إلينا أحد السائقين الذي تعرض لجروحٍ، معصوب الرأس، متوسلاً إلينا أن نأويه في محلاتنا، وأخيراً وضع السكرتير الصحافي تحت تصرفهما غرفة معزولة.

    وقد استغرق ترحالنا الكثير من الوقت، غير أنه على الرغم ممّا أصابنا من قلق وجزع فلم نكن على عجلة من أمرنا، كنا نعتقد جميعاً أننا سنتحاشى الحرب، فلم ننقل إلا العتاد الضروري لعملنا، كالحواسيب مثلاً، أما الأسرة والكراسي والمكيفات وأفران الطبخ فقد استعادتها الرئاسة.

    لم نتلق أي تعليمات خاصة حول ما كان ينبغي علينا أن ننقله بالضرورة، ومع ذلك فقد فكروا في الوقت ذاته في تفاصيل ثانوية، ومن ذلك إقامة نظام من صواني الأكل لموظفي الديوان الموزعين عبر العاصمة، لكن الإدارة نسيت أن تخبرنا بذلك، ولم نطّلع على هذا النظام إلا بعد بداية القصف بيومين أو ثلاثة أيام، فكنت كلّ يوم أرسل من ملجئنا أحد السائقين ليأتينا بنحو عشرين من هذه الصواني من الديوان الذي كان ينهال عليه وابلٌ من القنابل.

    أخطاء فادحة

    كان بحوزتنا جهاز لتوليد الكهرباء، لكنّ علي عبدالله لم يكن يرغب في أن نستعمله كثيراً، فقد أصابه الهذيان بسبب الأحداث حتى صار يخشى من أن يزعج صوتُ مولّد الكهرباء الجيران أو يكشف أمرنا للطائرات الأميركية. وهنا أيضاً كم من أخطاءٍ فادحة ارتكبت من قبل مصالح الرئاسة!

    وفي ربيع عام 2002 حصلنا علي عبدالله وأنا على سيارة جديدة لكل واحد منّا، وكانت من نوع »نيسان سيدريك«. هذا النوع من السيارات كان محظوراً بيعه للشعب حيث كان مخصصاً للمسؤولين الكبار في الحزب وللمديرين العامين في الرئاسة. هذه الهدايا لم تكن خافية على الجمهور، لكنّ مأربنا في الحارثية لم يكن يتّسع إلاّ لسيارة واحدة، ولذلك لم أجد بدّاً من أن أركن سيارتي في الشارع.

    وكان للسائقين سيارات من نوع »بيك أوب« المخصّصة أيضاً للمقربين من السلطة، فلم نكن إذاً كتومين جدّاً، فكوننا لم نكن قادرين على أن نوقف سياراتنا في مكان آمنٍ وبعيداً عن الأنظار فقد كنا معرضين لمخاطر حقيقية، فقد كنا نخشى أن يكشف أمرنا أحد الجيران، أما أنا شخصياً فقد كانت خشيتي أكثر وأكبر من الجماعات الإرهابية المرتبطة بالمعارضة في الخارج أكثر من خشيتي من القصف الأميركي، ولم يُعيّن المسؤولون أي حارس يحرسنا حول البيت.

    وقد أحضرنا كمية من الشموع والمصابيح البترولية تحسّباً لأي انقطاع في الكهرباء، كما أعددنا مخزوناً من البطاريات لتأمين الاستماع للإذاعة، فقد كان الراديو آخر وسيلة إعلامية في متناولنا لإطلاع صدّام بما يطرأ من أخبار، لكننا في الليلة التي انقطعت فيها الكهرباء فوجئنا بعدم توفر المصابيح البترولية لأن العامل المكلّف بالعتاد كان قد نسيها في الرئاسة. وما إن تمكنا من الحصول على المصابيح حتى تعذّر الحصول على البترول، فلم أجد بداً من التوجه إلى بيتنا لأحضر زجاجات من البنزين.

    لم يكن سكرتير الرئيس الصحافي الوحيد الذي اصابه الذعر، فبعد مرور أربعة أيام على بداية الحرب أصدر إلينا السكرتير الشخصي لصدام أمراً بعدم استعمال الحواسيب والانترنت، حتى لا يكشف الأميركيون أمرنا، ولذلك اضطررنا لأن نحرّر بخط اليد نشرات الأخبار المخصصة للرئيس، فكنا نستعمل ورق الكربون حتى تظل نسخة من النص في حوزتنا. قرارٌ لا معنى له! ففي بيتنا كنت أشتغل على الأنترنت، وكان ابني يمضي أيامه في السباحة على أمواج الأنترنت، فقلت ذلك للأمن:

    - هناك على الأقل مائه ألف حاسوب في بغداد موصولة بالأنترنت، كيف يمكن للأميركيين أن يكشفوا أمرنا؟

    - إنها الأوامر، لا داعي للنقاش!

    وأعدنا ترتيب أمورنا من جديد، فهيأت نظاماً للعمل بالفريق المحدود، حتى نحدّ من الخسائر في الأرواح البشرية إنْ نحن تعرضنا لأي قصف. كان ستة أو سبعة من الموظفين موجودين بشكل دائم على مدار الساعة، وقد تضاعف عملنا خلال الحرب، لأن الرئيس كان قد اشترط منّا أن نرسل إليه ضعفي أو ثلاثة أضعافٍ من ملخصات الأخبار التي كنا نرسلها في الفترات العادية. كان الجميع يحضر إلى العمل باستثناء موظف في الطباعة كان اضطر لمغادرة بيته الذي كان يتعرض للقصف المتواصل بجانب وزارة الإعلام.

    كان قد تأجرّ شقة بالقرب من بيت حماه في بعقوبة الواقعة على بعد ثمانين كيلو متراً من بغداد، فقد كان يصعب عليه المجيء إلى المكتب، وقد ألححت عليه بأن يواصل العمل معنا، فقد كان قطع المسافة يعرضه للقدر نفسه من المخاطر التي كان يعرضه لها تخليه عن منصبه، ناهيك عن أننا كنّا نخضع لمراقبة مستمرة.

    والحق أقول إننا حتى في الأيام التي سبقت سقوط بغداد يوم التاسع من أبريل كنّا أكثر تفاؤلاً. فقد كان العمّال صامدين باستثناء عاملين أو ثلاثة. وكان أكثرهم وجلاً الجاسوس الذي كان يعمل لحساب أمن الرئيس، أما مساعداي فلم يباليا بالأمر كثيراً، فعلى عكس حرب عام 1991 فقد كان القصف متواصلا أناء الليل وأطراف النهار، وكنتُ أخشى عليهم كثيراً.

    أثناء الحرب اختيرت فيلتنا كنقطة لالتقاء الشخصيات المدعوة من قبل الرئيس، وكان رسولٌ خاص ينقل لنا الاستدعاءات، وكنا نتصل عن طريق الهاتف بالشخص المعني، وبعد أن دمّر المركز الهاتفي المركزي لماعون قبل انتهاء المعارك بعشرة أيام أرسلنا مُراسلينا لإخبارهم بذلك.

    فكانوا كلما وصلوا إلى الحارثية اقتيدوا نحو مكان سريّ، وهناك يغيرون السائق قبل الوصول إلى مكان ثالث حيث يختبئ الرئيس. وقد جاء لزيارتنا مرات عديدة محمد الصحّاف وزير الإعلام المعروف بغليانه، ولطيف نصيف جاسم نائب مدير المكتب العسكري لحزب البعث قبل ان يلتحقا بصدام حسين.

    تنقل بلا انقطاع
    كان الرئيس يتنقّل بلا انقطاع. في الأيام الأولى أقام في بيت قريب من بيتنا، فقد عرفتُ ذلك لأنّ علي عبدالله كان يقطع المسافة إلى الرئيس في سيارة الأمن في وقت وجيز، وقد كان كثير التردّد على ذلك المكان، حيث كان الرئيس يجتمع بلا انقطاع بأعضاء قيادة الحزب ومسؤولي الجيش.

    وأكثر من ذلك، فقد انعقد في الأيام الأولى للحرب اجتماعان في مكان لا يصدّق، في بيت يقع عند مدخل القصر الجمهوري الذي كان قد تعرض للقصف ليلة ذلك اللقاء، وهو ما يؤكد أن نقاط اللقاءات كان يتم اختيارها يوماً بيوم تبعاً للضربات الأميركية. وكان صدّام بعد ذلك قد قضى أياماً عديدة في فيلا المنصور بالقرب من مطعم الساعة. وقد قام الأميركيون الذين اعتقدوا العثور عليه بذلك المكان بقصف المنطقة يوم السابع من أبريل. وقد كادوا أن يصيبوه في ذلك القصف لأنه لم يكن بعيداً عن ذلك المكان كثيراً.

    لقد تعوّد صدام منذ العام 1990 أن يقيم بشكل سريّ في عدد من البيوت العادية في العاصمة، وأذكر أنني توجهتُ العام 1991 عن غير قصد بالقرب من أحد تلك البيوت. فذات مساء، وأنا عائد إلى البيت، أخبرني السائق بأنه سيعرّج على الرئيس حتى يسلّمه بريداً مهماً، فدخلنا في شارع هادئ بحي اليرموك لم نلمس أي إجراء أمنيّ واضح فيه.

    فقد كانت الإقامة بعيدة عن الأنظار، غير أنه حين اقتربنا من باب المدخل فوجئنا بحارسين يطلان علينا من وراء إحدى الأشجار. ولم يستغرق تسليمهما البريد الموجّه للرئيس سوى ثوان! قيل مراراً إن صدّام يعتصم في داخل غرف حصينة تحت الأرض. أجل لقد وجدت هذه الحصون بالفعل، لكنّ صدّام لم يتقهقر إليها أثناء الحرب، فقد كان في الواقع يتخفى بين صفوف شعبه.

    وكانت وسائل الإعلام الغربية قد أفرطت كثيراً في تصور »نُسخ« الرئيس، مدّعيةً بأنه كان محاطاً بأشخاص مشابهين له، فأنا لم ألتق قط بأي واحد منهم. ويبدو أن أحد أطباء صدّام الفرنسيين قد استقبل يوماً من طرف أحد هؤلاء الأشباه، لكنّ الطبيب لم يتعرّف عليه، بطبيعة الحال.

    كان الرئيس يلجأ إلى استخدام هذه »النّسخ« كوسائل للخداع، فحين كانت بعض المواكب تعبر المدينة، كانوا يوهمون الناس، من خلال أحد هؤلاء الأشباه، بأن صدّام متواجد في هذه المرسيدس أو تلك، والواقع أن الرئيس كان يتنقل في سيارة عادية لا تثير أي اهتمام، غير أن الرئيس، في المقابل، لم يكن يعهد بالمهمات الخاصة لهذه »النّسخ.

    «لقد كان صدّام يحس أنه وحيد. وعلى الرغم من بعض مؤشرات التذبذب والحيرة، فقد ظل صدام يقود البلاد حتى النهاية، فقد كان يلتقي بانتظام بوزرائه ويطلع على بريده. وبينما كانت المعارك على أشدها، استمر صدّام في تجسيد الشخصية اللغز العصيّة الغامضة، التي ما فتئ يمثلها في أعيننننا جميعاً.

    وهكذا، وبينما كنا نعيش ساعات مأساوية، دعاني لكي أترجم إلى العربية محاورة من خمس عشرة صفحة كان قد أدلى بها صهره السابق كامل حسين. ويعود تاريخ هذا الحديث لثمانية أعوام مضت، وكانت قد نشرت في الأردن التي كان قد لجأ إليها العام 1995 قبل أن تتم تصفيته في بغداد بعد ذلك بستة أشهر. لم يكن للحوار أي أهمية ولا أي صلة بما كان يحدث من حولنا، فقد كنت منهكاً كثيراً مع الراديو الذي كان علي أن أستمر في الاستماع إليه بلا انقطاع حتى أطلع صدام بما يجدّ من أخبار.

    قلت لسكرتيره:

    - إنها مضيعة للوقت!

    - أنا موافق، ولكنها الأوامر.

    تُرى لماذا الاهتمام بهذا الشيء في مثل هذا الوقت؟ لا أحد يدري.















    كتاب ـ سنوات صدام ـ الحلقة الثانية

    عندما بكى وزير الدفاع العراقي، الحاسة السادسة تنقذ صدام من القصف لدى غياب قائد المخابرات

    الرجل ذو النظارة المحرشفة الغليظة، الذي خاطب العراقيين يوم الخميس 20 مارس 2003، كان صدّام حسين بالفعل، وليس أحد أشباهه، كما اعتقد الكثيرون وأكّدوا في تلك الفترة، فقد سجّل الرئيس مداخلته في البيت المجاور لبيتنا، حيث أقام في الأيام الأولى من الأزمة. في الصباح كنت في المكان عينه ، في حدود التاسعة بشارع الزيتون، كانت سيارة علي عبدالله.

    وهي من نوع «نيسان سدريك» مركونة أمام الفيلا، قيل لي إنه كان يقضي الليل بمكاتبنا، وحين استيقظ في حدود العاشرة سألته عن سبب وجوده بذلك المكان، فشرح لي أنه استيقظ في حدود السادسة وكأنه أحس بوجوب الذهاب إلى العمل قبل الموعد المعتاد، وقال ما إن وصلت إلى المكتب حتى أبلغني رجل من الأمن بأن الرئيس قد أرسل في طلبي.

    توجه علي عبدالله إلى مكتب الرئيس يرافقه أحد الحراس، وسأله الرئيس الذي اعدّ خطابه في دفتر صغير رأيه في البناء النحوي للنص، وأجرى السكرتير الصحافي بعض التصويبات، ثم سجّل صدام مداخلته التلفزيونية للحرب بعد بدايتها ببضع ساعات. وعلى غير عادته، لبس صدام نظارته فدهش علي عبدالله أن يظهر الرئيس الحريص على مظهره دوماً، بذلك المظهر على الشاشة.

    - سيدي الرئيس لماذا تضع النظارة؟

    - إننا في حرب يا علي!

    كان النهار قد بدأ في الطلوع، لكن الغرفة كانت لا تزال غارقة في العتمة. في العادة كان صدّام لا يحب أن يُظهر أنه حسير البصر، ولذلك اعتقدنا أنا نفسي وأسرتي وأصدقائي أنه شخص آخر، لكنّ علي عبدالله ما لبث أن صحّحني:

    - أستطيع أن أؤكد لك مئة بالمئة أنه صدّام حسين.

    تذبذب في القيادة

    في الأيام الأولى للصراع ساد شيء من التذبذب في قيادة البلاد، الناتج إلى حدّ كبير عن تحرك القيادة وابتعادها، فقد تقلصت مهامنا إلى حدود الأشياء الأساسية، كتحرير أوامر الرئيس المكتوبة ونشرات الأخبار الموجهة إليه. وقد صارت تعليمات صدّام أكثر كثافة مما كانت عليه في العادة.

    ففي الأسبوع الأول من الحرب وجّه رسالة من ثلاث صفحات إلى ألفٍ وخمسمئة من مسؤولي الجيش الكبار تسلّموها عن طريق المراسلين. وكان ذلك عملاً هائلاً.

    وقد أمرنا عبد حمود سكرتير صدّام الشخصي بطبع هذه الرسائل على حواسبنا، مخالفاً بذلك الأوامر التي كنّا قد تلقيناها قبل بضعة أيام بعدم استعمالها. ومرة أخرى كانت الإجابة الوحيدة التي تلقيتها:

    - الأوامر هي الأوامر.

    وبعث صدام رسالة أخرى إلى خمسة آلاف عضو في الحزب، وهي رسالة خطية اضطررنا لتصويرها، وأرسل رسالة أخرى إلى شخص يُدعى عادل عبدالله المهدي، قائد المكتب العسكري للحزب بالناصرية في جنوب العراق، حيث كانت المقاومة العراقية صامدة في وجه الجيش الأميركي وحلفائه البريطانيين.

    واحبُّ أن أضيف هنا أن هذه الميليشيات قد لعبت دوراً مهماً في إقناع الفرق العسكرية والسكان وبالقوة أحياناً، بأن لا يستسلموا لنداءات الغزاة وبأن لا يتعاونوا معهم.

    وأخيراً حرّر صدام رسالة أخيرة موجهة إلى قيادات العشائر وإلى مسؤولي الطوائف فكان العدد بذلك هائلاً، ممّا اضطرنا إلى البحث عن قائمة هؤلاء في مكتب العشائر المنزوي في أحد بيوت حي المنصور. ونظراً لتعقّد أسماء الأسر العشائرية فقد كان إعداد القوائم عملاً غاية في الصعوبة.

    في هذه الرسائل كان الرئيس يُقدّم النصائح العسكرية، ويؤجج الرّوح الوطنية للمقاومة. كان يريد أن يُعِدَّ لمعركة بغداد خير إعدادٍ. كيف يمكن تأجيل تقدّم قوات العدو حتى قلب العاصمة؟

    كيف يمكن ممارسة حرب العصابات داخل المدن؟ كيف رفض حرب المجابهة واختار الهجوم على الفرق الأميركية بواسطة مجموعات صغيرة من الفدائيين. لقد تطلب منا انجاز المهمة المطلوبة ثلاثة أيام وثلاث ليال. وقد كنت عند الضرورة الملحة أستغني عن العمل بوساطة الفرق.

    كنت أعود إلى البيت في ساعات متأخرة، ليس قبل الساعة الحادية عشرة ليلاً في الأحوال كافة، كان الجو العام قد أصبح مريعاً، فقد أصبحت شوارع بغداد خالية، ولم تعد هناك كهرباء، وكانت عاصفة الرمال تزيد من حدّة ذلك الانطباع بالكارثة. لم أكن أُميّز الشيء الكثير وأنا أسوق سيارتي. كنت خائفاً.

    كان القصف يهزّ العاصمة هزّاً. كان مسدّسي في متناول يدي، كانت مصالح الأمن قد زودتنا بقطعة كلاشنيكوف، لكن استعمالها في السيارة كان غير عمليّ، فتركتها في المكتب وفضّلتُ الاحتفاظ بمسدسي في متناول اليد.

    ومع ذلك كله، فقد ظلت معنوياتي جيدة. وعند نهاية شهر مارس ، وبعد مرور عشرة أيام على بداية الحرب، عاد إلي علي عبدالله واثقاً من نفسه من اجتماع مع الرئيس والمسؤولين العسكريين من الجبهتين الجنوبية والشمالية.

    - الوضعية العسكرية على ما يرام. إنهم يعدّون لهجوم مضاد سوف يفاجئ الأميركيين.

    هكذا قال لي متحدثاً عن صدّام، لكنني أجبته:

    - «بيني وبينك» هذا مستحيل!

    بعد لحظات من التأمل قال لي بلا تردّد:

    - إنك على حق!

    - من المستحيل أن يخسرالأميركيون هذه الحرب. فإن همُ تعرضوا لأي هزيمة، تصوّروا كم سيكون شعوره بالقوة والعظمة، وهو يهزم أول قوة في العالم. سوف يجعل الخطر يخيّم على المنطقة برمتها، وسوف يثير الرعب في قلب الكثير من العرب. هذا السيناريو، حتى وإن كان في صالح بلادنا، فهو أمرٌ لا يتصوره العقل. ان انتصارنا مستحيل حتماً.

    كان علي عبدالله، مثلي تماماً، رجلاً تقنيا في خدمة النظام. هذا الشيعي ، ذو الأصل البابلي، كان يعمل في الديوان منذ ثلاثين عاماً. وكان في السنوات العشر الأخيرة سكرتيراً صحافياً للرئيس. كان يحضر كل اللقاءات ما بين صدّام وضيوفه بمن فيهم العراقيين، وكان يحرّر التقارير الرسمية المخصّصة لتلفزيون الدولة، ولكنه لم يكن مغفّلاً، حيث كنا ننتقد النظام أحياناً بصوت خافت، ونحرص في ذلك على ألاّ يسمعنا أحد.

    ولم يتردّد هذا المناضل البعثي القديم يوماً في فضح انحراف الحزب منذ وصول صدام إلى السلطة، وكان يأسف لذلك أيّما أسفٍ:

    - لم يعد البعث ذلك الحزب الذي انتميتُ إليه في الستينات!

    كان علي عبدالله بعثياً تاريخياً ، ولم يكن ذلك شأن التسعين بالمئة من المنخرطين في هذا الحزب، الذين كانوا يأخذون بطاقات الحزب، بدافع الامتثال للقاعدة السارية، وطمعاً في كسب (منصب عمل أو مهنة سريعة أو بعثة تدريبية إلى الخارج). في هذا الشأن كثيراً ما كان يقول لي:

    - هل تعرف كيف تُميّز ما بين بعثيّ حقيقي وما بين بعثيّ انتهازي؟ يكفي أن تسأله في أيّ تاريخ كان انخراطه في الحزب.

    ومع ذلك، فقد كان علي عبدالله يعتصم ببعض الأمل:

    - هل نسيت الصومال؟ ألم يضطر الأميركيون في النهاية إلى الانسحاب منها بعد الفشل الذي لحق بهم؟

    قلت له:

    - تأجيل نتائج الحرب هو كل ما يمكننا أن نأمل فيه، وأنت تعرف ذلك جيداً يا علي!

    عند قراءتي للرسائل التي كان صدام يُوجّهها لقادة الجيش، كنت أحدّثُ نفسي بأن الحرب مسألة من اختصاص المحترفين، والحال أن صدام لم يكن محترفاً، فمعه لم يكن للاختصاصيين أي حق في الكلمة. فحتى عندما كان يتظاهر بإعطاء العسكريين حرية قيادة العمليات على نحو ما فعل مع الفريق ماهر رشيد، أحد أبطال الحرب العراقية ـ الايرانية.

    حيث عينه مستشاراً للقيادة العسكرية، كان هو السيد الآمر الوحيد، فقد كان في الواقع لا يثق بالجيش ولا سيما وزير الدفاع سلطان هاشم، فقد وضعه تحت الإقامة شبه الجبرية قبل الحرب بقليل. فقد كانت سيارة من الأمن الرئاسي تأخذه لحضور اجتماعات القيادة العامة، وهكذا كان الرئيس يراقب عن كثب كل حركاته.

    صدام في الأعظمية

    كان محمد الصحاف، وزير الإعلام، يشحذ معنوياتنا بتصريحاته الملتهبة، وقد ظل يُبدي الكثير من التفاؤل حتى النهاية. وقد أُخِذ عليه إصراره على الكذب عن قصد، لكنّ الصحّاف لم يكن له أيّ خيار آخر: فإما أن يغادر العراق وإما أن يظل فيه ويتظاهر بأنه يُصدّق ما يقول، فلم يكن الصحّاف أحمق ولا غبياً، على نحو ما كان يحلو لوسائل الإعلام أن تصفه به، وإنما كان يتحدث لغات كثيرة وكان بيته مليئاً بالكتب.

    ما لبث ظهور صدّام العلني المفاجئ يوم الجمعة 4 ابريل في حي الأعظمية، الذي كان له فيه أنصار كثر أن شدّد عزمنا، فقد راح بزيّه الأخضر الزيتوني «البيريه» الذي يعتمره يُوزّع الابتسامات ويُحيّي بيده جمعاً من الفضوليين السذّج. كان ذلك أسلوباً من أساليب استهزائه غير المتوقعة بالأميركيين .

    وكان هذا الشخص هو صدّام بالفعل وليس «نسخة» من نُسخه كما توهّم العديد من الاختصاصيين الذين أنفقوا الساعات في تفحّص شريط الفيديو الخاص بهذه الجولة المفاجئة، حتى يقيسوا طول أذنيه وأنفه ونسيج شعره وأشياء أخرى، في محاولة يائسة للتمييز ما بين صدام الحقيقي وما بين إحدى نسخه.

    لكنّ شيئاً بسيطاً لم ينتبه إليه سوى القليل منا يثبت أن صدّام بذاته هو الذي رآه الجمهور: فقد كان أحد حراسه يرتدي القميص نفسه الذي كان يرتديه ليلة ذلك الظهور حين جاء يسلمنا رسالة من الرئيس، فقد تعرفت على زيّه من مربّعاته الكبيرة اللافتة للنظر، فلم نعتد على رؤية حراس الرئيس بالزيّ المدني، فقد كانوا في العادة يظهرون بالزي الكاكي، يا لهم من مساكين! فقد كانوا يمرون بلحظات عسيرة.

    كنا نتعامل مع ثلاثة أو اربعة منهم كانوا الأشخاص أنفسهم دائماً. ذات مرة استأذننا أحُدهم في استعمال الحمّام، فقد كنا نحسّ بأنّ حياتهم كانت غايةً في القساوة.

    وحتى لحظة تدمير مركز ماعون كانوا يتدافعون على مكاتبنا لإجراء العديد من المكالمات الهاتفية، لأن ذلك كان متعذّراً عليهم من الموقع الذي كانوا يختبئون فيه مع صدام، فحين كانوا يمرّون لتسلّم البريد أو لتسليمه لم نكن نجرؤ قط على السؤال عن حال الرئيس بشكل مباشر، بل كنا نكتفي بالقول «شلونك؟» أو «شلون الوضع؟».

    كان ذلك أسلوبنا في الوصول إلى الجديد من الأخبار. لقد كنا بعيدين عن صدام ولكننا على اتصال به من خلال بريده وكنا نتطلع لمعرفة المزيد عنه.

    عندما سيطر الأميركيون على المطار في اليوم التالي لظهور صدام في العلن يوم 5 ابريل، أخبرني أحد الأصدقاء أن العديد من جنود العدو قد لقوا حتفهم في المعارك، وقد رفع ذلك معنوياتي قليلاً، لكن الوضع ما لبث أن انقلب في اليوم التالي وظل يسير من سييء إلى أسوأ.

    ومنذ ذلك الوقت صرنا معزولين عن صدام، وصار البريد الذي كنا نرسله إليه يعود إلينا بعد بضع ساعات من دون أن يكون قد اطلع عليه أحد، فقد كان السائقون الذين كنا نعهد إليهم به يقولون لنا إنهم لم يعثروا على أي شخص في المواقع المرصودة لاستلام هذا البريد، فلا شك أن صدّام قد اضطر لأسباب أمنية أن يغيّر ملاجئه باستمرار.

    وأن لا يخبر بذلك إلاّ أقل عدد ممكن من الناس، فلم يعد حرّاسه الذين كانوا سعاته يعرفون أماكن وجوده، فقد كان يقال قبل الحرب إن الشخصين الوحيدين اللذين كانا يعرفان مكان وجوده باستمرار هما ابنه الأصغر قصيّ، وارثه والمسؤول عن حرسه الخاص، ثم عبد حمود ذراعه اليمنى.

    وكون أن البريد لم يكن يصله فذاك أمر تعودنا عليه في الماضي وكان مردّه لتشوّش في الإدارة، أما هذه المرة فقد كان الأمر مثار قلق وحيرة، حيث أحسست أن الوضع على غير ما يرام.

    في السابع من ابريل ذهبت إلى مكتبي لآخر مرة. وعلى الرغم من أننا كنا فقد فقدنا الصلة مع الرئيس فلا شيء كان ينبئ بالهزيمة الوشيكة، فقد قيل لي إن صدّام كان قد عقد اجتماعين مع المقربين إليه، فالاتصال إذن لم ينقطع ما بين القادة العراقيين. أحد هذين اللقاءين جمع ما بين أعضاء من أسرته.

    حيث داعب صدّام هؤلاء ومازحهم على ما يبدو، وكان يحمل حزاماً من المتفجرات حول خصره، مثلما كان يفعل قصيّ وعديّ. ويقال إنه داعب عليّاً نجل الفريق حسين رشيد، وهو رجل من رجال أمنه الأقوياء، حيث قال له ضاحكاً:

    - كم لك من الأطفال يا علي؟ وأنت يا حسين كيف حالك؟

    وقد تركوا صدّام، وهم يشعرون أنه أراد أن يوهمهم بأنه، على الرغم من خطورة الوضع القصوى، لم يفقد رباطة جأشه، وكان قبل ساعات من ذلك الاجتماع قد اصطحب أصيل زوجة قصي واطفالها الثلاثة لكي يودّعوا أطفال رغد ورنا وهالة بنات صدام الثلاثة، وقد افترقوا في حي المنصور.

    أين ذهبت الدفاعات؟

    في اليوم نفسه قام الأميركيون بقصف المكان ظناً منهم أن صدّام وعائلته موجودون فيه، ومرة أخرى أنقذت الحاسة السادسة حياة الرئيس، لكن الأميركيين لم يضلوا الطريق كثيراً: فقد كان الرئيس يحتل أحد البيوت في الحي، وكان قد استدعى ابنيه قصي وعدي وأهم المسؤولين في الأمن.

    وفي لحظة اللقاء المتفق عليها لاحظ أحد المقربين من صدام، اللواء عبدالجليل الحبّوش، غياب قائد الاستخبارات، فراح يتساءل في ذهول عن سبب تأخره، وما لبث أن فهم في تلك اللحظة أن جاسوسه الرئيسي قد غدر به.

    وهكذا أدرك صدّام وقصي وعبد حمود أن المؤامرة قد بدأت تحدق بهم، فسارعوا بإخلاء الشقة، وما هي إلا لحظات حتى حوّلت الصواريخ الأميركية البيت إلى انقاض، فلم يبق من البيت سوى فوهة فاغرة، وقد نجا صدام من الموت، لكنه أدرك أن الخيانة باتت تحاصره وأن سلطته قد بدأت تتأرجح من الداخل.

    وعندما رأيت في اليوم نفسه على القناة الأميركية «فوكس نيوز» صور المدرعات وهي تتوغل في قلب بغداد، دون أن تعترضها أي مواجهة من الجيش العراقي لم تُصدق عيناي تلك الصور والمشاهد، فقد كانت الدبابات تمر أمام أحد المساجد.

    وكانت جثث الشهداء ملقاة على الطريق. وقد كانت هذه القوات آتية من المطار تتقدم بسرعة ثمانين كيلو متراً في الساعة من دون أن يعترض سبيلها أي عائق من العوائق. كنا في المكتب نتابع تلك المشاهد بكثير من الذهول، لكننا كنا نثق في الحرس الجمهوري وفي الحرس الخاص للرئيس، ونعلم أنهما كانا قد نصبا القذائف والصواريخ دفاعاً عن العاصمة.

    لكنّ أحد السائقين ما لبث أن سألنا في ريبة وذهول:

    - ولكن أين ذهبت دفاعات بغداد؟ وأين وصلت هذه المدرعات الأميركية المجنونة؟

    قلت له:

    - إنها بالقرب من تمثال شواف.

    - مستحيل! لقد ملأت خزّان السيارة بالبنزين هناك! لم أر أي مدرعة!

    - لعل الأمر مجرد تركيب صور.

    كان الأميركيون بالفعل يُظهرون أنهم قادرون على الدخول إلى بغداد والخروج منها بسهولة وبلا مقاومة، ومن هنا بدأ الذهول يتملكني.

    في اليوم التالي، يوم 8 ابريل، تناولت فطوري في البيت. كانت زوجتي لا ترغب في أن أذهب إلى العمل، وظللت أنتظر حتى الساعة الحادية عشرة، وظل القصف متواصلاً، لكنني لم أكن أستطيع أن أتأخر أكثر من ذلك عن عملي.

    وفكّرت، عارٌ عليك أن تبقى هنا هادئ البال ورفاقك هناك يقاسون في العمل.

    وركبت سيارتي وانطلقت، كان عليّ أن أعبر نهر دجلة حتى أصل إلى المكتب، كان الجسر الأول، جسر الجمهورية، مغلقاً، وكذلك الجسر الثاني والثالث، أما الجسر الوحيد الذي كان لا يزال مفتوحاً للسير فكان يقع بالقرب من المدينة الطبية في الأعظمية. كانت الطرقات على الجانب الآخر من ضفة النهر، خالية، لكنّ أحد الأطفال استوقفني متسائلاً:

    - إلى أين يا سيدي؟

    - إني ذاهب إلى العمل.. إلى مكتبي، فقهقه مستغرباً:

    - أي مكتب؟ فالأميركيون عند نهاية الشارع.

    «هذا مستحيل - قلت لنفسي - أمس فقط كنت هنا، وكذلك الحكومة والجنود العراقيون...».

    لم أعد أفهم شيئاً في تلك الوضعية، وبدأت أفكر في داخلي أن لا شيء يمكن أن يفسر هذا التشتت والانهزام سوى الخيانة، ورجعت أدراجي نحو البيت.

    لم أكن أنا الوحيد الذي وقع في الحيرة والاضطراب، فقد روى لي أحد الشهود ليلة سقوط بغداد انه رأى وزير الدفاع سلطان هاشم - الذي كان رجلاً سييء الصيت على أعلى مستويات السلطة على الرغم من خبرته الكبيرة - وهو يبكي أمام تقدّم القوات الأميركية، فلم يجد بدّاً بعد محاولاته اليائسة من أن يتقهقر ويُذعن للخصم وهو يقول:

    - قُصيّ دمّر الجيش وعبد حمود دمر الدولة!

    لم نتلقَّ على الإطلاق أي أوامر بالتفرق. في اليوم التاسع من ابريل مكثت في بيت أخت زوجتي في حي زيتونة، الذي كان ملاذي مع الأسرة.

    في الصباح حاولت مرة أخرى أن ألتحق بالمكتب لكن دون جدوى، فقد ظللت مشدوداً إلى الإذاعات الأجنبية الناطقة بالعربية، البي بي سي أو إذاعة مونتي كارلو، التي ما لبثت أن أكدت سقوط النظام خلال عصر ذلك اليوم. وبذلك دقت ساعة فرار أهم القادة العراقيين.

    كان صدام يحتفظ بثلاثة سائقين لم يكن أيّ منهم يعرف الآخرين، كان أحدهم ينتمي لعشيرة الغزاوي وآخر لعشيرة الدليمي والثالث للعشيرة الرئاسية من التكريتيين. فقبل الحرب بقليل، كان الرئيس قد حصرهم في ثلاثة مواقع مختلفة من بغداد، وكان العديد من الحراس يراقبونهم، وظني أن صدّام قد لجأ إلى أحدهم حتى يفرّ من بغداد الواقعة لتوها في قبضة الأميركيين.

    كان استسلام المدينة يجري في أجواء غريبة، فما زلنا نذكر تفكيك تمثال الرئيس في ساحة الفردوس في قلب بغداد، لكن صور الحدث تعرضت للكثير من التلاعب.

    فهناك كان عدد الصحافيين الذين هلّلوا وصفقوا للحدث يفوق عدد العراقيين بكثير، وباستثناء الأحياء الشّيعية الفقيرة، التي تعرضت لقمع النظام في السابق، فلم تكن البهجة على موعد مع ذلك الحدث، على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من العراقيين كانت مسرورة بما كان يجري من أحداث.

    وبينما كانت مشاهد النهب تتضاعف عبر البلاد تحت أنظار الأميركيين اللاّمبالية، كانت مشاعر الخشية والفزع من تقلبات ما بعد صدّام قد بدأت تدب في النفوس.

    وفي عصر التاسع من ابريل، كان محمد الصحاف وزير الإعلام لا يزال في استوديوهات القناة التلفزيونية الفضائية العراقية، حين تلقى رسالة مكتوبة من طرف الرئيس. وقد قرأ مقطعاً قصيراً منها أمام الموظفين الباقين معه.

    - إن الرئيس سيزورنا بعد قليل.

    بعد ذلك بلحظات مرت ثلاث سيارات دون التوقف أمام الاستوديوهات، فقد كانت تنطلق نحو الشمال في اتجاه تكريت، وبذلك فهم الصحاف أن كل شيء قد انتهى فأطلق بدوره ساقيه للريح.

    وفي يوم السبت 12 ابريل مرّ الصحاف ثانية بالقرب من استوديوهات التلفزيون، التي كانت قد تحولت إلى أنقاض، وتوجه نحو بيت مقابل كان يأوي معهداً للتكوين السمعي البصري. وكان حارسه الخاص يراقب مدخل المكان عن كثب، كان الصحّاف يمسك بيده كمية من الأشرطة.

    وكان يبحث عن مهندس لتركيبها، فوجد هناك نجل ابن عمتي، مقدم البرامج الإذاعية باللغة الكردية، الذي قدّم له يد المساعدة. كان الأمر يتعلق بخطاب لصدام يقول فيه الرئيس «إنّ المعركة لم تنته...». في تلك الأثناء كانت سيارة «التويوتا 44»، التي جاء فيها محمد الصحاف قد فُككت وجُرّدت من كل مكوناتها.
    سنوات صدام ـ الحلقة الثالثة ـ من الذي غدر ببغداد؟

    صدام : سكان الجنوب أشجع من المقرّبين الذين خانوني

    على الرغم ممّا أصابني من دهشة للسرعة التي استولى بها الأميركيون على بغداد، فإني لا أجد بداً من الإقرار بأني قد ذهلت أيما ذهول، حين علمت بعد مرور ثلاثة أيام على سقوط النظام أن محمد الصحاف، وزير الإعلام، كان ولا يزال يسعى لإسماع صوت الرئيس العراقي. فقد اختبأ في بيته لبضعة أسابيع، رافضاً أي مقابلة حتى إذا كانت مدفوعة الأجر.

    وبعد ذلك استسلم للأميركيين، الذين ما لبثوا أن أطلقوا سراحه، فهو القائد العراقي الوحيد الذي عرف كيف يتخلص بلباقة من المأزق.

    بعد سقوط بغداد بأيام قليلة، ظهر صدام لأخر مرة في الأعظمية، حيث راح يُحيي من داخل سيارته بعض الناس، ومن بينهم امرأة عجوز تقدمت منه لكي تمدّ له سبحتها وهي تقول على ما يبدو: »حفظك الله!«. ثم تقدمت السيارة حتى منتصف الجسر حيث خرج صدام منها، ثم التفت نحو الأعظمية، وراح ينظر إليها في حركة أشبه بوداع لحي أعزّه وتعلق به كثيراً، ثم صعد في السيارة قبل أن يختفي عن الأنظار.

    في اليوم نفسه، كان صدّام قد سجل شريطاً أذاعته محطة الجزيرة أكد فيه: «إنّ أقرب الناس إليّ هم الذين وجهوا لي طعنة من الخلف»، لم يستعمل صدّام كلمة «خيانة» لكن وكأنه قالها بالفعل.

    وقبل فراره قيل لي إنه توقف عند أحد أصدقائه لبعض دقائق بالأعظمية وقال له وهو يضع يده على فخذه:

    ـ سكان الجنوب أشجع من المقربين إليّ الذين خانوني، فهؤلاء ليسوا أفضل من نعل حذائي.

    موجة الخيانات

    في الشهور التي سبقت الحرب، سعى الأميركيون للتقرب من رجال أعمال ومسؤولين عراقيين عن طريق الهاتف، وقد كانت الرسالة واضحة: «إن هزيمة العراق وشيكة فلماذا تظلون إلى جانب المهزومين؟ التحقوا بنا! فسوف تكسبون المال، وسوف تحتلون مناصب في العراق الحر الذي سوف نبنيه معاً».

    وقد زعم بعضهم أن الأميركيين قد نجحوا في إقناع الكثير منهم، وقد ذُكر اسم أحمد حسين رئيس الديوان. ويقال إن الأميركيين قد اتصلوا أيضاً بأكرم عطّا مدير مصلحة الديوان بالرئاسة بوساطة مراسل أجنبي، وأن هذا الأخير قد قال له بأن الحرب لا معنى منها، ونصحه بأن ينسحب من النظام، لكن أكرم عطّا رفض العرض، غير أنه مع ذلك لم يُطلع رجال الأمن بهذا الاتصال مع العدو، ربما بدافع الخوف من الانتقام.

    أما أنا فلا أحد سعى للالتقاء بي، لكن وزير الداخلية العراقية الجديد نوري بدران، الذي اختاره الأميركيون للتعاون معه ومع أعضاء آخرين من المعارضة، ما لبثوا أن صاروا صلة وصل ما بين وكالة الاستخبارات الأميركية وما بين ضباط عراقيين زوّدهم الوزير بهواتف نقالة متطورة، كان النظام قد حظر استعمالها تحت طائلة ملاحقات صارمة، فقد كانت هذه الهواتف مخصصة للقادة وحدهم، وكان قصي، مثلاً، قد جلب منها مئات عديدة من أحد البلدان المجاورة.

    أمام تضاعف هذا النوع من الاعترافات، صارت موجة الخيانات لا تثير أي شك اليوم. لقد صدرت الأوامر بعدم محاربة الأميركيين الزاحفين على بغداد، وأنا على يقين من كل ذلك. فحول محيط المطار، كانت قيادة إحدى الوحدات قد طلبت من رجالها أن تنتظر وصول المدد والعون، قبل أن تبدأ في استعمال الأسلحة.

    وفي غضون ذلك، كانت عشرات عديدة من المدرعات الأميركية تنقضّ على بغداد، بل وحتى في داخل الوحدات النخبوية فضل بعض الرجال الامتناع عن خوض المعركة، فقد قال لي أحدهم إن قائده قد منعه من تفجير الألغام المزروعة تحت الجسور.

    فقد أمره هذا القائد قائلاً:

    ـ ابق مكانك! واسحب رجالك!

    وفي شرق بغداد، كان جسر ديالى ممتلئاً بالعبوات الناسفة، لكن لم تنفجر منها أي واحدة!

    لكن من الذي غدر بصدام؟

    فحتى يحبط تقدم الأميركيين، تلقى اللواء ماهر سفيان التكريتي الأمر بإطلاق صواريخ على بغداد، حتى وإن خلّف ذلك خسائر في أرواح المدنيين العراقيين. كان قريب صدّام هذا قد عيّن العام 2002 قائداً لوحدة المرافقين أي حراس صدام، وهي الوظيفة التي حل محله فيها قبل الحرب ببضعة أشهر العميد حبيب.

    كان ماهر سفيان رجلاً من رجال الظل، على غرار كل قادة الرئيس، فقد اقتربت منه من حيث لا أدري العام 1998، كنت أنتظر سكرتير الرئيس الخاص في مكتب رئيس الديوان أحمد حسين، حين دخل رجل أشقر بزي مدني، وقد تبادلنا الحديث نحو خمس دقائق قبل أن يغادر المكتب. بعد خروجه أخذ عليّ أحد كتّاب الديوان عدم تقديمي المراعاة والتقدير اللائقين بمرتبته.

    كنت بالفعل أجهل هذا الرجل، الذي كنت أتحدث معه للتو. وحسب التقارير فإن ماهر سفيان قد تسلّم خمسة وعشرين مليون دولار مقابل الخيانة. وقد اعترف ضمنياً بهذه الاتهامات فيما بعد، فقد باح سره لبعض المقربين إليه قائلاً:

    ـ لم أرتكب أي خيانة، بل على العكس وفرت خسائر عراقية حين رفضت معركة غير متكافئة أمام الأميركيين.

    وثمة مؤشر آخر يؤكد الشكوك الدائرة حوله، وهو أن اسمه لم يرد ذكره في قائمة الشخصيات العراقية الخمسة والخمسين التي ألح الأميركيون في البحث عنها.

    وثمة أيضاً مسؤولون آخرون يشتبه في ارتكابهم للخيانة، ومنهم حبوش رئيس المصالح الاستخبارية، والذي لم نسمع عنه خبراً منذ بداية الحرب، والفريق حسين رشيد الأمين العام لقيادة القوات المسلحة ونجله علي الذي كان يعمل إلى جانب قصيّ. وقد ورد أيضاً ذكر صهر صدّام جمال مصطفى السلطان الذي كان مسؤولاً عن مكتب العشائر، والذي كان قد عُيّن العام 2002 مساعداً لعبد حمود. وقد استسلم جمال مصطفى للأميركيين في التاسع عشر من ابريل بعد مرور عشرة أيام فقط على سقوط بغداد.

    مترجم صدّام

    كنتُ وأنا طفلٌ أحلم بأن أكون طيّاراً حربيّاً، لكني صرتُ، حين كبرتُ، مترجماً خاصاً لصدّام، وما زلتُ حتى هذا اليوم أسائل نفسي، حين أنظر إلى الوراء، أيَّ معجزةٍ أوصلتني إلى ما وصلت؟ فلعله القدر أو إنْ شئتم «المكتوب» كما يسمّونه في الشرق الأوسط، ومع ذلك فقد بدأتْ الحياةُ بالنسبة لي على سوء تفاهم، في الأول من ابريل من عام 1945 في بغداد.

    في تلك الأثناء لم تكن إدارة الحالة المدنية منضبطة في كل الأحوال. وعلى الرغم من ذلك، فقد جاء تسجيل ميلادي في موعده على خلاف إخوتي وأخواتي جميعاً. في ذلك المساء كان عبدالمجيد، والدي، في أحد النوادي برفقة بعض الأصدقاء. وحين بلغه الخبر السعيد فرح له أيّما فرحٍ، ولمّا حاول أن يتوارى عن صحبه ليلتحق بوالدتي قهقه الصحب وقالوا:

    «إنها كذبة ابريل! لا تغادرنا!» فوالدي إذنْ لم يعلم بميلادي إلا في آخر ساعة في الليل، ولذلك فمثل هذا اليوم من ابريل لا يمكن أن يُنسى بأي حال!

    تَعُودُ أصولي الكردية بجذورها إلى السليمانية في شمال العراق، التي انحدرت منها سُلالات والدي ووالدتي. في بغداد كنا نتحدث الكردية داخل البيت، لكننا لم نكن نتحدث خارجه غير العربية، اللغة السائدة، فقد كنت أتحدث بكلتا اللغتين منذ الطفولة. وكان والدي يغضب أحياناً حين يراني أتبادل الحديث بالعربية مع إخوتي أو أصدقائي، فيردّد في سخطٍ وتذمّر: «علينا أن نحافظ على لغتنا!». لقد كان أبي متمسّكاً بتقاليدنا العائلية أيما تمسك، مولعاً بعاداتنا أيّما ولع.

    كان والدي، الموظف بالجمارك قليل الاهتمام بالسياسة. كان مكلّفاً بمطاردة المهربين الذين كانوا ينتشرون بكثرة في العراق، فقد كان هؤلاء المتاجرون يسربّون الكحول في اتجاه الكويت والعربية السعودية عن طريق قنوات سرية، أما مع إيران فكانوا يُقايضون الشاي بحمولات من الفول السوداني والفستق. كان هؤلاء المهرّبون ينعمون بهذه التجارة كثيراً، لأنّ حدود العراق مع جيرانه كانت من الاتساع والامتداد بما يجعلها لا تخضع لأي مراقبة، ولم يتغير هذا الوضعُ اليومَ كثيراً.

    وسوف أظل أذكر دوماً ذلك الهلع الذي أصابني ذات صباح حين اكتشفنا خنجراً مغروزاً على باب البيت، فقد كنا جميعاً تحت وقع الصدمة، كان ذلك العمل تهديداً سافراً ضد والدي، الذي كان قد أوقف للتو إحدى العصابات، لكنّ ذلك التهديد لم ينل من عناد والدي وإصراره على أن لا يستسلم للتهديد والابتزاز.

    في الخمسينات والستينات، كانت الحياة في بغداد تبدو مهتزة مرتجة. كان الجو العام فيها متحرّراً طليقاً. كنا نذهب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الأميركية، وكنت مولعاً بالأفلام التي يمثل فيها برت لانكستر، وكنت أقرأ الترجمة العربية لروايات موريس لوبلان وأهيم بمغامرات أرسين لوبين. وكنت أذهب مع العائلة إلى حفلات المطربة اللبنانية الكبيرة صباح.

    قبل العام 1968 كانت الحكومات الملكية أو الجمهورية قد فرضت قيماً حضرية على القرويين وسكان الأرياف القادمين للاستقرار في العاصمة. وقد كان النازحون الجدد يسعون إلى «التّبغدد» بالتخلي عن لهجتهم الريفية، حتى لا يبدو عليهم مظهر التخلف.

    ومع قدوم صدام وقومه من التكريتيين إلى السلطة، خلال السبعينات، انقلبت الظاهرة رأساً على عقب. فقد صارت الأرياف هي التي تفرض عاداتها ونمط حياتها على البغداديين. وهكذا صارت القيم العشائرية تقرض وتقضم شيئاً فشيئاً، الطابع الغربي لتلك الحياة التي أحببتُها كثيراً.

    كنت، منذ الطفولة، قد تعلمت الانجليزية بالمعهد الأميركي للّغات في بغداد. وعند نهاية دراستي الثانوية رغبت في أن أحقّق أحلامي في الالتحاق بالقوات الجوية، لكنّ والدي ما لبث أن رفض هذه الرغبة لما في هذه المهنة، حسب رأيه، من خطورة بالغة، ناهيك عن أن أبناء الطبقة البرجوازية لا يحق لهم أن يكونوا غير أطباء أو محامين أو مهندسين، ولذلك لجأ إلى حيلة من حيله الماكرة حتى أعدل عن تلك الفكرة، حيث قال لي:

    ـ إذا تنازلت عن فكرة انخراطك في الجيش، فسأدفع عنك تكاليف أربع سنوات دراسة في انجلترا لكي تصبح مهندساً.

    وعن طيب خاطر قبلتُ بالعرض، وقد تملكني الفضول في اكتشاف الغرب ولا سيما انجلترا، تلك القوة التي كانت تحتل العراق يوماً. وهكذا وجدت نفسي عام 1962 في ثانوية «بُولتون» في منطقة مانشستر. غير أنني سرعان ما أدركت أنني لا أملك أيّ موهبة في الرياضيات أو الهندسة أو الفيزياء، بل كنت مولعاً بالأدب الإنجليزي أيما ولع، فكنت أمضي الساعات في التهام شتى أنواع الروايات. وكنت أعلم أنني لن أصبح مهندساً بأي حال من الأحوال.

    وبعد مرور عام عدتُ إلى العراق لقضاء إجازات الصيف، وكان السفر بقطار الشرق السريع، الذي اشتهر في تلك الفترة حتى اسطنبول على الأقل، وقد استغرق السفر بعد هذه المدينة أربعة أيام، أدركتُ بعدها بغداد، التي وصلتها ذات يوم أحد، فوجدت والدي وقد أنهكه إعياءٌ ما لبث أن فارق على إثره الحياة في اليوم التالي، وكأنه آثر انتظاري حتى يلفظ ما بقي به من أنفاس، ولذلك لم أفكر في العودة إلى انجلترا لإنهاء الدراسة، واخترت الالتحاق بدائرة الآداب الانجليزية في جامعة بغداد.

    بدأتُ حياتي المهنية بعيداً عن ضفّتي دجلة، ففي الستينات كانت بلاد الخليج تستقطب الكفاءات من سائر البلدان العربية، فكان المصريون والفلسطينيون والعراقيون يذهبون إلى هذه البلدان ليساهموا في بنائها بعقولهم وسواعدهم. وقد أرسل العراقُ أفواجاً من المدرسين إلى السعودية، وكنت واحداً من هؤلاء، فحصلتُ على وظيفة أستاذ للإنجليزية في السعودية. ووجدتُني في دهيبة وهي منطقة نائية في شمال البلاد.

    كان يعيش في هذه القرية نحو خمسة آلاف من البدو تأويهم بيوتٌ بسيطة، قوامها الطوب والتراب المدكوك، وقد خلت من أسباب لين العيش، فلا ماء ولا كهرباء. إذ لا ثلاجات ولا تكييف، كان زادنا من الفواكه والخضر الطازجة يأتينا مرة أو مرتين في الشهر، تحمله إلينا إحدى الشاحنات المقبلة من العقبة، الميناء الأردني المجاور، وكانت هذه المؤونة تشحّ أحياناً، فأراني أمنّي النفس بشيء من الحليب الرايب ومن البندورة، ولو أتاني بها أحدٌ لأعطيته كامل الراتب.

    في قرية دهيبة كنت أحسنّي بعيداً، فقد كانت بغداد وحياتها المضطربة تبدوان بعيدتين نائيتين، فلم يكن بالمكان سوى مظهر واحد للحداثةٍ هو مبنى المدرسة الجديد الوهاج، الذي شيدته شركة إيطالية في وسط القرية.

    كان يزاملني بهذه المدرسة نحو عشرة من اللبنانيين والمصريين والفلسطينيين. أما إدارة هذه المدرسة فلم تكن تحق لغير سعودي، وكان الرجل يحترمني ويقدّرني كثيراً ولكنه كثيراً ما كان يقول لي في تذمرّ:

    ـ أنتم العراقيون أصحابُ كفاءة واقتدار ولكنكم عنيفون عصبيّون، وتغضبون لأتفه الأسباب!

    على مدى ثلاث سنوات ظللت أعيش حياة البساطة والتقشف، فكانت ساعاتُ لَهْوِي الوحيدة سهراتُ السّمر الطويلة التي كنتُ أقضيها على الشاطئ مع زملاء المدرسة. فتحت النجوم كنا نستذكر العالم ونتأمل غروب الشمس، ونحن نستمع إلى أم كلثوم على أمواج إذاعة «صوت العرب» التي كانت تبث من القاهرة. كانت تلك الفترة فترة انتصار الناصرية.

    كنت كل عام أسافر إلى العراق أنفق فيه ما كسبته في السعودية. وفي آخر صيفٍ رغبت قبل العودة إلى بلادي في زيارة القاهرة وبيروت. في العاصمة المصرية استأجرت غرفةً من رجل عجوز، وذات مساء اكتشفت أن كل مدخراتي قد اختفت، وكانت قناعتي أنّ صاحب البيت هو الذي جنى عليّ فرفعتُ شكواي إلى المحافظة التي أشفقت على الرجل، فلم تجد بدّاً من القول:

    ـ بالإمكان أن نعذّب صاحبك حتى يقرّ بفعلته، لكنه كما ترى طاعن في السنّ، وقد يموت بين أيدينا!

    فشعرت بالمرارة وعدتُ إلى بغداد مُفلساً، مُعدماً!

    تحديات لغوية

    لكن الحظ ما لبث أن ضحك لي، فقد بلغني أن وزارة الصناعة العراقية كانت تبحث عن مترجمين عن الإنجليزية. وما إن حصلتُ على الوظيفة حتى وجدتُني متآلفاً مع عالمٍ جديد، عالم الإدارة والإحصائيات، لكنّ كلَّ ذلك لم يُثبط وَلَعِي بالثقافات الأجنبية وتعلّم اللّغات.

    وهكذا شرعتُ، بمحض الصدفة المطلقة، في تعلّم الفرنسية: كنت في الواقع أرغب في تعميق لغتي العربية، لكن الدراسات في جامعة المستنصرية كانت تدوم أربع سنوات، بينما في المقابل لم تكن دروس الفرنسية تدوم أكثر من عامين. وهكذا، بقليل من الكسل وكثير من الفضول، انطلقت في تعلم لغة موليير.

    بعد عامين من الدراسة حصلتُ على الشهادة، فقد صارت فرنسيتي سليمة، غير أنني ظللتُ أعاني من نقص كثير في التحدث وفي الكتابة على السواء، فلم أجد بداً من الالتحاق بالمركز الثقافي الفرنسي، طلباً لمزيد من الدروس في المحادثة. وهنا أيضاً ربما كان قدري مكتوباً وحسن طالعي متألقاً، ففي هذا المركز الثقافي الفرنسي تعرفت على زوجتي نُهى. ولم يزدني اكتشاف الفرنسية إلا حماسة وإقبالاً.

    كان العام 1967 فترة ذهبية في العلاقات الفرنسية العراقية، فقد حصلت المؤسسات الفرنسية على عقود تلو العقود. وقد أبرمت وزارتا الصناعة في البلدين العديد من اتفاقيات التعاون، ارتبطت إحداهما بالمركز الوطني للإدارة الذي كنت انتقلت إليه. وبفضل شهر العسل هذا، حظيت بقضاء سنة كاملة في باريس بمعهد الإدارة العامة.

    لكنّ مفاجأتي كانت كبيرة حين أدركت أن الفرنسية، التي تعلّمتها في بغداد، بعيدة كل البعد عن فرنسية الباريسيين، فهي تكاد أن تكون لغة أخرى مختلفة. ولذلك رحت أعمل بلا انقطاع ولا تأنٍّ وأخزّن من المفردات اللغوية ما وسعني التخزين، لدرجة أنني أنهيت امتحانات معهد الإدارة العامة النهائية الأول على طلبة الشرق الأوسط، وهكذا هزمت تحدياً لغوياً ولم يكن ذلك سوى بداية.

    بعد مرور بضعة أشهر على عودتي إلى بغداد العام 1980 أعلن التلفزيون العراقي أن البلاد ستنظم بعد عامين في بغداد قمة للبلدان غير المنحازة. وحتى تُعِدَّ هذا الحدث، الذي كان صدّام حسين يُريد أن يصنع منه واجهةً، وجّهتْ وزارة الإعلام نداءً للشباب الذين يعرفون لغات عديدة أن يتقدموا بترشيحاتهم للحصول على وظائف كمترجمين ومترجمين فوريين، ومن يقع عليهم الاختيار يذهبون إلى الخارج لفترة اتقانٍ تدوم عامين في مدرسة للترجمة.

    ولم أدع هذه الفرصة تفلت منيّ، فقد كانت انجليزيتي أفضل من فرنسيتي، فتقدمت بملف ترشح لمعهدٍ للغات في انجلترا، لكن الذين ترشحوا لمعهد لندن كانوا ثلاثة آلاف، بينما لم يزد عدد المرشحين لمعهد باريس عن الخمسمئة، ولما كنت أملك قواعد جيدة في الفرنسية فقد رشحوني تلقائياً لامتحان أوّلي في هذه اللغة، وفي هذا الامتحان أُقصي نصف المرشحين في الحال.

    كان السلطات تُولي اهتماماً بالغاً لتنظيم هذه القمة الذي فُوّض أمرها لطه ياسين رمضان، أحد أعضاء قيادة الثورة، الجهاز الأعلى في العراق. ولذلك كان من غير الوارد على الإطلاق إرسال مرشحين من «المدعومين» أو من الكسلاء والطائشين. وبالفعل، لم يتم قبول سوى أفضل العناصر.

    ولهذا الغرض استقدمت وزارة الإعلام إلى بغداد أستاذين فرنسيين من المعهد العالي للترجمة الفورية والترجمة «إيزيت» لإجراء الفرز الأخير. وكانت السلطات العراقية تريد الاحتفاظ بعشرة طلاب، لكن حين وقع حكم اختصاصيي «إيزيت» لم يبق من المرشحين الذين يملكون المستوى المطلوب للدراسة في باريس سوى خمسة، وكنت من هؤلاء المحظوظين.

    كانت ظروف حياتنا في باريس ظروفاً غاية في اليسر. كنا نتقاضى عن كلّ شهر نحو سبعة آلاف فرنك فرنسي. وقد سكنت في بيت من ثلاث غرف في حي الدفاع «لاديفونس». وأكثر من ذلك فقد أمكنني شراء سيارة، فقد كانت حكومتنا تفي بالنفقات في الحال. في مجموعة العراقيين بمعهد «ايزيت» كان اندفاع البعض للمتع التي توفرها العاصمة الفرنسية كثيراً ما يطغى على أي حافز عندهم لتعلّم تقنيات الترجمة.

    أما أنا فقد كان الخوف من الفشل يستبدّ بي كالوسواس، فكنت مع زميلتي العراقية ميسون وطالب من تونس نُراجع الدروس معاً. وكنت بعد العودة إلى البيت مساءً أشاهد أفلام «نادي السينما» على التلفزيون، وكنت أترجم الحوارات لزوجتي التي لم تكن تعرف الفرنسية كثيراً، وكانت تلك وسيلة إضافية لي على طريق الإتقان.

    لم نكن، نحن المتدربين على نفقة حكومتنا، مضطرين لمتابعة فترة دراسية كاملة، فقد أعدت لنا إدارة المعهد برنامجاً خاصاً، لكن بعد مرور ستة أشهر، كنت وزميلتي ميسون قد قطعنا شوطاً من التقدم والنجاح، مما جعل الإدارة تقترح إدراجنا ضمن قائمة الدفعة الرسمية للمدرسة وإعداد الدبلوم. إنّ «إيزيت» مركز للتكوين الاصطفائي عالي المستوى، فالمدرسون فيه ليسوا منظرين بل محترفون للترجمة والترجمة الفورية.

    فقد كان أحد الكوميديين يعلّمنا تقنيات التنفس وكيفيات بث الصوت وتحسين الإلقاء واللعب على النبرات. وكنا نستعمل الفيديو أيضاً حتى نتدرب على رصد الأخطاء، ففي «إيزيت» تحديداً تعلّمت قواعد مهنتي، وقد أفادتني نصائح أساتذتي على مدى حياتي المهنية: ألاّ أذهب لأي حديث بدون ربطة عنق، وأن أتفادى شرب الكحول حتى ولو من أجل التخلص من التعب العصبي المرتبط بالتركيز المكثف، وألا أدخّن كثيراً، وأن أقرأ الصحف يومياً حتى لا أنقطع عن الأحداث... إلخ.

    وقد حصلت على الدبلوم في يونيو 1982، وعند إعلان النتائج قال لي أحد أعضاء لجنة التحكيم، وهو مترجم في «الفاو»، منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة، دون مقدمات: أنت مترجم ممتاز، هل ترغب في العمل في روما لحسابنا؟ لقد أحضرتُ معي استمارة توظيف.

    كان اقتراحه مغرياً، لكن في واقع الأمر كان الواجب يعذبني: فلم يكن يسعني أن أتخلى عن بلادي التي مولّت دراساتي، وفي النهاية رفضت العرض في أدب، مخيّباً بذلك أمل زوجتي التي لم تغفر لي يوماً ذلك الرفض.

    وعند عودتي إلى بغداد، كانت مفاجأة سيئة في انتظاري، حيث اكتشفت أن قمة البلدان غير المنحازة التي كنت أعدّ لها نفسي منذ عامين لن تعقد في العاصمة العراقية ولكن في نيودلهي بالهند! فالحرب ما بين العراق وإيران جعلت هذا اللقاء مستحيلاً، وشعرت بالخيبة والإحباط، لكنني وجدت عزائي في المهنة التي منحتها لي السنتان اللتان قضيتهما في فرنسا.

    تحت رئاسة ناجي صبري

    لكن فرصة القفز من جديد لم تطل كثيراً، فقد عينت رئيساً لدائرة الترجمة لندوات دار المأمون. فدار النشر هذه، التابعة لوزارة الإعلام والثقافة، مختصة في منشورات خطب الرئيس صدام حسين، فقد كانت تصدر صحيفة بالإنجليزية «بجداد أوبزرفر» وكذلك نشرة «بجداد» وهي مجلة شهرية بالفرنسية. في تلك الفترة كان مديري يُدعى ناجي صبري، وقد صار وزيراً للشؤون الخارجية العام 2001.

    وما إن تسلمت الوظيفة حتى اقترحت عليه بأن «يُعرّق» قطاع الترجمة، فقد كان العديد من مترجمينا لبنانيين أو مصريين لقاء مكافآت كبيرة. ولذلك فإن إحلال عراقيين كان الكثيرون منهم عائدين مثلي لتوهم من تكوين في أوروبا، مكانهم كان سيكلفنا مبالغ أقل، وقد اقترحت أيضاً أن يُوزَّع نصف المال الذي نجنيه من الندوات على المترجمين من أجل تحفيزهم. وبدون تردّد قبل ناجي صبري هذا «التوطين». هذه السنوات التي قضيتها في دار المأمون كانت سنوات من الحرية الحقيقية. فقد كنت مُولعاً بعملي أيما ولعٍ، وقد تردّدت مرات عديدة على فيينا ونيقوسيا والبحرين، مترجماً للندوات التي كانت تنظمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد عملت أيضاً بشكل منتظم لحساب وكالات متخصصة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة مثل «الأونروا» وكذلك «الفاو».

    ثم ذات يوم من أيام 1987 دعاني ناجي صبري إلى مكتبه. ولن أنسى تلك اللحظات على الإطلاق، فقد أعلن لي قائلاً:

    ـ سمّان، ستعيّن مترجماً رسمياً لدى الرئيس.

    وأحسستني في السماء السابعة وكأن عناية الله قد أحاطت بي. في الظاهر، كان مترجم صدّام خليل الخوري، وهو لاجئ سياسي سوري يعاني من بعض المشكلات الشخصية، فكان لابد من استبداله، وقد أضاف ناجي صبري قائلاً:

    ـ لقد اخترتك ليس فقط لأنّ فرنسيتك ممتازة، ولكن أيضاً لأن الشخص الذي سيعمل لحساب الرئيس ينبغي أن يكون مهذباً مثقفاً. فمترجم الرئيس سيحضر في الولائم الرسمية، وهذا الرجل سوف يكون أنت، هيا اركب! إن الوزير في انتظارنا.

    كان لطيف نصيف جاسم، الذي كان يحظى بتقدير صدام حسين، يشغل منصب وزير الإعلام والثقافة، وما إن جلستُ بجانبه حتى سألني هذا السؤال المربك:

    ـ ماذا كانت نتائجك في الجامعة؟

    إلى الحد الذي جعلني لا أستوعب معنى هذا السؤال:

    ـ آسف، سيدي الوزير، أي جامعة تقصدون؟

    ـ لقد درست الترجمة، أليس كذلك، فهل كنت تلميذاً نجيباً؟

    ـ أجل سيدي الوزير، لقد حصلت على 16 من 20 بدبلوم «الإيزيت».

    ـ جيد، جيد، شكراً، إلى اللقاء.

    ذلك هو الحديث الذي اضطرني إليه وزير الإعلام والثقافة.

    في الأسابيع الأولى اعتقدت أنهم سيطلبونني أو أن مصالح الرئاسة ستستدعيني لكي تستجوبني، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث على مدى شهور عديدة، فلم أتلق مكالمة هاتفية واحدة. وقد بدأ هذا الصمت يشغل بالي، ووضعت ذلك على حساب تدهور الأوضاع في العراق. كانت الحرب ضد ايران قد استنفدت موارد البلاد، فقد كان الآلاف من الشباب يذهبون إلى ساحات المعارك. وحتى يكثف تعبئة المجتمع أنشأ النظام الجيش الشعبي، فقد صار كل الناس، من شباب ودون الشباب، يُستدعون لقضاء أربعة إلى ستة أشهر في هذا الجيش.

    وقد شاركت أنا نفسي في هذه الخدمة، حيث أرسلوني إلى منطقة زاخو الواقعة في الشمال على الحدود التركية. وفي خلال إجازة مدتها أسبوع واحد في بغداد، انتهزت الفرصة لزيارة أصدقائي وزملائي بالوزارة، وبعد أن غادرتهم صعدت إلى مكتب ناجي صبري لألقي التحية عليه. وما أن رآني حتى رشقني بالسؤال:

    ـ هل تسلمت الرسالة؟

    ـ لا، ما الأمر؟

    ـ ولكننا في انتظارك منذ أسبوع، فالرئاسة في حاجة إلى خدماتك!

    وعلى الفور استقبلني لطيف ناصيف جاسم، حيث سألني:

    ـ هل أنهيت خدمتك في الجيش الشعبي!

    وشرحت له أنني كنت في إجازة، وبأنني سأعود إلى الجبهة في صباح اليوم التالي.

    ـ هذا غير وارد، ستبقى هنا!

    ثم طلب سكرتيره وأملى عليه رسالة موجهة إلى قيادة الجيش الشعبي: «نحن في حاجة إلى سمّان عبدالمجيد، ولذلك يجب أن يُعفى من الخدمة العسكرية الإجبارية».

    وأخذت الرسالة وتوجهت بها إلى قيادتي في الجيش التي أنهت تجنيدي. وبعد يومين عدت أدراجي إلى بغداد، حيث وجدت رسالة كان لطيف ناصيف جاسم قد تركها لي. كان علي أن أظل على أهبة الاستعداد، وأن انتظر الاتصال في أي لحظة.
    سنوات صدام ـ الحلقة الرابعة

    هوس مطلق بالأمن والسلامة، أمن صدام عالم مغلق يقوم على التدقيق والمراقبة المستمرين

    خلال خمسة عشر عاماً لم أدخل مكتب صدام حسين سوى مرة واحدة. كان ذلك العام 1987 أثناء مهمتي الأولى بمناسبة الزيارة الرسمية للرئيس التشادي حسن صبري. لقد أدهشني الديكور المفرط في بساطته، حيث لا تلفزيون وقليل من الملفات المعلقة، فهل كان صدّام لا يدخل هذا المكتب إلا للعمل ليس إلا؟ لقد كان هذا المكتب أكثر ازدحاماً من مكتب عبد حمود سكرتيره الخاص، لكن نشاط صدّام ظل دوماً سرّاً خفياً.

    ففي التسعينات كانت الصحافة العالمية قد تحدثت عن إصابته بأحد السرطانات لكننا لم نلحظ أي خلل في جدول زمنه، بل ولقد ضحكنا كثيراً حين أعلنت إذاعة «البي بي سي» عام 2000 أنه كان على مشارف الموت. فليلة هذا الإعلان، كنا قد رأيناه في كامل صحته! غير أنني، بالنظر للسرية التي كانت تحيط به، لا يسعني الجزم بأنه لم يكن مريضاً، لكننا لم نلمس فيه أي عرض من أعراض المرض.

    في الحقيقة كان الرئيس يتمتع بطاقة كبيرة في العمل. فقد كان يسهر لساعات متأخرة من الليل، ففي كثير من الأحيان كان موظف الدوام في المكتب الصحافي يدعوني للالتحاق بالمكتب في حدود الساعة الحادية عشرة ليلاً لمراجعة البريد. وكان البريد بعد أن نرسله إلى الديوان يعود إلينا في حدود الساعة الواحدة أو الثانية صباحاً، مع التصحيحات الخطية لصدام ومرفقة بعبارة: «يرسل إلى المرسل إليه» وفي حالات الاستعجال كانت هذه الرحلة المكوكية بيننا وبين الرئيس تستمر لساعات جد متأخرة من الليل.

    حدث ذلك مثلاً في خريف عام 2002 عندما أرسل صدّام حسين رسالة إلى قادة الدول العربية موضحاً لهم موقفه إزاء مشروعات الغزو الأميركية. فقد شرح لهم أن العراق كان قد قبل للتو بعودة مفتشي في نزع الأسلحة التابعين لمنظمة الأمم المتحدة، وقد واصل الأميركيون على الرغم من ذلك تهديداتهم. ولذلك فقد دعت تلك الرسالة البلدان العربية إلى مساندة بغداد، ملتمسة منها ممارسة الضغط على الأميركيين لتفادي العدوان الذي أراده جورج بوش ضد العراق.

    وصلتنا الرسالة الخطية وعليها ملاحظة 0«عاجل»، وقد عادت إليه مطبوعة بعد ساعتين، ثم عادت إلينا ثانية في حدود الساعة الثامنة مساء مرفقة بإضافات عديدة. فقد كان صدام متعوداً على مراجعة نصوصه وخطبه مراجعة مستفيضة. وقد أرسلنا إليه الرسالة بعد التعديلات الجديدة في حدود الساعة العاشرة ليلاً، حملها إليه أحد حراسه الذي كان ينتظر في المكتب.

    وأمكنني في الأخير أن أعود إلى البيت في حدود منتصف الليل، لكني فوجئت بمكالمة ما لبثت أن دعتني للعودة إلى القصر، وحين وصلت وجدت علي عبدالله غارقاً في العمل يُرافقه ناسخان، فقد أدخل الرئيس تعديلاته النهائية على النص، مع الأمر بإرسال البريد بعد تصويره بأسرع ما يمكن، إلى الأعضاء الثمانية عشر في القيادة الإقليمية للبعث، وقد كان صدام ينتظر تعليقاتهم عليها قبل منتصف اليوم التالي.

    لقد عملنا في تلك الليلة حتى الفجر. وقد جاءت الردود على تلك الرسالة عند منتصف النهار بالضبط، وقد تأخر ردّان أو ثلاثة عن تلبية النداء، لأن المرسل اليهم كانوا خارج بغداد، لكنّ صدّام لم يكلف نفسه البحث عن اسباب تغيبهم، وقد أرسل إلينا نسخته النهائية في حدود الساعة الخامسة عصراً، طالباً منا إرسالها إلى قادة الدول العربية ونشرها وترجمتها إلى الانجليزية - مع ظهور الانترنت صرنا ندرج على موقع الديوان مجموع خطب الرئيس ورسائله بالعربية والانجليزية معاً - اجمالاً استمرت الرحلة المكوكية بيننا وبين الرئيس أكثر قليلاً من أربع وعشرين ساعة.

    ملاحظات نقدية للرئيس

    كان صدام دكتاتوراً، لكنه كما يثبته هذا المثال، لم يكن يتخذ قراراته بمفرده. لقد جهل الكثيرون هذا الجانب من ممارسته للسلطة. فلم يكن يحرّر أي خطاب مهم من دون عرض محتواه على أعضاء القيادة. فعلى هذا النحو، في خمس مناسبات أو ست - كما حدث يوم 6 يناير، يوم ذكرى انشاء الجيش أو 16 يوليو يوم الاحتفال بذكرى الثورة البعثية - كان صدام يرسل إليهم النسخة النهائية من الخطاب، لكن أغلبية الأعضاء كانوا لا يخاطرون بأي تعليق، فيكتفون بإجابات تمدح وتثني على الصيغ «المستنيرة» و«الرائعة» للخطب، التي، في رأيهم، ستظل خالدة في تاريخ العراق.

    كان طارق عزيز وهُدى عمّاش، المرأة الوحيدة التي تقلدت مقاليد القيادة القطرية للبعث العام 2001، الوحيدين القادرين على إبداء ملاحظاتهما النقدية، فقد كان عزيز، في غالب الأحيان، يضيف ملاحظات فنية حول السياسة الخارجية. ففي العام 2001 مثلاً وبينما كان الرئيس ينتقد البلدان الأوروبية المنحازة للولايات المتحدة.

    أضاف طارق عزيز على هامش النص «إنني اقترح عليكم أن لا تذكروا فرنسا لأننا نعمل في الوقت الحالي على بعث الدفء في علاقاتنا مع باريس». وقد أخذ صدّام بهذه الملاحظات في خطابه واستثنى فرنسا من ذلك النقد، أما ملاحظات هُدى عمّاش، على العكس، فقد كانت أكثر جرأة بل وتلامس أحياناً حدود الوقاحة، فقد كانت ترسل إليه احياناً ثلاث أو أربع صفحات من النقد.

    فقد حرّرت ذات مرة ملاحظاتها على خطاب لصدام ادّعى فيه أن العراق كان قبل وصول البعث إلى الحكم عام 1968 بلداً من الصعاليك، فالعراق الحديث في رأيه قد ولد مع البعث. وعلى هذا الإدعاء ردّت هُدى عمّاش بالقول بأن ذلك قد يسيء إلى بعض الأشخاص ويجرحهم، وقالت للرئيس: «إنني اقترح عليكم إلغاء هذا المقطع من خطابكم»، لقد قالت ذلك بصراحة نادرة، لكن مع الأسف - لأنها كانت محقة فيما قالت - لم يأخذ صدام باقتراحها.

    وبشكل عام كان صدّام يأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المرتبطة بالعلاقات الخارجية وليس المرتبطة منها بوضعيتنا الداخلية. لكن لماذا كانت هدى عماش تجرؤ على تحديه؟ فحتى وإن كانت حديثة العهد بإدارة الحزب، فلم تكن تجهل المخاطر التي كانت معرضة لها، والتي قد تصل إلى حدّ الفصل. فهذه المرأة التي كان والدها وزيراً سابقاً للدفاع، كانت ببساطة امرأة شجاعة ليس إلا.

    لقد كان صدّام يردّد، في كل اجتماع، على أعضاء القيادة وعلى الوزراء، بأنه حريص على معرفة آرائهم حول هذا الموضوع أو ذاك، أو هذا القرار أو ذاك، لكنّ محدثيه لم يكونوا يوجّهون إليه سوى المدح والثناء والإطراء، فقد كانوا يخشونه ويخافون من عواقب غضبه، على الرغم من أنهم كثيراً ما كانوا يفرطون في وصف غضب الرئيس. وممّا لا شك فيه أنّ مناخ الرعب الداخلي، الذي صنعه صدّام وأشاعة، ما لبث أن خدم مصالحه، فلم يعد في النهاية محاطاً إلاّ بالممالقين المداهنين، وهو ما أساء إلى مسيرة البلاد أيما إساءة.

    لا أحد كان يعرف متى يأخذ صدام إجازاته، لكننا كنا نلاحظ أنّ نشاطه كان يقل في بعض الفترات، وكنت أشير بذلك إلى صديقي علي عبدالله. فقد كان صدام يذهب إلى صيد السمك، وكان ذلك من هواياته المفضلة، أو إلى صيد الخنزير البري والغزال. وقد كان يستورد الحيوانات من الخارج ليتم إطلاقها في مزارع شاسعة بالقرب من تكريت. وكان يحبّ الإحساس بالخطر وما فيه من إثارة. فعند عودتي ذات يوم من مهمة تفتيشية على أحد القصور قال لي عبد حمود الذي كان يقوم ببعض المناورات الخطيرة على متن المروحية التي كان يقودها.. مبتسماً:

    - آه لو كنت إلى جانب الرئيس عندما كنا نخرج للصيد بالمروحية! لم نكن مطمئنين على أي حال!

    هوس بالأمن

    كان صدّام مهووساً بأمنه وسلامته، فلم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منه إلا لقلة قليلة من الناس. ولم يستقبل يوماً أيّاً من ضيوفه من دون مرافقة أحد حرّاسه، يسانده حارسان شرسان آخران أو ثلاثة على أهبة الاستعداد قريباً من صدّام. ومن باب الحيطة كان عبد حمود، الذي كان حارسه الخاص لفترة طويلة، يحمل السلاح هو الآخر، ونادراً ما كان الرئيس يستغني عن سلاحه، وهو عبارة عن مسدّس من نوع «براونينغ» 9 ملليمتر. ففي عشيرته كان الآباء يدرّبون أطفالهم على الرماية منذ الصغر.

    وفي عامة الثاني عشر، كان مولود قصي الأول، مصطفى الذي قُتل في الهجوم الذي شنه الأميركيون على البيت الذي كان يختبئ فيه مع أخيه الأكبر، كان مولود قصي هذا يتقن استعمال بندقية الصيد.

    كان حراس صدّام يمثلون جزءاً من وحدة المرافقين. وقد كان هناك نحو عشرين منهم، وكلهم من أقارب صدّام المباشرين، وكانوا يشكلون النواة الصلبة في هذه الوحدة، وكنا ندعوهم ب«الخط الأول». فقد كان يقودهم اللواء ماهر سفيان التكريتي المتهم بالخيانة. والحال أن هذا الأخير قد خلفه العقيد حبيب في شهر ديسمبر 2002، أي قبل الحرب بأربعة أشهر فقط، فلعل صدّام، الذي كان يحذر الجميع، لم يطمئن لهذا الشخص.

    كان الأمن هو المصلحة الأكثر أداءً وكفاءةً في الديوان، فقد كان يُشكّل كياناً قائماً بذاته، تابعاً مباشرةً لأمن الرئيس، الذي كان يقوده قُصي بمساعدة عبد حمود. فقد كان الأمن عالماً مُغلقاً، وقد كان يقوم بعملية التدقيق والمراقبة قبل توظيف أي موظف جديد بالرئاسة، ولقد سبق وأن قلت إن الأمن كان يضع واحداً من عناصره في كل مكتب من المكاتب، إذ كان يعمل في أماكن محاطة بكامل السرية، فلا أحد كان يعرف دواليب سيره.

    وقد كان الأفضل على أي حال ألاّ يعرف أحد عن سيره شيئاً، غير أنني ما لبثت أن أدركت أنّ إحدى البنايات المجاورة لبنايتنا كانت تأوي نشاطاته. فقد كان مجهزاً عند المدخل بنظام من الأشعة تحت الحمراء، تطلق إنذاراً كلما اجتاز أحدهم الممرّ المؤمَّن. وقد كان أعضاء الأمن الخاص لا يقبلون بأي زيارة، وكانوا يتكتمون على أسرار وخفايا أعدائهم وتنقلاتهم.

    وخلال ثلاثة عشر عاماً من الوجود في القصر، أمكنني مع ذلك أن ألتقي بالعديد من أعضاء الأمن الخاص بصدّام. وقد كانوا قساة في تصرفاتهم، وينفّذون الأوامر بالدّقة وبالحرف. وقد حدث في عام 2002 أن جاء أحد الحراس ليسلّم في حدود الواحدة صباحاً رسالة رئاسية لسكرتير الصحافة.

    في تلك الساعة كان علي عبدالله قد عاد إلى بيته وقد ناب عنه أحد الموظفين، وقد تضمنت تلك الرسالة خطاباً للرئيس ولم يكن هذا الخطاب في حاجة إلى تصحيح، وقد اقترح موظف الإنابة أن يوقع وثيقة استلام إثباتاً لوصول الرسالة، لكنّ الحارس رفض ذلك قائلاً:

    - لقد أُبلغت بتسليم الرسالة إلى السكرتير الصحافي شخصياً، ولن اغادر المكان قبل أن أسلّمه الرسالة.

    وردّ عليه المناوب قائلاً:

    - لقد تعودت الإنابة عنه عند غيابه.

    لكنّ الحارس ظل مصمّماً على رأيه، ممّا اضطر علي عبدالله إلى العودة إلى المكتب في تلك الساعة المتأخرة من الليل ليستلم تلك الرسالة العادية جدّاً. ولذا كان لأمن الرئاسة الكلمة الأخيرة في كل شيء. والحال أن الارتجال كان سارياً حتى في داخل الأمن. فقد كانت «الواسطة» متفشية في هذا الجهاز وربما أكثر ممّا كانت متفشية في مكان آخر، لا سيما وأن معظم أعضاء هذا الجهاز ينتمون لعشيرة الرئيس، أي التكريتيين.

    لقد ذكرت لكم كم كان من السهل عليّ أن أدخل قنبلة إلى الديوان، لكنّ ذلك لم يكن سهلاً عليّ أنا وحدي لأنني كنت معروفاً، فالخادمات كنّ هنّ أيضاً لا يخضعن للتفتيش - في النهاية - فقد كان الحراس، بعد قدومهن بأسبوع واحدٍ، يكتفون بالتأكد من هوياتهنّ من غير تفتيش. وحتى يخلص من الروتين أعدّ الأمن فترات من الاستنفار كل ثلاثة أشهر تقريباً، ففي هذه الأوقات كان يكثّف إجراءات التفتيش الصارمة، لكن ذلك لم يكن إلا مؤقتاً.

    قبل وصوله على رأس البلاد بقليل، اتخذ صدّام إجراءات جد صارمة، فلم يعد لقاؤه بالجماهير أمراً وارداً على الإطلاق. فأثناء الحرب ضد إيران، ما بين عامي 1982 و1983، بدأ رجال حزب الدعوة ينظمون عملياتهم العسكرية الأولى، فبينما كان يكفي صدّام من قبل أن يغطي رأسه بكوفية، حتى لا يتعرف عليه أحد، فقد قرّر الرئيس في الأخير أن يصرف النظر عن الالتحام بالجمهور.

    وقد عملت حرب الخليج العام 1991 والتهديدات الأميركية ضد شخصه على تعزيز «تحصّنه» الذي اتخذ أبعاداً لا يصدقها العقل، ففي منتصف التسعينات قدم إلى بغداد فريق من مجلة «نيوزويك» ليصوّر الرئيس لغلاف المجلة، لكن مصالح الأمن رفضت للفريق ذلك التصوير رفضاً قاطعاً:

    - إننا نملك آلاف الصور تحت تصرفكم، اختاروا منها ما يناسبكم، ومصوركم لا يمكن أن يقترب من الرئيس.

    الرجل غير المرئي

    لقد كانت لمصالح الأمن بالتأكيد مبّرراتها في أن تكون حذرة متحرزة: ألم يعرض الأميركيون مكافأة مالية على كل من يلقي القبض على صدّام أو يقضي عليه؟

    ناهيك عن أنّ مواقع عديدة مؤمنة وخفية كانت دوماً على استعداد لإيواء الرئيس للإقامة أو للاجتماع. ففي العام 1995 وبعد مواقف صهريه اللذين كانا في الوقت نفسه من حراسه، تغيرت المواقع الرئاسية لأنها كانت معروفة من قبل «الخونة» أو بالأحرى الخائنين، اللذين كشفا عن مكان هذه المواقع للأميركيين أثناء استجوابهما في احد البلدان.

    وقد علمت شيئاً فشيئاً بالصدفة ان قاعة بالطابق الأول من بناية مجاورة لمكتبي قد أغلقت فجأة. وهكذا استخلصت أنني قد عملت لسنوات عديدة بجوار موقع رئاسي من حيث لا أدري، فلا شك أن مصالح الأمن قد هيأت مقرات رئاسية جديدة.

    وقد صار صدّام، منذ أن أصبح مطارداً من الأميركيين، أكثر حركية ممّا كان دوماً. فكان كلما أوقف أقاربه والمقربون منه غيّر للتو مخابئه، فهو متعوّد على ذلك، لكن الأمر صار أصعب بعد أن صار صدّام وحيداً.

    وعلى مرّ الأيام، صار الرئيس شيئاً فشيئاً رجلاً غير مرئي، ومع ذلك فقد حرص حتى النهاية على الالتقاء بالعراقيين، فالتقاليد تقضي بأن يظل التواصل مباشراً مع الشعب. فالرئيس يستقبل في مضيفه. وقد كان صدّام يقول بأن هذه اللقاءات لا غنى له عنها حتى يعرف ما يجول في أعماق عقول الناس ويطلع على حاجاتهم، فقد كان يعتبر نفسه كخليفة جديدة، فيتحدث عن التاريخ كثيراً، مركزاً على قرون أوروبا الغارقة في الظلمات، في الوقت الذي كانت فيه بغداد في أوج مجدها وعظمتها.

    يومياً، ولغاية شهر يناير 2003، كان صدّام يستقبل ممثلين عن جميع شرائح المجتمع بمعدل ستين شخصاً كل يوم. كان اللقاء يبدأ في السادسة صباحاً وينتهي عند الثامنة. كان ضيوفه يدخلون إليه في جماعات من أربعة أشخاص فيتحاور كل واحد معه لبعض اللحظات، وعند خروج هذا الشخص كان يُسلَّم له ظرفاً به مبلغ من المال.

    في بداية رئاسته، كان الناس يلتقون به بحرية ليطلبوا منه خدمة أو مساعدة، ثم بعد ذلك صارت طلبات الاستقبال تُرسل إلى مكتب خاص (مكتب المخابرات) لينظر في الملفات ويبت فيها. وهكذا صارت العملية أشبه باليانصيب: أنت تكتب و«إن شاء الله» يستقبلك الرئيس!

    فضلاً عن أن مدة المقابلة قد قُلّصت أيضاً. وأخيراً، وخلال الشهور الستة الأخيرة، كان صدّام قد أشار إلى أن الذين كان لهم الشرف بلقائه من قبل لا يحق لهم في أن يقابلوه من جديد، فقد كان البعض بالفعل يلتمسون مقابلته للمرة الثالثة أو الرابعة.

    لم تكن هذه المقابلات فرصة للتعبير عن الرأي حول النظام، فقد كان الضيوف يأتون طلباً لخدمة أو مساعدة، فقد جاء أحد الزملاء كان قد أقيل من منصبه في الثمانينات لمقابلة الرئيس ليطلب العودة إلى منصبه مقدّما يمين الولاء. وبعد أن أقرّ صدّام بأن الفصل كان تعسفاً في حقه أعادهُ إلى وظيفته.

    وكانت بعض الشكاوى مرفوضة رفضاً باتاً، وهي الشكاوى المتعلقة بطلب السكن في بغداد، فقد نصّ القانون على أنّ مَنْ لم يكن يقيم في العاصمة منذ العام 1977 لا حقّ له في امتلاك بيت أو شقة فيها. وقد كان الكثير من العراقيين يأتون لصدّام تجاوزاً للمحظور، لكن صدّام كان عنيداً لا يثنيه عن قراره أي استعطاف:

    - القانون هو القانون!

    وخلال الشهرين الأخيرين، اللذين سبقا الحرب، لم يستقبل صدّام سوى العسكريين بمعدل مئتين كل يوم. وكان هذا اللقاء فرصة لرفع معنويات الفرق ولاستعراض إعداداتهم العسكرية. وقد بدأ بالقيادات العليا ثم انتقل تدريجياً إلى ضباط المحافظات، كان يعطيهم الكلمة ويسألهم عن أوضاع وحداتهم والمشكلات التي تواجههم، لكنّ أصحاب الرتب العليا كانوا يحبذون اللغة الرسمية، فكان أكثرهم جرأة لا يطلب من الرئيس أكثر من بضع سيارات «البيكاب» الإضافية، وقد كانوا يرددون:

    - كل شيء على ما يرام.. والمعنويات عالية جداً.. ونحن على استعداد للمعركة!

    كان قُصي، الابن الأكبر للرئيس، يحضر كل هذه الاجتماعات مع احتفاظه بالصمت الكامل. وقد سرت إشاعةٌ مفادها أنّ قُصي كان يُعاني من مشاكل في التعبير والنطق، أما عُدي فلم يكن يُسمح له بحضور هذه اللقاءات إلا في حال حضور ميليشياته إلى الرئيس مع قائدها فاتح الراوي، وهو قائد سابق لأركان الحرب. وقد وقع بعد ذلك في أسر الأميركيين، أما جيش القدس فلم يحظ بلقاء الرئيس لضيق الوقت.

    هذه اللقاءات التي كانت تُبثّ على التلفزيون لم تكن تروق للعراقيين ولا تؤثر فيهم. فبينما كان صدّام يسأل أحد الضباط، كان هذا الأخير يجيبه بلهجة رسمية مفخّمة:

    - إنّ جنودي يشعرون بالحزن لذهابهم في إجازات؛ لأنهم في ديارهم لا ينعمون بالطعام الذي يتناولونه في الثكنة، ففي فَيْلَقِي يأكل الجميع كل يوم اللحم والخضار والفواكه بينما في بيوتهم لا يشبعون!

    آه لو يعلم الناس كم يجوع هؤلاء الجنود وهم لا يأكلون سوى القليل من الخبز والبصل! أكثر من ذلك أضاف هذا الضابط أن كل عسكري يحمل ملابس داخلية يوفرها له الجيش، والحقيقة أنّ الجنود العراقيين كانوا أشبه بالمتشردين!

    وكثيراً تساءلت ما الذي يدعو صدّام لهذه الكوميدما، هل كان الرئيس في حاجة إلى مثل هذه المجالس الدنيئة حتى يصون عظمته؟ هل كان ينخدع بهذه الأكاذيب الفظة؟ لم يكن صدّام يجهل شيئاً ممّا كان يحدث في بلاده، كان يدرك أنّ محدّثيه كانوا يكذبون عليه وبأن الجيش كان يدبّر المؤامرات ضده. كان خليقاً به خارج تصوير الكاميرات أن يأمر زوّاره بقول الحقيقة.

    لكنه لم يفعل ذلك قط، ولذلك لم يجرؤ أي ضابط على التعبير عن أي نقد






    سنوات صدام ـ الحلقة الخامسة

    عبد حمود.. ظل صدام، «أبو القلم» يشق طريقه إلى المرتبة الرابعة في قائمة المطلوبين


    كان عبد حمود، رجل الرئاسة الذي كنت على تواصل معه في غالب الأحيان، شخصاً يلفُّه غموض كثيف، فقد كان مكتب الصحافة تابعاً له، وكذلك فريق المترجمين. وقد كانت المذكرات التي نحرّرها تمرّ عن طريقه، قبل أن تصل إلى الرئيس. كان قريب صدّام هذا، البالغ من العمر أربعين عاما، والتكريتي الأصل مثله، رجله التابع المخلص الأمين. وكان عبد حمود إذا طلبنا في الهاتف لا نعرف إن كان يتحدث باسمه أو باسم صدّام، فقد كانت الثقة بينهما كاملة مطلقة.

    فقد عاشا معاً منذ ثلاثين عاماً. وكان الرئيس العراقي يُقدّر استقامته وكتمانه وحبّه للنظام. وكان عبد حمود يدعوه «سيدي» لما في هذه الكلمة في العربية من احترام وتوقير، وقد حرص على أن يحتفظ بعلاقات طيبة مع أعضاء الأسرة بما فيهم عُدَيْ.

    وقد روى لي مازن الزهاوي، مترجم الرئيس السابق عن الإنجليزية، الذي كان يعرف الرجلين حق المعرقة، أسباب إخلاص عبد حمود لصدام وتفانيه. فذات يوم، وهو في الخامسة عشرة تقريباً، لمح الشاب عبد حمود صدام بزي بدويٍّ، وهو يقود قارباً في نهر دجلة ليس بعيداً عن تكريت، فاقترب الصبي من الضفة وقال لقريبه:

    - سيدي نائب الرئيس.. إنني أرغب في خدمتك كحارس شخصي.

    - عليك أوّلاً بإنهاء دراستك، بعد ذلك ستجدني بانتظارك.

    وعمل عبد حمود بنصيحة صدّام، فالتحق بالمدرسة العسكرية في بغداد قبل أن يبدأ حياته المهنية بالرئاسة، كعضوٍ أوّلاً ثم كقائد لوحدة المرافقّين وسكرتير خاص للرئيس صدام.

    وكان الشائع عنه أنه كان يحمل شهادة في العلوم السياسية حول الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء العالم العربي، وأنه ناقش أطروحة دكتوراه خصّصها لتحرير جزيرة الفاو من قبل الجيوش العراقية أثناء الحرب على إيران. على أي حال تلك كانت الصورة الرسمية لمسار هذا الرجل، غير أنني أتساءل أمام جهله للّغات الاجنبية ورداءة لغته العربية، إن كان لهذا الإدعاء أساس من الصحة.

    الرجل الثاني

    كان عبد حمود، المتزوج من قريبة مهندسة، أباً لستة أطفال أعطى لذكورهم الأربعة أسماء الخلفاء الراشدين: عمر وعلي وعثمان وأبو بكر. وكان له إخوة كان أحدهم مديراً لفندق بابل، إحدى أكبر منشآت العاصمة العراقية في الجادرية ما بين ذراعي نهر دجلة.

    وكان يمتلك شقة بالقصر الجمهوري وقصراً صغيراً على ضفتي النهر - استولى عليه أحد الأحزاب الكردية بعد سقوط النظام - يقع إلى جانب قصر هالة، الابنة الصغرى لصدام، ليس بعيداً عن قصور قُصي وعُدي الباذخة. وكان يعشق الديكورات البراقة اللماعة من كورنيشات مغربية وحنفيات الحمامات الذهبية وصفائح من المرمر.

    لقد ظل هاوي رياضة الكاراتيه هذا في خدمة الرئاسة منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد طوّر حقاً وظيفة السكرتير الشخصي لرئيس الدولة. وقبل تعيينه عام 1991 كان يشغل هذا المنصب حامد حمادي وزير الثقافة حتى تاريخ قيام الحرب، الذي كان يدير على الخصوص بريد صدّام وأجندته.

    في الإجتماعات كان عبد حمود، على عكس سلفه، يقف دائماً خلف الرئيس وكأنه حارسه الرئيسي. كان يحمل مسدساً بشكل دائم حتى برفقة صدّام، وهو الامتياز الذي يتقاسمه مع قصي الذي كان يخفي مسدساً تحت سترته. وكثيراً ما كنت أقول لنفسي إنهما الوحيدان القادران على إبطال مفعول صدّام لفرط اقترابهما منه.

    في داخل الديوان كانت العلاقات الشخصية مع الرئيس أهم من العلاقات التي يحكمها السلّم الإداري. فمن وجهة نظر إدارية، كان عبد حمود يحتل مرتبة أدنى من رتبة أحمد حسين، لكن عملياً كان يمثل، إن صحّ القول، الرقم الثاني في النظام، وهو وصف في غير موضعه طالما لم يكن ثمة رقم ثانٍ حقاً.

    وقد كان هذا الوضع مصدراً لتنافس خفي ما بين الرجلين، لكنّ هذا التنافس لم يؤدّ قط إلى أي صراع مفتوح، لأنّ كلاً من الرجلين كان يدرك أن الرئيس لم يكن يحب التدخل في هذا النوع من الخلافات ما بين مرؤوسيه.

    كان عبد حمود مفتاح الوصول إلى الرئيس. فقد كان الوزراء يهابونه وعلى شبه استعداد لإطاعة أوامره. فالفريق عبد، أو الجنرال عبد، طالما أن تلك كانت رتبته في الجيش، لم يكن يتردّد في مخالفتهم الرأي، فبمناسبة احدى الزيارات لأحد القصور الرئاسية التي دعاني إليها عام 1998، لم يتردّد في توجيه إنذار لوزير البترول، الفريق عامر رشيد، الذي كان يريد أن يحلّ محلّي في ترجمة محادثاتنا مع مفتشي نزع السلاح التابعين للأمم المتحدة، ولم يذهب عبد حمود إلى هناك إلا ليكون عين صدام على ما يجري من محادثات.

    فصدام كان يعرف على هذا النحو أن المعلومات، كل المعلومات، ستعود إليه بشكل مباشر في فترة حاسمة من العلاقات ما بين العراق ومنظمة الأمم المتحدة. فقد كان الرئيس يحترس من رفاق الطريق الآخرين الذين لم يكن معظمهم من عشيرة التكريتيين.

    وفي أثناء زيارة أحد القصور الرئاسية، قال عبد حمود لشارل ديولفر، أحد المستشارين الرئيسيين في نزع السلاح في الأمم المتحدة:

    - انني بمثابة مستشار للأمن القومي لدى الرئيس العراقي.

    وفي المروحية التي كان يقودها ما بين تكريت والموصل شبّه عبد نفسه ب(زيغنيو بريجنسكي) المستشار السابق للأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، وقد أضاف قائلاً:

    - إذا كان لديك ما تريد قوله يمكنك مناقشته معي.

    كانت الرسالة واضحة: فقد كان الوسيط المباشر والوفي لصدّام. فشارل ديولفر، كما نعّرف، كان ينتمي لمصالح الاستخبارات الأميركية (سي. أي. إي)، لكنه رفض المساعدة التي عرضها عليه عبد حمود.

    وعلى مدى الوقت الذي استغرقه تفتيش القصور الرئاسية، ظل الفريق عبد حمود يبدو واثقاً بنفسه. هل كانت الأسلحة المحظورة مطموسة الأثر إلى الحدّ الذي تعذّر معه العثور عليها؟ أم إنه كان ببساطة يعرف أن العراق لا يملك تلك الأسلحة؟ على أي حالٍ كانت القضية بالنسبة إليه قضية مفروغاً منها، بل وكان يمزح مع ديولفر - فقد كان رجلاً مزّاحاً - أثناء فترات الاستراحة.

    - هل تعتقد حقاً أنكم ستعثرون على أسلحة محظورة بهذا الأسلوب، هل وجدتم أسلحة في القصور الأخرى؟

    لكنّ ديولفر كان يكتفي بالقول:

    - سوف نرى.

    لم يكن الحوار بينهما يذهب بعيداً إلاّ عندما يتحدثان في الرياضة.

    - إنني ألعب كرة المضرب! يقول عبد حمود متفاخراً، فيرد عليه ديولفر:

    - أما أنا فإنني ألعب الكاراتيه.

    - يا لها من فرصةٍ مناسبة؟ أنا مثلك لاعب كاراتيه جيد! هل تريد أن نبدأ المباراة في الحال؟

    وبينما كانا يحلّقان في أجواء العراق على متن المروحية، وبينما كان ديولفر يمدح قدراته في القيادة أجاب حمود:

    - ومع ذلك، فأنا لم أَقُدْ منذ العام 1990، لكن كنّ مطمئناً!

    كان عبد حمود يهتم بكل شيء، بشؤون الرئيس الشخصية، وباستبدال أجهزة الكمبيوتر القديمة، فكثيراً ما كان صدّام يقول:

    - راجعْ الأمر مع عبد حمود!

    «أبو القلم»

    كان عبد حمود يدوّن الأوامر التي يصدرها صدّام أثناء مقابلاته - منح التأشيرات، الهبات المالية... الخ. ومن هنا لقّب عبد ب«أبو القلم». وقد كان الرجلان يتحادثان بصراحة، فحين كنت أسمعهما وهما يتناقشان، كان حديثهما يجري هادئاً مرتخياً في معظم الأحيان، فكان من الواضح أنّ صدّام كان يهتم بآرائه.

    كان عبد حمود يعمل أربع عشرة ساعة في اليوم على الأقل، فقد كان حجم بريده هائلاً. وفي المساء كثيراً ما كان يحمل معه حقيبة مليئة بالملفات ليشتغل عليها في البيت. كان شاربه الكثيف، الذي يقطع وجهه، يمنحه مظهراً من القساوة والعبوس. لم يكن يحتمل أي خطأ من الأخطاء، فقد كان يغضب أيّما غضب لمجرد رسالة لم توضع في مكانها الصحيح. كان شديد الانضباط وحريصاً على أن يحذو معاونوه هذا الحذو، ولم يكن يتردّد في أن يفصل في الحال الكسلاء أو من ليس لهم كفاءة في إدارة العمل.

    وقد جعلته خبرته الماضية، كحارس سابق، مرهف الحسّ لأي خطر، فقد كان على أهبة الإستعداد لأن يموت من أجل رئيسه. يذكّرني هذا بالزيارة التي قام بها لبغداد حسن غوليد رئيس جيبوتي عام 1988، فعند وصوله دعاه صدّام للقيام بجولة في العاصمة. وقد ركب صدّام وضيفه السيارة على الرغم من البروتوكول الذي لم يكن يتوقع تلك المبادرة الرئاسية.

    كنت أجلس في المقعد الخلفي لمرسيدس صدّام إلى جانب عبد حمود، وما إن خرجنا من المسار المؤمَّن حتى أخرج مسدسه من حزامه، وظل إصبعه على الزناد، متوارياً وراء زجاج السيارة الملوّن أثناء تجوالنا في حي الكرادة. في تلك الفترة كان صدّام يسعه أن يتجول في العاصمة، ولكنه لم يكن ليجرؤ على مثل تلك الجولة بعد الحرب على الكويت.

    كان عبد حمود يدعوني بـ «الدكتور سمان»، وظني أنه كان يقدّرني أحسن التقدير. فقد كنت ألجأ إليه أحياناً لكي ألتمس مساعدته في تحسين أوضاعي المهنية اليومية، فهو الذي قبل بأن أعمل بنصف دوام على مدى ثلاثة أعوام ما بين 1994 و1997، حتى يتسنى لي متابعة الدراسة، فقد استأنفت دروسي سعياً لإنهاء الدكتوراه في علم اللغة والترجمة.

    كنت أحدث نفسي بأن عملي في الرئاسة قد لا يدوم إلى ما لا نهاية، ولذلك فمن الأفضل لي أن أُؤمِّن خلفياتي تحسباً للمستقبل، وقد كانت وظيفته كسكرتير شخصي للرئيس تسمح له بأن يعالج أكثر الأوضاع إرباكاً وتعقيداً. وفي يوم امتحاني الأخير تلقيت في حدود الساعة الثامنة صباحاً.

    وفي اللحظة التي كنت أتأهب لمغادرة البيت مكالمة من الرئاسة، فقد كان الرئيس في حاجة إلى مترجم. ومن حسن الحظ أنه كان مستعجلاً في ذلك اليوم، فلم يدم الانتظار قبل المقابلة طويلاً حيث انتهى كل شيء في حدود العاشرة والنصف، وما لبثت أن عدت للتو إلى عبد حمود وشرحت له الوضعية. قلت له:

    - لا يزال أمامي الوقت لاجراء الامتحان، لكن مبدئياً لا يُسمح بالتأخر عن الموعد، فردّ عليّ قائلاً:

    - لا تحمل همّاً، سنحلّ هذه المشكلة.

    واتصل أحد معاونينا بمركز الامتحانات لكي يخبر المسؤولين بأن غيابي كان بطلب من الرئيس شخصياً، وعند وصولي إلى الجامعة وجدتهم في انتظاري عند باب القاعة، وقد أمكنني أن أنهي الامتحان في حينه.

    رابع المطلوبين

    تُرى من كان يعرف عبد حمود في الخارج؟ فعلياً لا أحد كان يعرفه على الإطلاق، ومع ذلك فالأميركيون لم يخطئوا التقدير حول سعة سلطته وحجمها، فقد وضعوه في الرتبة الرابعة على قائمة الشخصيات الخمسة والخمسين المطلوبين على الخصوص بعد سقوط النظام، فقد كان عبد حمود ينسّق بالفعل مع قصيّ شؤون الأمن الخاص بصدام، فهما وحدهما اللذان كانا يعرفان على الدّوام كيف وأين يتصلان به.

    لقد ألقي عليه القبض في السابع عشر من يونيو 2003 بالقرب من تكريت، غير أنني أشك في أن يكون قد أذاع أسراراً مهمة. فعلى عكس ما كان ينتظره الأميركيون فلم يتح لهم القبض عليه القبض على صدّام، فقد كان يعرف أسرار النظام قبل الحرب وبعض مخابئ الرئيس الهارب، ولكنّ وفاءه لعشيرته حال دون إفشائه لأي سرّ.

    كان باقي رجال الرئاسة الرئيسيون يعملون إمّا في الظل وإمّا بعيداً عن عبد حمود، فقد كان أحمد حسين، الذي كان رئيساً للديوان منذ منتصف التسعينات، تحت إمرة الفريق، وكان صدّام يثمّن مواصفاته في التسيير، فقد كان لفترة طويلة وزيره للمالية.

    أما نحن الموظفون، فقد كان تقديرنا له أقل من ذلك بكثير، إذ كان أحمد حسين الآتي من بلدة قرب تكريت، رجلاً وسيماً معروفاً بصرامته وبتقشفه المالي، فقد كان يُدير الديوان كما يُدير عطارٌ حريص على مصالحه دكانه، وكثيراً ما كان يُعطل الطلبات من أجل تحسين سير هذا المكتب أو ذاك من المكاتب. وأكثر من ذلك، فحتى الزيادات في الأجور، على الرغم من اعتماد الرئيس لها، كانت تظل على مكتبه لأسابيع كاملة قبل دخولها حيّز التطبيق.

    مثال آخر: كانت سيارات مصلحتنا قديمة، لكن أحمد حسين كان يعترض مبدئياً على احلال سيارات جديدة محلها. كنا مع ذلك نعرف أن الرئاسة تمتلك مرآباً كبيراً مليئاً بالسيارات الجديدة التي دخلت العراق عن طريق التهريب. ففي قرار الأمم المتحدة المسمى ب»النفط مقابل الغذاء« لا شيء كان مرصوداً لمصالح صدّام، فهذه المصالح لم يكن حق لها الاستفادة من أي إيراد من مبيعات النفط العراقي لشراء تجهيزاتها.

    كانت الاستثمارات تذهب أولاً لوزارات الصحة والنقل والتربية، لكنّ صدّام كان يتدبّر أمره في الاحتيال على المحظورات، فغرف من مخزونات بيجو 406 وتويوتا والبيكاب المخصصة لوزارة التجارة. فنحن لدينا اذن ألوف السيارات الجديدة القابعة في الكاراجات، لكن أحمد حسين يرفض السماح لنا باستعمالها. فقبل الحرب كلّ هذه السيارات نقلت إلى مطار المثنى القديم في بغداد، ليس بعيداً عن المخابئ الأرضية التي أخفيت فيها بعض طائرات الجيش، وقد تعرضت هذه الطائرات للقصف واستحالت السيارات الجديدة إلى رماد.

    في الديوان كانت بعض النساء يرتدين ملابس على الطريقة الأوروبية. وقد طالب أحمد حسين بأن تقوم لجنة خاصة بتحديد الطول المسموح به للفساتين، فقيل له إنّ الأمر مستحيل، إذ لم يكن يُعقل أن يقيس أحدهم بالمسطرة كل صباح فساتين الموظفات في الديوان! فتراجع أحمد حسين عن فكرته، لكنه على الرغم من ذلك نشر مذكرة تدعو النساء إلى «ارتداء ملابس محتشمة». فلم يكن يرغب في إغاظة الرئيس في أي شيء من الأشياء ولا أن يثير أي ردّ فعل من قبله، فقد كان شديد الحذر.

    كان أحمد حسين يسكن في مجمع الوزراء بالقرب من حي المنصور، وهو مجمع مسوَّر يضم نحو مئة من البيوت الفاخرة للمسؤولين الكبار في العراق. وقد انتقل هذا المكان إلى ايدي أحد الأحزاب الكردية منذ سقوط بغداد. كان أحمد حسين رجلاً نظيف اليد، ولم يتعرض للأسر من قبل الأميركيين.

    رجال الرئاسة الأقوياء

    كان روكان الرزوقي رجلاً آخر من رجال الرئاسة الأقوياء، وكان يُدير بكثير من الرصانة والسرية مكتب العشائر الذي أنشأه صدام، الذي حرص على أن يكون قريباً من العشائر بعد هزيمة العام 1991. كان هذا المسؤول السابق عن وحدة المحاربين، وهم الحرس المقرب من الرئيس، يُنظّم لقاءات مستمرة مع رؤساء العشائر، وقد كان تعاونهم ضروريّاً للحفاظ على الأمن في البلاد.

    وكان روكان يُدير القضايا الحسّاسة التي يطرحها هؤلاء الشيوخ من ذوي الشهامة. وفي العراق الكثير من هؤلاء الشيوخ لكن لا تشهد أيّ وثيقة على صفتهم. لذلك كان لا بد من التدقيق في ملفات كل واحد منهم أو السهر على أن تكون كل مقابلة متلفزة لرئيس من رؤساء العشائر متبوعة في اليوم التالي بمقابلة أخرى.

    وكانت تلك فرصةً أيضاً لمكافأة أكثرهم وداعةً، ممّن يقبلون طواعية لعبة تقاسم السلطة مع نظامٍ كان في أمس الحاجة لاستعادة أنفاسه، فقد كان روكان نفسه سليل عشيرة صدام، لكن فرعه، وهو فرع الغفور، كان من فرع صهريه حسين وصدّام كامل. أما أخوه، وهو نقيب في الجيش، فقد قُتل في المواجهة التي جرت وفقاً للعادة البدوية بين الخائنين وبين عشيرتهم الأصلية.

    وبعد إصابته الدماغية التي عالجها في باريس، لم يتماثل روكان للشفاء تماثلاً كاملاً. وقد لجأ أثناء الحرب إلى الرّمادي، على بعد مسافة مئة كيلومتر شمالي بغداد عند صديق قوي وهو رجل أعمال من كوكبة صدّام، وكان ينزل بفندق «ريتر» في باريس حين كان يذهب إليها لإبرام العقود، ويقال إنه مات تحت القصف. وقد كانت نهايته صورة للمصير المأساوي الذي لقيه البعض من المقربين من صدّام.
    سنوات صدام ـ الحلقة السادسة

    بدأ الكتابة بدافع الملل، صدام يراجع مسودات روايته الأخيرة تحت القصف


    في مارس 2003 كانت الحرب في بداياتها الأولى. كانت بغداد غارقةً تحت القنابل. هل كان صدام يعد مخططات لهجوم مضاد مع جنرالاته؟ أم أنه كان ينظم دفاعات العاصمة مع ابنه قصي؟ في هذه الساعات المأساوية أرسل صدام مبعوثاً إلى المكتب الصحافي ليطلب مسودات روايته الأخيرة! كنت أعرف منذ زمن طويل أنه كان يؤلف كتباً، لأنني كنت مكلفاً بترجمتها إلى الإنجليزية وبإعادة قراءتها. لكنني لم أكن أتصور يوماً أنه سيعهد إلي بمثل هذا العمل في مثل هذه الظروف الحاسمة. ولا أخفي أنني حتى النهاية لم أفهم شيئاً من شخصية الرئيس العراقي.

    كان «عمله» الأخير، الذي ظل في شكله المخطوط، يحمل عنوان: «اخرجوا أيها الشياطين!». عنوان لا شك غريب يبرره صدام في إحدى المقدمات. قديماً كانت الأسرة في القرى العراقية إذا أصاب أحد أفرادها مرض استدعت معالج القرية لاستئصال المرض.. فيقوم هذا الرجل بربط ذلك المريض بالسرير ثم يشرع في ضربه وهو يصرخ:

    أخرجوا أيها الشياطين!

    الرواية الأخيرة

    كانت الرواية بالفعل شحنة شرسة ضد اليهود.. «الشياطين» كما يصفهم صدام، لقد تخيل قصةً تجري أحداثها في العراق في عهد نبي الله إبراهيم، وهي تصور أحد الأجداد ويدعى إبراهيم وأحفاده الثلاثة، زكريا وعيسى ويوسف، الذين يرمزون لرسل الديانات السماوية الثلاث موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام. فقد كان صدام يريد أن يقدم ترجمته الشخصية عن ميلاد البشرية.

    فزكريا الذي يحمل اسماً تقليدياً يمثل الشر بعينه، وقد ألبسه صدام بشكل كاريكاتوري ساخر كل العيوب والنقائص والآفات. فهذا الشخص، الذي كان لا يطاق منذ طفولته، كان متسماً ببخله الذي كان يسري في دمه، وكان يعشق تدبير المؤامرات. أما أخواه عيسى ويوسف فقد كانا، على العكس منه، كريمين، صادقين وشجاعين.

    في بداية الرواية يدعي زكريا أمام جده إبراهيم أن المال هو أهم وأثمن شيء في الحياة:

    - الأفضل أن تستثمر رأسمالك من أن تتعب نفسك في العمل والكد!

    صدم هذا الكلام إبراهيم، مثال الفضيلة، وبالمثل أثار غضب حفيديه الآخرين، فرد أحدهما على زكريا قائلاً:

    - لا! إن الأهم في الوجود هو الشرف والكرامة والأخلاق.

    وأخيراً، وبعد العديد من التطورات الطارئة، طرد إبراهيم زكريا من البيت العائلي وأقصاه من القبيلة. لكن قبل أن يغادر أعطاه إبراهيم حصته من الإرث. ومنذ ذلك الوقت صار زكريا مرابياً، وهكذا عاش من المال الذي كان يقرضه. وشيئاً فشيئاً صار غنياً، وانطلق في تجارة الأسلحة.

    ولم يعرف تعطشه للسلطة وللمال حداً من الحدود، فصار، بمكيافيليته، يستأجر الشباب لكي يحرض القبائل بعضها على البعض الآخر، فيبيعون لها السيوف والدروع. وهكذا صارت القبائل تتقاتل فيما بينها، وصار زكريا يكسب، ويراكم ويدخر الأرباح فوق الأرباح.

    في منتصف الرواية يدس صدام قصة عاطفية، حيث يقع زكريا، وبكثير من الوله، في حب فتاة موعودة لأحد أقاربه، فيحاول بشتى الوسائل أن يغزو قلبها. ويذهب في ذلك إلى حد محاولة اختطافها، لكن الجميلة تتمكن في الأخير من الإفلات من أنيابه الشرسة.

    وفي الأخير تنجو الأخلاق وينتصر الخير، ويسقط القناع عن زكريا، الذي يقتله رجال مستقيمون، بعد معركة حاسمة تجري أحداثها في سهول بلاد ما بين النهرين. وبذلك يخلص صدام، بعد هذه الأحداث الفوضوية، إلى أن العراق قد شهد فترة طويلة من الازدهار والنمو، لأن الشياطين قد هزموا شر هزيمة.

    ترى من أين جاءته كراهيته لليهود؟ إن صدام - كما ذكرت سلفاً - كان يولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية، التي كان يصفها في الدعاية الرسمية بالقضية المركزية. ومع ذلك، فقد كان الجميع يحرص في الخطابات العراقية الرسمية، مثلما هو الشأن في خطابات الدول العربية الأخرى، على التمييز بين «اليهودية» وبين «الصهيونية»، وبين «يهودي» و «إسرائيلي». ففي القرآن الكريم يمثل اليهود، على غرار المسيحيين تماماً، جزءاً من أهل الكتاب.

    والحال أن صدام في حدود العام 1999 قد اخترق هذه القاعدة عن قصد وسبق إصرار. ففي إحدى خطبه هاجم اليهود هجوماً مباشراً بصفتهم يهوداً: «... وأقول اليهود لأن اليهود أشرار.. ولا أقول الصهيونية فقط بصفتها حركة سياسية». هذه الأقوال لم تأت على أي حال من ارتجالات المنابر أو زلةً من زلات اللسان، فقد كان صدام يريد أن يصدم لكي يتحدى إسرائيل ويستفزها. لقد أراد أن يقول بهذه الكيفية: «لست أخاف من أحد وأنا أقول ما أفكر به!».

    لكن لنعد لروايات صدام. لقد كتب صدام مخطوطته الأولى في منتصف التسعينات. كان يرسل النص إلى مكتب الصحافة لطباعته بمعدل خمسين إلى ثمانين صفحة مكتوبة في كل مرة. كان خطه أنيقاً، وكانت طريقة نسخه تقوم على الخطوط الطويلة. كان السكرتير الصحافي علي عبدالله يصحح الأخطاء الإملائية والنحوية، وكان صدام يطلب منه أيضاً التحقق من المراجع التاريخية ومن التواريخ أيضاً.

    كثيراً ما كنت أسائل نفسي كيف كان صدام ينظم أموره، فقد كان ينهك نفسه في العمل، ولم يكن ينام إلا قليلاً. وفي الأشهر التي سبقت الحرب، وفي الوقت الذي كنا نتصور أنه غارق في قضايا الدولة، كان لا ينقطع عن إرسال عشرات الصفحات المكتوبة بخط يده لطباعتها وتصحيحها، وقد كنا نعيدها إليه في بضع ساعات، وكانت تعود إلينا في اليوم نفسه مصححة مدققة. وأكثر من ذلك، فقد كان يحدث أن يشتغل على العديد من النصوص في الوقت نفسه.

    في البداية، كنت أظن أن صدام كان يسعى لأن يجلب لنفسه مجداً آخر غير المجد السياسي، مجداً أدبياً. فلعله كان يريد أيضاً الهروب من ضغوط حياة السلطة اليومية وأن يترك بصمةً مكتوبة في التاريخ، وحين ترجمت رواياته أدركت أن صدام كان يعبر فيها عن ذاته تعبيراً كاملاً. كان يتناول الكثير من الأفكار ومن الموضوعات، ففي الظاهر لم يكن يقتنع بخطبه وبظهوره المتكرر في التلفزيون، فقد كان في حاجة لأن يتواصل بوسيلة أخرى أيضاً.

    دروس في التاريخ

    كانت الكتابة بالنسبة إليه فرصةً أيضاً لإعطاء العراقيين دروساً في التاريخ. ففي روايته «القلعة الحصينة»، وهو كتابه الثاني، تأتي البداية أشبه بدليل سياحي حقيقي. فقد جمع وثائق كثيرة حول المدن التي تنتصب على سهول نهر دجلة، وقد طلب فيما بعد من علي عبدالله استشارة المؤرخين وعلماء الآثار لإثراء هذه المخطوطة.

    تجري الحبكة بعد الحرب الإيرانية ـ العراقية مباشرة. وبطل القصة ويدعى «صباح»، وهو ضابط في الجيش العراقي، يقع في أسر الإيرانيين. وبعد أن يهدأ الصراع ينتسب «صباح» إلى كلية الحقوق بجامعة بغداد، وهناك يلتقي بالبطلة «شاترين» وهي فتاة كردية.

    في تلك الأثناء، كان على الطلبة أن يتلقوا تدريباً عسكرياً في الجيش. وفي الرواية يجري هذا التدريب في الموصل، المدينة الكبرى الواقعة شمال العراق. يذهب «صباح» بسيارته إلى التدريب ترافقه «شاترين» وأخوها محمود، وطالبة أخرى تدعى عايدة، وعلى الطريق من بغداد إلى الموصل، تصبح كل مدينة يمرون بها موضوعاً لوصف دقيق.

    وحين يصل إلى تكريت، مسقط رأس صدام، ينطلق الراوي في استطراد طويل على مدى خمس صفحات أو ست، فيروي أن المدينة كانت في البداية مسيحية قبل أن يفتحها المسلمون، ويذكر قصة القس «سطيح»، الذي بدلاً من أن يسلم ويعلن اسلامه، فضل أن يرمي نفسه من على حصانه في بحر دجلة من على جرف صخري.

    ونكتشف في الرواية أيضاً أن تكريت هي المدينة التي ولد فيها قائد الحرب الشهير الكردي الأصل صلاح الدين، الذي صد الصليبيين خارج حدود القدس عام ألف ومئة وسبعة وثمانين ميلادي. وقد كان صلاح الدين بطلاً عند صدام وعند المسلمين كافة أيضاً.

    وكان صدام يتناول في كثير من الأحيان موضوعات تهمه كثيراً، كموضوع ربط الحاضر بالماضي والاستفادة منه لبناء المستقبل. فقد كان يكتب هذه المقاطع على انفراد ويطلب من علي عبدالله أن يدرجها في المكان الذي يختاره هو بعد أن يعيد صياغتها في شكل حوارات. وقد كان هذا الاستطراد يأتي طويلاً أحياناً إلى الحد الذي يستدعي تقسيمه إلى أجزاء كثيرة وتوزيعه على شخصيتين أو ثلاث.

    كان هؤلاء الأشخاص يحاورون أنفسهم على مدى أربع أو خمس صفحات، وفي أسلوب ثقيل وغامض في كثير من الأحيان. لم تكن عربية صدام رديئةً ولكنه كان يكتب على عجل. فقد كان يضع أفكاره على الورق بلا ترتيب على نحو ما تتبادر إلى ذهنه. وحتى حين كان يعرض أفكاراً بسيطة كان يصيغها بأسلوب معقد وجمل حافلة بالأسماء الموصولة والضمائر الشخصية والنعوت من كل نوع.

    وكان يتوه في التلميح والتعريض وفي التفاصيل التي لا قيمة لها. ولذلك فقد كنت أجد صعوبة في ترجمتها إلى الإنجليزية، لأنني كنت مضطراً إلى تقطيعها إلى جمل لا نهاية لها. وكان القارئ لا يلبث بعد قراءة بضع صفحات أن يدرك أن صدام لم يكن كاتباً جيداً، فليس كل كاتب شبيهاً بنجيب محفوظ.

    حديقة صدام السرية

    لكن هذه الروايات كانت حديقة صدام السرية. فبواسطتها كان ينقل أفكاره إلى العراقيين حول كل الموضوعات وليس فقط السياسية منها. كان مثلاً يقدم نصائح للنجاح في الحياة الزوجية: «على الرجل أن يحترم زوجته وأن يفي بحاجاتها! وعلى المرأة من ناحيتها أن تكون مطيعة لسلطة زوجها، لأنه صاحب الكلمة الأخيرة ولأنه رب أسرة ومسؤول عن هذه الأسرة».

    وكان يناشد الآباء أيضاً العمل على تقوية شخصية أطفالهم بواسطة بعض الألعاب. ففي «زبيدة والملك»، روايته الأولى، يطرح صدام تأملاته حول السلطة ونمط الحكومة، فهو يقدر أن القادة يجب أن يكونوا قريبين من الشعب. ومن خلال «زبيدة»، وهي فتاة فقيرة، يستطيع الملك المعزول عن الحقائق ان يعيد بناء الصلات مع الرعية. ومع ذلك لا يمكننا القول إن صدام كان يطبق هذه المبادئ في الواقع بل كان في غالب الأحيان يعكس تلك المبادئ.

    كانت أعمال صدام «تباع» رسمياً في العراق، لكنها كانت على وجه الخصوص، توزع على أعضاء حزب البعث، وعلى أعضاء الحكومة والموظفين في الدولة. لم يكن صدام يوقع هذه الأعمال إلا بكلمة «المؤلف»، لكن جميع الناس كانوا يعرفون صاحب تلك الأعمال. وقد كان السر معلوماً من قبل الكافة، فقد كانت عباراته المفضلة المعروفة عند كل العراقيين هي التي تكشف أمره، وقد كان الناس يكتشفون بسهولة جمله «المقدسة» عنده.

    بالطبع كانت الصحافة العراقية تمدحه وتتملقه. فقد وصفه ناقد أدبي مشهور ب«الكاتب العبقري»، وبـ «مؤلف هذا الكتاب الجدير بالاحترام»، وهي العبارة التي لم يستعملها مع أي كاتب آخر قط. فقد أضاف هذا الناقد: «بتواضعه الجم وموهبته الهائلة رفض المؤلف الكشف عن اسمه!».

    وقد امتزج تعاظم صدام اذن ببعض التكتم والسرية. فأثناء ترجمة «زبيدة والملك» اتصل بي هاتفياً أحد المترجمين، وهو سلمان الواسطي، وكان عارفاً بالشعر، ليخبرني أنه كان ينوي أن يوجه رسالة للرئيس حتى يقترح عليه تعديلات أدبية وأسلوبية تشجيعاً له على توقيع الرواية باسمه.. وقد تكون الحروف الأولى من اسمه «ص. ح.» كافية لهذا الغرض.

    وقد نقل السكرتير الصحافي هذا الاقتراح إلى الرئيس، لكن هذا المترجم لم يتلق أي رد على الإطلاق. كان صدام قد بدأ في الكتابة بدافع الضجر والسأم. فعند الكتاب العراقيين تعني كلمة «رواية» «الملحمة الحربية» وتعني «القصة العاطفية» ونادراً ما تعني الاثنتين معاً ولا تعني شيئاً آخر غيرهما. لكن صدام ما لبث بعد حرب الخليج الثانية أن تحول على التلفزيون إلى ناقد أدبي، مناشداً المؤلفين دمج الأنواع الأدبية فيما بينها.

    - عندما تكتبون رواية لا تكتفوا فقط بذكر الأحداث العسكرية، بل حاولوا أن تدرجوا قصةً عاطفية ما بين رجل وامرأة على خلفية من الحرب، ما بين ضابط وممرضة مثلاً!

    في 1992 استدعى صدام ثلاثة كتاب مشهورين إلى القصر. كان يريد تكليفهم بكتابة مذكرات غزو الكويت. كان عليهم أن يرووا قصة «أم المعارك»، ولكن ليس بكيفية جافة أو بطريقة عملية فقط. فقد كان صدام يريد قصة حية تروي قصة جنود الفرق والضباط العراقيين:

    - لا تكتبوا أن القصف الأميركي قد بدأ في ساعة كذا وأن الرئيس أو ذاك الفريق قد أعطى الأمر بفعل هذا الشيء أو ذاك، بل اكتبوا «عند الفجر استيقظ قائد الوحدة في ساعة مبكرة، فقد كان عليه أن يلتحق بخط المواجهة، وبينما كان يحلق ذقنه، إذا به يسمع دوي عمليات القصف الأميركية الأولى...».

    على مدى شهور عديدة، ظل المؤلفون الثلاثة يتحاورون طويلاً مع العساكر الذين شاركوا في غزو الكويت، إلى أن صدر كتاب سميك تحت عنوان «مسيرة أم المعارك». وقد أعاد صدام شخصياً قراءة النصوص وسجل ملاحظاته عليها، مضيفاً إليها على الخصوص هذا المقطع: «في الساعة الخامسة صباحاً من ذلك اليوم الثاني من شهر أغسطس 1990، نظر الرئيس في ساعته ثم التفت إلى مساعده في المعسكر قائلاً: «لقد دخل رفاقك الآن!»، فرد عليه هذا الأخير غير مصدق: «دخلوا إلى أين يا سيدي!؟» فرد عليه الرئيس بلا تردد: «إلى الكويت!»

    مكتبة الرئيس

    في المكتب الصحافي، كانت إحدى مهماتنا تتمثل في شراء كتب مخصصة لمكتبة صدام. فقد كان يشترط جلب نسختين أو ثلاث من كل عنوان، وكنا نشتري ما لا يقل عن مئتين إلى ثلاثمئة كتاب كل سنة، وكانت القوائم التي يرسلها إلينا جد متنوعة. كان يميل إلى كتب التاريخ وكتب الدين، وكان يحب مذكرات الشخصيات التاريخية، كمذكرات الجنرال الأميركي «نورمان شوارزكوف» حول حرب الخليج.

    وكان مفتوناً ب«ستالين» و«نلسون مانديلا» والجنرال «ديغول» الذي كان يرى فيه الرجل الوطني الذي يملك الشجاعة في مواجهة الهيمنة الأميركية في العالم، وكان صدام يطلب منا كتاب «المسرح العالمي» ل»بريجنستاي» الخبير السابق في قضايا الأمن في البيت الأبيض، والذي كان يتناول القضايا الجيوسياسية.

    وكان آخر كتاب طلبه منا كتاباً لـ «هوشي منه» حول الفييتكونع وتقنيات حرب العصابات داخل المدن - فلعله كان يريد الاستفادة من هذه التقنيات قبل المواجهة مع الأميركيين، وقد تمكنا في الأخير من العثور على هذا الكتاب بعد جهد جهيد. وكان يطلب منا أحياناً مؤلفات نفدت نسخها أو قديمة جداً فلم نكن نجد بداً من البحث عنها في المكتبات وعند بائعي الكتب القديمة.

    لم ولن أعرف على الإطلاق إن كان ولع صدام بالأدب وبالشعر ولعاً حقيقياً أم مجرد تصنع ومخادعة. فعلى غرار الخلفاء العباسيين، كان صدام يسعى لأن يكون حامي الفنون،ففي 1998 طلب من أحد الشعراء وكان يعمل في المكتب الصحافي، أن يحضر إلى القصر مرتين أو ثلاثاً كل أسبوع ليلَقنه قواعد كتابة الشعر والعروض والقوافي،وكان كثيراً ما يسرب إلى رواياته أبياتاً شعرية من قريحته. ففي قلب خطابه المتلفز في بداية الحرب في مارس 2003 أدرج بعضاً من أشعاره:

    أشهروا سيوفكم بلا خوف

    ستشهد عليكم النجوم

    أوقدوا ناركم ودعوا اللهيب يشتعل

    لترهبوا عدوكم الذي يريد أن يجعل

    منا عبيده!

    وكان على علي عبدالله أن يتحقق من جديد من أن الرئيس لم يرتكب أخطاء نحوية أو لغوية!

    ثقافة.. بالعافية

    كان صدام يتصرف كنصير للآداب، فيدلل الشعراء ويغدق عليهم العطاء. وكان كلما نشرت الصحف نشيداً وطنياً أعطى صاحبه مبلغاً يتراوح ما بين 000,200إلى مليون دينار (من 100 إلى 500 دولار)، وهو مبلغ مهم إذا ما قورن بمرتب الموظف الذي لا يجاوز خمسة دولارات شهرية فبقصيدتين شعريتين في كل شهر يستطيع الشاعر أن يأخذ أكثر مما يأخذ وزير!

    وكان صدام قد أنشأ نظاماً لمكافأة الشعراء داخل وزارة الثقافة. ففي كل خميس كانت تجتمع لجنة خاصة لانتقاء الأعمال الشعرية. لم يكن يشترط في هذه الأعمال أن تكون أصيلة بل كان يجب أن تخضع لقوانين الشعر العربي وأن تمدح الثورة والرئيس. وكان الشعراء يوزعون إلى فئات عديدة. وكانت نخبة هؤلاء تنتمي إلى طبقة شعراء أم المعارك (أي شعراء حرب الخليج لعام 1991)، وإلى شعراء القادسية (أي شعراء الحرب الإيرانية - العراقية).

    وكانت تتفرع عن نخبة القافية هذه ثلاث فئات أخرى بمكافآت مصنفة على التوالي بـ 000,100 دينار (50 دولاراً) و 000,50 دينار (25 دولاراً) و 000,25 دينار (5,12 دولاراً). وكانت الإكرامية تسري أيضاً على برامج التلفزيون، فإن راق لصدام حصة من حصصه، منح مبلغاً قد يصل إلى مليوني دينار (1000 دولار) لمنشط حوار سياسي أو ثقافي مثلاً.

    وقد صار صدام في الفترة الأخيرة أكثر سخاءً تجاه الفنانين، فمنذ العام 2000، وحتى يحسن أوضاعهم ويعوضهم عن ارتفاع الأسعار، أصدر أمره لوزارة الثقافة بإعداد قائمة بكل الفنانين العراقيين. وقد صنفوا إلى ثلاث فئات، وصاروا يتلقون علاوة تحدد تبعاً لأعمارهم (من 000,50 إلى 000,150 دينار شهرياً، أي ما يعادل من 25 إلى 75 دولاراً)، وقد كانت المجموعة الأولى تضم فئة من أطلق عليهم اسم «الرواد» أي القدماء من الفنانين، وكانت أسر المفقودين منهم تتقاضى الإكرامية عنهم.

    كان فنانو «الدولة»، أي واجهة النظام البعثي، يتلقون أفضل المكافآت، بل وأكثر من ذلك، كان هذا النظام يشجعهم على السفر إلى الخارج للمشاركة في المعارض والمهرجانات والحفلات الساهرة. ففي عهد صدام كان على الثقافة المدعومة بقوة أن تنمو وتتطور في إطار غاية في الصرامة، على غرار ما كانت عليه الثقافة في عهد ستالين أو موسوليني.

    لم يكن من الضروري أن يكون المثقف مسجلاً في حزب البعث حتى يستفيد من تشجيعات الدولة، لكن أي فنان منشق أو مرتبط بالمعارضة من قريب أو بعيد مصيره الإقصاء من هذه القائمة. أما الفنانون «المخربون» أو المهمشون فقد كان ينظر إليهم كفنانين «سيئين»، لأنهم لا يساهمون في بناء المجتمع من أجل رخاء الشعب.

    وإن هم احجموا عن مهاجمة الرئيس أو النظام بشكل مباشر، فلا أحد يتعرض لهم بالسجن أو التعذيب، بل كانت مصالح الأمن تكتفي بتجاهلهم، تاركة إياهم أحراراً يمارسون فنهم دون أي مضايقة أو إزعاج

    سنوات صدام ـ الحلقة السابعة

    إكرامية لكاوندا وبقشيش لحبري، مئة لقاء تسفر عن العجز عن فهم لغز شخصية صدام



    في السبعينات كان صدّام قد بدأ يستقطب حوله بعض «الزبائن» الأفارقة. فقد صار جزء من الريع النفطي يُعاد ضخُّه في هذه البلدان النامية، في شكل مساعدات مباشرة أو استثمارات. وقد موّل صدّام، مثلاً، العديد من المشروعات الزراعية في موريتانيا، ذلك البلد الذي كان يُقيم علاقات تعاون وثيق مع بغداد، الأمر الذي أتاح لحزب البعث أن يمارس تأثيره على نواكشوط.

    وفي 1987، وبعد أن أنهى للتو حواراً مع حسين صبري، وضع صدّام يده على كتفي وهو يقول لضيفه الإفريقي:

    هذا الرجل الطيب سيُسلّمك هذا المساء مبلغاً بقيمة مليون دولار! لقد أذهلني أن أرى الرئيس وهو يوزّع مثل هذا المبلغ، وكأنه يوزّع بقشيشاً. لقد اكتشفت أن الهبة الإلزامية صارت «موضة» حكومية.

    بقشيش ومرسيدس

    مع غروب الشمس، قدم حميد حمّادي سكرتير الرئاسة وبيده شنطة المال، كنا واقفين أمام مدخل إقامة الأجانب، وكان أمر صدّام واضحاً: فأنا الذي أسلّم المبلغ لصاحبه، لم أكن أشعر بالراحة وأنا ألعب دور «المصرفي الخفي»، وسألني السكرتير:

    - هل تريد أن تذهب إليه وحدك؟

    - لا فرق عندي، وإن شئت أن ترافقني.

    ودخلنا معاً، وسلّمتُ المليون دولار لحسين حبري. وفي اليوم التالي رافقه صدّام شخصياً إلى المطار بسيارته المرسيدس، وقد شكر له الزائر هديته السخية، فقال له الرئيس:

    - لا شكر على واجب، سيصلك كل عام ما يعادل مليونا من الدولارات، لك ولمن حولك.

    وكان قادة أفارقة آخرون، وآسيويون أيضاً، يستفيدون من هبات الرئيس العراقي. فقد كان صدّام يحب إظهار سخائه تجاه زعماء بلدان العالم الثالث، التي كان يسعى لأن يثبت تضامنه معها، فهي بالنسبة إليه وسيلة لشراء مساندتها له وولائها في داخل الهيئات الدولية، فكثيراً ما كان يذكّر بأن بلاده «زورق كبير» لا تهزه الرياح بفضل جوده وكرمه.

    وقد كان حسن غوليد رئيس جيبوتي، مثلاً، يتلقى بانتظام مساعدة مالية لبلاده وله شخصياً. في المقابل لم يكن وفاء هؤلاء المستفيدين السعداء يخلو من عيوب ومن خلل. ففي 1990، وقبل بداية حرب الخليج، قرّرت البلدان العربية المجتمعة في قمة القاهرة دعم اللجوء إلى القوة لإرغام العراق على الانسحاب من الكويت. وعلى هذا النحو، انضمت هذه البلدان إلى التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق.

    وكان حسن غوليد، رئيس جيبوتي، قد عارض في اليوم نفسه هذا التحالف مع واشنطن، لكنه ما لبث بعد استراحة قصيرة ما بين الجلسات أن غيّر موقفه كلياً. وقد أذهل هذا الموقف المفاجئ أعضاء الوفد العراقي، الذين لم يستبعدوا أن يكون الكويتيون قد مارسوا ضغوطهم على غوليد. وقد سخط صدّام واغتاظ لهذا التحول بعد أن كان قد أعطاه مبالغ مالية هائلة في الماضي. وقد ظل صدّام يرغي بكلام غاضب عن «أخيه الجيبوتي»:

    - أيّ نكرانٍ للجميل هذا... بعد كل الذي قدمته له!؟

    وأحياناً كان بعض الرؤساء المفلسين يطلبون منه صراحة أن يتكفل بحاجاتهم الشخصية. ولم يكن ذلك يزعج صدام على الإطلاق، فقد كان عن طيب خاطر يلبي طلباتهم ويُغدق في العطاء. ولم يكن يتردّد في أن يسحب من صندوقه 000,50 أو 000,100 000,200 من الدولارات السائلة حتى يساعد هذا أو ذاك الرئيس.

    وحتى عهد قريب، تلقى الملقب ب«غاندي الأسود» وأبي استقلال زامبيا (العام 1964) كنيث كاوندا، الكثير من المال من صدّام حسين. ففي شهر نوفمبر 2002 وجواباً وعلى سؤال وجهه إليه الرئيس أثناء استقبال بالقصر الرئاسي عن أحواله، ردّ كنيث عليه قائلاً:

    - على غير ما يرام، ففي بلدي نسي الناس أنني رئيسهم، كان عندي سائق وسيارة وظيفية، لكنني الآن بلا سيارة ولا سائق!

    فردّ عليه صدّام قائلاً:

    - كيف هذا وأنت رجل الاستقلال في بلادك تجد نفسك الآن محروماً؟ لا تقلق فإني لن أدعك ولن أتخلى عنك!

    وعلى إثر ذلك الاستقبال منحه صدّام 000,200 دولار، وفقاً للاجراءات المعهودة. فقد سلّم عبد حمود أمراً مكتوباً لمصالح المحاسبة في بروتوكول الديوان. وبعد ذلك حمل أحد الموظفين المبلغ إلى إقامة كنيث كاوندا. وكان رئيس زامبيا السابق قد شرح أثناء المحادثات بأن شخصين من أقاربه كانا قد أنشآ شركة بترولية ويطلبان تسهيلات للتعامل مع العراق، وقد رحب صدّام بالطلب من دون أي تردّد.

    وقد عاد كنيث كاوندا إلى بغداد في فبراير 2003، وعند مغادرته لصدّام قال له:

    - سيدي الرئيس، إنّي أعرفُ أن بلادكم تمر بمرحلة صعبة، لكن وضعيتي المالية في حالة من التدهور، وأنا في حاجة للمزيد من المال.

    وخيل إليّ أنني رأيت في عيني صدّام شرارة من السخط، لكن صدام ما لبث أن التفت إلى عبد حمود سائلاً إياه:

    - عبد، كم أعطيناه في المرة الأخيرة؟

    - 000,200 دولار، سيدي الرئيس!

    - أعطوه 000,100 هذه المرة!

    كان صدّام مضرب المثل في الجود والسخاء من الخزانة العراقية، فكل من يلتقي به لا يمكن أن يرجع صفر اليدين. ومع ذلك فقد كانت تدهشني عنايته الفائقة تجاه كنيث كاوندا. وقد روى لي عبدالله السر الذي كان يربط ما بين الرجلين، ففي نهاية السبعينات سئل الرئيس الزامبي بشيء من الوقاحة أثناء مؤتمر صحافي:

    - يقال إن علاقات صداقة تربطكم بصدام حسين.. إنه مع ذلك رجل دكتاتوري.

    فغضب كنيث كاوندا واحتدّ لذلك، وردّ على ذلك الصحافي:

    - صدام حسين رجل دولة، وحين يرد ذكره على لسانك فإنه خليق بك أن تستعمل الألفاظ الملائمة. فالرئيس صدام حسين ليس سائقاً، وإن تماديت في شتمه فاغرب عنّي!

    وقام الأمن بطرد ذلك الصحافي. وقد أكد لي علي عبدالله أن صدام قد علم بالحادثة، فتوطدت بذلك صداقته مع كنيث كاوندا. وكان ذلك أيضاً سمة من سمات شخصيته. فقد كان يرافق الرئيس الزامبي السابق حتى سيارته وينتظر حتى ينطلق السائق فيحييه بيده،.فقد كان يخص «أصدقاءه» بهذا الاحترام من أمثال أحمد بن بيللا، رئيس الجزائر الأسبق كما كان يخص بهذا الاحترام أيضاً ضيوفاً مميزين من أمثال كوفي عنان. وفي العادة يُحيي صدَّام ضيوفه في قاعة الاستقبال وكنّا نخرج من دونه.

    في الغرب كثيراً ما يشاع أنّ أنصار القضية العراقية من أمثال جانيت لوبان، زوجة الزعيم اليميني الفرنسي، أو النائب العمالي البريطاني جورج غالوي قد استفادوا من الهبات نفسها، فالأمر واردٌ بالفعل، لكنني لا أملك أي دليل مباشر على ذلك. كان صدّام يهوى الإبهار، فكلما زاره رئيس أجنبي حرص على أن يقدّم هدية لزوجته، فتبعاً لمرتبة الضيف وأهميته أعدّ البروتوكول أنواعاً مختلفة من الساعات السويسرية
    الذهبية ولا سيما «الرولكس» أو «البيجايه».

    والوزراء ورؤساء الوفود لم يكن لهم الحق سوى في الماركات الأقل سحراً وجاذبية، وكثيراً ما كان السجاد الشرقي الفاخر يقدَّم كهدايا أيضاً. كان صدّام يحب المغالاة في الحديث، وكان يسعى دائماً للتحكم في نبرات صوته، فقد كان يجد في أحاديثه الخاصة من الراحة ما لا يجده في أحاديثه العامة، وهو محاط بجهاز أمني صارم.

    وكان إذا قام بزيارة مدينة من المدن حرص على أن يحيي الجمهور تحية سريعة من شرفة دار البلدية أو المدرسة قبل أن يغادر المكان. وتعود آخر أطول خطبة إلى نهاية السبعينات، أثناء الإعلان عن «الميثاق الوطني» وهو البرنامج السياسي الذي يتضمن العلاقات الدولية وتسوية الصراع بالسبل السلمية.

    في المناسبات الرسمية، كان صدّام يلقي خطبه بصوت خفيض رتيب خال من كل حماسة، وكان أحياناً يتعثر في الكلمات، وكأنه يقرأ النص لأول مرة. في هذا السياق كان أصدقائي كثيراً ما يقولون لي:

    - ليس هو الذي يكتب خطبه، فهو بالضرورة يستعين بمساعدٍ يُعدّ له ما يشاء من خطب!

    وكنت في كل مرة أحاول أن أفنّد ظنونهم:

    - أؤكد أن صدّام يكتب خطبه بنفسه، فقد صحّحنا هذا النص في المكتب الصحافي.

    ناهيك عن أن صدام كان ضعيف النظر، ولذلك كنا نطبع نصوصه بالأحرف الكبيرة. فالصفحة الواحدة لم تكن تتضمن أكثر من خمسة أسطر.

    كان صدام في لقاءاته الخاصة يسعى للتأثير على محدثيه. فقد كان يستعمل جاذبيته الكاريزميه حتى يفرض الاحترام والإقناع من دون اللجوء إلى أسلوب التعالي. وعلى عكس ملك المغرب حسن الثاني ملك المغرب، لم يستقبل يوماً أي صحافي أو ضيف من على منصّته، فقد كان بروتوكوله دائماً غاية في البساطة.

    في الغرفة الخلفية كان زواره يسألونني قبل الالتقاء به كم سيستغرق اللقاء من وقت، فكنت اردّ عليهم دوماً:

    - ليس ثمة قواعد ثابتة، فأنتم ضيوف الرئيس، واعلموا أنه لن يفرض أحد حدّاً لزمن اللقاء، فقد يستغرق حديثه معكم ساعات كاملة.

    نكات صدام

    كان صدام يعشق المزح والطرفة سعياً منه لتلطيف الأجواء. لم تكن نكتتهُ المفضّلة ظريفة بالضرورة، فكثيراً ما كان يروي قصة جندي مع راعٍ كردي: ذات مرة سأل الجندي الراعي كيف يُطعم غنمه، فردّ عليه ذلك الرجل الريفي قائلاً: «إني أُطعمهم قمحاً!»، فغضب الجندي وقال: «كيف يمكنك أن تعطي قمحاً لخرافك بينما الشعب يموت جوعاً؟!»، وبعد أن أشبعه ضرباً وعده الراعي بأنه سيغيّر طعام قطيعه.

    وبعد مرور بعض الوقت جاءه جندي آخر وسأله السؤال نفسه، فردّ عليه الراعي بأنه يطعمها أرزاً! فغضب هذا الجندي أيما غضب وقال له: «كيف يمكنك أن تطعم غنمك أرزاً والشعب يموت جوعاً؟» وبعد أسبوع جاءه جندي ثالث، فبادره الراعي في وجل قائلاً بعد أن حفظ الدرس: «إني أعطي لغنمي نقوداً لتشتري بها ما طاب لها من السوق». خلال حواراته وأحاديثه، إذن، كان صدّام يبدي الكثير من الظرف وبعض المجاملة.

    وشتان بين هذه الصورة وبين صورة الرجل صاحب القبضة الحديدية الذي يهابه الشعب ويخشاه! فقد كان أصدقائي يسألونني كيف تطيق العمل مع مثل هذا الطاغية؟ فكنت أوضح لهم أنّ صدّام في علاقاته معي كان لطيفاً ودوداً، ولكنهم لم يكونوا يصدقون، ظناً منهم أنني لا أجرؤ على انتقاد «معلّمي» خوفاً من انتقامه منّي.

    ولا شك أن هذه الشخصية المزدوجة كانت لغزاً بالنسبة لي، فالرجل في الحياة الخاصة كان سخياً ودوداً، أما في الحياة السياسية فقد كان يبسط الرعب على كل البلاد، ولا يتوانى عن سحق كل من يعارضه. ولذا كنت أعيش في تناقض دائم، فقد كانت الصحافة الدولية تشبهه بالغول وكنت أراه دائماً هادئاً ولطيفاً بشوشاً. كان الخارج والعراقيون يخشون فيه طاغية دموياً، بينما كنت أنا أحتك برجل مهذّب مجامل.

    كنت وأنا أعمل معه أقدّر جانبه البسيط، المباشر، فكثيراً ما كان يقول لي، مقاطعاً الحديث مع محدثه:

    - سمان! اشرب شايك قبل أن يبرد!

    خلال هذه اللقاءات، كنت أحمل في جيبي منديلاً حتى أمسح به جبيني من العرق، فأنا كثير التعرّق في الأجواء الحارة. فالقاعات التي كان صدام يستقبل فيها زوّاره لم تكن مكيفة لأنه كان يعاني من آلام في الظهر. وحين كانت قطرات العرق تسيل على وجهي كان صدّام يلحظها فيأمر مصالح الأمن بأن ترفع مستوى التكييف.

    بمناسبة زيارة حسين حبري للعراق العام 1987، أقام صدّام مأدبة على شرفه في أحد القصور، وكانت طاولة الأكل على شكل الحرف «يو» الإنجليزي. وكان البروتوكول قد وضع الكرسي الخاص بي في داخل هذا «اليو». كان صدّام وصبري يأكلان إلى جانبي، وكانت أطباق الأكل تتوالى بلا انقطاع. ولما كان يصعب عليّ أن أخدم نفسي بنفسي فقد جاءني أحد الخدم بطبقٍ كبير به تشكيلة كاملة من الطعام. كان صدام وصبري إلى جانبي، وكنت أترجم ما كان يجري بينهما من كلام، لكن صدّام ما لبث أن نادى رئيس التشريفات قائلاً له:

    - لماذا لا يأكل مترجمنا كما نأكل نحن؟ إعلمْ أنه أيضاً واحدٌ من ضيوفي!

    فورات الغضب

    لكنّ ذلك لم يكن يمنع صدّام من أين يدخل أحياناً في فورات من الغضب الشديد، فقد كان إذا قرّر شيئاً لا يطيق أن يتأخر تنفيذ أوامره على وجه السرعة أو أن يُساء فهم هذه الأوامر. فأثناء زيارة حبري بالذات، كان قد طلب من مساعديه أن يرافقوا القائد التشادي إلى الفاو المدينة المحرّرة آنذاك. وقد حرص على أن يضع طائرة مروحية تحت تصرفه لكي يحلق فوق المدينة المدمّرة.

    في اليوم التالي عندما عاد حبري من جولته في تلك المقاطعة، سأله صدّام قائلاً:

    - هل حلقت فوق الفاو؟

    - لقد ذهبنا إلى المكان بالسيارات.

    فاستشاط صدام غضباً، واستدعى مدير التشريفات.

    - هل يجب أن أقوم بكل شيء بنفسي؟ ألم أقل لكم بأن تنقلوا ضيفي بالمروحية؟ لماذا لا تطيعون أوامري؟ وغمغم مدير التشريفات ببعض كلمات الاعتذار، وهو يتلقى تأنيبات الرئيس بلا أي اعتراض. وأحب أن أقرّ هنا أنني أتحمل قسطاً من المسؤولية في هذه الحادثة، فقد اعطى صدّام الأمر داخل السيارة الرئاسية بحضور الرئيس التشادي وأحد الحرّاس، وكنت قد ترجمت أوامر الرئيس، لكن لا أحد نقل المعلومة إلى البروتوكول، فقد كان عليّ أن أتكفل بتلك المهمة.

    كانت بعض الموضوعات تغرقه حتماً في أسوأ حالات الغضب، على نحو ما حدث ذات مرة مع الكاردينال أشيل سيلفستريني، المبعوث الخاص للبابا يوحنا بولس الثاني في منتصف التسعينات. كانت العقوبات الدولية قد بدأت بعواقبها المأساوية تنعكس على الشعب العراقي. ساعتها اقترح هذا المبعوث على صدّام أن يعترّف بدولة اسرائيل كمؤشر للإرادة الطيبة الدالة على أن العراق يرغب في تطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي.

    فأثار ذلك حفيظة صدّام، الذي راح يعنّف ويوبّخ محدثه قائلاً:

    - إن ما تقترحونه علينا يخالف مبادئنا. إن ما نعانيه من آلام تحت الحصار لن يثني عزيمتنا، فاعلموا أنني رجلٌ صاحب مبادئ، وكان عليكم أن تتحروا أمري قبل لقائكم بي! عند نهاية هذا اللقاء الصاخب، أعطى الرئيس الأمر لسكرتيره الصحافي بنشر فحوى هذا اللقاء. ولم يكن هذا الأسلوب معهوداً. ففي العادة كانت مصالح الرئاسة تنشر بياناً مقتضباً يشير إلى أن صدّام قد استقبل هذه الشخصية أو تلك للحديث عن تطوير التعاون ما بين الطرفين أو في موضوعات ذات اهتمام مشترك، أما الفحوى الدقيق للمحادثات فقد كان يظل سرّاً خفياً.

    وبصفتي شاهداً على الحادثة كُلّفِتُ بتحرير محضر المحادثات، الذي أرسل فيما بعد إلى وسائل الإعلام. أما حول الصراع الإسرائيلي العربي، فقد كان لصدّام ردود أفعال غاية في الحساسية، فقد كان يرى أن أي تنازل عن القضية هو بمثابة استسلام مُذلٍّ وقد ظل هذا الموضوع من التابوهات حتى النهاية. وفي مناشداته للمقاومة ضد المحتل الأميركي، التي كان يوجهها للعراقيين بواسطة الأشرطة الصوتية، لم يهمل مرّة الإشارة إلى النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

    بعد حرب 1991 بقليل، وبينما كان يوزّع الأوّسمة على العساكر، اشتكى له أحد الضباط من مصاعب الحياة اليومية، ثم قال:

    - لعل الأفضل لنا أن نكون أكثر مرونة تجاه اسرائيل، فطالما ظلت مواقفنا في هذا الشأن بهذا القدر من الصرامه فسوف نظل نعاني أسوأ العواقب، لماذا نكون أقل مرونة من الفلسطينيين أنفسهم؟!

    ولم يكن ليقبل صدّام بهذا التجاوز، فراح يوبّخ هذا «الجبان» بعنف شديد:

    - كم أنا نادم على منحك هذا الوسام! هل هكذا تشكرني على هذا الوسام؟ هل يعقل أن يخرج من هذا الصدر المزيّن مثل هذا الهذر والسخف؟! كيف تجرؤ على مصالحة الصهيونية؟ وفي بداية التسعينات، تلقى مسؤول كبير في حزب البعث هو الآخر درساً من الصعب أن ينساه، فقد اقترح فكرة غريبة لملء خزائن الدولة:

    - سيدي الرئيس، إننا نملك موارد يمكن أن تساعدنا في التغلب على مصاعبنا، لماذا لا نبيع الذهب الذي يغلّف قبب مساجدنا؟

    لم ينله من ردٍّ على هذا السؤال سوى ضربٍ شديد انهال عليه من صدّام الذي استشاط غضباً:

    - كيف لك أن تفكر في التخلص من تراثنا الديني؟ أنت لست جديراً بمنصبك!

    قليل من شخصيات النظام من كانت تجرؤ على انتقاد الرئيس. ومع ذلك، فقد كانت بعض هذه الشخصيات من أمثال نزار حمدون تنتقد الرئيس بالفعل، بل وقد ذهب ممثل العراق لدى منظمة الأمم المتحدة، الذي توفي في يوليو 2003 بعد إصابته بالسرطان، في انتقاده للرئيس أبعد ممّا كان يحق له، فبعد هروب حسين كامل العام 1995، وجّه هذا الممثل رسالة إلى صدّام من سبع صفحات.

    وقد حملت صراحة أقواله التي بلغت درجة المساس بالذات الوطنية بما يثير الذهول حقاً. فقد راح هذا السفير ينصح صدّام بمزيد من الانفتاح على العالم الخارجي، وبتجريد المجتمع من السلاح، وإلغاء الصفة العسكرية عنه قائلاً:

    - إن زيك العسكري لم يعد له ما يبرّره لأنّ الحرب قد انتهت، فهي تعطي الانطباع بأننا نُعِدُّ لصراع جديد. فالزي المدني سوف يطمئن العراقيين والمجتمع الدولي إلى نواياك السلمية، كل شيء صار رمزياً.

    في رسالته هذه انتقد نزار حمدون أيضاً السلطات المفرطة التي منحها صدّام لصهره الخائن والذي وصفه بـ «الطفل المدلّل». هذه الرسالة وردّ الرئيس عليها نوقشا خلال اجتماع لمجلس قيادة الثورة، الذي كان كل أعضائه يساندون صدّام. وقد ردّ هذا الأخير طبقاً لملاحظات «رفاقه» في مجلس قيادة الثورة. وقد وبخ صدّام سفِيره من حيث الشكل أكثر مما وبخّه من حيث موضوع الرسالة. فقد أخذ عليه كتابته الرسالة على حاسوب كان يمكن أن يقع في فخّ وكالة الاستخبارات الأميركية: «إذا كان لديك شيء تريد أن تقوله فقد كان من الأفضل أن تكتب رسالتك بخط اليد وترسلها عن طريق الحقيبة الدبلوماسية أو أن تأتي إلي وتبلّغني الرسالة مشافهةً».

    مع رفاقي في الرئاسة اعتقدنا أن نزار حمدون قد صار «مذموماً» من صدّام، وأنه سيّسحب على الفور من منصبه في نيويورك، لكن المفاجأة الكبرى أنه لم يعد إلى بغداد إلا بعد ثلاث سنوات، في شهر فبراير 1998 بمناسبة زيارة كوفي أنان الذي جاء لتسوية أزمة القصور الرئاسية.

    ولم تتعرض له مصالح الأمن بأي مساءلة، وعاد مطمئن البال إلى منصبه في الأمم المتحدة. وفي نهاية المطاف تخلى صدام عن زيه العسكري في مناسبات لم تكن تبرّر ذلك السلوك.

    تشدد وتساهل

    إذا كان نزار حمدون قد تجرأ على هذا النحو على انتقاد صدّام، فذاك لأن صداقة طويلة ظلت تربط بين الرجلين منذ زمن بعيد. فقد ناضلا معاً في صفوف حزب البعث منذ العام 1963، وظننت على أي حال أن مثل هذه الرسالة، حتى ما بين «الرفاق»، لا يمكن أن تظل بلا عقاب، لكنيّ كنت على خطأ في هذا الظن، فقد كان صدّام يعرف كيف يكون حليماً كريم النفس.

    وقد كان بوسع صدّام أن يكون في آن متشدّداً ومتساهلاً، فأي غلطة أو خطأ لا يؤديان بصاحبهما بالضرورة إلى المشنقة أو إلى سجن أبو غريب المشؤوم كما تبين لي ذلك في مناسبات كثيرة.

    بعد حرب الخليج عام 1991، أصدر صدّام أوامره بعقد أول مؤتمر عام لحزب البعث، الذي أطلق عليه اسم «مؤتمر الجهاد وإعادة التعمير». وعلى مدى أسبوع كامل رحنا نعمل في المكتب الصحافي ليل نهار من أجل إعداد خطابه المطوّل ووثائق الندوة، فقد كان الخطاب وحده يمتد على مدى ستين صفحة.

    لكن صدام ما لبث ليلة المؤتمر أن غير الخطاب رأساً على عقب، فلم نجد بدّاً من أن نعيد كل شيء من الصفر. عند منتصف الليل قلتُ لعبد الجبار محسن، السكرتير الصحافي في تلك الفتره إننا قد لا نتمكن من إنهاء العمل في الوقت المحدّد، من طباعةٍ وتصحيحات وتصوير ألف نسخة لمجموع المشاركين في المؤتمر.

    في نهاية الأمر طُبع نصُّ صدّام على مطابع جريدة «القادسية»، لكنْ عند قراءته أمام المؤتمرين توقف صدّام فجأة وراح يرشق بنظراته السكرتير الصحافي الذي كرّر صفحة وأهمل أخرى! وكم أدهشنا صدّام حين جاء بعد بضعة أيام يزورنا في المكتب الصحافي، وكانت تلك أوّل مرة تطأ فيها قدماهُ هذا المكان.

    كانت مكاتبنا غير مرتّبة، وقد ازدحمت فيها الأوراق من كل الأشكال. وبدلاً من أن يُوبّخنا ويعنّفنا جاء لكي يرفع معنوياتنا ويشجعنا. وقد ظل يتحدث مع عبدالجبار محسن نحو عشر دقائق، ثم صافحني وحيا بقية الموظفين تحية ودٍّ وإخاءٍ. وعند مغادرته المكتب قال لنا:

    - إنّ من يعمل كثيراً قد لا ينجو من الأخطاء!

    لقد كانت شخصية الرئيس عقدة حقيقية من المتناقضات، ففي ذاته كان يتعايش الأجود والأسوأ معاً. فعلى الرغم من نحو مئة لقاء شاركت فيها لم أفلح يوماً في فهم هذه الشخصية الغامضة فهماً كاملاً. من هذه اللقاءات هناك لقاء لم يُفصَح عنه إلى الآن، جمع ذات يوم ما بين صدام ومبعوث للرئيس الأميركي بيل كلينتون، وهو مثال على هذا التعقيد.

    فقد قرّر صاحب البيت الأبيض الجديد أن يعيد الاتصال بصدام، فأرسل إلى بغداد سرّاً عن طريق طارق عزيز واحداً من مقربيه الأصدقاء. قبل اللقاء أراني الرجل صوراً يظهر فيها إلى جانب بيل كلينتون، ولم يخف عليّ هدف الزيارة وهو يحمل نوعاً من الشهادة موقعة بخط الرئيس الأميركي:

    - لقد جئت لأنقل تحيات الرئيس كلينتون للرئيس صدّام حسين. وعلى مدى الزمن الذي استغرقه الانتظار في الغرفة الخلفية، راح هذا الزائر الموقّر يروي قصصاً غريبة. وقد أوصيته في حذر أن لا يدع لسانه يزلّ بالمزح أثناء الحديث مع الرئيس:

    - إن المزحات غالباً ما يصعُب ترجمتها، وإن هي لم تُضحك الرئيس فقد يصير الموقف مزعجاً!

    وخلال اللقاء شرح الأميركي للرئيس، إجمالاً، أن الرئيس الأميركي الجديد على استعداد لفتح صفحة جديدة في العلاقات الاميركية العراقية، والانطلاق من جديد على أسس من الصداقة وعلى قواعد جديدة. ففي رأيه أن كل الاحتمالات كانت قائمة وممكنة، ولم يقدّم أي اقتراحات ملموسة، ولمْ يشر إلى رفع عقوبات الأمم المتحدة، ولم يذكر أي برنامج زمني محدّد، بل جاء ليضع المعالم الأولى للحوار ويمدّ إليه يد بيل كلينتون.

    لكن كم أدهشني الرئيس المتعاظم، الذي ظل غير متأثر بهذه اللفتة، واكتفى بالعودة إلى أفكاره الثابتة: عظمة العراق وحضارته الخالدة وشعبه الأبي الشجاع. وقد روى كفاحاته الخفية في حزب البعث في الستينات والتقائه بطارق عزيز، ولم يحاول في أي لحظة أن ينتهز الفرصة المتاحه ولا أن يجيب عن طلب كلينتون.

    وبعد خروجي من الحوار، عبّرتُ عن أسفي صراحة لعلي عبدالله، فقد أضاع صدّام فرصةً هائلة، ترى ما الذي جعله يدير ظهره لهذا المنعطف الجديد؟ أأزعجه كون أن مبعوث البيت الأبيض ليس شخصية رسمية؟ إني أشك في ذلك، طالما أنّ صدّام يفضّل الاتصالات الشخصية على المداولات الرسمية، وقد فهم كلينتون هذا الجانب من شخصية صدّام.

    في الواقع كان صدّام يخشى «بيع» نفسه للأميركيين، فالتصرف بعنادٍ كان مسألة شرف بالنسبة إليه، فلم يكن صدّام يشك في كون أن كلينتون لو كان حقاً صادقاً وجادّاً في إرادته في إعادة بناء الجسور مع العراق، لكان أرسل مبعوثين آخرين، ولم يدرك صدّام ان رئيس دولة أول قوة في العالم حين أرسل إليه على عجل صديقاً شخصياً، يكون قد قام ببادرة قوية تكاد تكون مذلّة. ورفض صدّام لليد الممدودة إليه تشهد على عدم فهم قاتل للعالم الخارجي.

    وبينما كان صدّام يتوقع وصول اشارات أميركية جديدة اعتبر كلينتون الملف مطويّاً، ففي رأيه لم يعد ثمة شيء يمكن انتظاره من الرئيس العراقي. وفي منتصف التسعينات رفض كلينتون تمويل عمليات سرية لقلب النظام العراقي نظمتها وكالة الاستخبارات الأميركية بالتعاون مع المعارضة العراقية في المهجر.

    وفي 1998لم يتردّد في شنّ عملية قطع رأس النظام «ثعلب الصحراء» وفي قصف البلاد أيضاً، وقبل سنوات كان يرفض أن «يباع»، لكنّ صدام ما لبث أن صار نهائياً غير قابل لأن «يُشترى» من جديد

    سنوات صدام ـ الحلقة الثامنة

    ملياردير يعاني من البخل الشديد، عدي مصاب بهوس إطلاق النار ويعتز بأربع رصاصات استقرت في جسمه


    في 1993 تلقيت مكالمة هاتفية من أمانة عُدي، تطلب مترجماً عن الإنجليزية تريده في اليوم نفسه، وفي الساعة الثامنة والنصف مساءً بالضبط. لم يكن يهمني كثيراً أن أكون مترجماً لابن صدّام البكر، المعروف بنزواته العنيفة، فأرسلت واحداً من زملائي، الذي أخبرني في اليوم التالي أن الأمور جرت على ما يرام.

    بعد مرور أسبوع واحد، طلب عدي مترجماً مرة أخرى، لكن سكرتيره أديب شعبان «الأستاذ»، كما كان يدعوه مرؤوسوه، اشترط أن يكون مترجم والده - وهو أنا - هو الذي يجب أن يستجيب لهذا الطلب.

    واستجبت في أدب جمّ ككل موظف في الرئاسة:

    - إنه لشرف عظيم لي.. وسأكون في الموعد.

    كان عُدي يستعد لاستقبال وفد من الأميركيين من أصل عراقي الذين كانوا لا يتحدثون العربية. وكان اللقاء بالضيوف في مقر اللجنة الأولمبية التي كان يتولى رئاستها في حي زيونة، وهي البناية التي قصفها الأميركيون بكثافة. في العادة كان عُدي يعطي مواعيده بالقصر الجمهوري في جناح كبير كان والده قد أهداه إياه، وكان مقره الرئاسي.

    كان هذا البيت يطل على بهو واسع ينفتح على قاعتين للاجتماعات ثم على مسبح، وفي الطابق الأرضي على قاعة للرياضة البدنية. فقد كان عدي مثل كل أعضاء الأسرة الصدامية يعشق المكان الواسع الشاسع.

    حين التقيتُ به، اكتشفت عُديّاً مختلفاً عن ذلك العدي الذي كنت أتخيله، بل لقد وجدته لطيفاً وغاية في الودّ، وهو يصافحني بحرارة، شاكراً تلبية الدعوة. وقد عرف كيف يجنّبني شرّه ونزواته على مدى فترة التعاون التي استمرت حتى عام 2003، فلم يكن يجهل أنني كنت المترجم الخاص لوالده.

    كنت أجد مهمة الترجمة معه أقسى وأمرّ من خدمتي لصدّام نفسه بكثير. فمع الرئيس كان كل شيء يجري في يسر ونظام، لكن عُدي، الحاصل على دبلوم في الهندسة المدنية من جامعة بغداد، كان يدّعي أنه يفهم الإنجليزية، وكثيراً ما كان يقاطعني وهو يقول إنه فهم كل شيء، لكنه يعود بعد لحظات ليقول:

    - ساعدني يا سمان.. فأنت مترجمي!

    كان يفرط في تقدير معلوماته اللغوية، وكان يرطن بالانجليزية فيتكلّم بما لا يفهم.

    الملياردير البخيل

    كان عُدي رجلاً كثير الأشغال، فمن بين مسؤولياته الرسمية كان رئيساً للتحرير في العديد من الجرائد وعضواً في البرلمان ورئيساً لنادي الجادرية. وقلما كان يحترم المواعيد. كنت أحياناً أضطر لانتظاره ساعات طويلة مع ضيوفه من دون أن أجد ما أقوله لهم، فقد حدث أن استغرق مسؤولون رياضيون كُوريّون في النوم من فرط الانتظار!

    وكان يعتذر بالقول إن شؤونه كثيرة، والحال أنه، باستثناء قيادته لفدائيي صدّام، فقد كانت مسؤولياته الأخرى قليلة الأهمية.

    كان معروفاً ببخله، فلم يكن يدفع لموظفيه سوى أجور زهيدة. وبعد حصتي الثانية معه في الترجمة قال لي أحد كتّابه:

    - إنّ عُدي راضٍ عنك كثيراً وسوف يمنحك مكافأة شهرية.

    لكنّ المبلغ الذي وعدني به هذا السكرتير لم يأت قط، فقد اكتفى عُدي بإعطائي عشرة دولارات عن كل ترجمة، أي نحو عُشر ما كنت آخذه من والده. ومع ذلك، فقد كان يملك ثروة فاحشة، وكانت نفقاته مسجلة في ملفات، وبعد الاعتداء الذي تعّرض له في 1996 أبعده والده عن السباق نحو كرسي الرئاسة، ومنحه في المقابل حصة كبرى من عائد التهريب (بترول - سجائر... إلخ) واليوم كل الناس في العراق يتساءلون أين ذهبت ثروته الطائلة؟!

    كان عُدي على اقتناع بأنه نجا بأعجوبة. فهل لذلك السبب كان يبدّد الأموال تبديداً؟ في الثاني عشر من ديسمبر 1996 أطلق عليه قناصون متخفّون ثلاثين رصاصة اخترقت جميعها جسمه بينما كان يقود سيارته «البورش» في حي راق من أحياء المنصور. وقد كان في حالة موت إكلينيكي، حين وصل إلى مستشفى ابن سينا الكائن داخل القصر الجمهوري. وكان العراق قد استفسر من الفرنسيين إن كانوا يقبلون معالجته، لكنّ باريس رفضت الطلب.

    كانت فرنسا قبل ذلك بثلاثة أسابيع قد استقبلت روكان الرزوقي قائد حرس صدّام الذي تعرّض لحادث دماغي. وما ان خرج هذا الأخير من مستشفى «بيتييه سالبتريير» حتى راح يستمتع بحياة باريس الليلية برفقة إحدى فتيات الليل في حي بيغال. والفرنسيون لم يحبذُوا استقبال أي مسؤول كبير عراقي، ولاسيما إذا كان هذا المسؤول شخصاً أرعن مثل عُدي.

    ومع ذلك، فإن صلاته بالطب الفرنسي هي التي أنقذته، فمنذ العام 1984 كان عُدي يتردّد بانتظام على مجبّر (أي مقوّم أعضاء) باريسي، وهو طبيب عسكري سابق صار صديقاً له مع الأيام، ولو على مضضٍ بعض الشيء. وقد أرسل له هذا الطبيب على عجل فريقاً طبيّاً من فرنسا يتكون من أربعة جراحين، فزرعوا له طقماً معدنياً في الرجل اليسرى ـ وهو ما حرص الأميركيون على استعراضه لتوثيق بدنه بعد الهجوم القاتل على منزل الموصل الذي لجأ إليه مع أخيه.

    ومن حادثة المنصور احتفظ عُدي بأربع رصاصات في بدنه. وقد كان فخوراً بذلك أيما افتخار، فقد كان على يقين أنّ الله قد أودعه مهمةً، فقد كان مهووساً بصحته، ولم يكن يثق بالطب العراقي. ففضلاً عن صديقه الفرنسي الذي أجرى له عملية جراحية في باريس العام 1986 بعد تعرضه لالتواء في مفصل الرجل اليسرى أثناء مباراة في كرة القدم، كان عُدي يستشير بانتظام اختصاصيين ألماناً في التدليك الطبي، واختصاصية فرنسية في علم الجنس، وممسّدة كانت تجيئه خصيصاً من منطقة الكاريبي.

    بعض هؤلاء الاختصاصين كانوا يتقاضون مبالغ كبيرة: كان عدي يقدّم نحو مئة وخمسين ألف يورو مقابل ثلاثة أشهر من العلاج، لكنّ هذه المهمّة لم تخل من ضغوط. لقد قبعت ساحراتُ عُدي في فندق الرشيد حتى لا تتسّرب أخبارهنّ، ولما كنَّ يعلمن بولع مريضهنَّ بسحر الصبايا وبحساسيته لهنّ، فقد آثرت بعضهنَّ اصطحاب بعض الصّبايا الممرضات معهنّ إلى العراق. وعلى هذا النحو أيضاً تعرضّت العديد من طالبات جمعية فرنسا ـ العراق لنزوات عُدي الجنسية.

    استطاع عُدي أن يعود لمشيته الطبيعية شيئاً فشيئاً، فقد كان بعض الخلل في الحركة العضلية آخر آثار إطلاق النار الذي تعرض له، وقد كانت رجله اليسرى إذا مشى لا تستجيب استجابة كاملة فتنحرف جانباً بعض الانحراف، لكنّ عُدي كان عنيداً ومصرّاً على أن يجلب من الخارج آخر ما أنتجته التقنية من أجهزة إعادة التقويم العضلي. كان مدخل مقر إقامته في القصر كثير الازدحام، إذ كان يستشير من الاختصاصيين من يشاء.

    وقد استقدم خبيراً أوروبياً في الدماغ كان يدّعي ابتكاره لطريقة ثورية في الجراحة الدماغية لفحص عضلات الرجل، وقد ترجمتُ حديثهما: إذ حذّر هذا الأخصائي الأطباء العراقيين الموجودين حول عُدي من أن العملية تنطوي على كثير من المخاطر، وكان هؤلاء قد حذّروا عُدي في السابق من هذه العملية، لكنه أبى إلاّ أن يخالف تحفظاتهم، قائلاً بلا تفكير:

    ـ أريد أن أخوض هذه التجربة.

    لكن الحرب ما لبثت أن قامت ولم تمهله حتى يجري تلك العملية. غير أن عُدي ما فتئ يردّد لطبيبه الفرنسي:

    ـ سأصبح عادياً عندما أستطيع أن ألعب لعبة الاسكواش كما كنت ألعبها من قبل!

    ـ ولكنك تعافيت.

    ـ لقد شُفيت، ولكني حين أطلق النار ببندقيتي الكلاشينكوف أشعر بأن رجلي اليسرى لم تعد مستقرة كما في السابق.

    هوس اطلاق النار

    لقد اقترح عليه طبيبه أكثر من مئتي نموذج من الأطقم المختلفة، لكنّ عُدي كان مصاباً بهوس إطلاق النار بالكلاشنكوف بحضور أصدقائه في ناديه الخاص بالجادرية، وهو ناد راق مخصّص للنخبة، به حدائق غناء تمتد على طول نهر دجلة، الذي كان يرسو به قاربه الخاص المعروف باسم «القادسية». كان الحفل عادة ما يبدأ بأغنية وطنية يشدو بها مطرب من مدّاحي صدّام.

    وكلما سمع عُدي اسم والده راح يطلق رشقات من الطلقات على جدران النادي الليلي، ومن حوله الصبايا وقد وضعن أيديهنّ على آذانهنَّ. لم يكن عُدي سوى طفل مدلّل، يسعى للتباهي بنفسه وبوالده، بل ولقد جاء ذات يوم إلى النادي بسيارته «البورش» الخردلية اللون!

    ذات يوم ذهبت إلى ناديه، وهو مكان منفّر لا ذوق فيه، زُيّن بكنبات مترفة ومرايا كبيرة. ويذكرك هذا المكان بنوادي الستينات الليلية في أوروبا. وعلى الرغم من ان النادي رديء فإنه غالٍ ـ الاشتراك السنوي فيه يتراوح ما بين مئة ألف وأربعمئة ألف دينار (ما بين 50 و200 دولار) وفقاً للمزايا المتوفرة والمسبح والمواقف المجانية.. الخ. وفي الجادرية، حيث كان يقيم أصحاب النفوذ في النظام، كان لعُدي العديد من البيوت الفخمة أيضاً.. صالونات واسعة من المرمر ومسابح وأفران لشي الخرفان وما إلى ذلك.

    كان عُدي سييء الذوق، وهو ما كان يثير الإحراج أحياناً، فلم يكن يزعجه أن يستقبل وفداً وهو يلبس جبّة تجاوز بدنه طولاً، أو بدلة بكمين مبرقشين، فقد كان يحب خليط الألوان البّراقة، وكل ذلك بدافع حب التظاهر.

    وكان الولع الاستحواذي بالجنس الآخر خطيئته الكبرى، فقد كان أحياناً يهاتف بصوته الناعم الجهير صبية مجهولة بدعوى أنّ والد هذه الصبية رجل أعمال في العراق، فيقول لها هامساً:

    - عيوني، عيوني! عيونك حلوة!

    لقد بلغ من الجرأة حداً جعل النساء يخشين الخروج، خوفاً من أن يقعن ضحية لنزواته التي تجاوزت كل الحدود وذات صباح اتصل بي حتى يسألني كيف نترجم إلى الانجليزية عبارة «أنت أمورة!».

    وكان يحب الدردشة على الإنترنت ولكم أن تتخيلوا مع مَن، وقد طلب مني أيضاً أن أترجم له كتاباً عنوانه «كيف تقوي ذاكرتك لكي تصبح قادراً على قراءة كتاب كامل في دقيقتين». لقد أمضيت شهرين كاملين في ترجمة الكتيبين والأشرطة الثمانية لهذه الخدعة الفظّة. لقد قلت له إن الأمر مجرد دعاية كاذبة حتى لا يتهمني فيما بعد بأنني غششته!

    كان عدي يحب الشرب ولعب القمار، وكان يهوى السهر طوعاً وعن إكراه أيضاً. فقد كان يعلم أن لا أحد يحبه، ولذلك كان يختفي عن أعين الناس، ويعزل نفسه عن عالم الواقع، محاطاً دوماً بنحو عشرة من الحراس. وفضلاً عن ذلك، كانت مقار لهوه خالية كئيبة، ولم يكن يجرؤ على الاستمتاع بحدائقه الخضراء لما في ذلك من خطر على حياته، فلم تكن الأسوار العالية المحيطة بممتلكاته كافية لإقناعه بأن يتمتع بحياته في هدوء وطمأنينة.

    وقد أخذ عُدي نظام جهازه الأمني عن جهاز والده، حيث كان يقف أمام المبنى الذي يفترض أنه موجود فيه، خمسةٌ أو ستة حراس يحرسونه بشكل متواصل، بينما كان يقف ثلاثة أو أربعة آخرون من خلفه. فمثل صدام اذن كان عُدي حريصاً على أمنه وعصيّاً على من يحاول الاعتداء عليه.

    غير أنّ عُدي على عكس والده، كان حرّاسه يرتدون الزي المدني ولا يعرضون أسلحتهم، فهم شباب من البدو، تتراوح أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والعشرين، ومن أصول تكريتية، قصيري الشعر غير مرتاحين في بدلاتهم وربطات العنق، ولكنهم على استعداد لارتكاب كلّ الحماقات من أجل حماية «الأستاذ».

    وكان أقاربه يستفيدون من وضعهم المميّز في ميدان الأعمال والصفقات والكسب: فقد استغل هؤلاء عشرة رجال أعمال فرنسيين كانوا في حاجة إلى تأشيرة في مطار بغداد، فاشترطوا عشرة آلاف دولار من كل واحد منهم حتى يحصلوا على التأشيرة.

    وقد كان الناس يدّعون أن عُدي كان له صنو (شخص مشابه) وهو لطيف لايا من عائلة ميسورة، وقد رأينا نحن الذين نعرفه أن الإشاعة غريبة، لكن لطيف كان يستغل بالفعل شبهه بعُدي للدخول إلى الأماكن الحساسة حتى يعاكس ويتودّد للصبايا اللواتي يعجبنه، فقد كان لطيف صنواً مهتمّاً بالأمر، وهو الذي كان يدّعي أنه «نسخة» من عُدي، ولا أظن أنّ عُدياً قد لجأ يوماً لخدماته.

    كان عُدي يستقبل زائرين أجانب كل شهرين تقريباً. كان هؤلاء في معظم الأحيان من الوسط الرياضي ومن البلدان الآسيوية خصوصاً، مدرب كاراتيه ياباني كان يأتي ليعرض خدماته، ورؤساء بعثات الفرق الرياضية المدعوة لبغداد، وكان هؤلاء الزوار أيضاً رجال أعمال، بمن فيهم الفرنسيون القادمون لالتماس دعم مقابل عمولات مغرية، وكانت المحادثات في الغالب قصيرة، ولم يكن عُدي في حاجة لمساعدتي، لأن مبادئه في الإنجليزية كانت كافية للحديث في قضايا الأعمال.

    فقد كان يتفق مع شركائه حول مبلغ مكافأته ويتكفل سكرتيره أديب شعبان بالبقية. وكان عُدي يلتقي أيضاً برجال السياسة من أمثال النمساوي جورج هايدر الذي يتعامل معه في قضايا المال. وقد جرى العرف أن يجيء معظم رجال السياسة إلى بغداد وبرفقتهم «مستشاروهم» في الشؤون المالية.

    ويذكرني هذا بإيطالية ممثلة لإحدى الشركات النفطية، جاءت يوماً لتعرض رغبتها في تسويق النفط العراقي. وقد شرحت لي قبل لقائها بابن الرئيس المزايا التي كانت تنوي جنيها من وراء هذه الصفقة، ففضلاً عن المكافأة، كانت تفكر في جعل مدير الفدرالية الرّياضية العراقية يستفيد من علاقاتها الطيبة مع الفرق الرياضية. وبعد ساعة من الانتظار قال لها أديب شعبان:

    - إن السيد عُدي يأسف لتعذر التحدث معك، وسنقوم أنا وأنت بالنظر في تفاصيل العقد.

    وقد اقترحت خدماتي على السكرتير، لكنه رفضها ولجأ إلى مترجمين ممَن يثق بهم في الأمن الخاص.

    وكان عُدي يتدخل في مجال التسليح البالغ الحساسية. ويروي في هذا الشأن أنه كان دائم الشكوى من أخيه لدى والده، وقد استشاط ذات يوم غضباً:

    - ما هذا؟ أأترك أخي يتعدى على اختصاصي؟

    وكان يتفادى اللجوء إليّ في سهراته «الخاصة» التي كان يدعو إليها فتيات الليل، ويستقبل فيها نساءً من الخارج. ذات يوم جاءني أديب شعبان ليسألني دُون ذكر السّبب إنّ كنت أستطيع أن أنصحه بمترجم للإنجليزية، فاقترحت عليه القيام شخصياً بهذه المهمة، لكن السكرتير أجابني:

    - لا، يا دكتور سمان إن عُدي مصرّ على أن لا يزعجك!

    ونصحتُ بأشخاص عديدين من دون ذكر أي واحد من الشرطة السرية. فعُدي لا يرضى بهؤلاء خشية أن ينقلوا أخباره إلى والده.

    غير أن عُدي، عندما كان يلتقي بأطبائه الأجانب، كان في الغالب يلجأ إليّ، فقد كان لا يثق بالأطباء العراقيين الانجلوفونيين، لأنه كان يخشى أن لا ينقلوا إليه بأمانة عتاب وملامة زملائهم الأجانب.

    وقد تأثر في ذلك بما حدث مع أمه ساجدة، فقد كان عُدي طفلها المفضل، وكانت تنظر بعين الملامة إلى زواج والده الثاني بسميرة شهبندر، زوجة مدير الخطوط الجوية العراقية. كنت موجوداً في مستشفى ابن سينا عندما كان أطباء أجانب عديدون يفحصون ساجدة، فقد كانت تعاني من التواءٍ في المفاصل، وكان أحد الأطباء العراقيين قد نصحها باستعمال الماء الساخن لتهدئة الألم.

    وحين روت ذلك للأطباء الأوروبيين قالوا لها إن كمادة من الماء البارد أفضل ألف مرة، ومنذ ذلك الوقت، صار عُدي يلح على أن أكون إلى جانبه أثناء أحاديثه مع الأطباء الذين يعالجونه، فقد كان يقول لي بإصرار:

    - أريدك إلى جانبي وإلا كذب عليّ العراقيون!

    ولأنه لم يكن يثق بهم، ألحّ على أن تجرى له إحدى العمليات في باريس العام 1986. وكانت مجرد عملية التواء مفاصل الركبة.

    شطط وتعسف

    الحال ان شطط عدي وتعسفه ونزواته تعود لسنوات طفولته الأولى، فقد كان دوماً متمرّداً على القوانين. وقد كان صدّام واعياً لانحرافات بكره، ولم يكن يجهل إساءته لصورة العائلة بل وحتى لصورة العراق. وكان يعاقبه على افعاله أحياناً. ففي نهاية التسعينات دخل صدّام، وهو في أوج الغضب والغيظ، إلى المرآب الذي كانت تصْطف فيه سيارات عُدي «البورش»، وأعطى الأمر للأمن بأن يضرموا النار في نحو عشرين من سياراته الفخمة.

    لقد كان عُدي طفلاً مُدلّلاً دائماً. صحيح أن والده كان يعاقبه من حين لآخر، لكن ما إن يطلق له العنان من جديد حتى يعود لجنونه مرة أخرى. كان صدّام يظنّ أن عُدي سيتعقّل ويتهذب يوماً، وقد كان حبه له أقوى من أن يُلزمه جادة الحق، فهو ابنه البكر بلا منافس - البكر الذي يمنحه لقب أبوعُدي.

    الواقع أن عُدي لو لم يكن بهذا الشطط لكان طمع في كرسي صدّام، وقد أدرك الرئيس بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها عُدي العام 1996 أن هذه الخطوة غير واردة، وقد استبعده شيئاً فشيئاً، مانحاً إياه سلسلة من المناصب الشرفية. وكان عُدي يجد عزاءه في التهريب الذي كان يُمارسه على مرأى ومسمع من منظمة الأمم المتحدة ورغم أنفها.

    والحقيقة أن صدّام كان يستخدم عُدي لأغراضه. فقد كان عُدي يستقبل الشخصيات التي لم يكن والده يرغب في مقابلتها أثناء زيارتها لبغداد. فقد تناوب صدام وعُدي مثلاً على استقبال الأميركي لويس فارخان، النشط الأميركي المسؤول عن «أمة الإسلام»، والبريطاني جورج غالواي.

    وكان الرئيس يلجأ أيضاً لصحف عُدي ليمرر رسائله إلى العراقيين. فقد تم تشجيع إصدار ما سمّي بالصحف الخاصة، حيث رأت نحو عشر دوريات النور وأسبوعيات واسعة الانتشار مع زوايا اجتماعية بارزة وأحداث عامة، وصور لفتيات شبه عاريات. وقد كانت هذه الصحف والأسبوعيات تموَّل من خزينة حزب عُدي، ويقودها أفراد من أقاربه والمقربين إليه.

    أما صحيفة »بابل«، رائدة مجموعته الصحافية، فقد كانت واحدة من الفضاءات النادرة المفتوحة لحريات النقد وتصفية الحسابات. وكان وزير الإعلام عبدالغني عبد الغفور قد قرّر العام 1996 إغلاق «بابل» لمدة ثلاثة أيام، لكن النواب وفي حركة جماعية، ما لبثوا أن أعادوا فتح الصحيفة اليومية، وهو ما أتاح لعدي أن يضيف على الصفحة الأولى عنواناً جديداً «منشور بإرادة الشعب»، وما هي إلا أيام قليلة بعد الصدور حتى راحت سلسلة من المقالات تهاجم بعنف «وزيراً شبه أميّ يحتل مناصب مهمة بفضل الحزب وبفضل السيد الرئيس».

    وقد أدت حملة القدح والتشهير هذه إلى إقالة عبدالغفور. فقد خُيّل للوزير المسكين أنه قد أحسن عملاً حين استشار الرئيس قبل إغلاق «بابل»، فأجابه صدّام قائلاً:

    - قول مسؤولياتك! فنحن نعيش في ديمقراطية!

    كان عُدي يعرف أنه قد انتهى سياسياً، فقد صار منبوذاً إلى هذا الحدّ من العراقيين، لدرجة أنه لو لم يمت برصاص الجنود الأميركيين لكانت نهايته مأساوية مثل نهاية رئيس الوزراء العراقي الاسبق نوري سعيد، الذي اغتيل العام 1958 عند سقوط الملكية.

    فقد نبش قبره وأخرجت جثته، ورُبطت في دراجة نارية وجُرّت في شوارع بغداد جرّاً وكأنها غنيمة صيد!

    وعندما شاهدت جثتي عُدي وقصي في استعراض الأميركيين لهما، قلتُ لنفسي: لقد كانت نهايتهما مشرفة والسلاح في أيديهما. فلم يكن عُدي وقُصي يمثلان أي رمز من الرموز في أعين العراقيين، لكن لو كان ألقي عليهما القبض ووضعت الأصفاد في أيديهما لكان أمرهما أسوأ بكثير مما لقياه من مصير، فلا شك أن الكثير كانوا سيرون في تلك النهاية إذلالاً زائداً بحقهما، أياً كانت مشاعرنا نحوهما.

    سنوات صدام ـ الحلقة التاسعة

    عندما تحدث ضيف صدام عن «الكوبرا»، صدام يعطي عنان محاضرة عن قانون حمورابي


    كنت أنتظر كوفي عنان في القصر الجمهوري، كان هذا اللقاء أصعب لقاء في حياتي المهنية. صحيح أن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كان «زبونا» كأي مبعوث عادي كما تعلمنا ذلك في معهد «ايزيت» لكن الظرف كان حاسما، فأي فشل في مهمته كان سيؤدي إلى عواقب مأساوية، فقد كان الأميركيون يهددون العراق، وكانت الصحافة الدولية قد بدأت تتهاطل على بغداد، فقد كانت الأزمة الجديدة مع الولايات المتحدة تقطع أنفاس العالم منذ أسابيع عديدة.

    في الثامن والعشرين من فبراير 1998 قام عنان بزيارة لصدام من أجل إقناعه بتغيير مواقفه، فقد صمم بعض مفتشي نزع السلاح في الأمم المتحدة، الواثقين بأن صدام كان يخفي أسلحة للدمار الشامل في قصوره، على أن يفتشوا هذه القصور، لكن صدام ظل يرفض ما كان يعتبره تدخلا عن غير حق.

    كانت عمليات التفتيش الأولى في العراق قد بدأت في 1991. وكان خبراء الأمم المتحدة قد دمروا كميات هائلة من المكونات التي يمكن أن تدخل في صناعة الأسلحة المحظورة، لكنهم في النهاية لم يكتشفوا الكثير مما كانوا يبحثون عنه، وبالتحديد «الجوهرة النادرة» في الترسالة العراقية، التي كانوا يثيرون حولها ضجيجا كثيرا، لكن الأميركيين ما فتئوا يلحون على مواصلة «حرث» البلاد حرثا.

    ولم تغير موقف الأميركيين هذا استقالة رئيس بعثة مفتشي نزع السلاح، السويدي رالف إيكيوس الذي اعترف قبل ذلك بعام واحد، أي العام 1997 بأن خمسة وتسعين بالمائة من مهمته التفتيشية في العراق قد انتهت نهائيا، فقد اعتدنا في النهاية على هذه اللعبة التافهة.

    لكن هل كانت الخمسة بالمائة المتبقية من التفتيش تشكل حقا تهديدا للمنطقة، ومن باب أولى على الولايات المتحدة تحديدا؟ بالطبع لا! فاليوم نسمع مفتشين سابقين يقرون بتلك الحقيقة، لذلك كان على أميركا أن تجد ذريعة أخرى حتى تثقل الملف العراقي، فقد صار الأميركيون يقولون إن الحصار لن يرفع عن العراق إلا حين يغادر صدام السلطة، فقد كانت الإطاحة به في الواقع هي هدفهم السياسي الوحيد، وكانوا في حاجة إلى معلومات حديثة حول جهازه الوقائي.

    وكان بيل كلينتون يزيد الطين بلة بما كان يشيعه من تصورات حول اتساع قصور صدام، فقد ادعى أن بعض الأجنحة قد حولت إلى ورشات لصناعة الجمرة الخبيثة، فقد كان كلينتون المتورط في علاقته الجنسية مع مونيكا لوينسكي، في حاجة إلى استعادة الرأي العام لصالحه، ولم يكن رئيس البيت الأبيض يجهل أنه بطلبه الدخول إلى القصور الرئاسية، سيلمس نقطة حساسة عند الرئيس. ألم يوضح صدام قبل ذلك ببضعة أشهر «الحصار سوف يرفع، أيا كان الثمن، وسواء أعجب ذلك الولايات المتحدة أو لم يعجبها!»؟! فقد كانت المواجهة تبدو محتومة لا محالة، وكان العراق على ما يبدو هو المحرض على الأزمة.

    في أكتوبر 1997 كنا قد اشترطنا رحيل المفتشين الأميركيين، فقد كان بعضهم جواسيس لحساب وكالة الاستخبارات الأميركية أو في خدمة استخبارات البنتاغون. فقد اعترف رسميون أميركيون بتلك الحقيقة بعد ذلك ببضعة أشهر، لذلك فقد كان المخرج الوحيد من المأزق الذي طوقنا به المنطق الأميركي - أي الرفض الكامل لرفع الحصار - هو أن يتبنى العراق موقف التحدي والاستفزاز.

    فقد راح العراق يصعد الضغط حتى يضع أقدامه على أرضية سياسية، لكن منظمة الأمم المتحدة، وبسبب سوء نية أعضاء مجلس الأمن، ما فتئت ترفض الالتزام بهذا المسلك، فلم ترغب منظمة الأمم المتحدة يوما، تحت ضغوط الأميركيين والبريطانيين على الخصوص، أن ترد على السؤال الأساسي، وهو: هل كان العراق يشكل في نهاية التسعينيات خطرا على أمن المنطقة واستقرارها؟ لأن المنظمة لو كانت ردت على السؤال لكانت الإجابة: لا... حتما!

    ساعتها قلت لنفسي: «مسكينة منظمة الأمم المتحدة هذه التي يتملقها الأميركيون اليوم حتى يتخلصوا من مصاعبهم في العراق، بعد أن استغلوها أسوأ استغلال ثم أهملوها بكامل الغطرسة والكبرياء»، ففي تلك الأثناء كان غياب جرد كامل لترسانة العراق يفسح المجال لكل التجاوزات والمناورات. وقد أدركنا ذلك بالفعل العام 2002 عندما أثبت الأميركيون وأصدقاؤهم البريطانيون عدم قدرتهم على إسناد ملف اتهام صدام بصلاته مع شبكة القاعدة.

    ومما لا شك فيه أن كوفي عنان لم يكن يجهل أي شيء من كل ذلك، عندما وصل إلى بغداد، فقد أخرجت له وكالات منظمة الأمم المتحدة العديدة في العراق كميات هائلة من المعلومات.

    وقد كان يعرف أيضا التدهور البطيء والمنتظم للوضعية الإنسانية في البلاد ولبنياتها التحتية، على الرغم من القرار المسمى بـ «النفط مقابل الغذاء»، ولم يكن يجهل أيضا الكوابح والعوائق التي كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تفرضانها على لجنة العقوبات في الأمم المتحدة في نيويورك في مسألة توزيع العقود على الشركات الأجنبية الراغبة في المتاجرة قانونا مع بغداد.

    كلام عن الكوبرا

    لقد كان صدام يصر دائما على أن تترجم أقواله من قبل عراقيين، رافضا رفضا قاطعا المترجمين المرافقين لضيوفه الأجانب. فقد كانت أسباب الأمن والفعالية هي المحرك لهذا المبدأ الصارم، ولم يكن مستبعدا بالفعل أن يدلي بعض محدثيه بأقوال معادية للعراق قد لا يجرؤ المترجم الأجنبي على ترجمتها ترجمة وافية، فقد كنا نحن العراقيين نعلم أن صدام كان يحب سماع كل شيء.

    في العادة كنا مترجمين اثنين، وفي تلك المرة كنت وحدي، فقد تعرض زميلي إبراهيم جلال لحادث سير على طريق القصر. وكان مدير التشريفات قد سألني إن كان غيابه لا يعوق عملي، فأجبته بأنني سأتدبر أمري، وبشكل عام كنت أعد ترجماتي بالبحث في ماضي ضيف صدام والبلد الذي يمثله، فقد كان هذا البحث يوفر علي الوقوع في أخطاء خرقاء، لا سيما إذا كان هؤلاء الضيوف قادمين من الدول الصغيرة التي لا نعرف عنها الشيء الكثير.

    أذكر مثلا أنني قبل زيارة الرئيس عبدالله رئيس جزر القمر الأولى لبغداد، كنت قد تصفحت إحدى الموسوعات واكتشفت أن (جزر القمر) تشتهر بفاكهة تسمى «كوبرا» باسم الحية الشهيرة، وفي اليوم التالي حين سأله صدام عما جاء به من اقتراحات في إطار المبادلات الثنائية، تحدث ضيفه عن «الكوبرا»، فحمدت الله أنني كنت أعرف أنه لم يكن يتحدث عن الحيات.

    أما مع كوفي عنان فلم يكن الإعداد في حالته يجدي نفعا، فقد كنت أعرف الموضوع جيدا، ففي كل يوم تقريبا كنت أعد للرئيس تقارير حول مواقف منظمة الأمم المتحدة في الشأن العراقي، وقد اكتفيت بـ «مراجعة» القرارات المتخذة منذ العام 1990 تفاديا للوقوع في خطأ الترقيم.

    كنت قبل بداية اللقاء أسأل كوفي عنان إن كان يرغب في التحدث بالإنجليزية أم بالفرنسية، ولما كان أعضاء وفده يجيدون لغة شكسبير بشكل أفضل، فقد أجابني بأنه سيتحدث بالإنجليزية. في بداية الحديث وتلطيف للجو راح صدام وكوفي عنان يتبادلان بعض المزاح. وفي هذا السياق هنأ الأمين العام للأمم المتحدة الرئيس على ربطة العنق ذات الألوان الزاهية. وقد كنت قلقا وفخورا وأنا أعيش هذه اللحظات المهمة.

    كان كوفي عنان محاطا بالعديد من المستشارين، وكان صدام حسين محاطا بطارق عزيز، المحرك الرئيسي للصلات مع منظمة الأمم المتحدة، وعبد حمود سكرتيره الشخصي. في بدايات الحوار ركز كوفي عنان على العواقب الإنسانية المترتبة على استمرار الحصار المفروض على العراق، واستحضر تاريخ بلاد ما بين النهرين، وأزاح الجوانب السياسية للأزمة إلى المحل الثاني من الحديث. وقد تحدث عن «الدم العراقي الذي كان ينبغي ألا يسيل من جديد».

    وقد تأثر صدام لأقوال محدثه أيما تأثر، وأدرك أن وراء الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة كان يخاطب رجلا حريصا على إنسانية الشعب العراقي ورفاهه. فقد كان ضيفه يتحدث بصوت ناعم لا غلو فيه ولا تهديد، وهكذا سرعان ما سرى تيار الانسجام ما بين الرجلين.

    وقد بدأ صدام، الحريص دوما على أن يعي كل ضيف من ضيوفه أنه يقف على بلد ليس كأي بلد إفريقي أو في الشرق الأوسط، بدأ حديثه كعادته بمقدمة طويلة عن تاريخ العراق العريق. فهنا في العراق حرر الإنسان أول قانون مدني، قانون حمورابي، الذي أسس المساواة ما بين الرجال والنساء، ثم دخل في تفاصيل بيانه حول صلب الملف العراقي قائلا:

    ـ ليس من المنطق أن يخفي بلد، أي بلد، أسلحة للدمار الشامل في قصوره، فالأميركيون يعرفون هذا، أنظروا كم هم يبالغون، ولو من حيث المساحة، ففي رأيهم أن القصور تغطي ثمانين كيلو مترا مربعا بينما المساحة الحقيقية لا تتعدى واحدا وثلاثين كيلومترا مربعا. إن هدفهم هو التجسس على العراق وانتزاع معلومات لا يسعهم الحصول عليها إلا عن طريق هذا الأسلوب، إنها مجرد مناورة تجسسية لا بد من أن نتصدى لها.

    كان صدام يكثر من استعمال كلمة «كرامة»، فقد أطال الحديث عن السيادة الوطنية. وقال:

    ـ إذا أصر الأجانب على الدخول إلى القصور الرئاسية التي هي في الواقع ملكا للشعب، فإنهم بذلك سيسيئون إلى كرامة العراقيين كافة، ونحن على اقتناع بأنه حتى وإن رضخنا واستسلمنا، فسوف يتذرع الأميركيون بمبررات أخرى حتى لا يرفع الحصار عنا، إذن ما الذي يجبرنا على القبول؟

    وكان طارق عزيز لا يرى إلا ما يراه القائد، وقد رد عليه كوفي عنان قائلا:

    ـ إننا نعلم أنكم لا يمكن أن تخفوا أسلحة محظورة في هذه القصور، لكن علينا أن نثبت أنكم لا تملكون أي سلاح محظور، إنها مسألة شكلية.

    وقد كان كوفي عنان يقر، من دون الاعتراف بذلك صراحة، أن ثمة مناورة أميركية، وتابع حديثه يقول:

    ـ كلانا يتحدث عن حسن نية، إن القرارات التي سنتخذها اليوم سوف يكون لها أثر حاسم على مستقبل شعبكم، لكن إذا كان البعض يبدون سوء النية فلا يجوز أن ندعهم يجرون العالم نحو كارثة، علينا أن نبذل جهدا وأن نشعل نارا مضادة.

    وقد حرص على ألا يذكر الأميركيين بالاسم، لكن التلميح كان واضحا شفافا، وقد أضاف قائلا:

    ـ ثم أنت محام، وتعرف أن الدخول إلى القصور قد صار من الناحية القانونية مدرجا ضمن قرارات الأمم المتحدة، فلا خيار أمامك سوى القبول حتى وإن كنت غير راض عن القرار.

    وقد ردد كوفي عنان هذه الجملة مرات عديدة، حتى أغاظ ذلك صدام.

    ـ سمان، قل له إنه حتى وإن كنت أحمل شهادة في القانون، فلم أكن يوما محاميا.

    كان صدام ينظر إلى نفسه كرجل دولة، وليس كرجل قانون غامض. كانت تلك لحظة غضبه الوحيدة، لكن الحوار، على الرغم من لهجته الهادئة، فقد ظل متعثرا، وما فتئ الرئيس يردد بلا كلل:

    ـ أنت على حق، ولكننا بلد ذو سيادة، فلو رضخنا اليوم فسوف يطلب منا الأميركيون غدا تنازلات جديدة، ولن يكتفوا بذلك، إذن لماذا التنازل مرة أخرى؟

    وقد أضاف صدام إلى هذه الأقوال جملة ما فتئت تلازم أحاديثه على مدى سنوات حكمه الاثنتين والعشرين:

    ـ نحن رجال مبادئ، ولا نقبل بأي أمر يفرض علينا بالقوة.

    غياب المرونة

    كان انعدام المرونة سمة رئيسية في طبعه، فحتى آخر لحظة، وإلى أيام قليلة قبل بداية الحرب، لم يقدم أي تنازل، ضاربا عرض الحائط بالهجرة التي اقترحت عليه لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة.

    بعد ساعة ونصف الساعة من الحوار، بحضور الوفدين، التفت كوفي عنان نحوي وهو يقول:

    ـ اسأل صدام حسين إن كنا نستطيع مواصلة الحديث في جلسة مغلقة.

    ما لبث صدام أن أعطى موافقته، وأمر بأن ينسحب الوفدان من المكان، وأصر كوفي عنان على أن يهنئني أمام صدام قائلا:

    ـ أنت محظوظ بمثل هذا المترجم الجيد.

    ومن باب التواضع ليس إلا اكتفيت بشكره، وقد حدق فيّ كوفي عنان قبل أن يضيف إن كلامه غير موجه لي بل للرئيس، ولم أجد بدا من ترجمة هذه الكلمات، وقد رد عليه صدام قائلا:

    ـ قل له إننا نعرف ذلك.

    وظل كوفي عنان وصدام وأنا واقفين بعض اللحظات. وهما يسيران تبادلا بعض أحاديث الظرف، فقد انشغل صدام كثيرا براحة إقامة ضيفه وبمدة إقامته الدقيقة. وبعد أن عرض عليه سيجارا تواصل الحوار. كنت أتوقع أن يقدم كوفي عنان اقتراحا للخروج من الطريق المسدود، لكنه استمر في التركيز على الجانب الإنساني للأزمة.

    ـ لندع جانبا وظيفتي باعتباري الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، ولنتحدث رجلا لرجل، لنفكر في مصلحة شعبك، ونتساءل كيف نستطيع أن نحبط ما تسمونه ب«المكائد الأميركية»، ونخدم قضية السلام التي نتمسك بها نحن الاثنان؟ إن هدف الأميركيين هو أن يجعلوكم ترفضون كل اتفاق على الدخول إلى القصور، إن رفضكم يمنحهم الذريعة لضربكم.

    وقد علمنا فيما بعد أن مادلين أولبرايت، وزيرة خارجية بيل كلينتون، قد اتصلت به هاتفيا مرات عديدة أثناء إقامته في بغداد، فقد كانت توجه له أوامر بعدم توقيع أي شيء مع العراق، وكان ذلك دليلا جديدا على رغبة الأميركيين بتخريب مهمة آخر فرصة لتفادي الأزمة.

    وحتى يبرر رفضه للاستسلام، راح صدام يركز على سلوك مفتشي الأمم المتحدة لنزع الأسلحة.

    ـ هؤلاء لا هم لهم سوى إيجاد المزيد من المشكلات مع العراقيين، فهم يطلبون منا أشياء غير مقبولة، وهم يعلمون جيدا أننا سنرفضها، إنهم يريدون الأزمة.

    أحد هؤلاء المفتشين وهو سكوت ريتر، رئيس البعثة «الردع» كثيرا ما كان موضع انتقاد بسبب سلوكات رعاة البقر التي كان يسلكها، فقد توجه مع فريقه من دون إعداد سابق إلى أحد معسكرات الحرس الجمهوري في عز الليل، وطلب منهم أن يفتحوا له باب مدخل المعسكر، وقد انتظر المفتشون نصف ساعة كاملة قبل أن يحصلوا على إذن بالدخول، وهو ما جعل ريتر يردد بأن العراقيين قد استغلوا هذا الانتظار حتى ينقلوا سرا الأسلحة المحظورة.

    ومع ذلك فقد كان قد أبرم بروتوكول بين الأمم المتحدة وبغداد مفاده أن العراقيين ينبغي أن يخطروا مسبقا بزيارات مفتشي نزع الأسلحة.

    وقد فوجئنا بعد مرور سنتين، العام 2000، أن ريتر قد غير مبادئه وعاد إلى العراق ليدافع عن قضيتنا، ويقول بصوت عال بأن عملية نزع السلاح كانت شبه كاملة، لكننا لم نأمن جانبه، فهل صار الجاسوس القديم الناطق باسمنا؟ لقد تصورناه يلعب هذه المسرحية حتى يتاح له المزيد من التجسس علينا.

    وقد لمح صدام إلى هذا النوع من الانزلاق من دون أن يذكر سكوت ريتر بالاسم، فلم يكن يحب الدخول في تفاصيل الأسماء مع محدثيه، فقد كان دوما يضع نفسه على مستوى المبادئ.

    ـ أتريدون، مع هذا النوع من السلوك، أن أدع المفتشين يدخلون إلى القصور؟ تصوروا قليلا ما الذي يمكن أن يفعلوه في داخل هذه القصور.

    وقد رد عليه كوفي عنان قائلا:

    ـ إنهم أشخاص قد يرتكبون أخطاء، وإطار مهمتهم إطار واضح ومحدد، لكن الأفراد أحيانا يتصرفون بكيفية غير محسوبة، وتأكدوا أن منظمة الأمم المتحدة لا تكفل هذا النوع من السلوك.

    بكثير من الحذق راح الأمين العام للأمم المتحدة يبرئ منظمته، بإلقائه مسؤولية الإنحرافات على الأفراد، وقد أعطى الضمان بأن أي تفتيشات محتملة سوف تجرى بلا أية سلوكات استفزازية.

    ـ علينا أن نأخذ بالاعتبار أن الأمر يتعلق بمواقع حساسة، وبأماكن تتميز بقيمة رمزية عالية، فلا يمكن أن نزورها كما نزور وزارة من الوزارات، وينبغي أن يتلقى مفتشونا تعليمات في هذا الاتجاه.

    الحفرة تتعمق

    على الرغم من استمرار الحديث ثلاث ساعات كاملة ما بين الرجلين، فلم يظهر أي بصيص من النور في نهاية النفق. في نفسي كنت أفكر بأن الحفرة ما فتئت تتعمق وتتعمق، فالجلسة السرية ما بين الرجلين لم تضع على السطح أية أفكار جديدة قادرة على فك عقدة الأزمة، فقد ظل صدام يرفض التنازل عن مواقفه، لذلك فقد دهشت أيما اندهاش وقد رأيته يعلن التنازل فجأة. فقال:

    ـ بعد أن عرضتم علي القضية على هذا النحو، وبدا لي منكم أنكم قد فكرتم في كامل الاحتمالات، فإنني أثق في منظمة الأمم المتحدة الثقة التي تجعلنا نحترم الاتفاق المبرم بيننا احتراما صارما، لكن يجب أن تعلموا أنني أفعل ذلك على مضض، وإني لعلى يقين أن الأميركيين سوف يختلقون ذرائع جديدة، فلديهم الإرادة في ضربنا، وهذا الاتفاق لن ينهي خلافنا. ولكن وكما طلبتم مني، فلن أمنحهم المبرر الذي يبحثون عنه من أجل ضرب العراق.

    وحتى نثبت مرة أخرى حسن نوايانا سنقبل باقتراحكم، وإنها لمجاملة منا تجاهكم طالما أنكم كلفتم نفسكم مشقة الرحلة حتى بغداد. ورأيت طلعة كوفي عنان وقد علاه الابتهاج، فقد صار يشع بالفرحة. وقد راودني الإحساس بأنه قد يرتمي في حضن صدام ويقبله، فقد أوشك أن يفقد كل أمل في جعله يتراجع عن مواقفه.

    في الواقع كان صدام قد أعد ضربته، ففي مجرد استقباله للأمين العام اشارة لنواياه. لقد كان تسلسل هذا الحديث المطول ينطبق على سيكولوجية الرئيس، فقد كان فكره معقدا وملتبسا، وكان، بالالتفاف حول الموضوع من دون الدخول في صميم الأشياء، يفضل أن يعطي الانطباع أو يوحي بأنه يقدم حلا وسطا بدلا من أن يوافق مباشرة على المقترحات المقدمة إليه.

    خلال ذلك اللقاء اقترح صدام أن يرافق المفتشين دبلوماسيون محنكون لتفادي أي انزلاق. كانت الفكرة مطروحة، وكان العراقيون قد أكدوا النقاط التي يمكن أن يتفقوا عليها مع منظمة الأمم المتحدة، ومنها الفكرة التي اقترحها صدام.

    في هذا الشأن تم إعداد مسودة اتفاق قبل اللقاء. وقد صدق الرجلان على مبدأ أن لا يقوم المفتشون بأي زيارات مفاجئة، وبأن كل تفتيش يجب أن يعلن عنه مسبقا وبشكل دقيق. وقد قبل صدام أيضا بتشكيل فرق الدبلوماسيين حتى تدخل الاتفاقات الموقع عليها حيز التطبيق بلا تأخير.

    في الجلسة المغلقة نفسها تصافح الرجلان بحرارة، فقد أعطى صدام فرصة للسلام أعلن من خلالها أنه لم يخف شيئا، وقد كان كوفي عنان الرابح الأكبر من الأزمة. ورد فعل الإدارة الأميركية المحرجة كاف للتدليل على ذلك.

    ترى لماذا قبل صدام في النهاية أن يلين موقفه؟ فضلا عن احترامه للأصول، فقد وجد صدام نفسه أمام متحدث قد فهم الحقيقة بينما لم يكن قد التقى به من قبل قط، فقد تمكن كوفي عنان من أن يفرض مناخا وديا. لم يأت إلى بغداد لكي يعطي دروسا، ولم يسع إلى اللعب بالمشاعر، وقد خاطب في صدام حسين نواياه، وبذلك أثبت أنه دبلوماسي غير عادي.

    ولا شك أن في هذا الحديث عبرة، فاختيار الجلسة المغلقة كان تركيزا على البعد الشخصي للقاء، بينما في الأساس لم يغير هذا اللقاء شيئا، فقد عرف كوفي عنان كيف يمدح ويطري ذاتية صدام، مقدما بذلك الدليل على أن هذا الأخير لم يضع، تعسفا، أي عائق في طريق أي حل معقول.

    ومزيد من الحوار معه أمر ممكن جدا شريطة ألا يحكم عليه مسبقا. الشيء نفسه كان يمكن أن يحدث ثانية العام 2003، لكن هذه المرة كان الأميركيون ناقمين على كوفي عنان، وكانوا يسعون إلى الحرب بأي ثمن بعد أن لم يبق عندهم شيء يتفاوضون حوله.

    على إثر هذا الحوار كنت منهكا. عند خروجنا أمسك صدام حسين يدي وقال لي:

    ـ سمان! لقد أديت عملا جيدا. فلا شك أنك متعب.

    لا قواعد مع صدام

    أما طارق عزيز، الذي ما لبث أن التحق بنا، فقد مدحني هو الآخر ببضع كلمات ودية، ثم طلب الرئيس من مصوره الشخصي أن يأخذ لنا صورا معا. واعتقدت أنني سأقبض مكافأة مجزية، فقد كنت أنوي تغيير السيارة. ففي العادة كان عبد حمود، كلما كانت ثمة رغبة في مكافأتي، يسلمني رسالة لكي أسلمها بدوري إلى المحاسب، غير أنني لم أستلم شيئا مما توقعته، إلى أن جاء اليوم التالي، فمنحت ما يعادل ثمانين دولارا، وهو مبلغ زهيد مقابل مهمة غاية في الأهمية، وكانت الحجة أن لا قواعد مع صدام.

    بعد مضى بضعة أسابيع كلفت بمرافقة عبد حمود والمفتشين بصفة مترجم رسمي. وقد كانت الرئاسة تحمل القضية على محمل من الجد. لم يكن صدام يريد الاكتفاء بتقرير الوزراء الموجودين أثناء عمليات التفتيش، من أمثال عامر رشيد الذي وضع على رأس إدارة البترول. وقد قمنا بزيارة كل القصور، قصور العاصمة وقصور المحافظات على السواء، وكان طارق عزيز وأحمد حسين رئيس الديوان يلتحقان بنا من حين لآخر.

    ولن أخفي أن مهمة التفتيش قد جرت في جو كامل من المزاح. فقد كان السفراء المكلفون بمراقبة المفتشين، الموزعين على مختلف المواقع، يتبادلون النكات. في المقابل كان مفتشو نزع السلاح يؤدون عملهم بعناية. فقد انشغلوا في الواقع بإعداد مخططات الإقامات الرئاسية أكثر مما انشغلوا بتفتيش تلك المقار. ومن تصرفاتهم اقتنعنا بأن هذه الزيارات لم تكن سوى ذريعة لتصعيد الخلاف ما بين الأميركيين والعراقيين.

    وحين تعرضت هذه القصور الخالية بعد ثمانية شهور للقصف المكثف، أدركنا الهدف الحقيقي من تلك المناورة، ألا وهو التعرف بشكل أفضل على مخططات القصور حتى يتسنى ضرب أهم رموز السلطة من دون أي مجازفة.

    سنوات صدام ـ الحلقة العاشرة

    ورطة سياسية في مسلسل طويل : البرود يسود حديث الأستاذ الفرنسي والتلميذ العراقي


    ما فتئتْ علاقات العراق مع فرنسا، التي باشرها البلدان بكثير من الحرارة والحماسة في السبعينات، تتدهور شيئاً فشيئاً. ففي مارس 1998 جاء اللقاء المكهربُ ما بين صدّام حسين والمبعوث الشخصي للرئيس جاك شيراك، برتران دوفورك، بمثابة النقطة الحاسمة في الاستخفاف وعدم الفهم الذي طبع نهاية العلاقات ما بين البلدين. فقد كان ذلك اللقاء أقصر اللقاءات المئة التي حضرتها وأكثرها توتراً على الإطلاق.

    حدث ذلك اللقاء بعد مرور شهر على قدوم كوفي عنان إلى بغداد والنهاية السعيدة لأزمة القصور الرئاسية. كان الفرنسيون في تلك الفترة قد أرسلوا وفداً لمقابلة الرئيس العراقي، وكان هذا الوفد الذي قاده برتران دوفورك نفسه، وهو الأمين العام السابق لوزارة الخارجية، يضم ثلاثة دبلوماسيين من مستوى عال وهم: جان كلود كوسران. مدير دائرة افريقيا الشمالية والشرق الأوسط بالخارجية الفرنسية وجان فرنسوا جيرو، المستشار الدبلوماسي لجاك شيراك بقصر الإليزيه، ورئيس قسم المصالح الفرنسية بالعراق إيف أُوبين دي لاموزيرييه.

    وقد استقبلهم صدّام ببدلته وحذائه الإيطالي في القصر الجمهوري وهو يعي جهود فرنسا لتجنيب العراق هجومات أميركية جديدة. وكان الخرقُ الوحيد للبروتوكول، كما ذكرت، وجودَ المترجمة الفرنسية نَدى يافي التي كانت تجلس إلى جانبي أثناء اللقاء. لقد رفض رئيس البروتوكول قيس المختار حضورها لكنّ دوفورك كان قد أصرّ قائلاً:

    - إني أحمل رسالةً شخصية من الرئيس شيراك إلى الرئيس صدام حسين، ونحن نشترط أن تنقل مترجمتنا حديثنا بأمانةٍ لرئيسكم. إني أحب أن أكون على يقين من أنّ رسالة الرئيس شيراك البالغة الأهمية قد صارت واضحة كل الوضوح. وأنا هنا أيضاً لكي أقول أشياء أساسية للرئيس صدام حسين.

    وأخيراً توصلنا إلى حلّ وسط، حيث اتفقنا على أن يحتفظ كل وفد بمترجمه.

    لقاء في تكريت

    بعد مرور شهر على ذلك اللقاء، جاءت الزيارة الثانية للمبعوثين الفرنسيين. وكنت في هذا اللقاء المترجم الوحيد. كان الوفد يتكون من الدبلوماسيين أنفسهم. وبعد وصولهم بقليل، التقيت بهم، كما جرت العادة، بقصر السلام في بغداد حيث استقبلهم طارق عزيز. بعد ذلك انطلقت بنا السيارات نحو وجهةٍ مجهولة، وجلست في أول سيارة في الموكب كان يقودها مسؤول الأمن. كان طارق عزيز، المحب لفرنسا ولسياستها، المتحدث المفضل عند الدبلوماسيين القادمين من باريس، ومنهم على الخصوص إيف دي لامزيرييه وأندريه جانييه، السفيران الأخيران لجاك شيراك لدى بغداد. كان الرئيس ينتظرنا في تكريت.

    في ذلك اليوم بالذات اكتشفت معنى العبارة «افتح الطريق!»، التي كانت تعني في لغة الحراس «فتْح الطريق لوفد أجنبي» آت إلى العراق. في العادة كانت حركة المرور، عندما كنت أجلس إلى جانب الرئيس، تتوقف على مسار الموكب، فلا يعترض طريقنا أي عائق. لكنّ المسار في ذلك اليوم لم يكن مرسوماً كالعادة، إلاّ أن ذلك لم يمنع السائق من التقدم بسرعة طائشة، مستخدماً المصابيح الدوّارة وصفارة الإنذار، آمراً السيارات الأخرى بإخلاء المرور.

    لكنّ سيارات كثيرة لم تلتزم بهذا الأمر، وهو ما جعلني أحس أنّ سائقي الشاحنات، التي كنا نتقاطع معها، كانوا يتحدّون سلطة الدولة بأقل الأضرار. وحين تركنا إلى يسارنا طريق الرضوانية، أدركت أننا نسير في اتجاه تكريت، منطقة نفوذ الرئيس الواقعة على مسافة مئة وسبعين كيلو متراً شمال بغداد، ففي تلك السنة كان صدّام يقيم بانتظام في قصره التكريتي، حيث كان يستقبل ضيوفه.

    وعند الوصول، لم تجر المراسيم كما كانت في العادة،.فبينما كان استقبال ضيوف الرئيس يجري بوجه عام في غرفة خلفية حيث يُقَدَّم لهم الشاي، دخلنا هذه المرة مباشرة إلى قاعة شاسعة قوام أثاثها أربعون أريكة. أما المفاجأة الأخرى فقد جاءتنا من الرئيس نفسه، الذي دخل بالزي البدوي التقليدي، حيث لبس عباءة طويلة سوداء ووضع على رأسه غترة بمربعات منسقة سوداء وبيضاء.

    كان ارتداء صدام لعباءةٍ حدثاً استثنائياً، فآخر مرة لبس فيها العباءة كانت، إن لم تخني ذاكرتي، قبل عشرة أعوام، حين زارنا حسين حبري التشادي. وقد كان من النادر أيضاً ان يضع غترة على رأسه، وكان ظهوره بهذا الزي يثقل أجواء اللقاء من أول وهلة.

    كان صدام يعلونا مجلساً، وكأنه رغب هذه المرة في أن ينظر إلى زواره بازدراء، وهو ما لم نعهده منه كثيراً، لأنّ صدام يحرص دائماً على أن يضع نفسه معهم على قدمٍ من المساواة. وما لبثتْ هذه التصرفات الغريبة أن بدأت تثير حيرتي، وبدا لي أنّ مزاج صدّام على غير ما يرام.

    وحين اقتربنا منه، وقد كنت أقف إلى يسار الوفد، أحجم الرئيس عن الابتسام وعن تقديم التحية المألوفة «أهلاً وسهلاً!». كان أحد الحراس يقف وراءه منتصباً، وكان الديكور العام بارداً كالجليد: فلا أثاث تقريباً، وسقوفٌ عالية تكثف صدى صوت الرئيس. وظل واقفاً بلا حراكٍ إلى أن أشرف ضيوفه عليه. لكنه لم يمد إليهم يده إلاّ في آخر لحظة قبل أن يقول لهم في برود:

    ـ تفضلوا بالجلوس

    ثم جيء بصينية الضيافة، غير أنني أدركت أن الحوار سيغلب عليه التوتر حتى قبل تقديم الشاي. كان صدّام قد اطلع على فحوى الرسالة التي جاءه بها برتران دوفورك، وكانت هذه من عادات الدبلوماسية التي تسمح بإعداد اللقاء ما بين المبعوث وما بين المعنيّ بالرسالة. غير أننا في هذه المرة لم نحصل سوى على عكس الآثار المرجوة، فقد شرع صدام في الأخير في الحديث قائلاً:

    - لا بد من أن أقول لكم إنني شعرت بالخيبة بسبب رسالة الرئيس جاك شيراك، فلم أكن أتوقع أن يخاطبني بهذه اللهجة. نحن بلدٌ صاحب تاريخ طويل، بلد منشأ الحضارة، لقد علّمنا العالم القراءة والكتابة، فأول قانون في التاريخ شرّعه عراقيٌ، الملك حمورابي، ولذلك أرى من غير المقبول أن يأتي اليوم من يلقنني الدروس؟

    كان يبدو مغتاظاً مستاء، لم يسبق لي أن رأيته في مثل هذه الحالة من قبل قط. كان وجهه الهادئ في العادة يكشف عن غضبه الشديد، لكن دوفورك ما لبث أن ردّ عليه بكيفية مفرطة في الدبلوماسية:

    - سيدي الرئيس، لم نكن نرغب في إحداث هذا الانطباع عندكم. إننا نقدّر انفعالكم، لكنّ اعلموا أن فرنسا لا تسعى إلى فرض تصوراتها على العراق، فنحن حريصون على سيادته، لكنكم تعرفون مدى أهمية القضية التي قادتنا إليكم، لا ينبغي أن تمنحوا الأميركيين ذريعة لشن الحرب ضدكم. علينا أن نحلّ مشكلة القصور الرئاسية طبقاً للترتيبات التي تم الاتفاق عليها بينكم وبين كوفي عنان قبل شهر واحد،.ينبغي أن تسمحوا لمفتشي الأسلحة في الأمم المتحدة بالدخول إليها، وسوف يرافقهم دبلوماسيون، هذه هي دلالة رسالة الرئيس شيراك إلى سيادتكم.

    لقد كانت لهجة الرسالة أكثر حدّة وقساوة من هذه الأقوال. فقد قال جاك شيراك إجمالاً إن فرنسا قد بذلت مع مجيء كوفي عنان جهوداً كبيرة من أجل حلّ سلمي لقضية القصور الرئاسية، وقد ألحّ على أهمية الرهان وناشد الرئيس أن لا يُفوّت الفرصة التي أتيحت له.

    كان الرئيس الفرنسي قد بذل بالفعل قصارى الجهد من أجل أن تنتهي أزمة فبراير إلى مخرج سلمي. فقد عمل طويلاً لدى الطرفين حتى يقبلا التفاوض. وقد وضع طائرة خاصة تحت تصرف أمين عام الأمم المتحدة لهذا الغرض.

    وتمّ تلافي الضربات الأميركية. كان جاك شيراك يعتقد أنه يستطيع ممارسة تأثيره على صدّام حتى يحجم هذا الأخير عن تحديه للولايات المتحدة، لكنه ارتكب خطأً فادحاً حين قدّم له النّصح، فقد كانت الرسالة قصيرة وحادة، وأهملت إبراز ماضي العراق الذي كان صدّام متمسكاً به كثيراً. لقد كان الأستاذ الفرنسي يوجّه حديثه للتلميذ العراقي.

    وقد فسّر صدّام هذه العناية غير الموفقة كتحذير شبه سافر، وهو ما أثار حفيظته وعزّز قناعاته الثابتة. فعزّة نفسه وكبرياؤه لم تتحملا هذا النوع من الدروس. وقد اقتصر اللقاء على شبه مونولوج من طرفه وحده. وعند الخروج طلب من طارق عزيز أن يبقى معه بعض اللحظات وودّع ضيوفه بمصافحة باردة. وفي اليوم التالي، وعلى عكس العادة، لم تشر وسائل الإعلام العراقية إلى زيارة الفرنسيين سوى بإشارة عابرة.

    ورطة سياسية

    بعد المقابلة أحسست أننا وقعنا في ورطة سياسة كبيرة، يتحمل الموقف الفرنسي القسط الأكبر فيها. فعلى عكس كوفي عنان، لم يجد الفرنسيون الكلمات المناسبة لملاطفة صدّام، فقد اختاروا موقفاً أقرب إلى الأمر المفروض، وهو ما لم يكن ليتقبله الرئيس بكبريائه وعناده اللذين لا حدّ لهما.

    ومن الغرابة بمكان أن يتصرف الفرنسيون على الرغم من تواصلهم معه منذ عقود، بمثل ذلك الأسلوب الشائن المعيب، فقد كانت هذه المبارزة الكلامية، التي ظلت طي الكتمان، حجة قوية لكل العراقيين الذين يأخذون على فرنسا معاملتها معنا على غرار معاملتها لهذا البلد أو ذاك من بلدان مستعمراتها الافريقية القديمة. وقد تحدثت فيما بعد في هذا الشأن مع عبد حمود، الذي قال:

    - نحن بلد مستقل ومتمسكون بكرامتنا، فإذا كانت فرنسا ترغب في إعطائنا أي شيء، فعليها أوّلاً أن تحترم الأعراف، وأن تعاملنا كدولة ذات سيادة.

    لقد كان صدّام يأمل دائماً في إقامة علاقات طيبة مع باريس، فقد كان يؤكد باستمرار أن بغداد كانت أول بلد عربي يستورد الأسلحة الفرنسية بكثافة، وهو ما أتاح لفرنسا التغلغل في أسواق جديدة في الشرق الأوسط، إذ اشترى العراق الرائد في هذا المجال طائرات ميراج أثناء الحرب ضد إيران، ناهيك عن صواريخ إكزوست والمدافع والدبابات الهجومية من طراز «آمكس» ،والسيارات المدرّعة وأعدادٍ من المروحيات.

    وما بين عامي 1980 و1990 اشترينا من فرنسا ما قيمته مئة مليار من الفرنكات من الأسلحة بكل أنواعها، وهو ما يمثل أربعين بالمئة من مجموع صادراتها من الأسلحة، ولذلك كان صدّام يتوقع من الفرنسيين إقراراً بهذا الجميل.

    وكثيراً ما كان صدّام يذكّر بالتقاليد التاريخية والثقافية الطويلة التي تجمع ما بين البلدين، ففرنسا، على عكس الولايات المتحدة، قد ورثت هي الأخرى تاريخاً عريقاً.

    - إنه بلد قديم، وشعب ساهم في بناء الحضارة، على عكس آخرين.

    كانت الذريعة مهمة بالنسبة لصدام الولوع شخصياً بالتاريخ. وقد كان يذكر في النهاية بأن العراق قد اختار فرنسا كشريك استراتيجي في السبعينات على الرغم من معاهدة الصداقة التي كانت تربط بغداد آنذاك بالاتحاد السوفييتي سابقاً. وفي هذا السياق كان يضيف كلّما الْتبَسَتْ عليه اختيارات باريس:

    - لقد نميّت مع الرئيس شيراك علاقات شخصية، وهو يفهمني وأنا أفهمه، فقد رأيته في مناسبات عديدة، وهو أيضاً يفهمنا، وأنا اعتبره كصديق شخصي، فما الذي يجعل فرنسا اليوم تتخذ مثل هذه المواقف؟

    وكان صدّام يذكر، أيضاً، أنه خلال زيارته الثانية لباريس عام 1975 وجّه لجاك شيراك وهو رئيس للحكومة في ذلك الوقت، دعوة لتناول المسكوف العراقي بالسفارة، وهو نوع من سمك الشبوط المشويّ على نار الحطب، وقد أبدى شيراك إعجابه بالمسكوف عندما جاء إلى بغداد بعد مرور بضعة أشهر على ذلك اللقاء. فقد توطد ما بين الرجلين في السبعينات نوعٌ من اتحاد المشاعر القائم على إيديولوجية قومية موروثة عن الجنرال ديغول بالنسبة لشيراك وعن العرف والتقليد بالنسبة لصدام.

    بعد مقابلة تكريت الصاخبة لم يُجر صدّام أي لقاء رسمي مع الفرنسيين. أما آخر زيارة لطارق عزيز إلى باريس فهي تعود إلى شهر مايو 1998. فقد تقلّص الحوار إلى أضيق حدوده، واكتفى الدبلوماسيون الفرنسيون في بغداد بملاحظة الوضع ليس إلا. وفي الثمانينات تعاقب على الرئيس صدّام حسين رئيسان من رؤساء الدبلوماسية الفرنسية، وهما كلود شيسون ثم رولان دوما.

    وكان الرئيس يحمل مودة خاصة لفرنسي آخر وهو جان بيير شوفينمان، الذي جاء مبعوثاً إلى العراق خلال شتاء عام 1989 لكي يذكر البلاد بالتزاماتها المالية. فقبل تلك الزيارة بأشهر قلائل كانت باريس وبغداد قد وقعتا اتفاقاً حول اعادة جدولة الديون لكن العراق لم يلتزم بذلك الإتفاق،. وكان صدّام يقدّر مبعوث فرنسوا ميتران أيما تقدير، لم يكن يعتبره كصديق بل كرجل مبادئ، فقد أبدى هذا الرجل بشجاعة اعتراضه على المشاركة الفرنسية في الحرب بتقديم استقالته من منصب الدفاع، العام 1991.

    وقد ترجمت للرئيس ملخصاً عن كتاب شوفينمان: «الأسود والأخضر» على نحو استثنائي، وحتى يستقبله عمد صدّام إلى تأخير موعد سفره إلى مصر التي كانت سيتجه إليها في زيارة رسمية. وبعد ساعة من الحوار وجه الرئيس عتاباً مقنّعاً لشوفينمان.

    - أنت صديق وفيّ للعراق، وفرنسا بلد صديق للعراق، إنني أحب رئيسكم كثيراً، لكني أحب أن أوجه له عتاباً باسم هذه الصداقة، فقبل نحو شهر سعى أحد وزرائنا، كان في زيارة رسمية إلى فرنسا لأن يقابله لكنّ الرئيس لم يستقبله، بينما أخّرت أنا سفري حتى ألتقي بكم!

    لكن جان بيير شوفينمان ما لبث أن استنجد في ردّه بإحدى صيغه الدبلوماسية:

    - إننا نرحب بالمسؤولين العراقيين في فرنسا، ورئيسنا يُولي أهمية خاصة للعلاقات مع بغداد، فلا شك أن مهامه الجسيمة على رأس الدولة هي التي منعته من الالتقاء بوزيركم.

    لقد خاب ظن صدّام في ميتران كثيراً. فلعله كان بحكم توجّه البعث الاشتراكي، ينتظر الكثير من الرئيس الفرنسي. لقد اعتقد صدّام أنّ الإشتراكيين لمجرد تسلّمهم السلطة سيقفون إلى جانبه ضد إسرائيل وضد الولايات المتحدة.

    وقد أوفد ميتران أيضاً أخاه، الجنرال جاك ميتران للرئيس صدّام، لكن هذا اللقاء الذي تم في شتاء عام 1989 ظل سرّاً خفيّاً. فقد فاجأنا هذا الجنرال الذي كان يتولى رئاسة مؤسسة «أيروسباسيال»، حيث زار الخبراء العراقيين في الطيران.

    في بداية الثمانينات كان الفرنسيون قد زوّدونا بطائرات «سوبر إيتندار» الشهيرة المجهزة لإطلاق صواريخ اكزوسيت أرض بحر. وبفضل هذه الطائرات تمكن الطيران العراقي من إصابة ناقلات البترول في حرب الخليج إصابات بالغة. كنّا في تلك الأثناء في موقف دفاع.

    دار الحوار مع صدّام في مقر إقامته الشتوية بـ «أنيشكي» في كردستان بالقرب من دهوك، فلقد كان لصدام هناك قصرٌ محاط بشاليهات عديدة. في الصباح غادر الجنرال ميتران بغداد وهو لا يعرف الوجهة المقصودة. لقد جاء مبعوثاً شخصيّاً للرئيس الفرنسي، ولم يكن مسؤولاً عن هذه المهمة إلا أمامه. وعندما وصل إلى الشمال بدأ يشكو من البرد، فأهدى له صدّام معطفه القطني السميك، وعاد في المساء بهذا المعطف وقد امتلأت جيوبه بأوراق صدّام، وقد دام الحديث ما بين الرجلين ساعة ونصف الساعة.

    كان العراق في أمس الحاجة إلى قطع غيار لتصليح العتاد العسكري الذي تعرض للضّرر أثناء المعارك. وقد قال جاك ميتران لصدّام أن باريس لا تعارض تزويد العراق بهذا النوع من العتاد ولكن شريطة أن تسدّد قيمتها في الآجال المقررة، وقد بعث أيضاً برسالة دعم للعراق.

    فأكد له الرئيس:

    شكراً مرة أخرى على دعمكم لنا، وأملنا أن تستمر فرنسا في دعمنا.

    ففي وقت كانت بغداد في حاجة لأموال لإعادة إعمار البلاد بعد ثمانية أعوام من الحرب، طلب صدّام تأجيلاً لدفع ديونها. وفي النهاية لم يسدّد العراق ديونه المقدرة بثلاثة مليارات دولار بدون فوائد، وفي المقابل لم يتسلم العراق قطع الغيار إطلاقاً.

    لوبي عراقي في باريس

    شهر العسل هذا ما بين البلدين ساعد على ميلاد لوبي مناصر للعراق في فرنسا. وقد تشكل من برلمانيين ودبلوماسيين سابقين ومن رؤساء مؤسسات. وحتى بعد تراخي العلاقات وفتورها عام 1991 ظلت هذه المجموعات مستمرة في الدفاع عن القضية العراقية وتكسب من ورائها صفقات مربحة، وحتى ليلة الحرب الأخيرة ظل مسؤولون قدماء كبار في الإدارة يتوسطون لدى صدام ويتشفعون به لحساب شركات فرنسية.

    فعلى هذا النحو كان نجل أحد رجال السياسة الفرنسيين يبيع البترول لحساب العراق طبقاً لنظام الحصص النفطية المخصصة ل»أصدقاء» بغداد.

    وقد احتل جان ماري لوبان مكانة مرموقة ضمن هذه الشبكة من المصالح السياسية الصناعية، فقد التقى بصدام حسين مرتين. وتعود زيارته الأولى لبغداد للفترة التي نشبت فيها أزمة الكويت في 1990، وكان العراق ساعتها يحتجز رهائن من رعايا غربيين. وقد طلب زعيم الجبهة الوطنية من صدّام أن يخلي سبيل بعض المحتجزين، وإثباتاً لحسن النية لبّى الرئيس ذلك الطلب على الفور، فقد كان التفاهم سارياً ما بين الرجلين.

    لكن لوبان في المقابل لم ينج من غضب أحد الرعايا الفرنكو بريطانيين، الذين كان العراق قد رفض تحريرهم لأن تأشيرة دخوله كانت مسجلة على جواز سفره الإنجليزي وليس على جواز سفره الفرنسي. فقد كان هذا الشخص على غرار بقية «الضيوف»، كما يقول التعبير العراقي، يتحرك بحرية في بغداد. وقد استشار في قضيته أحد الدبلوماسيين الذي اقترح عليه أن يعرض دفاعه على لوبان.

    وأسرعت الرهينة إلى المطار الذي كان الفرنسي يتأهب فيه للإقلاع، لكن هذا الأخير ما لبث أن صدّه عنه ورفض الاستماع إلى شكواه والتوسط لصالحه، على عكس القس الأميركي جيس جاكسون، الذي كان قد رفض قبل ذلك، وهو يقف على أرضية المطار ومحاط بعدد من الوزراء أن يغادر البلاد إن لم يأخذ معه رهينة أميركية كانت قد توسلت مساعدته. وقد صرّحت تلك الرهينة قائلة:

    - إن جاكسون رجلٌ حقاً، أما لوبان فجبان خوّاف!

    عاد لوبان إلى بغداد بعد بضع سنوات. كان صدّام ولوبان كلاهما ساخطان على وسائل الإعلام الغربية. وقد كان حقد لوبان على الإمبريالية وشهرته كمُعَادٍ للسامية يتفقان مع أهداف صدّام. وعلى الرغم من أن قومية لوبان كانت تستهدف العرب المقيمين في فرنسا فقد كان يُحظى بكامل التقدير في العراق حيث القومية تشكل قيمة سامية.

    أمام صدّام كان لوبان يبدو كالشهد، ولذلك فقد ذهلنا حين قرأنا تصريحاته بعد عودته إلى فرنسا. فحين سئل عن مبررات صداقته مع «طاغية» قال «إنه نادم على مصافحته دكتاتوراً» وقد تنكر لرجل كان مع ذلك قد أبدى له في بغداد صداقة غامرة.

    وقد نزل ببغداد أيضاً الكاتب روجيه غارودي أثناء أزمة الكويت، فقد جاء يحمل اقتراحاً غريباً يتيح لصدّام، من وجهة نظره، الخروج من الأزمة وهو مرفوع الرأس ومن دون خوضٍ للحرب:

    - سيدي الرئيس، كل العالم يناشدك الانسحاب من الكويت. تقولون إن هذا البلد جزء من العراق، فأنا اقترح عليكم حلاّ وسطاً: أعلنوا عن استفتاء في الكويت لمعرفة إن كان سكانه يرغبون في الانضمام إلى بلدكم، أو إن كانوا يرغبون في البقاء مستقلين.

    وردّ عليه صدّام بالسلب:

    - تخيل منطقة غنية ومنطقة أخرى فقيرة، فإن أنت سألت المنطقة الغنية ان كانت مهيأة للانضمام إلى جارتها الفقيرة، فلن تقبل بذلك أبداً، فالكويت اليوم أكثر غنى من العراق وأكثر ازدهاراً.

    كثيراً ما أخذنا على فرنسا مشاركتها في التحالف الذي طرد الجيش العراقي خارج الكويت، لكن هذه الصفحة ما لبثت أن طويت أثناء المراحل الأولى من الحصار. فعلى مدى الاثنتي عشرة سنة من المعاناة، التي مني بها الشعب العراقي، ما فتئنا نثمّن الموقف الفرنسي الذي كان أكثر توازناً من مواقف الأميركيين والإنجليز، فهؤلاء كانوا يسعون للانتقام منا.

    كنا نجل جهود باريس لمحاولة تسوية الأزمة، لكننا كنا نفضل مواقف أكثر فصْلاً وحسماً حول عدم جدوى العقوبات الإجرامية. وكنا نحبذ أيضاً لو أن فرنسا وروسيا أبدتا مقاومة أقوى وأشد أمام الهيمنة الأميركية. وقد كانوا يردّون علينا بالقول إن العراق يبالغ في تقدير هامش المناورة الفرنسيّة بالنسبة لحليفها الأميركي،

    ولذلك فقد كنا قبل الحرب، وعلى الرغم من أننا كنا نثمّن الجهود الفرنسية لتفادي الصراع، نشك في أن الذي كان يحرك باريس هي مصالحها الشخصية قبل كل شيء، إن فرنسا لم تؤيد العراق بل كانت تسعى لمضايقة الولايات المتحدة ليس إلا!


    سنوات صدام ـ الحلقة الحادية عشرة

    صدام يستسلم للعبة الأسئلة والأجوبة، لماذا لم يلتفت العالم إلى نفي صدام صلة العراق بالقاعدة ؟


    « لقد قابلت نحو عشرة رؤساء دول، وهذه أول مرة يُطلبُ مني أن أخلع خواتمي وحليتي».. هذا هو ما قالته الصحافية كريستين أوكرنت التي لم تكن تتوقع مثل هذه المعاملة من مصالح أمن الرئاسة العراقية. فقبل أن تجري حديثها الصحافي مع صدّام حسين «حبستها» هذه المصالح في الفندق يومين كاملين. بأسلوب غامض، قال لها أحد أعضاء البروتوكول:

    ـ سنعود إليك.

    حرصاً منها على أن لا تُفوّت المقابلة، اعتذرت كريستين أوكرنت عن دعوة أحد الدبلوماسيين للغداء. وأخيراً جاءت سيارة لنقلها، وبعد وصولها إلى الوجهة الأولى من الرحلة قدّم لها الطعام. ولتضليل مسارها أكثر، أُقتيدت الصحافية نحو إقامة جديدة. فهي لم تعرف قط في أي مكان بالضبط سيتم لقاؤها بصدّام.

    وفي المكان نفسه تعاملت معها مصلحةُ الأمن بلا رحمة، وبلا أي مجاملة. فبعد تفتيش كامل على جسمها، أخذوا منها كلَّ ما كانت تحمله معها من أقلام ودفاتر وحليّ. وأمام هذه المعاملة المفرطة احتدت الصحافية سخطاً، ورفضت رفضاً قاطعاً أن تُجرّد من السلسلة التي في رقبتها.

    ـ لن أخلع السلسلة وإلاّ ألغيتُ المقابلة.

    وبعد أخذٍ وردّ سُمح لها بأن تحتفظ بالسلسلة في رقبتها، لكنّ مُفتشيها ما لبثوا أن أرغموها على غسل يديها بمادةٍ مُطهرة قبل الدخول إلى القاعة، حيث كان صدّام في انتظارها، للقضاء على أي أثر محتمل لسمّ من السموم أو لأي مادة من المواد الكيماوية. كان ذلك إجراءً يحدث لأول مرة! كنا في شهر ديسمبر 1990 وكان العراق قد غزا الكويت في شهر اغسطس. فقد كانت مصالح الأمن مرهقةً، ولذلك كان خوفها الشديد من أي محاولة اغتيال.

    العفريت بعينه

    كان صدّام قد أصبح في أعين الغربيين هو العفريت بعينه. ومع ذلك فهم الذين كانوا يمدونه بالسلاح ويساندونه على مدى عقود من الزمن، والآن صار عدوهم اللدود ولذلك قرّروا إسقاطه. ومنذ ذلك الحين صارت كل شخصية تتصل به تخضع بالضرورة لتفتيش قاس، لكنّ الذي أدهشني، حتى في هذه الفترة، أنني لم أتعرض يوماً للتفتيش، وكأنني كنت واحداً من دائرة السلطة الخاصة. ومع ذلك، فقد كانت مصالح الأمن تفتش زميلي المترجم معاذ إبراهيم، وكانت ثقتهم بي تذهلني أيما إذهال!

    لم يطرأ على شروط تسجيل الأحاديث المتلفزة الصارمة أي تغيير، فقد كان من غير الوارد على الإطلاق أن تستعمل فرق التلفزيون الأجنبية كاميراتها الخاصة، فَمَنْ يدري ما الذي يمكن أن تخفيه عدسات التصوير؟

    كانت هذه النقطة هي التي تتردّد دائماً في التفاوض الذي يسبق التصوير. ولم يُقدّم موظفو الديوان في هذا الشأن أي تنازل من التنازلات على الإطلاق. والتنازل الوحيد هو أنّ الفنيين الأجانب كان بإمكانهم أن يصوّروا الأحاديث، ولكن بكاميرات عراقية. ففي القصر كنّا مجهزين بأحدث العتاد السمعي ـ البصري.

    بطبيعة الحال، لم يكن الحديث التلفزيوني يبث بشكل مباشر. ففي العراق كان مثل هذا البث أمراً غير وارد على الإطلاق. فحتى مباريات الفريق الوطني لكرة القدم لم تكن تبث إلا بعد ساعة من انتهائها، فقد كان النظام يخشى المفاجآت، ولذلك كان يسعى لمراقبة كل شيء. وكان يستحيل على مشاغبين أو مشجعين أن يشوّشوا أو يخلوا بنظام أي لقاء أو أن يأملوا في أن يراهم المشاهدون. فلو حدث ذلك لاكتفى المراقب ببعض القص عند التركيب فتجري الأمور وكأن شيئاً لم يكن.

    ومع ذلك، فقد كان صدّام حريصاً على أن تبث كل أحاديثه كاملة من دون أي تقطيع ولا تركيب. فقد اتخذ الرئيس هذا القرار في الثمانينات على إثر مقابلة أجرتها معه قناةٌ تلفزيونية أميركية. لقد دام التسجيل أكثر من ثلاث ساعات، لكن المقابلة لم يُبث منها سوى عشر دقائق في الولايات المتحدة، وأثار ذلك غضب صدّام الذي قرّر منذ ذلك الوقت أن لا يدع وسائل الإعلام الغربية تخادعه بعد تلك الحادثة.

    فقد كان يزعجه على الخصوص أن لا يتابع المشاهدون الأجانب أحاديثه كاملةً على نحو ما كان الشعب في العراق يتحمل سيله من الخطب. وكان صدّام، في التلفزيون وفي غيره، يحب أن يأخذ من الوقت ما يكفيه لشرح أفكاره. لم يكن يحب الأحاديث المختصرة، وكان ولوعاً بالاستطرادات التاريخية الطويلة. ولم يكن يسمح لأحد بأن يقاطعه بأي حال من الأحوال.

    وكان صدّام في وقت سابق قد عاش حادثة مزعجة من هذا النوع مع باحثة أميركية. فبعد أن حاورت الرئيس بأدب جم، عادت إلى الولايات المتحدة لتنشر نصّاً لا يمت بأي صلة لما قيل أثناء ذلك اللقاء. فقد وصفت صدّام بـ «المجنون» وبـ «الرجل غير المتّزن»، وقد زينت النص بتعليقات شخصية حول حقائق وهمية. بعد هذه التجربة صار الرئيس يرفض لسنوات عديدة كل صلة مع الصحافة الدولية.

    غير أن العراق ما لبث بعد غزوه للكويت أن استقطب، وبشكل دائم، اهتمام وسائل الإعلام العالمية. فلم يعد في مقدور صدّام، الراغب في الوصول إلى الرأي العام العالمي وفي التعبير عن وجهة نظره، أن يقاطع هذه الوسائل أو يستاء منها، ولذلك إذن لم يرفض اقتراح كريستين أوكرانت بمقابلته لحساب القناة الفرنسية الثانية. فعلى الرغم من انحياز باريس ضده فقد ظل صدام يبدي تقديره لفرنسا.

    كعادته، رفض الرئيس أن يستعمل مساحيق التجميل، التي كان يرى فيها ممارسة غريبة عند الرجال. لم يكن يهمه أن تبدو بشرته باهتة أو شاحبة تحت الأضواء الكاشفة، ولم يكن يتحمل أي مساس بفحولته. وعلى الرغم من أنه كان يصبغ شعره، فقد كان حريصاً على أن يحتفظ بلون شاربه الطبيعي.

    وكان صدّام، الذي كان يسعه أن يحكم بسرعة على نوعية الترجمة على الرغم من جهله للإنجليزية وللفرنسية، قد انشأ نظاماً للترجمة المزدوجة، فقد كانت أحاديثه، بحكم عدم توفر مترجمين محترفين، كثيراً ما تترجم ترجمة تقريبية، إن لم تشوه كلياً. وقد كلف زميلي معاذ إبراهيم بترجمة أسئلة كريستين أوكرانت وكلفت أنا بترجمة إجابات صدّام إلى الفرنسية.

    وبعد مقدمات مطولة، فتحت الصحافية النار على صدّام قائلة:

    ـ في الغرب يصفكم الناس بـ «هتلر جديد». ما رأيكم في هذه المقارنة؟

    ـ لم يترجم زميلي سؤالها بالكامل، فلم يكن معاذ، الذي لم يتلق أي تكوين في الترجمة يستعمل طريقة التدوين السريع الذي يعتبر تقنية أساسية في المهنة. وأجاب صدّام ولكن دون اشارة للمقارنة مع الدكتاتور الألماني، فلم أجد بدا من أن ألتفت إليه وأعيد عليه السؤال، فابتسم صدّام غير مفحم بالتلميح إلى الدكتاتور النازي.

    بعد مرور بعض الوقت، قرأت في الصحافة رواية مختلفة لهذه الحادثة. ففي هذه الرواية تقول كريستين أوكرانت إن محيط صدام يعيش في رعب، إلى الحدّ الذي يجعل معاونيه لا يقدمون على ترجمة الأسئلة المحرجة.

    وقد أضافت إن أحدهم ـ في اشارة إليّ شخصياً ـ كان عصبياً منفعلاً لحدّ التعرق الشديد، صحيح أنني كنت أتعرض للتعرق أثناء مهام الترجمة لكن ليس بسبب الخوف بالتأكيد، والدليل أنني بادرت بإعادة ترجمة سؤالها! وهكذا اكتشفت أن ذاكرة الصحافيين تتعرض للترنح والضعفِ أحياناً.

    صحيح أن نظام الأمن، الذي كان يحيط بصدّام، كان مكثفاً خانقاً إلى الحد الذي جعله يغذي تخيلات الصحافة الغربية وتصوراتها.

    ـ يقال سيدي الرئيس إنكم تحملون باستمرار سترة واقية ضد الرصاص.. هل هذا صحيح؟

    ـ هكذا سأل اعلامي من إحدى القنوات الفرنسية يدعى جاك بوافر أثناء مقابلة جاء إعدادها على عجل في شهر ديسمبر من عام 1990.

    بغتةً أمسك صدام بيدي الاعلامي ووضعهما على صدره، حتى يدرك بنفسه إنْ كان يحمل واقياً خاصاً، وارتبك الاعلامي أيما ارتباك، وهو يظن أن الرئيس يسعى للاعتداء عليه.

    حدث ذلك أثناء القضية المسماة بقضية »الرهائن«، الذين كانت وسائل الإعلام العراقية تصفهم بـ «الضيوف». فقد تم حشدهم في الطابق الأرضي بقصر المؤتمرات الذي تحتله اليوم قوات التحالف. كان صدام قد قرّر الالتقاء بهم لكي يثبت للعالم أجمع أنهم يُعاملون أطيب معاملة، ولما كانوا ينتمون لجنسيات مختلفة فقد دُعيت لترجمة أقوالهم، فكان أن استجوب الرئيسَ أحدهُم:

    ـ لا نريد أن نكون ضيوفكم إننا نريد مغادرة هذا البلد؟

    ـ كان بوافر، الذي جاء إلى بغداد لتغطية الازمة العراقية، يسير إلى جانب صدام. وقد انتهز هذه الفرصة لكي يسأله إن كان يسمح له بسؤال »صغير«. ودام الحوار بينهما أكثر من ساعة كاملة، حيث تحوّل إلى مقالة صحافية حقيقية، كان الرجلان يجولان في بهو القصر يتقدمهما مصوّر قناة الفرنسية. وأثناء الحديث تطرق الرئيس لشجاعة العرب وفخرهم، لكن باتريك بوافر، ودون أي اضطراب، ما لبث أن تجرأ على السؤال:

    ـ سيدي الرئيس إنكم تتحدثون عن الشجاعة، ولكنكم تختبئون وراء النساء والأطفال؟

    وأمعن الرئيس النظر فيه، وأجابه بهدوء تام:

    ـ إنك لم تفهم القضية كما ينبغي أن تفهم هؤلاء ليسوا رهائن ولا دروعاً بشرية، بل هم ضيوفنا، ونحن لا نختبئ وراءهم.

    لقد أغضبه ذلك السؤال بعض الشيء، لكن شيئاً من ذلك لم يبد على ملامحه ولم يحقد على الصحافي بأي حال. كان صدام يتصرف بغريزته، فإن هو شعر بالارتياح فإنه لا يتردّد في أن يعطي كل وقته وعنايته لمحدثيه، ومنهم بوافر الذي سعد أيما سعادة بمقابلة خاصة مسترسلة وحرة.

    استعداد فطري

    كان هذا الاستعداد الفطري من ميزات طبع صدّام، لكنه لم يكن يمنح عن دراية وروية في كل الأحوال. ففي العام 1995 وافق الرئيس على مقابلة صحافي مجهول لسبب وحيد، وهو أنه جاءه بتوصية من رامزي كلارك، وزير العدل الأميركي السابق، فقد كان صدام معجباً بهذه الشخصية الرافضة للتقاليد الأميركية، والتي لم تكن تتردّد في انتقاد سياسة حكومتها. عندما انتهى الأميركي وصدّام من الحديث عن الوضع السياسي والإنساني في البلاد، بادر كلارك الرئيس بهذا الاقتراح:

    ـ سيدي الرئيس، أحب أن ألتمس منكم هذا الامتياز، لقد جئت إلى بغداد وبرفقتي مصور مستقل حاز على جائزة مهمة في الولايات المتحدة، إنه يرغب في اجراء مقابلة معكم؟

    ـ إنني موافق! ولنبدأ الآن!

    ما فتئ مكتب الديوان الصحافي يستقبل منذ العام 1991 طلبات بإجراء مقابلات مع الرئيس من أشهر القنوات التلفزيونية ـ سي أن أن ـ بي بي سي ـ تي أف 1 أو القناة الثانية الفرنسية.. إنّ الأفضل للرئيس إن هو تفضل بحديث لجهة ما أن يمنح هذا الحديث لتلفزيون مشهور، وليس لشخص لا أحد يعرفه.

    ولأول مرة في حياتي المهنية اعترضت على ذلك الحديث لدى عبد حمود، فقد شرحت له أنني وزميلي سعدون الزبيدي قد أمضينا أكثر من ثلاث ساعات في ترجمة الحوار بين رامزي كلارك وبين الرئيس، وبأن التعب العصبي الذي أحسست به قد يسيء إلى جودة ترجمة المقابلة المرتجلة، فقد كنت في حاجة إلى وقفة وإلى استرخاء، لكن عبد حمود ردّ عليّ ببساطة:

    ـ سمان، لا تحمل همّاً! كل شيء سيكون على ما يرام، فلا يحق لنا أن نناقش أوامر الرئيس بأي حال من الأحوال!

    دام الحوار ساعتين كاملتين، وكان فاشلاً فشلاً تاماً. وقمت بمراقبة ومتابعة بثه، لكن بعد مرور شهر كامل لم يكن قد أعلن عنه في الخارج. وفي النهاية تمكن الأميركي من بيع ذلك الحوار إلى قناة إيطالية صغيرة، فقد رفضت السي ان ان والبي بي سي شراءه اعتقاداً منهما أن هذا النوع من الحوارات الكبرى لا يمكن أن ينجزه إلاّ إعلامي من طاقمها، ولم تنل المقابلة سوى صدى ضئيل في الخارج، ولذلك قرّرنا بثها على التلفزيون العراقي.

    على مدى سنوات عديدة لم يسمح صدام بأي حوار متلفز للغربيين، وظل الأمر على هذا الحال حتى فبراير 2003 حين استسلم صدّام من جديد للعبة الأسئلة والأجوبة. وهذه المرة لم يلجأ الرئيس إلى صحافي بل إلى سياسي انجليزي يدعى تُوني بِينْ.

    تخلى هذا النائب العمّالي عن منصبه في البلدية العام 2001 بعد خمسين عاماً من الحياة السياسية الاستثنائية. وقد أعطته الحربُ التي أعدَّ لها جورج بوش وتوني بلير الفرصة وهو في الثامنة والسبعين من العمر لأن يتبنى قضيةً رائعة ألا وهي الدفاع عن السلام.

    وليلة وصوله إلى بغداد، جاءتني دعوةٌ للحضور من مكتب سكرتير صدام الشخصي، ولأول مرة في حياتي المهنية كلّفتُ بتنظيم استقبال زائر أجنبي وباستقباله في المطار مع زميلي المترجم سعدون الزبيدي.

    ـ نسِقُوا مع مصالح البروتوكول.

    ـ هذا كلّ ما قيل لي ببساطة.

    وحتى أُعِدَّ هذا اللّقاء خير إعدادٍ لم أتردّد في اللجوء إلى الأنترنت، فقد كنت أرغب في معرفة المزيد عن تُوني بِينْ. وقد اكتشفت أنه كان أسطورة حية في البرلمان الانجليزي وفي حزبه الذي كان عضواً فيه منذ العام 1942. فقد كان رجل مبادئ وأخلاق عالية، ولذلك تخلى عن منصبه كـ «لُوْردٍ» ليصبح نائباً في مجلس العموم.

    وما إن وطئت قدماه التراب العراقي حتى راح يتباهى بعقله المستقل. فعندما قال له أحد موظفي البروتوكول أن إقامة رئاسية قد أعدّت له خصيصاً وأن جناحاً بفندق الرشيد قد خُصّص له أيضاً، أجاب بلا تردّد:

    ـ إني أفضل الذهاب إلى فندق، وأنا حريص على أن أدفع أجرة غرفتي.

    لم يكن يحب أن يتهمه صحافيون سيّئو النية، أو خصومه السياسيون بعد عودته إلى انجلترا، بأنه أقام في العراق على نفقة صدام.

    لقد جاء إلى العراق برفقة عدد من الفنّيين. كنت أعلم أن هناك مشروع إنشاء قناة فضائية في التلفزيون العراقي تبث برامجها باللغة الإنجليزية. وقد كان الهدف من هذه القناة هو تحقيق التوازن أمام التلفزيونات الغربية ولا سيما منها الأميركية. وكان ظني أن مقابلة توني بِينْ مع صدام ستُبَثُّ عند إطلاق هذه القناة.

    وكان صدام قد أبدى هذه الفكرة مرات عديدة من قبل أثناء لقاء مع جورج غالوي وهو نائب عمّالي آخر ومناضل من مناصري القضية العراقية، فقد استعرض الرجلان قوة الدعاية الأميركية. وقال غالوي لصدام إنه على استعداد لمساعدة العراق باستقدام صحافيين بريطانيين، فأجابه الرئيس قائلاً:

    ـ إننا نفكر في إنشاء قناة تلفزيونية باللغة الإنجليزية، فإن كنتَ ترغبُ في المشاركة فيها فإنني لا أرى مانعاً في ذلك.

    كانت قناة التلفزيون هذه ستسمّى «تلفزيون العرب». لكن نظراً لضيق الوقت، وربما أيضاً لأسباب فنية ومصاعب أمنية، لم تر هذه القناة النور إطلاقاً، لكن في مقابل ذلك لقيت مقابلة توني بِينْ التي بثتها القناة الإنجليزية «تشانيل 4» صدى حقيقياً، فقد كانت أول مرة يتحدث فيها الرئيس أمام الرأي العام العالمي منذ اندلاع الأزمة.

    عند دخولي إلى قاعة القصر التي جرت فيها المقابلة، لفت انتباهي أمرٌ مهمّ: الخوان الذي كان يُغلّف الطاولة التي كان سيتحاور حولها تُوني بِينْ وصدّام، فقد كان هذا الغطاء قصيراً جدّاً ممّا يجعله يكشف عن الأرجل. وقد نبهّت رئيس التشريفات إلى ذلك فردّ عليّ موضّحاً:

    ـ إني أعرف ذلك يا سمان! فالمنظر ليس أنيقاً بالتأكيد، وقد كان عليّ أن أُعِدَّ ستوديوهات عديدة لأسباب أمنية، ولم يبق عندي خوان يلائم هذه الطاولة، ولذلك أتيت بما وجدت!

    ومنذ الدقائق الأولى للحديث سرى التفاهم بين صدّام وتوني بينْ، الذي راح يقدم نفسه ليس كصحافي، بل كرجل صاحب نوايا طيبة قال:

    ـ لقد جئتك لسبب واحد: أن أرى إن كان بالإمكان أن استكشف، بمساعدتكم، سبل السلام عن طريق الحوار. لا أحب أن أرى الحرب ثانية بعد اليوم، لقد فقدت فيها واحداً من إخوتي، ملايين عديدة من الناس في العالم لا يحبون الحرب، فبمواففتكم على هذه المقابلة التاريخية آمل في أن تكون قادراً على مساعدتي وعلى الإدلاء بكلمات إيجابية.

    ـ أهلاً وسهلاً بك في بغداد، إنك تعي الدور الذي فرضه العراقيون على أنفسهم وهو دور استلهموه من ثقافتهم وحضارتهم ومساهمتهم في تاريخ البشرية. هذا الدور لا غنى له عن السلام لكي يزدهر ويتطور، لذلك فإن العراقيين مصرون على حماية حقوقهم وحقوق الآخرين، فبدون السلام سوف يضطرون إلى مواجهة العديد من العقبات التي ستحول دونهم وخدمة البشرية.

    هكذا بدأ الحديث دافئاً متحمّساً. فقد بدا الرجلان وكأنهما جنتلمانان يتناقشان حول قضايا العالم حول قدحين من الشاي. ووقع صدّام تحت فتنة النائب العمالي. ومن جهته كان توني بِينْ يبدي تجاه صدام قدراً من الاحترام ولم يسع إلى استفزازه شفاهياً، حتى وإن لم يتردّد في مواجهته بأسئلة مباشرة:

    ـ هل لك صلات مع القاعدة؟

    ـ لو كنا نملك صلات مع القاعدة، ولو كنّا متمسكين بهذه العلاقات، لما كنا خجلنا من الاعتراف بها. لذلك سأقول لك بلا لفّ أو دوران، ومن خلالك ولكل الذين تهمهم هذه المسألة: لا! لا تربطنا أي صلة من الصلات مع القاعدة!

    الحقيقة التي ضاعت

    عندما أعيد قراءة شريط هذه المقابلة أجدني مقتنعاً بأن صدام كان يقول الحقيقة، لكنّ هذه الحقيقة ضاعت وتاهت ولم ينتبه لها أحد في ضجيج وعجيج ما قبل الحرب. وأهم من ذلك أن هذه الحقيقة لا تشمل الصلات بمنظمة أسامة بن لادن وحسب بل تشمل أيضاً أسلحة الدمار الشامل المزعومة التي يُتَّهم النظام بإخفائها.

    هل يبحثون عن ذريعة لتبرير حرب ضد العراق؟ فإذا كان الهدف هو التأكد من أن العراق لا يملك أسلحة نووية وبيولوجية فإنهم (مفتشي منظمة الأمم المتحدة) يستطيعون التأكد من ذلك. فهذه الأسلحة ليست أقراصاً صغيرة يمكن أن نخفيها في جيوبنا. لقد قلنا هذا في مناسبات عديدة ونعيد قوله اليوم: العراق لا يملك أسلحة للدمار الشامل!

    لكن أي قيمة لأقوال صدّام أمام الدعاية المضلّلة؟ ليس الشيء الكثير، ففي العام 1995 كان حسين كامل، صهر الرئيس العراقي، قد كشف بعد هروبه إلى الأردن عن برنامج إخفاء أسلحة عراقية محظورة. منذ ذلك الوقت لم يعد صدّام يملك أي مصداقية، وما فتئ الرأي العام الأميركي على مدى شهور عديدة يقع تحت طائلة الدعاية، التي ما فتئت المعارضة العراقية في المهجر تغذيها وتبثها. ففي نظر جورج بوش وتوني بلير صار الرئيس العراقي، مهما قال أو فعل، رجُلاً مُتهَّماً ومجرماً، ومن هنا إذن لم تعد للحقيقة أي أهمية.

    هذه الأزمة ثم نهايتها كشفتا عن فعالية الدعاية الأميركية فالمناورات الإعلامية التي مارستها لم تكن أقل سوءاً من الدعاية العراقية. فباستثناء صحيفة «نيويورك تايمز» التي تستحق الذكر هنا، فقد صارت وسائل الإعلام الأميركية برمتها، صارت قليلاً أو كثيراً، الناطقة الرسمية باسم مشاريع البيت الأبيض الحربية. كنت أتوقع موقفاً آخر وقدراً أكبر من هيئات صحافية تدعي أنها «حرة ومستقلة»، لكن كما يقول المثل: «ساعة الحرب، الضحية الأولى هي الحقيقة».





    سنوات صدام ـ الحلقة الثانية عشرة

    لماذا كذب بشأن صواريخ «الصمود»؟، صدام سجين منطق متصلب استحال على الكثيرين فهمه


    كان صدام حسين متردّداً في قبول الحوارات الاعلامية، ففي بداية شهر فبراير 2003 كان قد وافق على حديث أجرته معه قناة التلفزيون الإنجليزي »تشانيل 4«، لكنّ محاوره رامزي كلارك كان ذكياً في ايجاد الذرائع الكافية لإقناعه بقبول حوار جديد. فقد كان وزير العدل الأميركي السابق، الذي استقبله الرئيس في أحد القصور الرئاسية، يعرف سيكولوجية مضيّفه العراقي حيث قال له:

    - خلال مداخلتكم الأخيرة في التلفزيون تأثرت أيما تأثر بهدوئكم وبخطابكم الذي كان إيجابياً للغاية. ورأيي أن الشعب الأميركي ينبغي أن يكتشف فيكم هذا الجانب كرجل دولة مسؤول، وظني أن دَانْ راثر، وهو صحافي مشهور بمهنيته العالية، يمكن أن يجري حواراً معكم.

    - إنني موافق! رتّبوا التفاصيل الفنية مع طارق عزيز.

    وجرى الحوار يوم 24 فبراير 2003، كان آخر حديث متلفزٍ لصدام، وكانت آخر مرة ألتقي فيها به شخصياً. وكالعادة، كانت الشروط المفروضة من قبل الرئاسة شروطاً غاية في الصرامة، فقد كان يجب أن يُبَثَّ الحوار كاملاً من قبل محطة «سي بي إس» من دون تقطيع أو تركيب، أما أجهزة استوديو التصوير فقد تكفّل بها التلفزيون العراقي.

    إنّ أهمية أي لقاء بالنسبة للمترجم تخضع بالضرورة للظرف وللموضوع المطروح أكثر من خضوعها لنوعية الشخصيات التي يجمعها اللقاء. فقد جاء حوار دَانْ رَاثَرْ في فترة جد حاسمة، وكان شعوري أنّ الحوار قد يُسهم في تغيير مجرى الأحداث.

    في الطريق إلى القصر

    كنت أعي أهمية الرهان تماماً، ولذلك فلم أنم إلا قليلاً ليلة ذلك الحوار. فكثيراً ما كنت في مثل هذه الظروف أحلم بصوتٍ عالٍ بالإنجليزية أو الفرنسية. زوجتي، نُهى، هي التي كانت تخبرني بذلك في الصباح، وكنت أخشى أن أكون قد كشفت من حيث لا أدري عن معلومات سرية، لكنّ نُهى كانت تطمئنني بأن حديثي في المنام لم يكن سوى »تكرار« لما كان يدور في اللقاء. لم يكن ذلك سوى ارتكاس ورثته من معهد »إيزيت« حين كنتُ مصمّماً على رفع التحدي واستباق أي صعوبة مهما كانت صغيرة.

    جاءت سيارة خاصة لتنقلنا أنا وزميلي سعدون الزبيدي إلى الجادرية، أحد أحياء بغداد الفاخرة، الذي كان يقيم فيه جانب من أصحاب النفوذ في النظام. كان دان راثر ومخرجُه ينتظران في إحدى الفيللات الفاخرة المخصّصة لضيوف صدّام.

    قبل المقابلة أعطاني هذا الأميركي الانطباع بأنه رجلٌ ذكي، كريم الشمائل، طيب المعاشرة، فقد تحدثنا على مدى ساعة عن الأزمة وعن الحصار وعن الوضعية الدولية. فهذا الصحافي الذي صار نجماً في الولايات المتحدة لم يكن لا متعالياً ولا مغروراً، بل كان يتصرف معنا كالسّاذج الفضولي.

    وقد توجهنا إلى القصر سالكين أقصر الطرق. وحتى يُعطي نكهة للقائه بصدّام، بدأ دان راثر المقابلة بمدح مآثر السائق الذي ادّعى أنه بذل قصارى الجهد في قطع المسافة عبر انحرافات عديدة حتى يضلّل مساره! فكل شيء جائز لإثارة مخيلة الأميركي ولتحقيق الحظوة لدى المشاهدين.

    كانت الساعة تقارب السابعة مساءً حين اجتزنا أبواب القصر. لقد جرى ذلك الحوار في بنايةٍ تقع بالقرب من جسر 14 يوليو الذي أعيد بناؤه بعد عمليات القصف الأميركية العام 1998. وقد آوت تلك البناية أيضاً مكاتب طارق عزيز. وكان عبد حمود في انتظارنا على أدراج المدخل، وقد أبلغنا أحد أعضاء البروتوكول أنّ صدّام يرغب في التحدث مع دان راثر على انفرادٍ بعض الوقت.

    قال الرئيس لزائره:

    - أهلاً وسهلاً

    بعد تبادل بعض المجاملات، أشار صدام على ضيفه بأنه لا يرغب في التعرف مسبقاً على أسئلته، فقد كان يفضّل أن يظهر أمام الكاميرات ظهوراً طبيعياً لا تكلّف فيه، ولم يحضر معه أي مدونّة، فقد كانت الرسالة التي يريد بثّها إلى الرأي العام الأميركي راسخةً في رأسه كل الرسوخ. وبعد هذا اللقاء القصير انسحب صدّام تاركاً المجال لعبد حمود ودانْ راثرْ اللذين راحا يخوضان الحديث في موضوعات مختلفة لا يربط بينها أي رابط، فقد سأل العراقي محدّثه:

    - ما الذي يجعل سياسة بوش مفرطة في عدوانيتها تجاه العراق؟

    فردّ عليه الصحافي الأميركي:

    - إن سياسة بلادي الخارجية سياسة تقوم على دوافع المصلحة، فمن المستحبّ أن نتفادى الحرب، لكنّ الحرب هذه المرة باتت أمراً محتوماً، وقد أدركنا نقطة اللاعودة.

    كان يتحدث بلهجة حادة، وكان يعي ما يقول. لكنّ سكرتير صدام كان يُبدي من الطلاقة ومن المرح ما جعلني أصدق هذه التلقائية المراوغة، وكأنه رغب في أن يُثبت لذلك الصحافي أن ثقة المسؤولين المحيطين بصدّام لا تهتز أمام القوة العسكرية الأميركية.

    لقد زُوّدتْ القاعة، التي كانت ستستقبل صدام ومحدثه، بثلاث كاميرات ثابتة وثلاثة ميكروفونات، وقد زُوِّد صدّام بميكروفون صدري عُلِّق على سترته، وطلب المخرج دَانْ راثر من التقنيين العراقيين أن يركزوا عدساتهم على وجه صدام وجزء من كتفي الصحافي، حتى يشعر المشاهد وكأنه ينظر مباشرة في عيني صدّام. وبشيء من التوتر راح دان راثر بأسلوبه اللاذع يسأل الرئيس:

    - سيدي الرئيس، هل تنوون حقاً تدمير صواريخ «الصمود» المحظورة من قبل منظمة الأمم المتحدة.

    - إننا نُطبّق القرارات وفقاً لإرادة الأمم المتحدة، إننا نعمل على هذا الأساس وسوف نواصل العمل بهذه الكيفية. فكما تعلمون فإن هذه القرارات ترفص التصريح لنا بإنتاج صواريخ أرض / أرض التي يصل مداها إلى مئة وخمسين كيلو متراً، ونحن ملتزمون بهذا.

    - سيدي الرئيس، أريد التأكد من أنني فهمتكم جيداً، فأنتم إذن لا تنوون تدمير هذه الصواريخ.

    - أي صواريخ تقصدون؟ إننا لا نملك صواريخ يتجاوز مداها المدى المرخّص به من قبل منظمة الأمم المتحدة. لقد جاءت فرق التفتيش، وتحققت من كل موقع، فإن كان ثمة شك في هذا الشأن فلتوجهوا سؤالكم إلى هذه الفرق.

    صدام والأكاذيب

    كنت أعرف أن صدّام قد كذب على الصحافي. لقد كنا نملك بالفعل صواريخ محظورة، وخير دليل على ذلك أنه في اليوم التالي لهذا الحوار، صرّح مسؤول عراقي بأن صواريخ الصمود سوف يتم تدميرها لاحقاً. ترى لماذا لم يُبد صدّام قدراً أكبر من التعاون مع مبعوثي الأمم المتحدة لو لم يكن لديه شيء يخفيه؟

    كثيراً ما سألت نفسي هذا السؤال، وظني أن عزة نفسه هي التي أعمته كلياً. لكن الوسواس الذي يستبدّ به على الخصوص هو اقتناعه بأن الغرب كان يتجسّس عليه بلا انقطاع حتى يخرّب نظامه ويصفيه شخصياً.

    حتى النهاية إذن ظل صدام سجين منطقه الذي استعصى على الأوروبيين وعلى الكثير من العراقيين فهمه وإدراكه، فهو لم يكتف بالمكابرة فيما هو بديهي، بل راح يؤكد في ثقة لا حدّ لها بأنه خرج منتصراً من حرب الخليج الثانية.

    - في 1991 لم يُهزم العراق، فقد انسحب جيشنا من الكويت لأن قرارنا استقر على الانسحاب.

    ثمة شيء كان واضحاً بالنسبة إليه: أنه كان لا يزال في السلطة وأن جورج بوش الأب لم يفز في الانتخابات.

    - سيدي الرئيس، دعني أؤكد لكم أن الكثير من الأميركيين سوف يقولون: »لكن ما الذي يدّعيه هذا الرجل، فالمصفحات العراقية كانت تتقهقر في الكويت وأبراج مدافعها موجهة إلى الخلف كجيش مهزوم على أرض المعركة. لا يطيب لي أن أذكر هذا ولكنني أسألكم أن تشرحوا لي كيف يسعكم الادعاء بأن الجيش الأميركي وحلفاءه لم يهزموكم، لأن الكثير من مواطني بلادي يرون أن العكس بالضبط هو الذي حدث فعلاً.

    - في أي صراع مسلّح تتقدم الجيوش تارة وتتقهقر تارة أخرى، فعندما تأكدنا أن الرئيس جورج بوش قد جنّد جيوشاً (...) وانّ العالم أجمع صار بالفعل يشارك في هذا العدوان ضدنا وضد بلادنا، وضد شعبنا، ساعتها لم نجد بدّاً من أن نتخذ قراراً (...) فأمرنا إذن قواتنا بالعودة إلى العراق حتى تتمكن من مواصلة المعركة داخل البلاد.

    بعد مرور اثني عشر عاماً، وبينما صارت طبول الحرب تدوي من جديد، عاد صدّام مرة أخرى إلى الحديث عن المشيئة الإلهية.

    - إننا نبذل قصارى جهودنا من أجل تفادي الحرب، لكن إذا شاء الله للحرب أن تقوم فلا حول ولا قوة إلا بالله!

    في منتصف الحوار أشار أحد التقنيين إلى أنه يريد أن يغيّر الشريط. في هذه اللحظة أخبرنا صدّام أنه سينسحب من القاعة حتى يؤدي صَلاته، فقد كانت هذه عادتُه. فعندما كان يلتقي بضيوفه الأجانب كان يُوقف الحديث حتى يقوم بفريضته الدينية، وكان قد رخّص للتلفزيون بأن يُوقف بثّ خطبه ومداخلاته كلّما حان وقت الأذان.

    وقُبيل هذا التوقف بلحظات وجيزة كان دار راثر قد وجّه سؤالاً لم يمهلني هذا الانقطاع المفاجئ حتى أترجمه. وعندما استؤنف الحوار أشرت إلى أنني سأعيد السؤال قبل أن تبدأ الكاميرات في التصوير، لكن ما لبث صدام أن فاجأني مقاطعا:

    لا يا سمان، لا بد من انتظار تسجيل الكاميرات للسؤال. يجب أن يسمع المشاهدون كل شيء، حتى الترجمة.

    كان صدام يعتني بأدق التفاصيل، كنت وسعدون الزبيدي قد اقتسمنا الأدوار، فكنت أترجم إلى العربية، وكان هو ينقل من العربية إلى الإنجليزية، وكان من المتفق أن يصحح أحدنا الآخر في حال الخطأ أو التخمين. وقد طرأ أثناء الحديث طارئ طفيف، حيث قال صدام عند ذكره لجورج بوش «السيد بوش» (أي أنه ذكر كلمة السيد بالعربية)، ولما كنت أعرف فكرة الرئيس فقد كنت أدرك أنه قد استعمل هذه الكلمات عن قصد في اتجاه المشاهدين الأميركيين تحديدا. لقد كان يرغب في أن يعرف نفسه إليهم كرجل دولة متحضر وكيس وأديب، والحال أن زميلي اكتفى بترجمة كلمة «بوش» بمدلول محقر، فلم أجد بدا من أن أشير عليه بهمسة خفية:

    - سعدون... بل قل «السيد بوش»، لكنه لم يول ملاحظتي أي اهتمام ووجه لي نظرة غاضبة، فلم أملك سوى الالتفات نحو صدام لأسأله:

    - سيدي الرئيس لقد أردت أن تقول «سيد بوش» أليس كذلك؟

    - بالطبع!

    سعدون ناطق جيد بالإنجليزية، فقد أقام تسعة أعوام في انجلترا. وقد أعد أطروحة دكتوراه عن شيكسبير، لكنه ليس مترجما محترفا، فالترجمة قائمة على تفاصيل وعلى أشياء صغيرة هي التي تجعل الترجمة جيدة أو غير جيدة، لذلك كان لكل رئيس مترجمه الخاص. فبحكم الاحتكاك المتواصل بينهما يكتسب الرجلان تفاهما يكاد يكون بديهيا، فالمترجم ينبغي أن يكون قادرا على تحليل أدق أفكار لرئيسة وعباراته وتفاعلاته.

    وعند نهاية المقابلة أخذنا صدام جانبا لبعض اللحظات. وقال وهو يمسك بيد سعدون:

    - لا شك أنكما متعبان، إننا نحن العراقيين نولي أهمية قصوى للكرامة وعزة النفس وهذا شيء طيب، لكن ينبغي أحيانا أن نكون أكثر مرونة، فحين صححك سمان كان عليك أن تتقبل الملاحظة وأن لا تغتاظ!

    لكن سعدون ما لبث أن غمغم قائلا:

    - لكن، سيدي الرئيس، أؤكد لكم أنني لم أكن غاضبا.

    وبابتسامة أنهى الرئيس هذه القصة الطارئة.

    المباغتة

    في قلب المقابلة، نجح صدام في أن يباغت دان راثر حين اقترح عليه حوارا متلفزا مباشرا مع جورج بوش:

    - إذا كان الشعب الأميركي يرغب في معرفة الأمور على حقيقتها، فإنني على استعداد للتحاور مباشرة على التلفزيون مع رئيس الولايات المتحدة، سأعطيه رأيي حول السياسة الأميركية، وستكون فرصة ملائمة لكي يعبر عن رأيه في سياستنا، وسيجري هذا الحوار أمام المشاهدين مباشرة، بلا رقابة وبصورة صادقة حتى يعرف هؤلاء المشاهدون الحقائق وحتى يدركوا من الكاذب ومن الصادق!

    - أتقترحون حقا حوارا مع الرئيس بوش؟ وعلى التلفزيون؟

    - أجل.. ذاك ما أقصده!

    كان ذلك أقصى ما بلغته المقابلة من قوة، بل وقد اقترح صدام أن يدير دان راثر ذلك الحوار، فقد كان جادا، وقد فكر بالفعل في ذلك الحوار قبل المقابلة، وهو اقتراح حاذق من جانبه، فلو تحقق لصدام الحديث وجها لوجه مع جورج بوش أمام التلفزيون لكان ذلك ذروة في حياته السياسية. فقد كان مقتنعا بعدالة قضيته، كان ينادي إلى السلام بينما كان الرئيس الأميركي يعد للحرب، وبذلك يكون «صدام هو رجل السلم» ضد «بوش رجل الحرب» إن صح القول.

    وبطبيعة الحال، هذا الحوار المتلفز لم ير النور يوما، ففي شهر فبراير 2003 لم يكن يحكم الأميركيين منطق الحوار بل منطق المواجهة المباشرة، ولا شيء كان سيوقف مشروعهم الحربي. في المقابلة شكر صدام دان راثر وسأله إن كان راضيا، ثم دعاه لنقاش غير رسمي، وهو الامتياز الذي لم يكن يمنحه لأحد إلا نادرا، ثم قام. وعندما أردنا أن نعقبه تدخل أحد رجال الأمن وطلب منا أن نتريث قليلا، ودخلنا إلى مكتب عادي يزينه ديكور بسيط، حيث لا يوجد به سوى طاولة وبضعة مقاعد وأريكة. كنا نتوقع أن تدوم المناقشة بضع دقائق، لكنها ظلت مستمرة لنحو الساعة تقريبا، وكان صدام قد قلب الأدوار ليصبح هو السائل والمستجوب:

    - ما الذي يفكر به الشعب الأميركي عن هذه الحرب المعلنة؟ فهل سيؤيد جورج بوش؟

    لكن دان راثر لم يحاول أن يتلافى أسئلة صدام، بل رد عليه صراحة:

    - منذ ولادة الولايات المتحدة والأميركيون يبدون وطنية لا غبار عليها كلما قرر رئيس من رؤسائها الدخول في الحرب، فهم لا يطرحون على أنفسهم حتى مجرد السؤال إن كانت هذه الحرب عادلة أو غير عادلة، فهم يتبعون ما يقرره رئيسهم، أما فيما يتصل بالحرب المقبل، ان هي نشبت، فقد تحدث بعض المظاهرات من قبل المعارضين لكنها مظاهرات محدودة، فالشعور القومي سوف يكون شعورا كاملا وطاغيا.

    واستوعب صدام الرسالة. في الظاهر أبدى تقديرا لصراحة دان راثر، لكنه مرة أخرى اكتفى برد سطحي متحدثا عن مشيئة الله والقدر.. وقد أدهشني أن يظل صدام محافظا على قناعه حتى في لقاءاته الخاصة، فقد كان خطابه في هذا اللقاء الهامشي كذلك الخطاب الذي قدمه قبل حين أمام الكاميرات. وقد عاد من جديد لذكر تاريخ العراق المجيد وبلاد ما بين النهرين، مهد الحضارات، فقد ردد قائلا:

    - حتى أمام قوة الولايات المتحدة الهائلة ستقاوم لأن الله يناصرنا، وسنواجه مصائب عديدة لكن إن شاء الله سنرضى بإرادته وقضائه، نحن شعب أبي... وعسكريا نعلم أننا لا نضاهي الولايات المتحدة قوة، لكن هذا لا يعني أننا سنستسلم لهذه القوة حتما.. صحيح أن الأميركيين متقدمون عنا كثيرا على الصعيد التقني لكن التقنية هي نقطة ضعفهم أيضا، إن قوتهم قائمة على الحواسيب، والإلكترونيات لا يمكن أن تعلو على الإرادة البشرية والإلهية.

    كانت الساعة قد جاوزت العاشرة والنصف مساء فاستأذناه بالانصراف، وحين وصلنا إلى درج المدخل قال دان راثر الذي رافقنا إلى مدخل القاعة:

    - إني أتمنى ألا تقوم الحرب، لأنكم لن تتخلصوا من ورطتها، فالأمر هذه المرة في غاية الجدية، فكونوا حذرين!

    لكن عبد حمود بدأ يسخر من نصيحة الأميركي:

    - لقد سبق وأن قلتم لنا هذا العام 1991، لا عليكم، فسوف نلتقي بعد الحرب.

    واتفقنا مع دان راثر على أن يذهب التقنيون مباشرة إلى التلفزيون لمزج الشريط وشطب المقاطع الزائدة في بداية الشريط وفي نهايته. وقد وعدناه بأننا سنرسل إليه النسخة النهائية في الليلة ذاتها أو عند الفجر أو بعده، فقد كان يرغب في أن ينشر مقاطع من الشريط في نشرة أخبار سي.بي.سي المسائية إيفنينج نيوز، وقد ألح في الحصول على الشريط في أقرب وقت ممكن.

    لعنة اللا مسؤولية

    لم أذهب إلى التلفزيون، بل توجهت إلى البيت طمعا في ليلة نوم هادئ كنت في أمس الحاجة إليه. لكن ما إن وصلت إلى المكتب في صبيحة اليوم التالي حتى رن الهاتف فسمعت على الطرف الآخر صوت مراسل سي.بي.اس في بغداد، وهو يكاد ينفجر ذعرا:

    - سمان، هناك مشكلة كبيرة، فلحد الآن لم نستلم الشريط! كان دان راثر في أوج السخط وهو لا يكاد يصدق ما يجري.

    وأصبت بالذهول، وبلا أي تأخر اتصلت بعلي عبدالله هاتفيا، واكتشفت أنه لم يكن على علم بأي شيء من ذلك، وطلب مني أن أحل المشكلة. وللتو اتصلت هاتفيا بالتلفزيون وعلمت أن الشريط كان لا يزال بالمونتاج، ووبخت التقني الذي رد علي قائلا:

    ـ نرجو أن تفهموا عذرنا.. دكتور سمان، إننا نجد صعوبة في مزامنة الصوت بالحركة، وإني أقسم لك بالله أننا لم نتوقف عن العمل طوال الليل.

    ـ لم أجد بدا من أن أخبر مراسل سي.بي.اس بأن الشريط لن يكون جاهزا في الموعد. كان دان راثر الذي كان قد غادر بغداد في اتجاه عمان ليسافر من هناك بالطائرة، ساخطا حانقا. عندئذ قررنا أن نرسل المقابلة عن طريق القمر الصناعي مباشرة إلى الولايات المتحدة انطلاقا من مقرات سي.بي.اس في بغداد.

    عدم كفاءة مهندسينا هذه كانت مصدر عدم تفاهم ما بين الغربيين والعراقيين، إذ ظن الغربيون أن العراقيين قد عمدوا إلى عرقلتهم عن قصد. إن من ينظر إلى نظام صدام من واجهته يبدو له المنظر كآلة تدور بإتقان كامل، لكن هذه الآلة كانت اللا مسؤولية تنخرها من الداخل، فقد ذهب التقنيون لكي يناموا بعد أن تسلموا الشريط وهم يفكرون بأنهم سيقومون بالمونتاج في صبيحة اليوم التالي، وأن العملية لن تأخذ منهم أكثر من ساعة أو ساعتين، بينما كان كل شيء يمكن أن ينتهي في الليلة ذاتها.

    لم يعلم صدام من القضية شيئا، لكن العراقيين في المقابل لم يبخلوا بتعليقاتهم في هذا الصدد، فمنهم من قالوا ان التأخر حدث لأن الأميركي أبدى وقاحة، وقال آخرون إن صدام كان أمهر وأمكر من الصحافي الأميركي ولم يقع في أحابيله.

    على أي حال استطاع صدام بأدائه الأخير هذا أن يرفع عدد المشاهدين لقناة سي.بي.اس ففي المعدل كانت حصة برنامج «ستون دقيقة» التي يديرها دان راثر تستقطب في العادة نحو ثلاثة عشر مليون مشاهد، لكن عدد المشاهدين مع صدام حسين تجاوز ثمانية عشر مليونا بكثير

    سنوات صدام ـ الحلقة الثالثة عشرة

    ماذا وراء زيارة بريماكوف لبغداد؟، طارق عزيز يتهم المبعوث الروسي بالسعي إلى تحطيم العراق


    ـ ما قصة الحصن الأرضي هذا؟ وما هذا الذي يرويه هذا الرجل الذي يدعى غالواي؟ كان صدّام ساخطاً على التصريحات التي أدلى بها نائب حزب العمّال «جورج غالواي»، الذي كان قد استقبله في شهر يناير عام 2003. فبعد عودته إلى انجلترا، أطل هذا الأخير بنفسه عبر الصحافة، مؤكداً أنه التقى بصدام في الطابق الثالث من أحد الحصون الأرضية.

    وسواء أكان هذا الرجل يسعى للترويج لنفسه، أو كان الصحافي هو الذي حرّف أقواله، فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد كذبة فظة. فقد كنت إلى جانب النائب أثناء زيارته للقصر الجمهوري، وتمنيت أنا المثابر على قراءة الصحافة البريطانية أن أشرح لصدام أن صحف »التابلويد« والجرائد الشعبية لا همّ لها سوى الإثارة، وبأنها قد روجّت لتصريحات غالواي.

    فقد سلكنا في الحقيقة درجاً للوصول إلى الطابق الأول، وانتظرنا بعض الوقت في قاعة الانتظار، وهنا التحق بنا ناجي صبري وزير الخارجية وعبد حمود، ثم حتى نلتحق معاً بصدام حسين، نزلنا من الطابق الأول إلى الطابق الأرضي، مستخدمين المصعد هذه المرة. كان الرئيس ينتظرنا إذن في الطابق الأرضي هذا وليس في واحد من ملاجئه الأرضية.

    أثناء حواره مع صدّام، كان النائب العمّالي - كما سبق لي أن قلت - قد دافع عن فكرة إنشاء قناة فضائية عراقية باللغة الإنجليزية تسمّى «عرب تي.في»، لمقاومة تأثير الوسائل الإعلامية الأنجلوسكسونية على الرأي العام. وقد اقترح أن يضع تقنيين وصحافيين بريطانيين تحت تصّرف العراقيين خدمة لهذا الغرض. وقد ظل هذا المشروع في زوايا النسيان.

    وعند نهاية الحوار، دعاني صدّام حسين إلى الخروج من القاعة. وعلى مدى ربع ساعة تقريباً انعقدت جلسة مغلقة ما بين الرئيس وجورج غالواي وطارق عزيز الذي لعب دور المترجم. إني لا أعلم شيئاً عمّا قيل في ذلك اللقاء المغلق، فهل تحدثا في أمور «البزنس»؟ إنه السرّ الخفي.

    وكان غالواي، الذي لا تعوزه الأفكار أبداً، قد اقترح أيضاً في خريف عام 2002 خلال ندوة للتضامن مع العراق إنشاء لجنة من الحكماء مكوّنة من ثلاثة أو أربعة من رؤساء الدول السابقين، من أمثال الجنوب أفريقي نلسون مانديلا والزامبي كينيث كاوندا والجزائري أحمد بن بيلا. على أن تكلّف هذه اللجنة بمراقبة عمل مفتشي منظمة الأمم المتحدة، لكن لجنة الحكماء هذه لم تر النور أبداً لأنّ الأميركيين لم يمنحوها أي شكل من أشكال الشرعية.

    كان غالواي، هذا المناضل الدؤوب من أجل القضية العراقية، كثير التردّد على بغداد في مهمات تضامنية. ففي خلال سنوات الحصار نظّم هذا الرجل إقامة في انجلترا للصبية مريم، وهي فتاة عراقية مصابة بداء اللوكيميا الناتجة عن إشعاعات اليورانيوم غير المخصب.

    كان النائب قد قطع رحلة السفر في حافلة ذات الطابقين، كنا نتوقع أن يجد صدّام في استقباله لكنّ شيئاً من ذلك لم يكن. وكان غالواي، أثناء مروره من الأردن، قد أدلى بأحاديث لم ترق لصدّام. فردا على سؤال لأحد الصحافيين سأله فيه إن كانت نشاطاته الإنسانية بمثابة دعّم للنظام العراقي، ردّ عليه قائلاً:

    - إني لا أحمل صدّام حسين في قلبي، فإذا كنت آتي إلى العراق فليس من أجل صدّام ولكن من أجل شعبه. فالشعب هو الذي يعاني وليس صدّام.

    كان المكتب الصحافي قد نقل إلى الرئيس هذا التصريح المزعج، لكنّ صدّام لم يكن يميز ما بين شخصه وشعبه. كان العراق هو صدّام، وكان صدّام هو العراق، وشعر صدّام لفرط حساسيته بالإذلال. ومنذ ذلك الوقت لم يصبح غالواي مرحباً به في بغداد كما كان من قبل. ومع ذلك فقد ظل غالواي واحداً من آخر المتحدثين مع صدّام. ففي تلك الفترة المتأزمة، لم يعد الرئيس، الذي صار »أصدقاؤه« قليلين، قادراً على التحفظ في الكلام وغالواي يرتكب جريمة المساس أو العبث بذات الرئيس.

    فبالنسبة للرسميين العراقيين، كان يجب أن يكون الآخرون إما «مع» وإما «ضدّ»، إمّا «أصدقاء» وإما «أعداء». فكل موقف وسط كان يبدو لهم مشبوهاً، كان معظمهم يجهل الكيفية التي تدور بها وسائل الإعلام الأجنبية، فقد كانوا يستوعبون المظاهرات السلمية عبر العالم بمشاعر مختلطة. ومع ذلك، فقد كانت تلك المظاهرات تدعم مواقف صدّام، وقد كان بعضهم يؤكدون:

    - إنه لأمر طيب هذا الذي يفعله غالواي والنشطاء الغربيون بمظاهراتهم التي تخدم قضية العراق، ولكننا كنّا نحبّذ دعماً أكثر صراحة.

    كانت القيادة العراقية تفضّل بالفعل أن يتجنّد العالم من أجل العراق، وليس ضد الحرب عليها. وكانوا يتمنّون لو أن العالم قاد حملة لصالح صدّام وليس ضد بوش. فقد كانوا يرسمون الوضعية بالأبيض والأسود، بينما كانوا يملكون حجة سهلة الترويج ما بين العراقيين:

    ـ انظروا، إن شعوب الكرة الأرضية تقف إلى جانبنا، بينما صار الأميركيون في عزلة!

    في الديوان، كانت هذه التعبئة الشعبية تبعث العزاء في قلوبنا. ومع ذلك كان بعضُ أصدقائي في لقاءاتنا الخاصة لا يخفون قلقهم من ذلك:

    ـ ما الذي يريده هؤلاء الناس الذين يتظاهرون؟ هل هم يتمنّون الدفاع عن دكتاتورية صدّام؟

    كان الموقف الفرنسي، الذي لم يكن يدعم لا الرئيس العراقي ولا مشروعات جورج بوش، كثيراً ما يُساء تفسيره من قبل جزء من الشعب، ففي ذاكرته تظل باريس »صديقة« صدّام.

    قبل اندلاع الحرب تضاعفت الوساطات الرسمية والسريّة التي كان هدفها في كل مرة تفادي الحرب ثم تأجيل ما لا بد ولا مفر منه. وفي ذلك السبيل لم تدّخر إحدى أسمى السلطات الروحية في العالم أي جُهدٍ... ابتداءً من الباب يوحنا بُول الثاني الذي أرسل إلى بغداد في آخر لحظة مبعوثَه الخاص إتشيغاري.

    فهذا الأسقف الباسكي البالغ من العمر ثمانين عاماً، وصاحب الصوت الأجش، كان معروفاً في الفاتيكان برجل الأوضاع المتأزمة. فقد لعب في شهر مايو من عام 2002 دور الوسيط أثناء حصار كنيسة القيامة في بيت لحم التي لجأ إليها محاربون فلسطينيون.

    وقد سبقت وصوله إلى بغداد يوم 11 فبراير 2003 بلبلة دبلوماسية. فقد كنت قبل الحوار الذي كان سيجري ما بين صدّام ورئيس زامبيا السابق كينيث كاواندا موجوداً في غرفة خلفية من غرف القصر الرئاسي برفقة عبد حمود وطارق عزيز، فأقبل علينا قيس مختار مدير التشريفات ليسلّم وثيقة لطارق عزيز. وكان الأمر يتعلق برسالة من وزارة الخارجية تعلن قدوم مبعوث يوحنا بول الثاني. وهو يقرأها صاح نائب الوزير الأول قائلاً:

    - كيف يمكن لممثل البابا أن يصل إلى بغداد في اليوم نفسه الذي أغادر فيه؟ فأنا سأتوجه إلى روما بعد يوم غد.

    غياب التنسيق الدبلوماسي هذا، في مثل هذه الفترة الحاسمة، أمر ما لبث أن باغتني وأدهشني كثيراً. وقد عزوت هذا الخلل إلى سوء نظام المصالح الرسمية العراقية.

    كان مبعوث البابا يحمل رسالة مكتوبة بالإنجليزية. في العادة كان البروتوكول عندما يأتي زائر مكلّف برسالة رسمية أن يأخذ مترجم منه الرسالة بمجرد وصوله ويقوم بترجمتها إلى العربية، ناهيك عن أنه إجراء أمنيّ، فكل شيء يُعرض على الرئيس كان يجب إجبارياً أن يخضع للمراقبة والتحليل من قبل المصالح الفنية التابعة للديوان، التي كانت تفتش في تلك الرسائل عن آثار محتملة لسمّ من السمّوم أو مادة من المواد المشبوهة.

    وخلافاً لهذا العرف، رفض إتشيغاي تسليم رسالته لرجال الأمن، فلعله شعر بعد نزوله من الطائرة للتو أنّ ذلك الإجراء مخالف للقواعد الدبلوماسية، ولذلك طلب منّي أن أستلم رسالة البابا من مركز السفارة الباباوية حيث كان يقيم الأسقف. في السيارة قال لي مدير التشريفات:

    - سمان، أنت تتقن الفرنسية، ولذلك أترك لك عناية إقناع إتشيغاري بأن يسلّمنا الرسالة، حتى وإن اقترح ترجمتها في السفارة.

    كنت قد أعددتُ ذرائعي وحُججي، لكن يا للمفاجأة! فقد سلّمني الرسول الوثيقة من دون أي صعوبة، وهو ما جعلني أتنفس الصعداء.

    وقد كنت أخشى أن يحدث في الأمر بعضُ الإشكال، لكن ما لبثت مشكلة أخرى «تقنية» أن طرأت حين أراد إتشيغاري أن يرافقه إلى لقاء صدّام مستشاره فرانكو كوبُولا وسفير الفاتيكان في بغداد. كنتُ أعرف أنّ طلبه بلا طائل، ولكنّي وعدتُه بأنني سأنقل رغبته إلى عبد حمود، لكنّ هذا الأخير رفض رفضاً قاطعاً حضور السفير وقبِل بحضور كوبُولا.

    فمنذ حرب الخليج العام 1991 لم يُسمح لأيّ سفير أجنبي معتمد في العراق بحضور اللقاءات الرئاسية. وكان هذا الاجراء يرمي إلى الحيلولة دون حصول الدبلوماسيين على معلومات حول الأماكن التي تجري فيها اللقاءات وحول المسارات المؤدية إلى صدّام.

    وفي المقابل، كان بوسع أيّ زائر أجنبي حديث العهد ببغداد أن يتجول في العاصمة برفقة البروتوكول قبل الوصول إلى الرئيس. ومن باب الحيطة الأمنية أيضاً، لم يعد صدّام يتلقى أوراق اعتماد السفراء الأجانب، فقد أوكل بهذه المراسيم البروتوكولية إلى عزّت إبراهيم نائب الرئيس.

    وعند دخولنا إلى قاعة الاستقبال مع إتشيغاري ومستشاره، أحسست كم كان صدّام حذراً وكم كان على استعداد للمقاومة والتهديد. فهو لم ينس ذلك الحوار الذي جمعه في التسعينات بأحد مبعوثي الفاتيكان، والذي اقترح عليه فيه هذا الأخير بأن يعترف بدولة اسرائيل. لكن إتشيغاري لم يأت هذه المرة إلى بغداد لكي يُعيد إحياء ذكريات أليمة، فقد أتى بوجهه البشوش وحسّه الإنساني رسولاً للسلام. وعلى الفور حدث التواصل ما بين الرجلين، ولم يطلب القس من الرئيس صراحة أن يبذل قدراً أكبر من المرونة، ولكن دعاه لأن يظل ثابتاً على النهج الذي اختاره:

    - إننا نعلم أن العراق قد تعاون مع الأمم المتحدة بقبوله عودة مفتشي نزع الأسلحة، فالسلام جديرٌ بأن يُضاعف كل واحد الجهود من أجله. وعلى الفور وافق صدّام هذا الرأي وهو يقول له:

    - نحن على استعداد لبذل الجهود. فالأميركيون هم الذين يعدّون للحرب، أما نحن نريد السلام. وحتى نؤكد لكم نوايانا الحسنة فقد ذهبنا إلى حدّ توجيه دعوة لعناصر من وكالة الإستخبارات الأميركية بالمجيء إلى العراق للتحقق من معلوماتهم حول أسلحة الدمار الشامل التي يزعمون أننا نمتلكها!

    بل وقد طلب صدّام من مبعوث يوحنا بولس الثاني أن يمارس الفاتيكان ضغوطه على الولايات المتحدة.

    - إن رسالة السلام ينبغي أن تأتي من الأميركيين، وإني لأنصحكم باستعمال تأثيركم والذهاب للتحدث شخصياً مع جورج بوش، فقد تتمكنون من إقناعه بالتخلي عن طريق الحرب والسير في طريق السلام.

    كنت أنتظر من إتشيغاري أن يقترح مبادرة ملموسة لكن بلا جدوى، فقد انصرف إلى الأفكار السمحة والعموميات حول السلام. وهكذا جاء الحوار الذي دام ساعة ونصف الساعة مخيباً للآمال. لقد أحسست أن المبعوث لم يأت إلاّ لكي يقول:

    - لقد قمنا بالواجب وليحدث بعد ذلك ما يحدث!

    وقد أبدى صدّام رضاه بهذا اللقاء الذي اكتسى طابع المجاملة. وعلى إثر هذا اللقاء سلّمه إتشيغاري صورة تذكارية للقائهما السابق في 1985. في تلك الفترة كانت عقيلة الهاشمي، العضو السابق في مجلس الحكومة الانتقالية والمتخصصة في الآداب الفرنسية هي التي قامت بدور المترجمة. وقد هنّأ القسُّ الرئيس على صحته الجيدة، ولم يجد صدّام بدّاً من أن يقول له على سبيل المزاح:

    - أنتم أيضاً في كامل الصحة، فلو لم تكن راهباً لكنت نصحتك بالزواج ولكنت عثرت لك على عراقية جميلة!

    بعض المبعوثين والوسطاء كانوا يسافرون إلى بغداد بشكل شخصي، فلم يكن رامزي كلارك، وزير العدل الأميركي السابق، يحمل أي رسالة ولم يكن مكلّفاً بأي مهمّة، بل كان يأتي بدافع التضامن ليس إلاّ، وقد كان الشخصية السياسية الأميركية الوحيدة القادرة على الالتقاء بصدام. وكان صدّام، الذي كان يحبطه عدم القدرة على محاورة المسؤولين الأميركيين، يثمّن أيما تثمين الأحاديث التي كانت تجمعه برمساي كلارك، فقد كان كلارك معارضاً شرساً لسياسة جورج بوش.

    كان إفغيني بريماكوف، الوزير السابق للخارجية الروسية، آخر شخصية أجنبية يلتقي بها صدّام حسين قبل قيام الحرب بأسبوع، كان هذا الرّجل المستعرب مطلعاً على الملف العراقي وقضايا الشرق الأوسط. وكان، بصفته مديراً سابقاً لمعهد الشرق الأوسط بموسكو ومديراً لمكتب «البرافدا» بالقاهرة، قد شارك العام 1970 في مفاوضات اتفاقيات الحكم الذاتي في كردستان ما بين صدّام والملا مصطفى برزاني والد القائد الكردي الحالي مسعود برزاني.

    كان بريماكوف واحداً من الشخصيات النادرة التي كانت تخاطب الرئيس بصيغة «أبو عدي» أو باسمه الشخصي. وكان العام 1991 قد أبدى قدراً كبيراً من الشجاعة بمجيئه إلى العراق لمقابلة «صديقه» صدّام، والذي لم يكن يتردّد في انتقاده على انفراد. فقد روى لي عباس خلف، المترجم عن الروسية والذي عيّن سفيراً للعراق في موسكو العام 2002، أنه ذهب لاستقبال بريماكوف على الحدود الإيرانية. وفي طريقهما إلى بغداد قال له الروسي والبلاد ساعتها تتعرض لعمليات القصف من بلدان التحالف:

    - أنظر إلى ما أنتجه نظام صدام حسين: وابلٌ من القنابل!

    في بداية مارس 2003 التقى الرجلان من جديد في ظروف مأساوية. لم أحضر لقاء الفرصة الأخيرة ذاك، لكنّ ضابطاً من الديوان نقل إليّ تفاصيله، فالزيارة التي ظلت طي الكتمان لم تدم سوى بضع ساعات. وحرصاً على المزيد من الكتمان، اختار مبعوث الكرملين السفر على متن طائرة خاصة بدلاً من السفر على خطوط «الأيروفلوت». كانت إحدى سيارات «الليموزين» تنتظره في المطار، وقد قادته مباشرة إلى القصر الرئاسي.

    كانت تلك آخرمحاولة لإقناع صدّام بالتخلي عن السلطة.

    إذن، فقد أعاد بريمِاكوف الكرة، محاولاً سبر حالة صدّام الذهنية. أما الكيفيات واختيار البلد المستقبل فقد كان أمرها متروكاً لوقت لاحق، وقد كان هذا اللقاء، الذي جاء قبل الحرب بأيام قليلة، من أقصر اللقاءات. ومنذ البداية وضع صدّام يده على كتف زائره وقال له:

    - أرجو ألاّ تكون قد أتيت لكي تحثني على الاعتزال والهجرة، أنظر في هذا الأمر مع طارق عزيز.

    ثم انسحب من دون أن يضيف كلمة واحدة، بل وحتى من دون أن يودّع «صديقه»، ثم ما لبث بريماكوف أن واجه غضب طارق عزيز الذي قال له:

    - بالأمس شاركت في تهديم الاتحاد السوفييتي، واليوم تريد أن تشارك في تهديم العراق، سوف نلتقي من جديد بعد عشر سنوات.

    فقد كان طارق عزيز ينتقم من بريماكوف، الذي كان أثناء أزمة عام 1991 قد واجهه قائلاً:

    - إنني أذكرك بأنك لست وزيراً للخارجية، بل أنت مجرد ساعي بريد ليس إلا!

    كنت في ذلك المساء في القصر الرئاسي. وقد سألت علي عبدالله إن كان بريماكوف قد غادر البلاد، فأكد لي أن المقابلة مع صدّام لم تمر بسلام، فقد استدعى صدّام إلى بغداد سفيره في مُوسكو عباس خلف بشكل شبه فوري، إذ كان يريد أن يكتشف من الذي يقف من الكرملين وراء اقتراح مغادرته البلاد: بريماكوف أم بوتين؟ وقد علم من الدبلوماسي شخصياً أنّ الفكرة جاءت من الرئيس الروسي.

    كان الكرملين منذ أسابيع يخضع لضغوط من واشنطن، التي كانت تعرف مصالح موسكو في العراق، فقد كان صدام بالفعل قد منح لبعض المؤسسات الروسية امتيازات بترولية قابلة للاستثمار حين انتهاء الحصار المفروض على البلاد. وقد كانت روسيا، فضلاً عن ذلك، الدائن الرئيسي للعراق الذي تراكمت ديونه إزاءها لتصل إلى ما يقرب من ثمانية مليارات من الدولارات، وبصفتها آخر «صديق» لصدام، فقد كانت روسيا تحتفظ بتأثير قوي على القيادة العراقية، على عكس ما كان عليه الشأن مع فرنسا التي كانت قد فقدت ذلك التأثير.

    وبعد أن تخلى عنه الروس، أصبح صدّام معزولاً أمام الحلفاء، ففي حين كان يُبدي استعداداً لكل التنازلات أثناء الأزمة، شاءت إدارة بوش أن تفرض عليه تنازلا آخر، كانت تعلم عن يقين بأنه لن يقبل به أبداً: ألا وهو تخليه عن السلطة.

    سنوات صدام ـ الحلقة الرابعة عشرة
    عندما وقع صدام في الفخ، هكذا بدأ العراق رحلة الهبوط المروعة إلى الجحيم


    تأليف :سامان عبدالمجيد

    ـ تعرفين جيداً أن العراق لو كانت الحياة فيه عادية لكانت باركته الآلهة. هذا ما كنت أردّده لزوجتي من دون اقتناع كبير، كلّما انهارتْ عصبياً، ورغبت في الهجرة، هروباً من هذا النظام الذي أصبح مستبدّاً لحد السخرية، وكنت أضيف: ـ عليك بمزيد من الصبر، فالوضع سائر نحو التحسن، ثم إن صدّام ليس خالداً بأي حال! غير أني أقرّ اليوم، بأن الشك في كل ذلك ما انفك يساورني، خلال السنوات الأخيرة.


    فالآن، وقد شارفتُ على الستين من العمر، صار تفاؤلي الطبيعي يأفل يوماً بعد يوم أفولاً واضحاً. ولذلك أجدني وأنا أنتظر في الغرفة الخلفية بداية أيّ لقاء أستغرقُ أحياناً في الحلم، فأتخيلني وقد تركتُ منصبي في الرئاسة، واستعدتُ حريتي. كنت أعرف أنني، أنا المترجم، لن أجد صعوبة في العثور على وظيفة في أيّ مكان آخر، حتى في داخل العراق.


    فكنت أتصورني على رأس معهدٍ لتعليم اللغات، لكن من أين لي المفر، وسرعان ما كان يتداركني الواقع المر. فالإبتعاد عن الرئاسة أمرٌ غير وارد على الإطلاق، فمن دخل إلى الرئاسة كمن دخل إلى الكهنوت، ولا أحد يعرف متى يخرج من ذلك المكان، ولا حتى إن كان سيخرج منه أصلاً.


    ولأنني كنت إلى جانب الرئيس صدّام، فقد كانت نظرتي للنظام مختلفة عن نظرة أغلب العراقيين لهذا النظام، تُرى كيف كان يمكن لهذا الرجل الودود الكيّس أن يكون ذلك الغول المشنَّع عليه؟


    لم أكن ساذجاً، وكنت أعرف أنّ هذا الرجل شرس وبلا رحمة تجاه كل الذين كانوا يهدّدون سلطته. فسجن أبو غريب، الذي كان التعذيب يُمارس فيه على أوسع نطاق، كان الجميع يرتاعون منه ويفزعون. فالسجناء القدماء، الذين أسعفهم الحظ في أن يخرجوا منه أحياء، كانوا يرددون قصصاً تتعدّى حدود الفظاعة والوحشية.


    وأكثر من ذلك، فلم يعد النظام خلال السنوات الأخيرة في حاجة لأن يُشهر عصاه الغليظة لفرط ما استبطن السكان خوفهم الشديد منه. فقد صارت الدعاية، صحيحها وباطلها، التي كانت تروَّج حول الممارسات القمعية لمصالح الأمن، كافية لإخماد أيّ ميل للثورة ولشل حركة كل المرشحين للمعارضة. ولذلك صارت المكابدة والتصبّر في صمتٍ طبيعتنا الثانية.


    كنت قد صرتُ، على غرار الألوف من العراقيين، دولاباً من دواليب النظام. وعلى الرغم من قربي الشديد من السلطة فلم تتلطخ يداي بالدم يوماً. فقد كنت أتصرف كرجلٍ مهنيّ لا همَّ له سوى خدمة بلاده ما وسعهُ الجهدُ، كنتُ رجلاً «تقنياً»، وكنا جميعاً قد تعلّمنا كيف نتآلف مع الحياة التي كانت تفرض علينا فرضاً. كنت أرى أنّ البلاد قد انحرفت منذ سنوات عديدة، وكنا كثيراً ما نتحدث فيما بيننا في ذلك الأمر داخل القصر.


    الهبوط إلى الجحيم


    لقد بدأ الهبوط إلي الجحيم مع انفجار الصراع مع ايران. فمنذ ذلك الوقت، لم نعرف سوى الحرب والحصار، وقد قضى الشباب البالغون من العمر ثمانية عشر عاماً في 1980 ما لا يقل عن عشرة أعوام من حياتهم في الجيش، وكأن ذلك لم يكن كافياً فكان النظام يغرف من صفوف الشعب ليعبّيء ثكناته.


    وعلى هذا النحو نشأ جيش شعبي، فكان الناس يُجنَّدون بالقوة لستة أشهر. وما أن ينتهي التجنيد حتى يُعاد تطويعهم لفترة جديدة. ولم يتوقف ذلك بأي حال من الأحوال، حتى مع الذين كانوا قد أنهوا خدمتهم العسكرية الكاملة. وعلى التلفزيون كان صدّام باستمرار يلحّ في رغبته في أن يرى العراقيين مهيئين للحرب على الدوام!


    وقد كانت هذه الأشهر الإجبارية في الجيش الشعبي، بالنسبة للذين كانوا يعملون، بلا أي طائل. فشيئاً فشيئاً بدأت الرشوة تنخر جسم الجيش، فإذا كنت كهربائياً وكنت ترغب في أن لا تغلق ورشتك، كان يكفيك أن تدفع بقشيشاً للضابط المسؤول عن التجنيد لكي يمحو اسمك من القائمة.


    وما لبثت هذه الرشوة ابتداء من العام 1996 أن أصبحت »رسمية« مع نظام »البديل النقدي«. فبكل قانونية، صار في إمكان أي شخص أن يدفع مبلغاً من المال حتى لا يؤدي خدمته العسكرية. وقد دفعت شخصياً عن ابني مجيد مليوناً ونصف المليون من الدنانير (حوالي 600 دولار) مقابل إعفائه من الخدمة.


    بعد نهاية الحرب مع إيران في أغسطس 1988، ظن العراقيون أنهم سيتنفسون الصعداء أخيراً، لكن صدام، على العكس من ذلك، ما لبث أن عاد لتجنيد شعبه حول إعادة بناء الفاو التي خربها الصراع. فقرّر أن يُعاد بناء هذه المدينة الحدودية في خلال ثلاثة أشهر على أن لا تزيد هذه المهلة يوماً واحداً.


    وكان التلفزيون يخصص ساعة ونصف الساعة من البرامج لمتابعة تقدّم مختلف الورشات. ففي رأي صدّام، لا يمكن تصور السلطة من دون رفع للتحديات التي كان بعضها لا يقل طيشاً وجنوناً عن بعضها الآخر. وما إن خلص من الحرب ضد ايران، حتى انطلق في مغامرة الكويت، لكن غزو هذه البلاد لا يزال أمره عندي غامضاً حتى هذا اليوم.


    في الخامس والعشرين من يوليو 1990 تلقت ابريل غلاسبي، السفيرة الأميركية في بغداد لتلك الفترة، الدعوة للحضور إلى القصر، على الرغم من أنها لم تلتمس أي مقابلة. فبشكلٍ عام، كان أي سفير إذا تلقى دعوة على هذا النحو فذلك حتى يتسلم رسالة موجهة لحكومته.


    وفي حالة السفيرة الأميركية تحديداً، أبلغ صدام جورج بوش الأب بأن العراق ليس عدواً للولايات المتحدة، وأن بغداد ترغب في إقامة علاقات متوازنة معها، قائمة على الاحترام المتبادل وعلى المصالح المشتركة، كما كان الشأن في عهد رئاسة رونالد ريغان ما بين العامين 1980 و1988.


    وقد ظل صدام يردّد قائلاً:


    ـ إن العراق بلد مستقل، وموقفنا معروف جداً.


    وأجابت إبريل غلاسبي بأن للولايات المتحدة أيضاً الرغبة والإرادة في إقامة علاقات طيبة مع العراق. وحول مسألة الكويت تحديداً قالت موضحة:


    ـ بشكل عام نحن لم نتدخل قط في الخلافات الحدودية ما بين العراق والكويت منذ العام 1960.

    بدأت ابريل غلاسبي مسارها الدبلوماسي في السفارة الأميركية بمدينة الكويت.


    وأثناء حديثهما تلقى صدام حسين مكالمة هاتفية من الرئيس المصري حسني مبارك، وبعد أن استأذن السفيرة غاب بضع الدقائق، وحين عاد أخْبرها بمضمون تلك المكالمة:


    ـ الرئيس مبارك قال لي للتو إنه قد نظم لقاء ما بين الوفدين العراقي والكويتي على مستوى عالٍ في مدينة جدّة في الأيام المقبلة.


    فهتفت أبريل غلاسبيه قائلة:


    ـ يا له من خبر طيب.


    وانتهى اللقاء على هذه النغمة الإيجابية.


    صدام في الفخ


    صدّام، في الواقع، كان قد وقع في الفخ الذي نصبه له الأميركيون حين صدّق ادعاءهم الحياد. وعلى أي حال فذاك هو ما تأكدنا منه بعد مرور بضع سنوات حين نشرت السلطات العراقية فحوى ذلك الحديث. فبعد مرور بضعة أيام على ذلك اللقاء الانفرادي، قامت ابريل غلاسبي بزيارة لطارق عزيز لتحيّيه قبل سفرها في عطلة.


    أما بقية القصة فهي معروفة من الجميع، ففي حين كان صدّام، على مدى سنوات، يلقّن شركاءه العرب ميثاقه الوطني الشهير، الدّاعي إلى تسوية الصراعات بالطرق السلمية، فإنه لم يتورع مع ذلك عن غزو الكويت.


    وقد كنت، شأن أغلبية العراقيين، أشجب واستهجن ذلك الغزو. فقد كنا نرى أنه من الخزي والعار أن تتعرض الوزارات الكويتية للنهب والتخريب، لكن احداً لم ينبس ببنت شفة، لأن الخوف كان كبيراً. والشخص الوحيد الذي تجرأ، حسب علمي، على الاحتجاج، هو وزير الداخلية في الحكومة الانتقالية نوري البدران وهو شيعي من البصرة. في تلك الفترة كان يشغل منصب السكرتير الأول لسفارة العراق في موسكو، وقد روى لي أنه خلال زيارة لطارق عزيز لم يتردّد في أن يقول له:


    ـ ما هذا الذي فعلتموه في الكويت؟ ما الذي جعلكم تغزون بلداً عربياً؟


    لكن طارق عزيز، الذي استشاط غضباً، ما لبث أن أجابه بأن لا شأن له بذلك الأمر، وبأنه ليس سوى دبلوماسي.


    وقد قال لي:


    - كانت نظرات طارق عزيز مهدّدة، لدرجة أنني ما إن عدت إلى البيت حتى رحت أردّد لنفسي بأن لا مفر من أن أغادر البلاد بأسرع ما يمكن.


    وقد حصل نوري بدران على اللجوء السياسي في بريطانيا، والتحق بصفوف المعارضة في الخارج.


    ظني ان صدام كان يعاني من شعور الحرمان من أن يكون رجلاً عسكرياً، مثل عمّه الذي ربّاه، وكان محارباً سابقاً في حرب فلسطين. لقد كان مفتوناً بالحرب، وكان يرغب في أن يجعلها في خدمة عظمة العراق. فقد جعلتنا برامجنا العسكرية نخاصم مجموع جيراننا والمجتمع الدولي أيضاً.


    كيف يمكننا ان ندّعي السلام في الوقت الذي تلتهم النفقات في مجال التسلح مبالغ فاحشة؟ فبعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية العام 2000، أنشأ صدّام جيش القدس، حيث سعى لتجنيد مليون متطوع لتحرير بيت المقدس، مثلما حدث في عصر صلاح الدين. تُرى لماذا انشأ جيشاً جديداً بينما نحن نملك جيشاً منظماً وحرساً جمهورياً وميليشيات الحزب وفدائيي صدام؟


    لقد كان صدّام مهووساً بأمجاد الحضارة العراقية، التي كان يدّعي بعثها من جديد، ليس من أجل صالح البلاد ولكن خدمة لمجده الشخصي. لقد كان يعيش متقمصاً روح الأمة. ففي الثمانينات، حين أعلن علماء عراقيون عن اختراعهم لصاروخ قادر على وضع أقمار صناعية في المدار، ما فتئ النظام يمجّد الحدث على مدى شهور كاملة، فقد كانت الدعاية الرسمية تثبت للشعب على هذا النحو بأن عراق صدّام صار منافساً قادراً على تحدي القوى الغربية.


    في تلك الفترة كنت وأصدقائي نتساءل عن معنى كل ذلك. إننا نبني الصواريخ بينما جنوب البلاد لم يزوّد بالكهرباء، وبينما مدينة البصرة لا تملك الماء الصالح للشرب. في خطبه كان الرئيس يلقننا القصة الخالدة لسومر وبابل. إن للعراقيين في الواقع أولويات أخرى غير أحلام العظمة التي كانت تشعل قائدهم. فلا همَّ لهم بفخامة الماضي وجلاله، ولا بإرسال صواريخ إلى الفضاء، فهم يريدون الكهرباء والماء والهاتف والطرقات.


    لقد كانت أزمة السكن دوماً من المشكلات الموجعة، ففي السبعينات أطلق النظام برامج لبناء مساكن شعبية لذوي الدخل المحدود في بغداد، لقد كان صدّام يُدلّل عاصمته، لكن الحرب ضد إيران، باستنزافها للموارد المالية ما لبثت أن أوقفتْ ذلك المشروع برمته.


    وهكذا تركت مدن المحافظات لتخلفها، ولم تشهد بنياتها التحتية أي تطور. لقد كانت البلاد القائمة على مركزية مفرطة تتقدم بسرعة بطيئة، وهو ما يفسر نزوح السكان نحو العاصمة. فبدلاً من أن يحلّ مشكلات المحافظات، أصدر نظام صدّام قوانين مقيّدة لإمكانيات الاستقبال في المدن. فحتى يحق لأيّ مواطنٍ أن يمتلك شقّة كان يجب أن يكون مقيماً منذ العام 1977.


    وفيما بعد صار القانون يطبق بأثر رجعي وصل إلى العام 1957. هذه السياسة لم تقض على أية مشكلة بل أوجدت تزويراً معمّماً، فقد صارت العائلات تحتل المساكن بشكل غير قانوني تحت أسماء مستعارة، وتتكدس في أحياء غير صحية من أحياء محيط المدينة.


    كان صدّام كثيراً ما يردّد أن البلاد، حين استلم حزب البعث السلطة العام 1968، لم يكن يملؤها سوى المتشردين والصعاليك، فبفضله صارت بغداد تؤوي العديد من المنشآت الفاخرة بعد أن لم يكن فيها سوى فندق فاخر واحد لاستقبال الضيوف الأجانب. غير أنه ممّا لا جدال فيه، أن البلاد قد سجلت بعض التقدم الاجتماعي والاقتصادي في السبعينات، ولا سيما في قطاعات التربية والتعليم والصحة.


    لقد كانت بلدان الخليج مجرد صحاري قاحلة، لكن هبة البترول ما لبثت أن حقّقت نموّاً خيالياً. أما نحن في العراق، فقد كنا نملك الماء والبترول وماضياً مجيداً، فما الذي شيّدناه؟ مع صدّام وحروبه صرنا شعباً من المعدمين، الذين احتلت أرضهم. يا لها من ورطة هائلة!


    «كل شيء ممنوع» فبعد أن استنفدت البلاد طاقاتها في مواجهاتها مع جيرانها، صارت القضايا الأمنية تطغى شيئاً فشيئاً على الاعتبارات الأخرى. فقد «تحصّن» النظام تحصّناً تاماً ضمن نطاق أمني منيع أحيط به الرئيس من كل جانب ليعزله داخل برجه العاجي. لكن الرئيس المعتصم في داخل قصره كإله حيّ، ما فتئ مع ذلك ينشغل بالحياة اليومية للعراقيين، وبشكل صار أشبه بالجنون في النهاية.


    قرارات بلا روية


    لقد كان صدام يتدخل في كل شيء، ويتخذ القرارات بلا روية. ذات يوم لم تعجبه حصة تلفزيونية، فهاتف المدير العام للقناة «المذنبة» لكي يقول له بأن «البرامج لم تكن في مستوى الحاجات الثقافية للشعب»وذات يوم أرسل إلى وزارة الإعلام رسالة نشرتها الصحافة، كتب فيها بخصوص تحقيق مخصص لحيوانات قارة افريقيا، يقول فيها: «من الطبيعي جداً أن يكتشف العراقيون الثروة الحيوانية في العالم، غير أنه ينبغي التفكير في أن نعرض عليه أيضاً أفلاماً وثائقية حول الحيوانات البرية في العراق».


    هذه التدخلات كانت تُغضب العراقيين وتزعجهم. وكان صدّام قد حظر الواجهات الملونة وستائر السيارات. وبالطبع لم يكن المقربون من الرئيس وأصحاب النفوذ معنيين بهذا الإجراء. ومن سخرية التاريخ أن الجيش الأميركي قد احتفظ بهذا الإجراء لكي يُسهّل عملية التحقق من الهويات، وفي أيّ حالة من الحالتين، ومع محتلّين أو غير محتلين، لم يحترم العراقيون هذا القرار الأحمق.


    لكنَّ صدام مع ذلك، كان يتخذ قرارات عاقلة في بعض الأحيان، لكنه لم يُطبّقها أبداً على نفسه! لقد كان العراقيون يُعبّرون عن فرحتهم أثناء حفلات الزفاف أو الأعياد بإطلاق العيارات النارية في الهواء، وما أكثر ما كان يترتب على ذلك من حوادث مُميتة.


    وقد حظر صدّام هذه العادة التي كان يصفها بالعادة «غير الحضارية»، وقد أيّد الكثير منّا هذا الإجراء الحكيم، لكنّ الرئيس نفسه، وبعد أيام قليلة من إصدار هذا القانون، راح يُطلق النار في الهواء من بندقيته أمام حشدٍ من الناس كانوا يُهلّلون له. صدّام هذا الذي لا أحد يتوقع تصرفاته، التفت ذات مرة نحو عبد حمود أثناء حديث مع ضيف أجنبي وقال له:


    - تذكرت يا عابد! فنحن من فترة طويلة لم نعط فلساً لعبد الجبو محسن (نائب سكرتيره الصحافي).


    لم يكن نظام صدّام بعيداً عن هذه الحال، فقصة النّسخ المصورة للدولارات توضّح مستوى اللاواقعية الذي أدركته السلطة. فبمناسبة استعراضات جيش القدس العام 2001، سعى صدّام إلى إذلال الأميركيين إذلالاً رمزياً. كان العراق قد قرّر إحلال اليورُو محلّ الدولار في معاملاته البترولية الخاضعة لمراقبة منظمة الأمم المتحدة في إطار قرار «البترول مقابل الغذاء».


    وقد شاء صدّام أن يفرش الأرض بالدولارات لكي يدوس عليها الجنود، وهم يستعرضون أمام المنصة الشرفية، لكن أحد مستشاريه ما لبث أن أبدى اعتراضاً غاية في الأهمية: كيف يمكن للأرجل أن تدوس اسم الله؟ فالورقة الخضراء تحمل بالفعل عبارة (إن في الله ثقتنا). فلم يجد صدّام بدّاً، بكل ما أوتي من جدّ، من أن يسأل علي عبدالله سكرتيره الصحافي:


    - قل لي يا علي هل God و»الله« يعنيان الشيء نفسه؟


    - بالطبع، سيدي الرئيس.


    أما رئيس الديوان أحمد حسين فلم يقتنع بذلك، مدّعياً أن الأول يعني إله المسيحيين والثاني إله المسلمين. وحتى يطمئنّ قلبه، أمر صدّام بالتحقيق في الأمر، وقد استدعيت وسئلتُ بدوري في الأمر، حيث عرض عليّ أحمد حسين ورقة دولار وطلب مني أن أترجم الشعار. وبعد أن أجبته راح يلحّ:


    - هل يعني ذلك إلهنا نحن أيضاً؟


    - المدلول واحد!


    - أريد أن تؤكد لي هذا كتابةً!


    أريد أن يعطيني مترجم آخر رأيه.


    قال لي ذلك والريبة لا تزال تملؤه.


    وحين عدت إلى المكتب فتحت قاموساً عربياً انجليزياً، وبالطبع وجدت أن كلمة «God» تنطبق بالفعل على كلمة «الله». وصورتُ الصفحة وكذلك السورة الأولى من القرآن الكريم بطبعة من لغتين، حيث نقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» مترجمة إلى مقابلها بالانجليزية ثم أرسلت كل ذلك عن طريق البريد الرسمي. وفي النهاية قام المنظمون بنشر صور الدولارات مع توجيه عبارة «الإله» نحو الأرض.


    هل كان صدّام يعي غرابة الوضعية؟ هل كان صدّام مخدوعاً بسلطته المطلقة؟ كثيراً ما كنت أشك في ذلك. ففي خلال الاستفتاء الرئاسي للخامس عشر من أكتوبر عام 2002، الذي حصل فيه على مئة بالمئة من التصويت ب«نعم»، وهو الرقم القياسي المطلق في التاريخ، سألت علي عبدالله إن كان الرئيس يُصدّق حقاً صدق هذا التصويت، فقال لي:


    - بل إنه يشعر بالعجب والاعتزاز.


    كان أعضاء مجلس قيادة الثورة قد أكدوا له بأن التصويت كان تصويتاً حرّاً، فلم يُسجلوا أي تزوير، وكانت النتائج تعكس المشاعر الحقيقية للشعب، وقد كان صدّام يصدق ذلك عن طيب خاطر، بل وكان يفتخر بذلك أمام ضيوفه الأجانب ويصف هذه النتائج ب«المعجزة»!


    - لقد كان استفتاءً حرّاً. ولقد استطاعت الصحافة الدولية أن تشهد على ذلك في عين المكان، فقد كانت مكاتب التصويت مفتوحة لها.


    غياب الخيار الآخر


    في الحقيقة، إذا كان الناس قد أجابوا ب«نعم»، فإن ذلك لم يكن من أجل دعم صدام، ولكن لأننا لم نكن نملك أي خيار آخر، لدرجة أن الناخبين كانوا يفضلون عدم استعمال الغرف العازلة خوفاً من أن يُتَّهموا بالمعارضين للنظام. وقد كان أكثرهم نفاقاً يؤشرون بطريقة مسرحية على خانة «نعم» بقطرات من دمهم الخاص أمام كاميرات التلفزيون.


    وحتى أنا نفسي صوّتُ ب«نعم»، لأنني لم أكن أرغب في أن أجلب لنفسي أي مشكلة مع مصالح الاستخبارات. بل ولقد سألت نفسي إن كانت الغرف المعزولة مزودة بكاميرات؟ وعلى أي حال فإن التصويت ب«لا» لم يكن ليغيّر شيئاً في النتائج النهائية. فقد قال أحد الأصدقاء ونحن نغادر مكاتب التصويت مازحاً:


    - ما دام العراقيون يُساندون صدّام مئةً بالمئة فلسنا إذن في حاجة إلى مصالح الأمن.


    والواقع أن النظام كان قد فقد كل الدعم الشعبي منذ زمن طويل. وجهاز الأمن كان قد أدرك من كمال الأداء ما جعل أي عصيان أمراً لا يخطر على أي بال. فالانقلاب وحده هو الذي كان قادراً على التخلص من صدّام. أحياناً كنتُ أناقش هذا الموضوع مع علي عبدالله وصديق آخر كنت أثق به كل الثقة. كنت أنتقد كون صدّام لم يكن يثق إلا في أعضاء عشيرته التكريتية، لكن من الغرابة بمكان أن كل المؤامرات كانت دائماً تحاك من قبل التكريتيين.


    ففي الثمانينات مثلاً قام ضابط من ضباط الحرس الجمهوري، وهو عضو من عشيرة الجبوري القوية، بتعبئة سلاحه بعيارات حقيقية قبل أحد الاستعراضات العسكرية، بينما في العرف لا تعبّأ بنادق الجنود إلا بالعيارات غير المؤذية. والمحرّض على هذا الانقلاب الفاشل، ويُدعى سطام جبوري، حُكم عليه بالإعدام مع عدد من أعضاء عشيرته المتهمين بالتواطؤ.


    وقد استشاط صدّام لذلك غيظاً وغضباً، حتى أنه أمر بطرد كل أعضاء عشيرة الجبوري الذين كانوا يقيمون على الضفة الشرقية لنهر دجلة على مقربة من قصره. ولما كانت العشيرة وفيرة العدد، فقد تراجع صدّام عن قراره في الأخير.


    ترى هل كان في الإمكان إصلاح النظام؟ إني لا أعتقد ذلك، ولا أظنني أنفرد بهذا الرأي. فصدام لم يفلح يوماً في إعطاء شعبه القليل من الحرية التي كان في أمس الحاجة إليها. وبينما لم يكن الناس يطمحون إلاّ في أن يحيوا حياة طبيعية فلم يمنحهم النظام سوى الحملات العسكرية والإجراءات القمعية.


    ففي ظل صدّام ما فتئنا ننتقل من حرب إلى أخرى من دون أن نستعيد أنفاسنا، لقد كان صدّام مأخوذاً في دوّامة، فقد كان يخشى على نظامه من أن يتعرض للاهتزاز، ولذلك كان يشدّد الخناق بكل ما ملك من قوة. ولذلك كان البديل الوحيد هو إما أن يظل في السلطة حتى الموت وإما أن يأتي من يزحزحه بالقوة. ومن كان يقدر على ذلك غير الأميركيين؟

    سنوات صدام ـ الحلقة الأخيرة
    كيف انهارت خطوط دفاع بغداد الأربعة؟، عصابات علي بابا تنطلق كالوباء في شوارع بغداد



    تأليف :سامان عبدالمجيد

    سقط صدام! سقط صدّام! على الهاتف، في عصر اليوم التاسع من أبريل 2003، لم أسمع من صوت ابنة أخي نسرين سوى النحيب والأنين، فقد كان وَقعُ الصّدمة عنيفاً على نفسها، ولم تصدق ما حدث. فقد شاهدت التلفزيون وهو ينقل صوراً لتفكيك نصب صدام حسين وهو يتهاوى على ساحة الفردوس. وأصابني ما أصابها من ذهول وضلال الصواب فشق عليّ تصديق ما رأيت، ووجدتني أقول لها قولاً غريباً:


    ـ الأمر، على أي حال مجرد تمثال.. ليس إلا.


    في بداية الحرب، أبدت المقاومة في الجنوب من القوة والصمود ما جعلنا نعتصم بالأمل والرجاء، فإذا كانت أم القصر على الحدود الكويتية قد قاومت لعشرة أيام كاملة، فإن بغداد سوف تصمد لثلاثة أشهر. وقد ينهزم العراق، ولكنه لن يفقد مكانته، وسوف يظل واقفاً.


    عسكرياً، كنا نعلم أننا لا نمثل أي ثقل في الحرب، لكن لا أحد كان يتصور أن النظام سينهار ما بين عشية وضحاها، وكان يقيننا أن صدام سيحارب حتى آخر رمقٍ إلى ان ينتهي في الميدان فقد ظلت الدعايةُ تذكرنا المرة تلو الأخرى ان بغداد آمنة بفضل خطوط دفاعها الأربعة، وكنا على اقتناع ان الأميركيين سوف يتكبدون خسائر فادحة ان همّ تمكنوا من اقتحامها.


    لقد تعلم الأطفال العراقيون مدى البأس والبسالة اللذين ظل العراق يُقاوم بهما غُزاته عبر تاريخه الطويل. وكنت، على غرار كثيرين غيري وعلى الرغم من أني لم احمل النظام في قلبي يوماً، أحس بالهزيمة وكأنها اهانة وشتيمة في حق ذلك الماضي الطويل، فقد كان مشهد الدبابات الأميركية وهي تجوب العاصمة أشبه بالوهم الخادع، وكنت كمن يريد ان يقرص جلده حتى يُصدّق نفسه!


    عصابات علي بابا


    لقد سعيت للاتصال بأصدقائي في الديوان بعد انقطاع اخبارهم عنيّ، وذهبت لزيارة علي عبدالله في بيته بحي الأعظمية، منطقة نفوذ الموالين لصدام، فوجدتُه مكتئباً خائر النفس أكثر مما كانت نفسي مكتئبة خائرة، فقد شهد كل الاجتماعات التي التقى فيها صدام بالقادة العسكريين قبل الحرب، وصدّق في النهاية ان الدفاع لن يكون إلا بطولياً.


    قال مردداً:


    القوات المسلحة لم تحارب! ولم تكن القيادة في المستوى، أين كان الزعيم؟ كم كنت غبياً!


    من ملجئي في بيت أسرة أخت زوجتي، أردت ان اتفقد شقتنا على كورنيش أبي نواس، لكن مجيداً ابني ما لبث ان عارضني قائلاً:


    الأمر في غاية الخطورة، فقد يكشف أحدهم أمرك، دعني أحل مكانك في هذه المهمة! قلت له:


    إذا كان الأمر على هذا القدر من المخاطرة، فإنني أرفض لك ذلك يا مجيد، فقد تُعرّض نفسك للموت في حال مواجهتك لرواد النهب والسلب! فلن يعود أحد إلى البيت بعد اليوم.


    كانت جماعات اللصوص، التي اشتهرت بـ «عصابات علي بابا» تقرصن في شوارع بغداد، ولم تنج من شرها شقتنا التي أفرغوها رأساً على عقب، ولم نكتشف أمرها إلا بعد نحو عشرة أيام، فقد استولت عائلات جديدة على البناية، أما الشقة التي كنا نعيش فيها فقد احتلها أناس لم أكن أعرفهم. وقد قال مجيد لـ «المستأجرين» الجدد ان لهم ان يبقوا فيها، فنحن بأي حال لن نعود إليها.


    لقد أحسستُ خلال الأسابيع الأولى، التي أعقبت سقوط النظام، بفراغ فظيع، فلأوّل مرة منذ خمسة عشر عاماً، صرتُ أنهض بلا هدف، خائر النفس مثبط الهمة. وكنت في بيت أخت زوجتي لا أكف عن الدوران، كما يدور الأسد في قفصه. كنتُ أحدّث نفسي أن مَنْ كان مثلي في الثامنة والخمسين من العمر، وكان مترجماً رسميّاً لصدّام حسين، ليس له من مخرج سوى أن يُعيد حياته من البداية. فقد أحسستُ أنني لا محالة قد صرتُ غير ذي نفع بالمرة.


    في الشرق يظل الرجل هو ربّ البيت، فعلى عاتقه تقع مسؤولية رعاية الأسرة وحمايتها. فالتقاعد عندنا شيء يستقبحه الناس. وبدون أي شعور بالخوف، وبنفسٍ مطمئنة، أحسستُ مع ذلك ببعض خشيةٍ من تصفيات الحساب مستقبلاً. إنّ أعضاء من المعارضة العائدة من الخارج، أو أفراداً تحركهم أيادي هذه المعارضة، قد ينتقمون أو يسيئون إلى أهلي وأقاربي، فقد باتت مطاردة البعثيين القدماء وموظفي الدولة مفتوحة.


    وقد صار الأميركيون يبحثون عن الشخصيات المتورطة في نظام صدام. وما إن انتهتْ الحربُ حتى جاءني إلى بغداد أحدُ الأقارب من السّليمانية لكي يقنعني بأن نلجأ إلى كردستان حمايةً لأرواحنا، لكنّه لم يجد عندي أيّ أذنٍ صاغية.وحين أعادت الجامعة فتح أبوابها للدراسة في شهر مايو، خشي عليّ بعضُ الأصدقاء مما قد يصدر عن بعض الطلبة من ردود أفعال عدوانية فنصحوني بأن لا أعود إليها.


    غير أنني أبيتُ على نفسي أن تعيش تحت الأرض كما يعيش أي شخص ارتكب جرماً في حق الناس. وعندما دخلت على غرة إلى قاعة المحاضرات، لم أجد عند طلبتي غير الودّ وحرارة الاستقبال، لكنَّ هذه العودة لم ترق لنهى زوجتي، فاضطربتْ لها أيما اضطراب، فخشيتْ أن يعلم الجنود الأميركيون بأمري فيأتون لإيقافي. وقد علم الطلبة من بعض الأصدقاء أنّ إذاعةً من إذاعات الخليج أفادت أن مترجم صدّام قد وقع في الأسر، فسعيت إلى التخفيف من مخاوفهم بأفضل ما تيسر لي من حسن السعي.


    ومع ذلك، فقد كنت أتردّد في الاتصال بقوى التحالف.


    ليس لدينا ما يُؤخذ علينا فلو كان الأميركيون يرغبون في استجوابنا لكانوا جاءوا وأخذونا!


    هذا هو ما قاله علي عبدالله.


    كان عادل جابر محسن، نائب الملحق الثقافي السابق والناطق باسم الجيش العراقي، قد سعى للاتصال بهم مرات عديدة ولكن دون جدوى، إلى أن ألقوا القبض عليه بعد مرور بضعة أسابيع. أما عباس خلف، سفير العراق في موسكو والمترجم السابق لصدام عن الروسية، فقد فضّل العودة إلى العراق بملء إرادته.


    كان عباس كثير التردّد على بغداد أثناء زيارات بريماكوف السرية، لكنه أمضى أيام الحرب في موسكو، ولم يتعرض للاعتقال بعد الحرب، ولكنه مثُل أمام لجنة تابعة لوزارة الخارجية مكلّفة بتصفية المسؤولين الذين ثبت تورطهم الكبير في النظام السابق، وسئل عبّاس بعد ذلك إنْ كان يفضّل العمل بالوزارة فامتنع وأبى.


    - لا! إننا نجتاز فترة من الغموض مهيأة لكثير من الثأر والانتقام.


    في الثالث عشر من يوليو 2003 علمتُ بنبأ وقوع علي عبدالله في الأسر. لم يكن علي يسعى للتخفي عن الأميركيين يوماً، فقد داهم الجنود بيته في عز الليل، ونهبوا، وسلبوا محتوياته على مرأى من زوجته وأطفاله، الذين ذعروا أيما ذعر. لم يكن علي سوى «تقنيّ» مثلي تماماً، وهذا أقصى ما كان متورطاً فيه.


    كانت الشائعة الرائجة في تلك الأثناء أن الأميركيين لا يتردّدون، في مثل هذا النوع من التفتيش، في الاستحواذ على ما طاب لهم من الأشياء. ولذلك قرّرت زوجتي من باب الحيطة أن تُخفي صيغتها وأشياءها الثمنية. أما أنا فقد أودعتُ مسدسي والكلاشينكوف عند أحد الأصدقاء.


    الأميركيون والدولة البعثية


    بعد اعتقال علي، رحت أفكر بجدّ في أن أسلّم نفسي، غير أني ظللتُ أتردّد في اجتياز هذه الخطوة. لقد وعد الأميركيون الموظفين بعشرين دولاراً تعويضاً عن مرتباتهم غير المدفوعة، لكني أبيتُ على نفسي الوقوف في الطابور ساعات طويلة تحت حرارة ساحقة لأسمع في الأخير مجرد رجاء بمراجعة المكتب بعد أسبوع. وعلى أي حال، فقد كان الحاكم المدني الأميركي بُول بريمر قد ألغى سائر دوائر الرئاسة، فقد فُصِلَ كلّ الموظفين من دون أي تعويض ولا أيّ حق في التقاعد.


    وما بين عشية وضحاها خرجت إحدى أمينات سرّ الرئاسة صفر اليدين بعد عشرين عاماً من الخدمة في الديوان. لم أكن أنتظر من إدارة بريمر أيَّ جميل أو معروف، ولكنني توقعتُ منها تطهيراً أقل فظاظة وقسوة، فقد قرر الأميركيون على ما يبدو أن يضربوا صفحاً عن الدولة البعثية برمتها.


    في عهد صدّام كنت أنا أيضاً أحمل بطاقة حزب البعث، على غرار مئات الآلاف من العراقيين، ليس عن قناعة سياسية ولكن سعياً لحياة أيسر وتفادياً لمضايقات الأمن الكثيرة. فقد كنت دوماً أعتبر نفسي رجُلاً لا همّ له بالسياسة خيّبت الأحزاب آماله وأحبطته أيّما إحباط.


    فهذه الأحزاب تفعل عكس ما كانت تدّعي أنها ستفعله، فالبعث الذي مات ودفن منذ زمن طويل صار حزباً لصدام حسين، فلا أحد كان يجرؤ على الاعتراض على قراراته بأيّ حالٍ حتى وإنْ ناقضتْ هذه القرارات مذهبية البعث وأيديولوجيته. وحين شرع في تطبيق سياسة «أسلمة» المجتمع في التسعينات صارت مبادئ البعث العلمانية لعبة للخسارة والربح، ولكنّ أحداً لم يحرك لهذا العبث ساكناً على الإطلاق!


    كان معظم الذين انحرطوا في الحزب قبل العام 1968 يُعرفون بـ «البعثيين المهنيين»، وقد ظللتُ لزمن طويل أرفض استلام بطاقتي على الرغم من إلحاح الإصدقاء، ففي رأيهم أنني كنت أرهن مستقبلي المهني حين أرفض تسجيل تأشيرة «البعث» على سيرتي الذاتية.


    في النهاية لم أجد بدّاً من الانضمام إلى الحزب العام 1976 حين كنت موظفاً بوزارة الصناعة، حيث التحقتُ بفرع «المهنيين»، وكانت هذه الحركة مقسّمة إلى وحدات جغرافية (أحياء ومدن ومحافظات) ووحدات مهنية (موظفون ونقابات ومؤسسات). في خلايا الأحياء كان المناضلون غالباً ما يُشركون في الخدمة، ولا سيما في السهر على الأمن، فقد كان يتعين على كل واحد أن يقضي ليلتين في الشهر على الأقل في دوام الحزب لتأمين الحراسة.


    وفي فترات الأزمة كنا نقوم بدوريات ليلية مزوّدين برشاشات الكلاشنيكوف. كان علينا أن نراقب السكان وأن نُعدّ قوائم بأعضاء كل عائلة، مع تحديد وظائف الآباء وتسجيل إنْ كانوا مستأجرين أو ملاكاً وإن كانوا يملكون سيارة...إلخ. وكثيراً ما كان البعض يسألني إن كان أطفالي أعضاء في الحزب، فأتحرج كثيراً في الردّ على السؤال بالنفي.


    - أيعقل أن يكون أطفال موظف في الرئاسة غير بعثيين؟


    - إنهم يحملون البعث في قلوبهم! اطمئنوا!


    قبل سقوط النظام بنحو أربعة أشهر، كانت قيادة الحزب قد أعدّت مخططاً استعجالياً تأهّباً للأزمة الوشيكة. كان كل حيّ من أحياء المدينة قد قُسِّم إلى لجانٍ، وتلقى المناضلون، الذين وُزّعوا إلى مجموعات، بنادق كلاشنيكوف وثلاثمئة خرطوشة لكل واحد منهم.


    وكان لكل لجنة دورٌ ثابت: التمريض - المؤونة - «اللاجئون» - وكان دورهم يتمثل أساساً في منع أي هروب من بغداد، لكن لا شيء من هذا استطاع أن يصمد أمام المعارك، فسرعان ما عمّت الفوضى صفوف البعثيين واختلطت الأوامر والأوامر المضادة وظلت تتعاقب على مدار اليوم. وكانت آخر تعليمات يتلقاها البغداديون دعوةً ملحّةً لالتحاق كلِّ مناضلٍ بوحدته في الحي.


    أما فرع التنظيمات المهنية، التي كنتُ أنتمي إليها، فلم يكن يعنيها هذا المخطط الاستعجالي، فضلاً عن أننا لم نُكلَّف بأيّ مهمة من مهمات الأمن. كان علينا مبدئياً أن نجتمع مرّةً في الأسبوع لنلقي الخطب ونمدح الرئيس ونحتسي الشاي. لكننا، في الواقع، لم نجتمع سوى مرة واحدة في الشهر. في النهاية لم يبق أحدٌ يثق في الحزب باستثناء المناضلين الأوائل من أمثال علي عبدالله رغم تعرض سمعتهم للسوء والشبهة بفعل فساد الحركة.


    رياح الحرية


    في الأسابيع الأولى، التي أعقبت سقوط بغداد، أحسّ معظم العراقيين بالغبطة لتخلصهم في النهاية من الطاغية ومن البعثيين. وسوف يكون الحكْم الأخير للتاريخ. لقد آن الأوان لكي نفتح صفحة جديدة. ومع ذلك فلو جاءني عرض من بُول بريمر بأن أكون مترجماً له فلن أتردّد في رفض هذا العرض، لأن بريمر صار رمزاً لاحتلال أرضي ووطني. لقد ترك نظامٌ بغيض ومقيتٌ المكان لاحتلال أكثر منه بُغضاً ومقتاً، فقد كان صدّام طاغية ولكنه كان عراقياً.


    لقد نفثتْ أميركا على العراق ريحاً من الحرية فاستعاد العراقيون الكلمة التي صُودرت منهم لسنوات طويلة، وقد تغطّت أسقف البيوت بالهوائيات المقعّرة وصارت الجرائد أضعافاً مضاعفة، لكن آمالنا خائبة ونفوسنا محبطة. لقد جاء الأميركيون محرّرين ولكنهم استحالوا محتلين، وقد صدّق العراقيون، عن سذاجة مفرطة، أن الأميركيين سيخلصونهم من مشكلاتهم، ولكنهم ما لبثوا أن زادوها تأزماً وتعقيداً.


    فمنذ سقوط بغداد والسكان يعيشون في حالة دائمة من الخطر والخوف. فقد عمّت بغداد السرقات والتعديات بقوة السلاح والخطف في عز النهار. كل هذا لم يكن يحدث في زمن صدام، فقد كانت البلاد تُدار بيدٍ من حديد، لكن الناس كانوا يتجولون في العاصمة، وبحرية، وفي أي ساعة من ساعات الليل أو النهار.


    لقد نتج عن حلّ الجيش والشرطة ومصالح الأمن فراغ أمني ملائم لكل التجاوزات، ولم يعد الكثير من العراقيين يرسلون بناتهم إلى المدارس أو الجامعات خوفاً من التعديات والاغتصاب والخطف. فزوجتي لم تعد تقود سيارتها داخل المدينة وتفضل البقاء في الحي.


    لقد روت لي إحدى زوجات إخوتي، وهي من أصل بلغاري، مدى المصيبة التي أصابت بلادها بعد سقوط الشيوعية. فبعد أن طُرد الحزب الشيوعي من السلطة، أقدمت السلطات الجديدة على حلّ الشرطة فاستقرت الفوضى لأمد طويل، ولحد اليوم لا يستطيع أيُّ رجل أعمالٍ في صوفيا أن يغادر مكتبه من غير حرّاس. وقد صارت مصالح الأمن الخاصة في بلغاريا أكثر النشاطات ازدهاراً. وإني لأخشى على العراق أن يؤول حاله الأمني إلى حيث آل ذلك الحال!


    تُرى ما قيمة الحرية إذا لم يرافقها أمنٌ؟


    لقد تحدث الأميركيون طويلاً بكلمات «الديمقراطية» و«التعددية». ومن المؤكد أن لا أحد يعارض ذلك بعد سنوات الظلم والاستبداد، لكنّ العملية في حاجة إلى تدبير محكم وتحكّمٍ خبير، فالعراق فسيفساءٌ هشّة من القبائل المتمسكة بهويّاتها الراسخة القوية، التي تعمل باستقلالية شبه كاملة، طالما أنها تستطيع أن تقيم العدل بنفسها. فالأميركيون يلعبون بالنار باللعب على المصالح الطائفية، ولذلك فإن إقامة حكومة انتقالية على أسس دينية وطائفية خطأ فادح، لما ينطوي عليه من صراعات كامنة قابلة للانفجار مستقبلاً.


    كنت أفضل لو تشكلت هذه الحكومة من شخصيات نزيهة تجمع شخصيات من أهل النزاهة والكفاءة، فأي مصداقية يحظى بها شخص مثل أحمد الجلبي المسؤول عن إفلاس بنك البتراء في الأردن. فشهرته تلك ذائعة في أوساط كل العراقيين الذين لقبوه بـ «رئيس عصابات علي بابا». إن الخلط ما بين الطائفيات وما بين المصالح الشخصية قد يقود العراق إلى «لبننة» خطيرة ستحارب فيها الطوائف العرقية والدينية بعضها البعض، ألا يجوز لنا التساؤل إن كان الأميركيون يملكون الإرادة حقاً في تطبيق مبدأ «فَرّق تَسُد».


    سقوط نظام صدام يجعلنا نتساءل من جديد: هل يمكن لنظام ديمقراطي أن يقوم في العراق من دون أن يحدث حمّاماً من الدم؟ فكل أحزابنا مسلحة، ولكل حزب من هذه الأحزاب ميليشيته الخاصة. والشيعة في حالة هدنة مع الأميركيين، وهم لحد الآن يستخدمون الوسائل السلمية حتى يفرضوا وجهة نظرهم، فما الذي يمكن أن يحدث في حال مواجهة لأي معارضة؟


    لقد رأيت مظاهرات في شوارع بغداد، كان الإسلاميون السّنيون فيها يصرخون:


    - نحن لسنا الأقلية! إننا الأغلبية الصامتة؟


    هذه هي بذور الصراعات التي قد تنفجر غداً. فرغم كل عيوبه وتجاوزاته القمعية، كان صدّام يحول دوماً دون اشتعال العراق، ففي ظل حكمه كنا عراقيين قبل أن نكون أكراداً أو سنّة أو شيعة، وحتى في حالات القمع كان صدّام نفسه لا يميّز ما بين الطوائف العرقية أو الدينية.


    أكثر من ذلك، صارت الأحزاب السياسية تشجّع هذه الانقسامات، التي ما فتئت وسائل الإعلام العالمية تضخّمها وتغذّيها، فالصحف لا تجد حرجاً في أن تستجوب «سُنِّيّاً من بغداد» أو «شيعيّاً من النجف» أو «كرديّاً من السليمانية». إنّ هذا الأمر يحزنني كثيراً، فأين العراق في كل هذا؟ إني لأشعر أنهم يريدون تجزئة البلاد وتقطيعها.


    خيبتنا في هذه الأوضاع عميقة وهائلة. لقد توقعنا من الأميركيين قدراً أقل من «الاحتلال» وقدراً أكبر من «التعمير». فالتباطؤ في إعادة ترتيب أوضاع البلاد، وفي إقامة البنيات التحتية العامة في بعض الأماكن - شبكات المياه والهاتف والكهرباء - لا شك يشحذ حقد السكان على الأميركيين وتصرفاتهم. فالشعور الوطني عند العراقيين، الذين لم يقبلوا يوماً بأي شكل من أشكال الاحتلال، شعورٌ عميق وسريع التأجج والانفعال.


    في رأيي أن أعمال المقاومة التي نشهدها ليست غير تعبير عن خيبة الناس وشقائهم. فالأميركيون لم يلتزموا بوعودهم، وقد كان لفرقهم العسكرية في غالب الأحيان تصرفات مرفوضة وغير مقبولة، فالانزلاقات الأمنية عند الحواجز، وتفتيش النساء، وإجراءات التفتيش التعسفية، والاعتقالات، ما فتئت تقلّل من شعبية قوى التحالف وتعمل على تبديد رصيدها من الود والتعاطف.


    أريد حماية أسرتي


    لم يعد يشغلني سوى مغادرة البلاد. كنت أريد أن أحمي أسرتي، وكنت متلّهفاً لإعادة اكتشاف العالم الذي انقطعت عنه طويلاً. كنت قد راسلت جامعات عربية عديدة لألتمس وظيفة كأستاذ في الترجمة، وظللتُ أنتظر الردود بفارغ الصبر، لكنّ «قناة الجزيرة» الفضائية في قطر ما لبثت أن عرضت عليّ وظيفة في الترجمة.


    وحتى أنهي إجراءات تأشيرة الدخول. وجدتني مضطراً للذهاب إلى عمّان. ولم يكن أمامي خيار آخر فتركت نُهى والأطفال في بغداد. كان جواز سفري نافذاً، لكني كنت أخشى أن أُردَّ على أعقابي عند الحدود الأردنية، فقد كانت السلطات الهاشمية تخشى تدفق العراقيين المفرط، فحرصت على تقليص عدد الوافدين.


    وعندما وصلتُ إلى مركز حدود طرابيل، التقيتُ لآخر مرة بصدام حسين، وقد بدا بصورته الهائلة التي احتفظت بملامحها سليمة كاملة. هذا التجلي العابر ما لبث أن بادرني بالحديث لبعض اللحظات، غير أني رحت، وفي هدوء تام، أقدح في الرئيس المخلوع وأذمّ:


    - أنظر إلى أين أوصلتنا؟ لقد خدمتك لخمسة عشر عاماً، وهأنذا اليوم أغادر بلادي كما يفر جندي جبان مهزومٌ من المعركة!


    حين انطلقت سيارة الأجرة طويتُ بلا ندم «سنوات صدّام»، وبدأ الحظ يبتسم لي. في قاعة الانتظار نادى مُنادٍ من رجال الجمارك باسمي في الميكروفون، فأدركت أنني كسبت غايتي، وانطلقت مبتهجاً نحو عمّان ونحو الحرية.


    كان لقائي بعديلي يحيى، الذي جاء يستقبلني، لقاءً حاراً، وقد استغرقت في تأمل عمّان ومشاهدة تلالها وشوارعها الهادئة وفيلاتها الفاخرة المرفهة، وتمنيت ألا تتأخر أسرتي في الالتحاق بي.


    إن الأردن، على الرغم من موارده الطبيعية المحدودة، يحقق نجاحات طيبة في سائر المجالات. فالمملكة لم تشهد أيّ صراع منذ حرب 1967 و«أيلول الأسود» العام 1970. وقد تعصرن اقتصادها وتحسن مستوى حياة سكانها. ولو كان صدام أبدى قدراً أكبر من الحكمة لكان حوَّل بلاده إلى إلدورادو الشرق الأوسط.


    وقد علمت من أخبار التلفزيونات، بعد وصولي إلى عمّان بأيام قليلة، أن شارل تايلور رئيس ليبيريا قد اختار اللجوء إلى نيجيريا. قرار حكيم فعلاً، مع صدام أظل على اقتناع أن مثل هذا الحل أمر غير وارد إطلاقاً.


    بعد حصولي على التأشيرة أخذتُ «الطائرة» في اتجاه الدوحة. لقد ذهبت لكي أوقع عقداً للعمل بمقر قناة الجزيرة. وقد رغبت الإدارة في أن أشرع في العمل بلا أي تأخير. وهكذا بدأت في قطر حياة جديدة. فالنمو الهائل الذي يشهده هذا البلد الصحراوي ما انفك يدهشني ويثير إعجابي! فقد غزت خليج العاصمة - الدوحة - بناءات فائقة الحداثة، فكم من تحولات في سنوات قليلة!


    واستدعيت أسرتي لكي تلتحق بي، لكن الأردن منعها من الدخول. وقد روت لي نُهى أنها ظلت تنتظر بفارغ الصبر برفقة ابنتينا من الحادية عشرة صباحاً حتى الثالثة من ليل اليوم التالي، قبل أن يعود إليهم رجال الجمارك مدّعين أن جوازات السفر مزورة.


    وقد شاءت المصادفة، لحظة مغادرتها، أن بث التلفزيون حصة لإحدى مداخلاتي. فقالت لي إن صوتي قد شجعها على أن تجرّب حظها من جديد.


    إن أفكاري تعود بي دوماً إلى صدام، ترى ما الذي أنجزه هذا الشخص لشعبه؟ لقد أنتج خطباً جميلة حول تحرير فلسطين والوحدة العربية، وقد أتقن دوماً مدح الحس القومي عند العراقيين، ولكن بلا طائل دوماً! لقد ألقت بنا أحلام العظمة، التي ظلت تراوده، في جحيم البؤس والشقاء. فكم من وقت يستغرقه العراق لكي ينهض من جديد، ولكي يعود مرة أخرى بلداً عزيزاً وفخوراً ومزدهراً؟


    ها هو صدام ينتهي أخيراً، فلم يعد يسكن لياليّ كما كان. ومع ذلك، فإنني أعلم أني في حاجة لكثير من الوقت لكي أتحرر من السجن السيكولوجي الذي حاصرني أمداً طويلاً!
     

مشاركة هذه الصفحة