(الرهينة) الفصل الاول

الكاتب : المتمرد   المشاهدات : 1,011   الردود : 15    ‏2001-08-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-24
  1. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الجزء الاول من الفصل الأول:)

    كم هي جميلة هذه المدينة! شاهدتها لأول مرة عندمالا أخذت من قريتي ووضعت في قلعتها (القاهرة) بين رهائن الإمام.

    أخذني (عكفة )(1) الإمام ذوو الملابس الزرقاء , عنوة من بين أحضان والدتي ومن بين سواعد أفراد أسرتي المتبقين .

    لم يكتفوا بذلك بل أ خذوا حصان والدي تنفيذا لرغبة الإمام .

    كان يوما معتدلا , خفت فيه حدة هطول الأمطار لتتيح لنا مشاهدة المدينة والقرى البعيدة المتلألئة فوق الجبال , كان الجو صافيا . إنه (علان )(2) شهر التأهب للحصاد . كنت مع زميلي (الدويدار)(3),, الدويدار (الحالي)(4) كما يسمونه , على سطح دار النائب العالي , لا أدري لماذا أحببت صداقته , ربما لتقارب السن , وربما لعملنا المشترك .

    كنت قريب العهد في منزل النائب , نائب الإمام و عامله على المدينة وما يتبعها , عندما أخذوني قسرا من قلعة القاهرة , معقل (الرهائن.)(5)

    وأدخلت من بوابة قصر النائب وأنا أتذكر نظرات الازدراء التي ودعني بها زملائي الرهائن . كنت على علم بأن بعض الرهائن قد أخذوا إلى قصور الإمام وبعض نوابه وأمرائه دوادرة . وكنت أسمع أن بعضهم قد تمكن من الفرار والبعض قد فشل , فكبلوه بالقيود الحديدية في قلعة القاهرة مدى الحياة . الشيء الذي لم أكن أعرفه هو معنى الدويدار وما هو عمله ? ولم أكن أعي أي تفسير يقال , ربما لصغر سني .

    - من شروط الدويدار أن يكون صبيا لم يبلغ الحلم . هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه السجين أيضا معنا , والمكلف بتعليمنا القرآن والفروض والطاعة في قلعة القاهرة معقل الرهائن .

    - يقوم الدويدار حاليا بعمل الطواشي وعندما تبدو علينا الحيرة يقول :

    - والطواشي هم العبيد المخصيون . فنزداد حيرة أكثر .

    - والخصي , هو من تضرب خصيته . ونحتار أكثر أيضا من جديد متألمين لهذا العمل القاسي فيقول :

    - لكي لا يمارس عملا مشينا , جنسيا , كمضاجعته نساء القصور , أي بمعنى آخر يجب أن يكون فاقدا لرجولته , أي بمعنى آخر , عاجزا . ونحتار أيضا , فنقول :

    - هذا يكفي , مفهوم ?

    - غير مفهوم يا سنا الفقيه . يقوم غاضبا لردنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحا أو وقاحة , ونصيح بنشيدنا المعتاد :

    - غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , إلخ

    كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم كما يقول الفقيه : يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا . وكنت ألاحظ أن معظم العائدين منهم إلى القلعة قد تغيرت ملامحهم , حيث غدوا مصفري الوجوه بالرغم من ظهور نعومة شاملة في أجسامهم مع شيء من الترهل وذبول في غير أوانه .

    كنت ألاحظ أيضا اهتمام حرس القلعة بهم , هؤلاء ناعمي الملمس رقيقي الأصوات , بملابسهم النظيفة المرسلة حتى الأرض , وبتلك الكوافي المزركشة التي حاكتها نساء القصور فوضعوها على رؤوسهم لتخفي شعرهم المجعد الممشط , الذي تفوح منه رائحة الدهون المعطرة التي يستنشقها بلذة أفراد الحرس , والفقيه مدرسنا أيضا الذي يبالغ في مراعاته لهم بسماجة أكثر مما يلزم , مما كان يدفع ببعضنا للاحتجاج والتذمر لهذه المعاملة المتميزة فيصيح غاضبا :

    - أوباش , اخرسوا يا متوحشون , أعوذ بالله من أشكالكم وطباعكم أيضا !

    - .. غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , يا حنان يا منان . وينفض الرهائن من الدرس ويتجهون إلى سطح السور المطل على المدينة يمرجحون سيقانهم في الهواء , وينظرون إلى الأفق البعيد , كل يبحث عن قريته وراء الجبال .

    كان الفقيه مدرسنا , رغم وجود العصا في يده , لا يجرؤ على رفعها على أحد منا . حاول مرة وضرب بها أحد الرهائن , فأدى ذلك إلى كسر ذراعه ونتف لحيته , ولم يعاود ممارسة ذلك مرة أخرى .

    عندما وصلت إلى دار النائب , فرح صديقي الدويدار بي , وغمرته سعادة لم أكن أتوقعها . وبدأ يعرفني على كل جزء من القصر الواسع وملحقاته , وكنت أصادف , وأنا معه , نساء من مختلف الأعمار وعلى مستويات متفاوتة من الجمال والهندام وحسن الملبس .

    كنت أنزوي عندما كان يقوم بتعريفي بهن :

    - هذه عمة النائب .

    - ...

    - هذه ابنة النائب .

    - ...

    - وهذه أخت النائب , المطلقة .

    - ...

    - وهذه زوجة النائب الثانية .

    - ...

    - وهذه الأولى .

    - ...

    - وهذه الخادمة الجديدة , إنها جميلة كما ترى , أليس كذلك ?

    - ...

    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .


    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    توضيح بعض المفردات المرقمة والتي هيى بين قوسين
    1-عكفة= حرس الأمام الخاص
    2- علان= نجم زراعي يأتي قبل حصاد الغلال وهو احب نجوم الزراعة في اليمن
    3-الدويدار=صبي حاضر البديهة يستخدمه الامراء والحكام في قصورهم
    4-الحالي= الجميل
    5-الرهائن=أبناء المشائخ ورؤساء القبائل الذين يعتقلهم الإمام لضمان ولاء آبائهم.

    يتبع :)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-24
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الجزء الاول من الفصل الأول:)

    كم هي جميلة هذه المدينة! شاهدتها لأول مرة عندمالا أخذت من قريتي ووضعت في قلعتها (القاهرة) بين رهائن الإمام.

    أخذني (عكفة )(1) الإمام ذوو الملابس الزرقاء , عنوة من بين أحضان والدتي ومن بين سواعد أفراد أسرتي المتبقين .

    لم يكتفوا بذلك بل أ خذوا حصان والدي تنفيذا لرغبة الإمام .

    كان يوما معتدلا , خفت فيه حدة هطول الأمطار لتتيح لنا مشاهدة المدينة والقرى البعيدة المتلألئة فوق الجبال , كان الجو صافيا . إنه (علان )(2) شهر التأهب للحصاد . كنت مع زميلي (الدويدار)(3),, الدويدار (الحالي)(4) كما يسمونه , على سطح دار النائب العالي , لا أدري لماذا أحببت صداقته , ربما لتقارب السن , وربما لعملنا المشترك .

    كنت قريب العهد في منزل النائب , نائب الإمام و عامله على المدينة وما يتبعها , عندما أخذوني قسرا من قلعة القاهرة , معقل (الرهائن.)(5)

    وأدخلت من بوابة قصر النائب وأنا أتذكر نظرات الازدراء التي ودعني بها زملائي الرهائن . كنت على علم بأن بعض الرهائن قد أخذوا إلى قصور الإمام وبعض نوابه وأمرائه دوادرة . وكنت أسمع أن بعضهم قد تمكن من الفرار والبعض قد فشل , فكبلوه بالقيود الحديدية في قلعة القاهرة مدى الحياة . الشيء الذي لم أكن أعرفه هو معنى الدويدار وما هو عمله ? ولم أكن أعي أي تفسير يقال , ربما لصغر سني .

    - من شروط الدويدار أن يكون صبيا لم يبلغ الحلم . هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه السجين أيضا معنا , والمكلف بتعليمنا القرآن والفروض والطاعة في قلعة القاهرة معقل الرهائن .

    - يقوم الدويدار حاليا بعمل الطواشي وعندما تبدو علينا الحيرة يقول :

    - والطواشي هم العبيد المخصيون . فنزداد حيرة أكثر .

    - والخصي , هو من تضرب خصيته . ونحتار أكثر أيضا من جديد متألمين لهذا العمل القاسي فيقول :

    - لكي لا يمارس عملا مشينا , جنسيا , كمضاجعته نساء القصور , أي بمعنى آخر يجب أن يكون فاقدا لرجولته , أي بمعنى آخر , عاجزا . ونحتار أيضا , فنقول :

    - هذا يكفي , مفهوم ?

    - غير مفهوم يا سنا الفقيه . يقوم غاضبا لردنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحا أو وقاحة , ونصيح بنشيدنا المعتاد :

    - غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , إلخ

    كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم كما يقول الفقيه : يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا . وكنت ألاحظ أن معظم العائدين منهم إلى القلعة قد تغيرت ملامحهم , حيث غدوا مصفري الوجوه بالرغم من ظهور نعومة شاملة في أجسامهم مع شيء من الترهل وذبول في غير أوانه .

    كنت ألاحظ أيضا اهتمام حرس القلعة بهم , هؤلاء ناعمي الملمس رقيقي الأصوات , بملابسهم النظيفة المرسلة حتى الأرض , وبتلك الكوافي المزركشة التي حاكتها نساء القصور فوضعوها على رؤوسهم لتخفي شعرهم المجعد الممشط , الذي تفوح منه رائحة الدهون المعطرة التي يستنشقها بلذة أفراد الحرس , والفقيه مدرسنا أيضا الذي يبالغ في مراعاته لهم بسماجة أكثر مما يلزم , مما كان يدفع ببعضنا للاحتجاج والتذمر لهذه المعاملة المتميزة فيصيح غاضبا :

    - أوباش , اخرسوا يا متوحشون , أعوذ بالله من أشكالكم وطباعكم أيضا !

    - .. غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , يا حنان يا منان . وينفض الرهائن من الدرس ويتجهون إلى سطح السور المطل على المدينة يمرجحون سيقانهم في الهواء , وينظرون إلى الأفق البعيد , كل يبحث عن قريته وراء الجبال .

    كان الفقيه مدرسنا , رغم وجود العصا في يده , لا يجرؤ على رفعها على أحد منا . حاول مرة وضرب بها أحد الرهائن , فأدى ذلك إلى كسر ذراعه ونتف لحيته , ولم يعاود ممارسة ذلك مرة أخرى .

    عندما وصلت إلى دار النائب , فرح صديقي الدويدار بي , وغمرته سعادة لم أكن أتوقعها . وبدأ يعرفني على كل جزء من القصر الواسع وملحقاته , وكنت أصادف , وأنا معه , نساء من مختلف الأعمار وعلى مستويات متفاوتة من الجمال والهندام وحسن الملبس .

    كنت أنزوي عندما كان يقوم بتعريفي بهن :

    - هذه عمة النائب .

    - ...

    - هذه ابنة النائب .

    - ...

    - وهذه أخت النائب , المطلقة .

    - ...

    - وهذه زوجة النائب الثانية .

    - ...

    - وهذه الأولى .

    - ...

    - وهذه الخادمة الجديدة , إنها جميلة كما ترى , أليس كذلك ?

    - ...

    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .


    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    توضيح بعض المفردات المرقمة والتي هيى بين قوسين
    1-عكفة= حرس الأمام الخاص
    2- علان= نجم زراعي يأتي قبل حصاد الغلال وهو احب نجوم الزراعة في اليمن
    3-الدويدار=صبي حاضر البديهة يستخدمه الامراء والحكام في قصورهم
    4-الحالي= الجميل
    5-الرهائن=أبناء المشائخ ورؤساء القبائل الذين يعتقلهم الإمام لضمان ولاء آبائهم.

    يتبع :)
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-25
  5. الذيباني

    الذيباني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-02-21
    المشاركات:
    1,085
    الإعجاب :
    0
    أحسنت يالمتمرد

    جميل ,,, ونحن بانتظار بقية الفصول...
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-08-25
  7. الذيباني

    الذيباني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-02-21
    المشاركات:
    1,085
    الإعجاب :
    0
    أحسنت يالمتمرد

    جميل ,,, ونحن بانتظار بقية الفصول...
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-08-25
  9. SHAHD

    SHAHD عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2000-11-24
    المشاركات:
    718
    الإعجاب :
    3
    بدايتها مشوقة جدا ... أرجو ألا يطول انتظارنا لبقيتها 0

    لك جزيل الشكر 0
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-08-25
  11. SHAHD

    SHAHD عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2000-11-24
    المشاركات:
    718
    الإعجاب :
    3
    بدايتها مشوقة جدا ... أرجو ألا يطول انتظارنا لبقيتها 0

    لك جزيل الشكر 0
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2001-08-25
  13. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    very nice of you brother
    go ahead
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2001-08-25
  15. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    very nice of you brother
    go ahead
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2001-08-25
  17. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الذيباني / شهد / غريب :)
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الجزء الثاني من الفصل الأول
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .



    ولم أكن أجيب أيضا , كنت أنكمش حين يربتن كتفي , وأنفر حين تمتد أيدي بعضهن لقرص وجنتي أو فرك شفتي بتلذذ .

    كنت أتقزز من ذلك , بينما كان زميلي يضحك ملء شدقيه ويهرع بي من السلالم الواسعة المرصوفة بالحجارة المربعة ليقودني إلى الحمام التركي . سراديب وقباب وممرات كلها مرصوفة أيضا بالحجارة المربعة السوداء , ملحمة " بالقضاض " المصنوع من النورة البيضاء .

    لبخار يتصاعد بكثافة عند القمريات الرخامية الجاذبة للضوء , ترددت في الدخول , لكن زميلي قال :

    - لا تخف , ليس اليوم للنساء !

    - للنساء أو الرجال , لن أدخل هذا المكان مرة أخرى .

    - هل تعرف أننا الوحيدان في هذا القصر الذي يحق لنا دخوله في أي وقت ? سواء كان ذلك يوم النساء أو يوم الرجال ?

    شعرت بجسمي يقشعر وقلت :

    - لن أدخله أبدا .

    قال وقد جذبني خارجا نحو إسطبل مهجور للخيل :

    - سوف تدخله مستقبلا !

    بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء , الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات , وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .

    كان إسطبل الخيل واسعا , تنبعث منه رائحة ذكرتني بسفل منزلنا في الجبل , رائحة روث وبول البقر والثيران ممزوجة برائحة التبن والعجور , وأصوات الدجاج المنزعجة لقدومنا بينما كانت تنبش بأظفارها أكوام السماد باحثة عن الحشرات . كم كان والدي حريصا على بقاء النواقيس النحاسية على رقاب الثيران !

    كان وقع أصواتها الموسيقى يطربني كلما مررت بسفل دارنا , أو في المراعي أو عند النبع . حتى الجمال والحمير في جبلنا كانت تعلق على أعناقها تلك الأجراس النحاسية القديمة التي تحذر الناس والأطفال بالذات في الطرقات والأزقة . لم أشاهد في إسطبل النائب , ذلك الواسع , سوى بغلتين فقط , أما أبقاره الحلوب , فهي في مكان قريب من باب قصره الخلفي . وعندما تملكتني الدهشة أسعفني زميلي الدويدار بالإجابة قائلا :

    - الخيل يأخذها الإمام وولي عهده سيف الإسلام الأمير , إلى قصورهم , ولا يبقون سوى بعض البغال والحمير .

    - ولكني لا أجد حمارا واحدا ?

    - أمثالي وأمثالك , والآخرين !

    لم ترق لي عبارته التي كان يعدها نوعا من الممازحة الظريفة , وقد توقفنا عند باب الإسطبل لنواجه فناء القصر الواسع حيث اكتشفت أنه مكون من عدة قصور , منها القديم ومنها الجديد . قال زميلي :

    - تلك الدار القديمة المبنية بالآجر , مخصصة لأخت النائب المدللة والمطلقة وهي جميلة .

    - وكل هذا من أجلها ?

    - لأنها من أم أخرى , تركت لها والدتها ثروة أكبر من ثروة والد النائب .

    لم أسأل بعد ذلك , فقد انشغلت بالتطلع إلى الأماكن الأخرى فقال :

    - اسمها حفصة , الشريفة حفصة . أطرقت مستمعا , فتمهل قليلا ثم قال بعد أن بلع تنهيدة كانت ستخرج من جوفه :

    - استطاعت بثباتها أن ترغم ابن عمها على أن يطلقها , وظللت مستمعا فاستمر قائلا :

    - وحدثت أزمة كبيرة , تدخل فيها مولانا ولي العهد لصالحها . لم أجبه وإن كنت قد حاولت التساؤل عن سبب الطلاق لكنه استرسل مجيبا :

    - كان زواجها من ابن عمها في صالح النائب . هززت كتفي فاستمر قائلا :

    - لأن النائب متزوج بأخت ابن عمها . ابتسمت لهذه الفازورة اللغز , فقال :

    - وخوفا من أن يؤول الميراث إلى الغير , تم الزواج , وسيكون الإرث متوازنا . أعنت اهتزاز كتفي بابتسامة استفسار فقال :

    - لكنها رفضت ابن عمها منذ الليلة الأولى , كان يسهر عادة حتى الفجر مع القات . نفضت جمود استفساراتي بأن قلت سريعا :

    - ألهذا السبب تم الطلاق ? ابتسم وقد انتشى لحضوري المباشر معه قائلا :

    - ليس هذا هو السبب , هناك أسباب أخرى مهمة , منها , عجزه التام عن نيلها , لضعف فيه متأصل , ولكبر سنه أيضا , فلديه عدة زوجات وعدة أبناء لا حصر لهم .

    لم أندهش لذلك ولم أستفسر أكثر من اللزوم , فقال ونحن نمشي نحو ذلك المنزل وقد شدني كلامه :

    - هي صغيرة , أصغر أبناء العائلة . وكان والدها يحبها ويدللها , محبة في والدتها التي كانت أصغر زوجاته وأجملهن وأكثرهن ثراء .

    لم أشعر بالإرهاق ذلك النهار , بالرغم من أن صاحبي قد جال بي معظم جوانب عالمه العجيب . كان فرحا ومرحا , متشبثا بي , تغمره السعادة لوجودي معه , فكم أصوات نادته دون أن يجيبها , أو يأبه لها !

    كانت غرفته تقع في منعطف أحد السلالم الواسعة , جذبني إليها وهو يقول :

    - هذه غرفتنا .

    - غرفتنا ?

    - نعم غرفتنا !

    اتجهت صوب النافذة الصغيرة الوحيدة داخل الغرفة , استرحت مقرفصا بجوارها وأمعنت النظر بعد ذلك في داخل الغرفة . كان قد خرج فجأة . في الغرفة فراش صغير قد برز التبن المحشو به من ثقوب عدة , ولحاف شبه صوفي أسود اللون معطف عند مرقد رأسه فوق مخدة متسخة يكسل أن يغسل كيسها القطني المزركش . يحف بزاويته تلك , صندوق خشبي ملون بأصباغ رخيصة , قد وضعه بجانب الفراش المهترئ لمنعه من الانزلاق أثناء نومه , ويسهل عليه فتحه متى شاء , ويحفظ بداخله ملابسه وأشياءه الأخرى .

    توقف نظري عند بعض الصور التي ألصقها على الحائط , ولا أدري كيف استطاع لصقها وإن كان يخامرني الشك بأنه قد استعمل في ذلك لعابه .

    صور متكررة لفتيات جميلات ذهبيات الشعر , زرق العيون لم أشاهد لهن مثيلا في حياتي .

    قال لي مرة إنه يقوم بقص صورهن من بعض الصحف والمجلات التي تصل إلى النائب والمجلات التي تصل إلى النائب من بلاد مدخل , كانت هنالك أيضا بعض صور لأشخاص بألبسة عجيبة , كان يقول كالمعلم العارف :

    - هذه صورة الفوهرر , هتلر , وهذا موسوليني , ملك الطليان , أما هذا الشيخ الوقور فهو المختار , عمر المختار . كان مزهوا بأنه يعرف الكثير مما أجهل , فيزداد تعاليا عندما يكلمني عن سماعه لأخبار العالم من مذياع النائب , وبأنه الوحيد الذي يقوم بتشغيل ذلك الجهاز الذي يلتف لسماعه حشد كبير من الناس داخل القصر وخارج أسواره أيضا , يعرف كل الأوقات وجميع المحطات والرموز والألغاز , كان يضحك مني ساخرا وهو يقول :

    - الآن ستدق ساعة بيغ بن معلنة الساعة الرابعة مساء بتوقيت غرينتش .

    - الآن موعد تعليق يونس بحري من إذاعة برلين . كنت أضحك بتعجب لهذا الكلام الجديد على . أحضر لي فراشا ولحافا , وسألني , قبل أن يلقي بهما من على كتفه , عن أي زاوية أختار داخل الغرفة , وأجبته مازحا :

    - الضيف في حكم المضيف . ضحك وقد رمى الفراش واللحاف في الزاوية المقابلة له , ثم جلس بجواري , وبدأ يحكي من جديد :

    - أنت لا تعرف طبعا صندوق الطرب ? لويت شفتي مستغربا للكلام الجديد , فقال :

    - صندوق الطرب , عبارة عن جهاز , أكبر من الراديو , لكنه يصدر الأغاني الجميلة , للقعطبي و العنتري و الماس والشيخ على أبو بكر


    يتبع:)
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2001-08-25
  19. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الذيباني / شهد / غريب :)
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الجزء الثاني من الفصل الأول
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .



    ولم أكن أجيب أيضا , كنت أنكمش حين يربتن كتفي , وأنفر حين تمتد أيدي بعضهن لقرص وجنتي أو فرك شفتي بتلذذ .

    كنت أتقزز من ذلك , بينما كان زميلي يضحك ملء شدقيه ويهرع بي من السلالم الواسعة المرصوفة بالحجارة المربعة ليقودني إلى الحمام التركي . سراديب وقباب وممرات كلها مرصوفة أيضا بالحجارة المربعة السوداء , ملحمة " بالقضاض " المصنوع من النورة البيضاء .

    لبخار يتصاعد بكثافة عند القمريات الرخامية الجاذبة للضوء , ترددت في الدخول , لكن زميلي قال :

    - لا تخف , ليس اليوم للنساء !

    - للنساء أو الرجال , لن أدخل هذا المكان مرة أخرى .

    - هل تعرف أننا الوحيدان في هذا القصر الذي يحق لنا دخوله في أي وقت ? سواء كان ذلك يوم النساء أو يوم الرجال ?

    شعرت بجسمي يقشعر وقلت :

    - لن أدخله أبدا .

    قال وقد جذبني خارجا نحو إسطبل مهجور للخيل :

    - سوف تدخله مستقبلا !

    بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء , الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات , وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .

    كان إسطبل الخيل واسعا , تنبعث منه رائحة ذكرتني بسفل منزلنا في الجبل , رائحة روث وبول البقر والثيران ممزوجة برائحة التبن والعجور , وأصوات الدجاج المنزعجة لقدومنا بينما كانت تنبش بأظفارها أكوام السماد باحثة عن الحشرات . كم كان والدي حريصا على بقاء النواقيس النحاسية على رقاب الثيران !

    كان وقع أصواتها الموسيقى يطربني كلما مررت بسفل دارنا , أو في المراعي أو عند النبع . حتى الجمال والحمير في جبلنا كانت تعلق على أعناقها تلك الأجراس النحاسية القديمة التي تحذر الناس والأطفال بالذات في الطرقات والأزقة . لم أشاهد في إسطبل النائب , ذلك الواسع , سوى بغلتين فقط , أما أبقاره الحلوب , فهي في مكان قريب من باب قصره الخلفي . وعندما تملكتني الدهشة أسعفني زميلي الدويدار بالإجابة قائلا :

    - الخيل يأخذها الإمام وولي عهده سيف الإسلام الأمير , إلى قصورهم , ولا يبقون سوى بعض البغال والحمير .

    - ولكني لا أجد حمارا واحدا ?

    - أمثالي وأمثالك , والآخرين !

    لم ترق لي عبارته التي كان يعدها نوعا من الممازحة الظريفة , وقد توقفنا عند باب الإسطبل لنواجه فناء القصر الواسع حيث اكتشفت أنه مكون من عدة قصور , منها القديم ومنها الجديد . قال زميلي :

    - تلك الدار القديمة المبنية بالآجر , مخصصة لأخت النائب المدللة والمطلقة وهي جميلة .

    - وكل هذا من أجلها ?

    - لأنها من أم أخرى , تركت لها والدتها ثروة أكبر من ثروة والد النائب .

    لم أسأل بعد ذلك , فقد انشغلت بالتطلع إلى الأماكن الأخرى فقال :

    - اسمها حفصة , الشريفة حفصة . أطرقت مستمعا , فتمهل قليلا ثم قال بعد أن بلع تنهيدة كانت ستخرج من جوفه :

    - استطاعت بثباتها أن ترغم ابن عمها على أن يطلقها , وظللت مستمعا فاستمر قائلا :

    - وحدثت أزمة كبيرة , تدخل فيها مولانا ولي العهد لصالحها . لم أجبه وإن كنت قد حاولت التساؤل عن سبب الطلاق لكنه استرسل مجيبا :

    - كان زواجها من ابن عمها في صالح النائب . هززت كتفي فاستمر قائلا :

    - لأن النائب متزوج بأخت ابن عمها . ابتسمت لهذه الفازورة اللغز , فقال :

    - وخوفا من أن يؤول الميراث إلى الغير , تم الزواج , وسيكون الإرث متوازنا . أعنت اهتزاز كتفي بابتسامة استفسار فقال :

    - لكنها رفضت ابن عمها منذ الليلة الأولى , كان يسهر عادة حتى الفجر مع القات . نفضت جمود استفساراتي بأن قلت سريعا :

    - ألهذا السبب تم الطلاق ? ابتسم وقد انتشى لحضوري المباشر معه قائلا :

    - ليس هذا هو السبب , هناك أسباب أخرى مهمة , منها , عجزه التام عن نيلها , لضعف فيه متأصل , ولكبر سنه أيضا , فلديه عدة زوجات وعدة أبناء لا حصر لهم .

    لم أندهش لذلك ولم أستفسر أكثر من اللزوم , فقال ونحن نمشي نحو ذلك المنزل وقد شدني كلامه :

    - هي صغيرة , أصغر أبناء العائلة . وكان والدها يحبها ويدللها , محبة في والدتها التي كانت أصغر زوجاته وأجملهن وأكثرهن ثراء .

    لم أشعر بالإرهاق ذلك النهار , بالرغم من أن صاحبي قد جال بي معظم جوانب عالمه العجيب . كان فرحا ومرحا , متشبثا بي , تغمره السعادة لوجودي معه , فكم أصوات نادته دون أن يجيبها , أو يأبه لها !

    كانت غرفته تقع في منعطف أحد السلالم الواسعة , جذبني إليها وهو يقول :

    - هذه غرفتنا .

    - غرفتنا ?

    - نعم غرفتنا !

    اتجهت صوب النافذة الصغيرة الوحيدة داخل الغرفة , استرحت مقرفصا بجوارها وأمعنت النظر بعد ذلك في داخل الغرفة . كان قد خرج فجأة . في الغرفة فراش صغير قد برز التبن المحشو به من ثقوب عدة , ولحاف شبه صوفي أسود اللون معطف عند مرقد رأسه فوق مخدة متسخة يكسل أن يغسل كيسها القطني المزركش . يحف بزاويته تلك , صندوق خشبي ملون بأصباغ رخيصة , قد وضعه بجانب الفراش المهترئ لمنعه من الانزلاق أثناء نومه , ويسهل عليه فتحه متى شاء , ويحفظ بداخله ملابسه وأشياءه الأخرى .

    توقف نظري عند بعض الصور التي ألصقها على الحائط , ولا أدري كيف استطاع لصقها وإن كان يخامرني الشك بأنه قد استعمل في ذلك لعابه .

    صور متكررة لفتيات جميلات ذهبيات الشعر , زرق العيون لم أشاهد لهن مثيلا في حياتي .

    قال لي مرة إنه يقوم بقص صورهن من بعض الصحف والمجلات التي تصل إلى النائب والمجلات التي تصل إلى النائب من بلاد مدخل , كانت هنالك أيضا بعض صور لأشخاص بألبسة عجيبة , كان يقول كالمعلم العارف :

    - هذه صورة الفوهرر , هتلر , وهذا موسوليني , ملك الطليان , أما هذا الشيخ الوقور فهو المختار , عمر المختار . كان مزهوا بأنه يعرف الكثير مما أجهل , فيزداد تعاليا عندما يكلمني عن سماعه لأخبار العالم من مذياع النائب , وبأنه الوحيد الذي يقوم بتشغيل ذلك الجهاز الذي يلتف لسماعه حشد كبير من الناس داخل القصر وخارج أسواره أيضا , يعرف كل الأوقات وجميع المحطات والرموز والألغاز , كان يضحك مني ساخرا وهو يقول :

    - الآن ستدق ساعة بيغ بن معلنة الساعة الرابعة مساء بتوقيت غرينتش .

    - الآن موعد تعليق يونس بحري من إذاعة برلين . كنت أضحك بتعجب لهذا الكلام الجديد على . أحضر لي فراشا ولحافا , وسألني , قبل أن يلقي بهما من على كتفه , عن أي زاوية أختار داخل الغرفة , وأجبته مازحا :

    - الضيف في حكم المضيف . ضحك وقد رمى الفراش واللحاف في الزاوية المقابلة له , ثم جلس بجواري , وبدأ يحكي من جديد :

    - أنت لا تعرف طبعا صندوق الطرب ? لويت شفتي مستغربا للكلام الجديد , فقال :

    - صندوق الطرب , عبارة عن جهاز , أكبر من الراديو , لكنه يصدر الأغاني الجميلة , للقعطبي و العنتري و الماس والشيخ على أبو بكر


    يتبع:)
     

مشاركة هذه الصفحة