العولمة .. بين الحرب والثقافة(فاروق جويدة)

الكاتب : المتمرد   المشاهدات : 473   الردود : 1    ‏2001-10-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-10-14
  1. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    العولمة‏..‏ بين الحرب والثقافة‏(1)‏
    بقلم : فاروق جويدة

    كانت هناك لحدما حدود واضحة المعالم لمفهوم العولمة كما طرحه الغرب في السنوات الأخيرة‏..‏ كانت العولمة تعني لقاء الحضارات‏..‏ وتواصل الثقافات‏..‏ والحوار الواعي بين الشعوب‏..‏ وكان الهدف من العولمة كما فهمناه ان يستفيد البشر كل البشر من انجازات العلم والتكنولوجيا وان تكون المعرفة حقا للجميع وطريقا لبناء انسان افضل في استمتاعه بحقوقه وحريته وأمنه واستقراره‏..‏ وكانت العولمة كما روج لها دعاتها تعني التفاعل مع الآخر وهي بذلك تضع نهاية لمفاهيم العزلة والصراع بحيث تفتح الشعوب عقولها وعيونها للحضارة الانسانية الواعدة بالرخاء والاستقرار والأمل‏..‏
    وفي هذا الاطار بدأت المؤتمرات والمناقشات والحوارات حول مستقبل البشرية في ظل العولمة‏..‏ ووقف العالم كله ينتظر هذه المعجزة البشرية التي ستحقق للبشر الجنة الموعودة علي الأرض بينما وقف البعض الآخريستنكر ويرفض هذا الغولالذي يرتدي ثوب الحضارة وهو ابعد ما يكون عنها‏..‏ وقد ظهر ذلك في مظاهرات طافت العالم كله ترفض هذا الشكل من اشكال الهيمنة بكل جوانبها الاقتصادية والثقافية والسياسية‏.‏

    بدأت العولمة تدق طبولها في الثقافة من اجل ثقافة اساسية موحدة ولم يسأل أحد كيف تكون الانسانية امام نمط ثقافي موحد رغم اختلاف الافكار واللغات والمعتقدات بين البشر‏..‏ وحاولنا استيضاح الامر من أهل العلم فقالوا ان لقاء الثقافات سوف يصل بنا في النهاية الي ثقافة معاصرة يجمع البشر حولها من حيث الحريات‏,‏ والحقوق واستخدام المعلومات‏..‏ وهنا كانت ثقافة الكمبيوتر والانترنت‏..‏ وتطورت الأمور الي ثقافة الهواء من خلال القنوات الفضائية التي تغطي الآن سماء الكون كله‏..‏ ولم تترك العولمة الشعوب في حالها ولكنها انتقلت الي سلوكيات الناس من اجل زي موحد هو الجينز‏..‏ وطعام موحد هو الهمبورجر‏..‏ وغناء موحد هو مايكل جاكسون ومادونا‏..‏ وسقوط موحد هو الاعتراف بحق الشواذ في اقامة دولتهم‏..‏
    وفي الحقيقة ان انسان هذا العصر لايستطيع ابدا ان يعيش معزولا عن حضارته حتي ولو خالفها الرأي والرؤي‏..‏ ولاشك ان في هذه الحضارة انجازات عظيمة لاينكرها الا جاهل أو جاحد‏..‏ لاينكر انجازات الطب والعلوم والفضاء والطيران والكمياء والذرة الا اناس خرجوا من حدود الزمن وبقدر ايماننا بهذه المعجزات يبقي ان يكون من حق الانسان ان يحب لغته‏..‏ وان يعتنق دينه‏..‏ وان يسمع موسيقاه وان يرتدي الزي الذي يريد‏..‏ وان يتمسك بنقاء سلوكياته‏..‏ وان يأكل الطعام الذي يحب بقدر ايماننا بأهمية الحضارة المعاصرة بقدر ايماننا ايضا بضرورة ان نحافظ علي جذورنا وهويتنا‏..‏

    ولقد ثار جدل طويل حول ما تعنيه العولمة‏..‏ البعض رأي فيها تذويبا للثقافات لنجد انفسنا امام ثقافة واحدة للكمبيوتر والانترنت‏..‏ والبعض رأي فيها الغاء للثقافات التقليدية التي امتدت آلاف السنين‏..‏ والبعض الآخر قال نحن الآن امام عالم جديد له شروطه التي يفرضها واذا أردنا ان نعيش فيه فعلينا أولا ان نقبل هذه الشروط‏..‏ وهنا كان الخلاف لان هذه الشروط تسعي بالفعل الي ضرب جذور الشعوب وتغريبها وتدمير هويتها‏..‏ ان عولمة الطب‏..‏ والفضاء‏..‏ والحريات‏..‏ والمعلومات‏..‏ مجالات لايرفضها احد‏..‏ ولكن عولمة السلوك والاخلاق ومزادات الضمائر‏..‏ ومسخ الهويات قضية مختلفة تماما‏..‏
    وكنا حتي الأسبوع الماضي نتأمل قضية العولمة علي اساس انها ثقافة رغم اننا نعلم ولو من بعيد ان جوانبها السياسية القبيحة وان لها مصالحها الواضحة في دنيا الاقتصاد والمال الا اننا حرصنا علي ان نراها في جوانبها الثقافية ونترك لأهل السياسة وفرسانها ودراسة الجوانب السياسية في العولمة وتوضيح الاهداف والمطامع التي تحركها مصالح لايستطيع أي طرف من الاطراف ان ينكرها‏.‏

    كنا نتحدث من قبل عن الجوانب الثقافية في العولمة علي اساس ان في العالم ثقافات تقليدية اضافت للبشرية زادا عظيما من المعرفة في الفنون والآداب والعلوم‏,‏ وان من حق الانسانية ان تحافظ علي هذا التراث الحضاري لأنه ملك للبشر جميعا ولكننا في الاسبوع الماضي وفي دوامة الأحزان والاستنكار لما حدث للشعب الامريكي فوجئنا بجانب جديد في قضية العولمة هو جانبها العسكري حتي وقت قريب كنا نناقش العولمة من منظورها الثقافي أو الفكري‏..‏ وكنا نقترب احيانا من خلالها السياسية أو الاقتصادية ولكننا فجأة وجدناها امامنا تقف شاخصة وهي تحمل صاروخا ودبابة‏.‏
    فجأة وجدنا من يقول لنا ان العالم الآن منقسم الي جبهتين من اراد الدخول في الحضارة المعاصرة فعليه ان يقف معنا ومن خرج عن ركب هذه الحضارة فليس منا وسوف نقاومه بالسلاح وهنا بدأت المعركة بين اتجاهين‏..‏ الاتجاه الأول يري انه يمثل الحضارة الغربية بثقافتها وادواتها وسلوكياتها وقوتها وجبروتها‏..‏ والاتجاه الثاني يمثل حضارة التخلف وهنا جاءت محاولة ربطها بالاسلام‏..‏ وهنا كانت الكارثة ايضا خاصة عندما سقط الرئيس بوش في استخدام مصطلح قبيح قديم هو الحرب الصليبية لأنها بكل المقاييس وصمة في تاريخ الغرب وطغيانه‏.‏

    اذا كان هناك عدد من الإرهابيين في العالم فكم يمثلون امام الف مليون مسلم‏..‏ وهل خلت الديانة المسيحية من اتجاهات ارهابية متطرفة‏..‏ الا يوجد في اليهود اتجاهات دموية ارهابية وحشية‏..‏
    إذا كانت العولمة دعوة لمواجهة الارهاب فلماذا تواجه المسلمين وحدهم‏,‏ ومن قال ان المسلمين ارهابيون‏..‏ ان الذي رعي قواعد الارهاب في العالم هم دعاة وحماة العولمة العسكرية الآن‏..‏

    عندما وقف بن لادن ضد القوات السوقيتية في افغانستان كان بطلا في نظر امريكا لانه يحارب الشيوعية‏..‏ وكان الشعب الافغاني شعبا مناضلا‏..‏ واذا وقف الافغان الآن يدافعون عن بلادهم فهل يعتبر ذلك ارهابا‏..‏
    ان حزب الله في جنوب لبنان يعتبر في نظر العولمة العسكرية ارهابا‏,‏ فكيف ندين شعبا يدافع عن ارضه ويموت من اجلها‏..‏ لقد اعترفت الامم المتحدة بنضال حزب الله وامام صموده انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان‏.‏

    ان العولمة العسكرية خربت مصنعا للدواء في السودان بالصواريخ‏,‏ واتضح ان المصنع لم يكن ينتج المواد الكيماوية كما ادعت العولمة العسكرية وادان القضاء الامريكي هذا العمل وقرر لصاحب المصنع تعويضا ماليا لم يصرفه حتي الآن‏.‏
    وعندما كان مانديلا زعيم افريقيا يدافع عن حقوق السود في جنوب افريقيا سجنوه سبعة وعشرين عاما‏..‏ وكان في نظر انجلترا ارهابيا‏..‏ وبقي الرجل علي عهده في النضال حتي استقبلته ملكة انجلترا بعد ان اصبح رئيسا للدولة‏,‏ وكان كاستروا يوما ارهابيا وكذلك جينارا‏.‏

    واذا كانت هناك عدالة في المواقف‏,‏ فلماذا تعتبر العولمة العسكرية مايحدث في جنوب السودان نضالا‏..‏ أليس ارهابا ان ينقسم وطن بهذه الصورة الدامية‏..‏ ان المقاتلين الشيشان في نظر روسيا ارهابيون‏..‏ وفي نظر العالم كله شعب يدافع عن وطنه‏..‏ والشعب الفلسطيني الأعزل يموت الان تحت نيران الصواريخ الاسرائيلية‏..‏ خجر‏..‏ وقنبلة‏..‏ عصاه وصاروخ‏..‏ طائرة‏..‏ واطفال‏..‏ ترسانة عسكرية‏..‏ وشعب مغلوب علي امره‏..‏ اين يقع الارهاب في هذه المعادلة المقلوبة‏..‏ هل اصبح عرفات ارهابيا لأنه يطالب بحقوق شعبه‏,‏ واصبح شارون المغتصب القاتل هو البطل في نظر عولمة هذا العصر القبيح‏.‏
    اننا جميعا ندين ماحدث في امريكا ومصر القيادة والشعب عانت كثيرا من الارهاب بكل اشكاله وألوانه وادانته في كل مناسبة‏..‏ وفي اي مكان‏..‏ ولكن يجب هنا ان نحدد في ظل العولمة العسكرية التي تريد اجتياح العالم‏..‏ من هو الارهابي‏..‏ هل شهداء قانا ارهابيون‏..‏ هل شهداء الشيشان ارهابيون‏..‏ هل شهداء البوسنة ارهابيون‏..‏ ان امريكا الآن تحاكم سفاح الصرب في لاهاي فهل يتساوي موقف هذا السفاح مع موقف ضحايا صبرا وشاتيلا‏.‏

    أخشي ان يقال ان محاكمة شارون في بلجيكا خطأ كبير لأن الذي يستحق المحاكمة هم شهداء صبرا وشاتيلا‏,‏ وعلينا ان نخرجهم من قبورهم ونحاكمهم طبقا لقانون العولمة الجديد‏.‏
    ان مانديلا كان وسيبقي بطلا‏..‏ رغم أنه كان في رأي انجلترا يوما أرهابيا‏..‏ وسوف يبقي جيفارا بظلا‏..‏ حتي ولو تغيرت ملامح الكون‏.‏

    وكل شهيد يسقط الآن غارقا في دمائه تحت دبابات شارون سوف يبقي في ضميرنا بطلا رغم انف مواكب العولمة العسكرية‏.‏
    من حق امريكا ان تحزن علي ضحاياها ونحن نشاركها هذا الحزن‏..‏ ومن حقها ان تضرب الارهاب ونحن نؤيدها في ذلك ولكن يجب اولا ان نحدد صفة الارهابي حتي لاتختلط الاوراق‏..‏ لاينبغي ان يكون كل عدو لأمريكا عدوا للعالم كله الضرورة‏..‏ ان امريكا تري ان شارون نموذجا فريدا‏..‏ ونحن نراه مجرم حرب‏..‏ وامريكا تري في شهداء كانا‏..‏ ارهابيين ونقله‏..‏ ونحن نراهم اعز ابطالنا‏..‏ ليس من حق امريكا ان تجعل اصدقاءها اصدقاء للجميع في العالم حتي ولو كانوا سفاحين او ان تجعل اعداءها اعداء الكون كله لأنها تريد ذلك‏.‏

    لقد كانت لنا تحفظات كثيرة علي قضية العولمة بجوانبها الفكرية والثقافية‏,‏ وكنا نحذر منها علي اساس انها محاولة لضرب هويات الشعوب‏,‏ وكنا نتحفظ علي العولمة السياسية التي تحاول ان تفرض هيمنتها علي القرار السياسي في العالم‏..‏ وبجانب هذا كنا نخاف من العولمة الاقتصادية التي جعلت العالم سوقا صغيرة يديرها صاحب الدكان‏.‏
    ولكن الاخطر والاسوأ الآن هو العولمة العسكرية التي تحاول تقسيم العالم الي معسكرين مع او ضد‏,‏ وهذا يعني ان من مثل معنا فهو بالضرورة ضدنا اي ذلك يتنافي مع مبادئ كثيرة لعل أبسطها حق الشعوب في تحديد اعدائها واصدقائها حب مصالحها وتوجهاتها وانتماءاتها التاريخية‏..‏ ولكن اعلان الحرب طبقا لمعايير العولمة سوف يدفع بالعالم كله الي سرداب مظلم من يري فيه احد وجه الآخر‏.‏ مايحدث الآن باسم العولمة جريمة لاتقل في خطورتها عن جرائم الارهاب‏..‏ واذا كان يوم‏11‏ سبتمبر يوم اسود في تاريخ امريكا فان الايام القادمة ستكون اكثر سوادا اذا انتصر مبدأ العولمة العسكرية‏,‏ ومضي العالم في اتجاه عولمة الحرب‏.‏

    ‏.‏فرق كبير بين العولمة كوسيلة لتواصل الثقافات والحضارات‏..‏ والعولمة حينما تصبح اعلان حرب وطريق دمار‏.‏
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-10-14
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    العولمة‏..‏ بين الحرب والثقافة‏(1)‏
    بقلم : فاروق جويدة

    كانت هناك لحدما حدود واضحة المعالم لمفهوم العولمة كما طرحه الغرب في السنوات الأخيرة‏..‏ كانت العولمة تعني لقاء الحضارات‏..‏ وتواصل الثقافات‏..‏ والحوار الواعي بين الشعوب‏..‏ وكان الهدف من العولمة كما فهمناه ان يستفيد البشر كل البشر من انجازات العلم والتكنولوجيا وان تكون المعرفة حقا للجميع وطريقا لبناء انسان افضل في استمتاعه بحقوقه وحريته وأمنه واستقراره‏..‏ وكانت العولمة كما روج لها دعاتها تعني التفاعل مع الآخر وهي بذلك تضع نهاية لمفاهيم العزلة والصراع بحيث تفتح الشعوب عقولها وعيونها للحضارة الانسانية الواعدة بالرخاء والاستقرار والأمل‏..‏
    وفي هذا الاطار بدأت المؤتمرات والمناقشات والحوارات حول مستقبل البشرية في ظل العولمة‏..‏ ووقف العالم كله ينتظر هذه المعجزة البشرية التي ستحقق للبشر الجنة الموعودة علي الأرض بينما وقف البعض الآخريستنكر ويرفض هذا الغولالذي يرتدي ثوب الحضارة وهو ابعد ما يكون عنها‏..‏ وقد ظهر ذلك في مظاهرات طافت العالم كله ترفض هذا الشكل من اشكال الهيمنة بكل جوانبها الاقتصادية والثقافية والسياسية‏.‏

    بدأت العولمة تدق طبولها في الثقافة من اجل ثقافة اساسية موحدة ولم يسأل أحد كيف تكون الانسانية امام نمط ثقافي موحد رغم اختلاف الافكار واللغات والمعتقدات بين البشر‏..‏ وحاولنا استيضاح الامر من أهل العلم فقالوا ان لقاء الثقافات سوف يصل بنا في النهاية الي ثقافة معاصرة يجمع البشر حولها من حيث الحريات‏,‏ والحقوق واستخدام المعلومات‏..‏ وهنا كانت ثقافة الكمبيوتر والانترنت‏..‏ وتطورت الأمور الي ثقافة الهواء من خلال القنوات الفضائية التي تغطي الآن سماء الكون كله‏..‏ ولم تترك العولمة الشعوب في حالها ولكنها انتقلت الي سلوكيات الناس من اجل زي موحد هو الجينز‏..‏ وطعام موحد هو الهمبورجر‏..‏ وغناء موحد هو مايكل جاكسون ومادونا‏..‏ وسقوط موحد هو الاعتراف بحق الشواذ في اقامة دولتهم‏..‏
    وفي الحقيقة ان انسان هذا العصر لايستطيع ابدا ان يعيش معزولا عن حضارته حتي ولو خالفها الرأي والرؤي‏..‏ ولاشك ان في هذه الحضارة انجازات عظيمة لاينكرها الا جاهل أو جاحد‏..‏ لاينكر انجازات الطب والعلوم والفضاء والطيران والكمياء والذرة الا اناس خرجوا من حدود الزمن وبقدر ايماننا بهذه المعجزات يبقي ان يكون من حق الانسان ان يحب لغته‏..‏ وان يعتنق دينه‏..‏ وان يسمع موسيقاه وان يرتدي الزي الذي يريد‏..‏ وان يتمسك بنقاء سلوكياته‏..‏ وان يأكل الطعام الذي يحب بقدر ايماننا بأهمية الحضارة المعاصرة بقدر ايماننا ايضا بضرورة ان نحافظ علي جذورنا وهويتنا‏..‏

    ولقد ثار جدل طويل حول ما تعنيه العولمة‏..‏ البعض رأي فيها تذويبا للثقافات لنجد انفسنا امام ثقافة واحدة للكمبيوتر والانترنت‏..‏ والبعض رأي فيها الغاء للثقافات التقليدية التي امتدت آلاف السنين‏..‏ والبعض الآخر قال نحن الآن امام عالم جديد له شروطه التي يفرضها واذا أردنا ان نعيش فيه فعلينا أولا ان نقبل هذه الشروط‏..‏ وهنا كان الخلاف لان هذه الشروط تسعي بالفعل الي ضرب جذور الشعوب وتغريبها وتدمير هويتها‏..‏ ان عولمة الطب‏..‏ والفضاء‏..‏ والحريات‏..‏ والمعلومات‏..‏ مجالات لايرفضها احد‏..‏ ولكن عولمة السلوك والاخلاق ومزادات الضمائر‏..‏ ومسخ الهويات قضية مختلفة تماما‏..‏
    وكنا حتي الأسبوع الماضي نتأمل قضية العولمة علي اساس انها ثقافة رغم اننا نعلم ولو من بعيد ان جوانبها السياسية القبيحة وان لها مصالحها الواضحة في دنيا الاقتصاد والمال الا اننا حرصنا علي ان نراها في جوانبها الثقافية ونترك لأهل السياسة وفرسانها ودراسة الجوانب السياسية في العولمة وتوضيح الاهداف والمطامع التي تحركها مصالح لايستطيع أي طرف من الاطراف ان ينكرها‏.‏

    كنا نتحدث من قبل عن الجوانب الثقافية في العولمة علي اساس ان في العالم ثقافات تقليدية اضافت للبشرية زادا عظيما من المعرفة في الفنون والآداب والعلوم‏,‏ وان من حق الانسانية ان تحافظ علي هذا التراث الحضاري لأنه ملك للبشر جميعا ولكننا في الاسبوع الماضي وفي دوامة الأحزان والاستنكار لما حدث للشعب الامريكي فوجئنا بجانب جديد في قضية العولمة هو جانبها العسكري حتي وقت قريب كنا نناقش العولمة من منظورها الثقافي أو الفكري‏..‏ وكنا نقترب احيانا من خلالها السياسية أو الاقتصادية ولكننا فجأة وجدناها امامنا تقف شاخصة وهي تحمل صاروخا ودبابة‏.‏
    فجأة وجدنا من يقول لنا ان العالم الآن منقسم الي جبهتين من اراد الدخول في الحضارة المعاصرة فعليه ان يقف معنا ومن خرج عن ركب هذه الحضارة فليس منا وسوف نقاومه بالسلاح وهنا بدأت المعركة بين اتجاهين‏..‏ الاتجاه الأول يري انه يمثل الحضارة الغربية بثقافتها وادواتها وسلوكياتها وقوتها وجبروتها‏..‏ والاتجاه الثاني يمثل حضارة التخلف وهنا جاءت محاولة ربطها بالاسلام‏..‏ وهنا كانت الكارثة ايضا خاصة عندما سقط الرئيس بوش في استخدام مصطلح قبيح قديم هو الحرب الصليبية لأنها بكل المقاييس وصمة في تاريخ الغرب وطغيانه‏.‏

    اذا كان هناك عدد من الإرهابيين في العالم فكم يمثلون امام الف مليون مسلم‏..‏ وهل خلت الديانة المسيحية من اتجاهات ارهابية متطرفة‏..‏ الا يوجد في اليهود اتجاهات دموية ارهابية وحشية‏..‏
    إذا كانت العولمة دعوة لمواجهة الارهاب فلماذا تواجه المسلمين وحدهم‏,‏ ومن قال ان المسلمين ارهابيون‏..‏ ان الذي رعي قواعد الارهاب في العالم هم دعاة وحماة العولمة العسكرية الآن‏..‏

    عندما وقف بن لادن ضد القوات السوقيتية في افغانستان كان بطلا في نظر امريكا لانه يحارب الشيوعية‏..‏ وكان الشعب الافغاني شعبا مناضلا‏..‏ واذا وقف الافغان الآن يدافعون عن بلادهم فهل يعتبر ذلك ارهابا‏..‏
    ان حزب الله في جنوب لبنان يعتبر في نظر العولمة العسكرية ارهابا‏,‏ فكيف ندين شعبا يدافع عن ارضه ويموت من اجلها‏..‏ لقد اعترفت الامم المتحدة بنضال حزب الله وامام صموده انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان‏.‏

    ان العولمة العسكرية خربت مصنعا للدواء في السودان بالصواريخ‏,‏ واتضح ان المصنع لم يكن ينتج المواد الكيماوية كما ادعت العولمة العسكرية وادان القضاء الامريكي هذا العمل وقرر لصاحب المصنع تعويضا ماليا لم يصرفه حتي الآن‏.‏
    وعندما كان مانديلا زعيم افريقيا يدافع عن حقوق السود في جنوب افريقيا سجنوه سبعة وعشرين عاما‏..‏ وكان في نظر انجلترا ارهابيا‏..‏ وبقي الرجل علي عهده في النضال حتي استقبلته ملكة انجلترا بعد ان اصبح رئيسا للدولة‏,‏ وكان كاستروا يوما ارهابيا وكذلك جينارا‏.‏

    واذا كانت هناك عدالة في المواقف‏,‏ فلماذا تعتبر العولمة العسكرية مايحدث في جنوب السودان نضالا‏..‏ أليس ارهابا ان ينقسم وطن بهذه الصورة الدامية‏..‏ ان المقاتلين الشيشان في نظر روسيا ارهابيون‏..‏ وفي نظر العالم كله شعب يدافع عن وطنه‏..‏ والشعب الفلسطيني الأعزل يموت الان تحت نيران الصواريخ الاسرائيلية‏..‏ خجر‏..‏ وقنبلة‏..‏ عصاه وصاروخ‏..‏ طائرة‏..‏ واطفال‏..‏ ترسانة عسكرية‏..‏ وشعب مغلوب علي امره‏..‏ اين يقع الارهاب في هذه المعادلة المقلوبة‏..‏ هل اصبح عرفات ارهابيا لأنه يطالب بحقوق شعبه‏,‏ واصبح شارون المغتصب القاتل هو البطل في نظر عولمة هذا العصر القبيح‏.‏
    اننا جميعا ندين ماحدث في امريكا ومصر القيادة والشعب عانت كثيرا من الارهاب بكل اشكاله وألوانه وادانته في كل مناسبة‏..‏ وفي اي مكان‏..‏ ولكن يجب هنا ان نحدد في ظل العولمة العسكرية التي تريد اجتياح العالم‏..‏ من هو الارهابي‏..‏ هل شهداء قانا ارهابيون‏..‏ هل شهداء الشيشان ارهابيون‏..‏ هل شهداء البوسنة ارهابيون‏..‏ ان امريكا الآن تحاكم سفاح الصرب في لاهاي فهل يتساوي موقف هذا السفاح مع موقف ضحايا صبرا وشاتيلا‏.‏

    أخشي ان يقال ان محاكمة شارون في بلجيكا خطأ كبير لأن الذي يستحق المحاكمة هم شهداء صبرا وشاتيلا‏,‏ وعلينا ان نخرجهم من قبورهم ونحاكمهم طبقا لقانون العولمة الجديد‏.‏
    ان مانديلا كان وسيبقي بطلا‏..‏ رغم أنه كان في رأي انجلترا يوما أرهابيا‏..‏ وسوف يبقي جيفارا بظلا‏..‏ حتي ولو تغيرت ملامح الكون‏.‏

    وكل شهيد يسقط الآن غارقا في دمائه تحت دبابات شارون سوف يبقي في ضميرنا بطلا رغم انف مواكب العولمة العسكرية‏.‏
    من حق امريكا ان تحزن علي ضحاياها ونحن نشاركها هذا الحزن‏..‏ ومن حقها ان تضرب الارهاب ونحن نؤيدها في ذلك ولكن يجب اولا ان نحدد صفة الارهابي حتي لاتختلط الاوراق‏..‏ لاينبغي ان يكون كل عدو لأمريكا عدوا للعالم كله الضرورة‏..‏ ان امريكا تري ان شارون نموذجا فريدا‏..‏ ونحن نراه مجرم حرب‏..‏ وامريكا تري في شهداء كانا‏..‏ ارهابيين ونقله‏..‏ ونحن نراهم اعز ابطالنا‏..‏ ليس من حق امريكا ان تجعل اصدقاءها اصدقاء للجميع في العالم حتي ولو كانوا سفاحين او ان تجعل اعداءها اعداء الكون كله لأنها تريد ذلك‏.‏

    لقد كانت لنا تحفظات كثيرة علي قضية العولمة بجوانبها الفكرية والثقافية‏,‏ وكنا نحذر منها علي اساس انها محاولة لضرب هويات الشعوب‏,‏ وكنا نتحفظ علي العولمة السياسية التي تحاول ان تفرض هيمنتها علي القرار السياسي في العالم‏..‏ وبجانب هذا كنا نخاف من العولمة الاقتصادية التي جعلت العالم سوقا صغيرة يديرها صاحب الدكان‏.‏
    ولكن الاخطر والاسوأ الآن هو العولمة العسكرية التي تحاول تقسيم العالم الي معسكرين مع او ضد‏,‏ وهذا يعني ان من مثل معنا فهو بالضرورة ضدنا اي ذلك يتنافي مع مبادئ كثيرة لعل أبسطها حق الشعوب في تحديد اعدائها واصدقائها حب مصالحها وتوجهاتها وانتماءاتها التاريخية‏..‏ ولكن اعلان الحرب طبقا لمعايير العولمة سوف يدفع بالعالم كله الي سرداب مظلم من يري فيه احد وجه الآخر‏.‏ مايحدث الآن باسم العولمة جريمة لاتقل في خطورتها عن جرائم الارهاب‏..‏ واذا كان يوم‏11‏ سبتمبر يوم اسود في تاريخ امريكا فان الايام القادمة ستكون اكثر سوادا اذا انتصر مبدأ العولمة العسكرية‏,‏ ومضي العالم في اتجاه عولمة الحرب‏.‏

    ‏.‏فرق كبير بين العولمة كوسيلة لتواصل الثقافات والحضارات‏..‏ والعولمة حينما تصبح اعلان حرب وطريق دمار‏.‏
     

مشاركة هذه الصفحة