عاشوراء في التاريخ

الكاتب : المتشائم   المشاهدات : 512   الردود : 3    ‏2005-02-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-20
  1. المتشائم

    المتشائم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-10
    المشاركات:
    315
    الإعجاب :
    0
    عاشوراء في التاريخ
    الاحتفاء بعاشوراء
    كانت السبت 19 فبراير/ شباط سنة ،2005 يوافق من التاريخ الهجري يوم عاشوراء، أي العاشر من المحرم سنة 1426ه. ويوم عاشوراء هو يوم مبارك ومتميز في التاريخ: قدره العرب الاقدمون واحتفلوا به، وهو عند أهل الكتاب وخاصة العبرانيين يوم مقدَّر ايضاً، غير أنه يقع عندهم وفقاً للتاريخ العبري في شهر تِشْري (بكسر التاء وسكون الشين) الذي قد يتوافق أحياناً، وليس دائماً مع شهر المحرم في التاريخ الهجري. ثم انه يوم مقدر ومبارك عند المسلمين السنة، وإخوانهم المسلمين الشيعة.

    ومع أهمية هذا اليوم، فإن الكتابة عنه بصفة موضوعية، ما زالت غير كافية، مما يؤدي الى عدم وضوح الرؤية التاريخية، واختلاف التفسير، وتفاوت طريقة التذكر والاحتفاء. ومقصودي من هذا المقال، ان أحاول بأقصى ما استطيع من الحيدة والموضوعية والتدقيق العلمي، أن أقدم صورة عن هذا اليوم، تبين حقيقته ومنزلته، أو تقترب ما أمكن من ذلك. فأذكر أولاً معنى (عاشوراء) في اللغة والاصطلاح، ثم أبين التفسيرات المتعلقة به بين الفرقاء المعنيين به في التاريخ على مر العصور، وكذلك الممارسات والشعائر المنبثقة عن هذه التفسيرات، ما كان منها صحيحاً أو كان غير ذلك، وأخيراً، بيان بعض الدروس التي يمكن ان تستخلص من ذلك.

    2 عاشوراء في اللغة والاصطلاح

    يميل علماء العربية الى تأكيد عروبة كلمة (عاشوراء)، بمعنى ان اصلها عربي وليست منقولة عن لغة أخرى. فيقول الخليل بن أحمد وغيره ان العرب أخذوها من لفظ (العاشر) وبنوها على صيغة (فاعولاء) الممدوة. وقال سيبويه وتابعه ابن منظور في “لسان العرب” إن الكلمة مأخوذة من (العشر) اي العدد العاشر، وجاءت على وزن (فاعولاء) وهو وزن عربي، وإن قلت شواهده، ومنها: (الساروراء) من السراء وهي المسرة، و(الضاروراء) من الضراء وهي المضرة، و(الدالولاء) من الدلال، وأورد الزبيدي في “تاج العروس”: “(الحاضوراء) من الحضور، و(الساموعاء) من السماع. وقال القرطبي في التفسير: عاشوراء هي معدول عاشرة، صفة لليلة العاشرة والمد للمبالغة والتعظيم.

    ومن المستشرقين كالعادة من ينازع في عروبة الكلمة من حيث الاصل، كما فعل فنسك محرر مادة (عاشوراء) في دائرة المعارف الاسلامية، اذ ردها الى الكلمة العبرية (عاشور) بمعنى العاشر. وقد فعل مثل ذلك غيره حتى مع لفظ (قرآن) ضناً منهم، ان يكون هذا اللفظ الكريم عربي الاصل! وهو الذي نزل بوصف الله تعالى له “بلسان عربي مبين”.

    وأياً ما كان الأمر، فإن الكلمة، اصيلة كانت أم منقولة، فهي من كلمات الحديث الشريف، ولها موقعها في المعاجم والاستعمال العربي المستفيض، بمعنى الليلة العاشرة من المحرم التي يسن أو يجب صيامها على اختلاف الحكم الفقهي. وتلحق بها الليلة التاسعة فيقال عنها (تاسوعاء). وللعامة تأويل في (تاسوعاء) بأنها ليلة التوسعة، بلا قياس. ولا يجادل العامة فيما يقولون، والتوسعة تلحق صيام المواسم على اي حال.

    وقد أوردت هذا الجدل اللغوي لأؤكد ان الكلمة قديمة في اللسان العربي، دون ان يكون للعبرية واليهود دخل في ذلك. واشتراك العربية من العبرية في كثير من المفردات كثير ومشهور فهما من اسرة لغوية سامية واحدة. أما المضمون في كلمة (عاشوراء) فقديم بلا خلاف كما سنبين.

    3 عاشوراء قبل الاسلام

    من الثابت ان عرب الجاهلية عرفوا يوم عاشوراء ووقروه واحتلفوا به. ولكن وقع الخلاف حول الاسباب التي من أجلها وقروه. ويوجد قول شائع، ولكنه ليس بالضرورة معتمدا. وهو ان يوم عاشوراء هو يوم نجاة نوح عليه السلام ومن معه في السفينة من الطوفان الذي أحاط بهم. وقد أورد هذا القول محمد بن جرير الطبري في تفسيره الآية 48 من سورة هود “قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك”، واستند في ذلك الى حديث مرفوع ورد في مسند احمد (الفتح الرباني ج 10 ص 173 عن ابي هريرة). وقد تبع الطبري المفسرون الفخر الرازي وابن كثير والقرطبي نقلا لا مناقشة. ولكن جاء من بعدهم من توقفوا عن قبول هذا الخبر، نظرا لتفرد احمد بروايته في المسند. وباعتبار ان تفاصيل قصة نوح هي من الغيبيات لقوله تعالى في الآية التالية رقم 49 من سورة هود “تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل” (انظر تفسير الطاهر بن عاشور ج10 ص 62).

    إلا أن المجمع عليه هو الخبر الوارد في الصحيحين وعند الترمذي والموطأ وأحمد مروياً عن عائشة وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، بأن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصومه، وكان يوماً تستر فيه الكعبة. فلما فرض الله صيام رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من شاء ان يصومه فليصمه ومن شاء ان يتركه فليتركه” وبلغ من اهتمامهم بهذا اليوم انهم كانوا يشجعون الصغار على صومه، كما ورد في البخاري عن الربيع بنت معود قولها “كنا نصومه، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن (كرة الصوف)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون الافطار”.

    والظاهر ان صيام عاشوراء في الجاهلية كان وفقاً لليوم الطويل ابتداء من نوم الليلة السابقة وانتهاء بمغرب اليوم التالي، لأن التخفيف بجعل الصيام مقصورا على الفترة بين الفجر والغروب، انما وقع في الاسلام كما ورد في سورة البقرة.

    وقد تتبع شراح هذه الاحاديث عن عاشوراء قبل الاسلام كل من ابن حجر في “فتح الباري”، والكاندهلوي في “أوجز المسالك”، وابن قيم الجوزية في “زاد المعاد”، واستظهروا اسباباً لذلك الاهتمام منها: اتباع ابراهيم واسماعيل عليهما السلام في تكريم الكعبة في يوم مكرم، أو اتباع لنبي سبق، ربما هو “نوح”، وفقاً للخبر الذي أوردناه سابقاً، أو اتباع لما ثبت لدى اليهود عن منزلة هذا اليوم كما سنبينه.

    والذي يتلخص لنا مما سبق هو ان (عاشوراء) كان يوماً مرموقاً في الجاهلية لواحد أو أكثر من الاسباب المذكورة، والجمع بينها غير مستنكر. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استصحب هذه الممارسة في الاسلام، فصام عاشوراء وتحراه وبشر بأن صيامه يكفر السنة الماضية كما ورد في البخاري عن ابن عباس.

    4 عاشوراء في صدر الاسلام وبعد الهجرة

    ظل حال (عاشوراء) في صدر الاسلام، على ما كان عليه قبل ذلك، من حيث افراد اليوم بالتوقير والصيام. فلما كانت الهجرة، وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون الى المدينة جد سبب اضافي لتعزيز هذا اليوم. ففي الصحيحين ومسند احمد عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فنحن أولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.

    ولفهم هذا الحديث نذكر بعض الملحوظات: أولاها ما بيناه سابقاً من أن هذا اليوم الصالح في التقويم العبري هو العاشر من شهر تشري، وقد توافق في تلك السنة بالذات مع المحرم، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم على علم بل وممارسة لما يستحقه العاشر من المحرم، ولم يكن ليستقي معلوماته بادئ ذي بداءة من اليهود. والملحوظة الثانية ذكرها القسطلاني أحد شراح البخاري، وهي أن الرسول لم يأمر بتقليد اليهود، لأن ذلك غير وارد في السلوك الإسلامي الذي يحرص على التميز، وإنما أمر بالاحتفاء بالعلة وبالنبي موسى عليه السلام. والعلة هنا هي إحدى المعجزات الإلهية التاريخية التي أكرم الله بها النبي موسى، إذ شق له البحر فنجا هو ومن معه من بني إسرائيل، وغرق فرعون وجنوده، وهي علة تستحق التنويه والإكبار، وتتفق بشكل عجيب مع علة نجاة النبي نوح ومن معه في السفينة يوم فار التنور، وغرقت الأرض بما يشبهها ولو بدرجة محدودة ما فعله طوفان “تسونامي” الأخير في الشرق الأقصى.

    والملحوظة الثالثة هي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يستميل اليهود في واحدة من عدة محاولات قام بها معهم، ولكنها لم تنزع سخيمة قلوبهم وعداواتهم، ولم تجد معهم كثيراً إذ ناصبوا المسلمين العداء وتحالفوا مع مشركي قريش كما هو معلوم في التاريخ. وظل الحال كذلك حتى السنة الثانية من الهجرة، حيث فرض صيام رمضان وتحددت صفاته ومدته اليومية، فترك صيام عاشوراء بالخيار، فمن شاء صامه، ومن شاء لم يصمه. وإن كان التوجه التعبدي عند الجمهور هو الصيام. وبهذا يكون المفهوم الشرعي بعاشوراء قد اكتمل، باعتبارها مناسبة دينية لها عمق تريخي يحتفى بها بالتذكر والشكر والتعبد.

    5 عاشوراء بعد سنة 60 ه

    بعد عام 60ه طرأت على مفهوم عاشوراء إضافة لا يمكن ولا يجوز تجاهلها، لأنها لونت المناسبة بلون أسود قاتم، ومزجت عاشوراء بمشاعر الأسى والحزن، في كل البلاد الإسلامية وخاصة تلك التي يتمركز فيها إخواننا الشيعة. ففي العاشر من محرم سنة 61ه وقعت معركة كربلاء بين رجال يزيد بن معاوية الخليفة الأموي الثاني، والخارجين على الحكم الأموي بقيادة سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام أبي عبدالله الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد استشهد في هذه المعركة الإمام الحسين، وعدد من آل البيت، بما يسمى بالفترة الثانية من “الفتنة الكبرى”.

    و”الفتنة الكبرى” اصطلاح تاريخي، يطلق على فترة الخلافات والمنازعات التي حصلت بعد مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولهذه الفتنة فترتان: الأولى سنة 35 ه وحتى عام المجاعة سنة 41ه، حينما تنازل الإمام الزاهد الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان حقناً للدماء وجمعاً لشمل المسلمين، والثانية من 60ه إلى سنة 64 ه، مدة حكم يزيد بن معاوية وفيها وقعت معركة كربلاء .

    وعندما أصدر الدكتور طه حسين كتابه “الفتنة الكبرى” عاب عليه بعض الناس ذلك لأنه نكأ الجروح.

    ، لولا أنني أدرس (عاشوراء) وما جد على مفهومها من إضافة غير بسيطة، وتقتضيني الأمانة العلمية أن أذكر ذلك.

    وبصورة إجمالية فإن (عاشوراء) قد حملت بعد كربلاء معنى جديداً، هو التصاقها بذكرى استشهاد الحسين بكل ما فيها من أحزان وعبر، والحزن والاعتبار هو موضوع إجماع المسلمين سنتهم وشيعتهم، وكيف لا والمقتول إمام، وسبط للرسول صلى الله عليه وسلم الذي حكى القرآن الكريم أنه لم يسأل الناس شيئاً “إلا المودة في القربى” سورة الشورى 42:23. ولكن المواقف بعد ذلك متفاوتة.

    فأما في البلاد الإسلامية السنية، فقد بقي فيها المفهوم الشرعي الأصلي لعاشوراء على ما هو عليه بما في ذلك صوم يوم عاشوراء وتاسوعاء. وأضيفت ذكرى كربلاء على أنها ملحظ تاريخي إسلامي محزن.

    وأما في البلاد الإسلامية التي يتمركز فيها الشيعة، فقد غلبت عليها كربلاء، وبرزت وأصبحت هي السمة الرئيسية لعاشوراء، ومددت فترتها لتشمل الأيام العشرة الأوائل من المحرم، مع الاهتمام باليوم العاشر بوجه خاص، كما أضيف اليوم العشرون من شهر صفر، باعتبار أنه يصادف ذكرى الأربعين على استشهاد الحسين طيب الله ثراه. ولا ينبغي حمل أهل السنة على أنهم استهانوا بكربلاء ونتائجها، فإن ذلك قد يصدق على يزيد بن معاوية ومعاونيه، ولكنه لا يصدق على عموم أهل السنة الذين يجلون آل البيت ويحبونهم بما هم له أهل. ومن ذا الذي لا يتأثر ويحزن وهو يتذكر أحداث كربلاء وشهيدها، ويقرأ كلمات السيد الحميري في الحسين، التي تحرّك الحجر فضلاً عن البشر:

    وإذا مررْتَ بقبره فَأطلْ به وقَفَ المطيَّه

    وابْك المطهَّرَ للمطهَّر والمطهرة التقيّه

    كبكاء مُعوِلة أتتْ يوماً لواحدها المنيَّهْ

    كما أنه لا ينبغي أن نفسر موقف الشيعة من عاشوراء كربلاء، بأنه يتضمن الغفلة عن المفهوم التاريخي التراكمي ليوم عاشوراء. فإن هذا المفهوم واضح لديهم وضوحه لدى أهل السنة، ومن أراد من السنة أن يتثبت، أو أراد من الشيعة أن يجدد التزامه بذلك المفهوم، فليقرأ مثلاً باب (صوم يوم عاشوراء) في كتاب أبي جعفر الطوسي (الاستبصار ج2 ص134 و135). والاستبصار هو أحد الكتب الأربعة المعتمدة لدى الشيعة، ليجد أن ما ورد فيه لا يختلف عما هو في كتب السنة الستة. وهذه مسألة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن اختلاف الكتب المعتمدة بالأعيان والأسماء لا يعني اختلافها في المضامين، فإن المشترك بين مضامين أربعة الكتب التي للشيعة وستة الكتب التي للسنة لا يقل عن تسعة الأعشار.

    إلا أنه يلزم التأكيد بأن موقف إخواننا الشيعة من عاشوراء هو موقف ديني وتاريخي وسياسي معاً. فإن للقوم وجهة نظر معروفة في موضوع “الإمامة الكبرى” تختلف عن وجهة النظر السنية، ولذلك فإن يوم عاشوراء أو أيام عاشوراء العشرة تعتبر موسماً سنوياً للتعبير عن وجهة النظر الشيعية دينياً وسياسياً. ومن يتابع طريقة الاحتفال بأيام عاشوراء عند مثقفي الشيعة، يجد مصداق ما ذكرت حيث تُلقى المحاضرات والدروس لبيان ذلك الموقف (انظر محاضرات المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين بعنوان (عاشوراء) كتاب (خطاب عاشوراء) للسيد حسن نصر الله.

    وعليه، فإن (عاشوراء) السنة تظل في إطارها الذي ذكرناه سابقاً، بينما تتسع (عاشوراء) الشيعة لتشمل الإضافات الخاصة بالمذهب. ولكل وجهة هو موليها.

    6 ممارسات الاحتفال

    ممارسات الاحتفال بعاشوراء يختلط فيها ما هو مشروع، بما ليس مشروعاً، سواء عند السنة أو الشيعة. والمفروض التمييز والتنبيه بالتي هي أحسن، من دون الإيغال في النكير بأي فريق، لأننا أمة واحدة، وما يعيب فريقاً يعيب الأمة كلها حتى نتعاون بالحسنى والسماحة على تغييره.

    فأما عند السنة، فالمشروع أساساً هو الصيام، مع تذكر المناسبة والعبر المستفادة منها. وعن ممارسة التوسعة، فإن الإمام البيهقي يؤكد أن الأحاديث التي وردت بشأنها ضعيفة، ولكن كثرتها تجيز الأخذ بما تدعو إليه. والتوسعة في مناسبات الصوم مألوفة.

    ومن الإضافات غير الموثقة تحديد صلوات معينة، أو قراءات دينية مخصصة، فليس في ذلك توثيق يؤخذ به. والعبرة في العبادات بالتوقيف، وليس بالإضافات المبتدعة. وهناك بدع اجتماعية في الزيارات والزي والمأكولات، لا تبرير لها وقد تؤول على غير معناها. ومن البدع السخيفة الاعتقاد بأن طائر الصرد (وهو أكبر من العصفور، وكانوا يتشاءمون منه)، قد صام عاشوراء. فكل ذلك ابتداع ومعظمه داخل ضمن الفولكلور الاجتماعي الذي يلزم إلجامه.

    أما عند الشيعة، فالصيام بالتخيير مقرر. وإقامة مجالس العزاء مع ما يرافقها من المحاضرات عن مناقب الحسين وآل البيت واردة. ويسمى ذلك (بالقراية - تحريف القراءة). والعلماء يتعففون عن إثارة الفتن، أو ذكر أحد من الصحابة بغير ما يستحقه من التوقير. وقد كان الكُميت رحمه الله، وهو صاحب “الهاشميات” المشهورة في مديح آل البيت، ينشد بأنه “يهوى علياً أمير المؤمنين ولا يرضى” بشتم أحد. وهذا هو مذهب فضلاء الشيعة. ولكن لعامة الشيعة ممارسة نشير إليها ولا نفصلها، وهي المواكب التي تسير في الشوارع، ولها تسميات هي: موكب اللطامة (أي لطم الصدور)، وموكب الزناجيل (أي اللطم بالسلاسل)، وموكب التطبير بالقامات (أي القفز بالسيوف في الأيدي) وهي جميعاً موضع استنكار من علماء الشيعة الأثبات، الذين يفهمون الدوافع العاطفية للعامة في إظهاز حزنهم واستنكارهم لقتل الحسين، ولكنهم يعرفون ما لهذه الممارسات من مخاطر بدنية وصحية، وبعدها عن التعبير المشروع. ومن هؤلاء العلماء الإمام الخوئي في كتابه (استفتاءات الإمام الخوئي - المسائل الشرعية) وكذلك الإمامان الخميني والخامنئي في فتويين معاصرتين معلنتيْن. كما تألفت جمعيات إصلاحية لمواجهة هذه الممارسات بالحكمة والموعظة الحسنة. وقد رصد هذه الظاهرة بصراحة وإنصاف الدكتور إبراهيم الحيدري في كتاب نفيس بعنوان: “تراجيديا كربلاء، سوسيولوجيا الخطاب الشيعي” فليرجع إليه. وإنني أطري عمل جمعيات الإصلاح لأن المشكلة تحتاج إلى معالجة دينية وعقلية وعاطفية من داخل المجتمع الشيعي. وكثرة اللغط حولها يثير الفتنة الطائفية بلا مبرر، ويصعب على العامة الفكاك من عقدتها.

    7 دروس من عاشوراء

    ومن المفيد أن يختتم هذا العرض لتاريخ عاشوراء ومضامينها والأحداث التي ارتبطت بها، باستخراج بعض الدروس والعبر، ومنها:

    أ تعظيم أيام الله، والاحتفاء بها بما شرع:

    فعاشوراء، وعرفة، وليلة القدر، والعشر الأواخر من رمضان، وعشر من ذي الحجة، وغيرها كلها من أيام الله المباركة، وهي مواسم للطاعة والعبادة الأكف فيها مرفوعة، وأبواب السماء مفتوحة، فعلينا ان نغتنمها قبل ان تجف الأقلام، وتطوى الصحف. وقد ورد في الأثر أن لله في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها. وأحب الأعمال الى الله في هذه الأيام هي ما شرعه لها: إن بالصيام، وإن بالقيام، وإن بغير ذلك، والتزيد غير مطلوب، والانتقاص غير مرغوب.

    ب تأكيد موقف الاسلام الوفاقي من الرسالات السماوية

    ففي الوقت الذي ترفض بعض الأديان غيرها، نجد ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي ينظر الى الرسالات السماوية وكتبها وأنبيائها بأنها منظومة واحدة متتابعة الحلقات، والحلقة الخاتمة تمام على الذي أحسن من قبل، وكتابها مهيمن على الذي سبقه باستيعابه وتكميله.

    ونستفيد هذا الدرس من مقولة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لليهود في المدينة “فنحن أولى بموسى منكم، وفي هذا السياق نزلت آية آل عمران الجامعة 3:84 “قل آمنا بالله، وما أنزل علينا، وما أنزل على ابراهيم، وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون”.

    ج التقريب بين المذاهب الاسلامية، والتقارب بين اتباعها

    وهذا الدرس استطراد لما سبقه، إذ لا يجوز الوفاق مع الغير، مع إهدار الوفاق بين ابناء البيت الواحد، فالمسلمون أمة واحدة، وقد اصطلحوا في اطار منظمة المؤتمر الاسلامي على اعتماد ثمانية مذاهب للرجوع إليها في التشريع، وهي المالكية، والشافعية، والحنابلة، والحنفية، والإمامية، والزيدية، و الإباضية، والظاهرية. ومن الممكن التفاهم مع من وراءهم من أهل التوحيد من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم).

    وباعتبار تماس الاهتمام بعاشوراء من قبل السنة والشيعة، فمن المفيد ان نتذكر ان كثيرا من الخلافات بين هذين الفريقين قد بدأت سياسية، ثم تغلفت بأغلفة الفقه. والمفروض ان ما فات فات، وأنه إذا صعب التقريب بين التعاليم، فلنجتهد في تحقيق التقارب بين الأتباع.

    د نفض البدع عن مناسباتنا الدينية

    وقد ألممنا بطرف من بدع (عاشوراء) عند السنة والشيعة، فلنعمل كل في دائرته على نفض البدع عنها، ورفض ما قد يكون موضوعا من أحاديث لتأييدها. وإذا كان الرفض بعد التمحيص المتخصص من مهام العلماء فإن المثقف العام يستطيع ان يستأنس بمقولة ابن خلدون في باب علم الحديث من مقدمته “إذا رأيت الحديث يخالف الأصول، ويعارض المنقول، ويناقض المعقول، فاعلم انه موضوع، وإن وثقوه ووثقوه” ولكن الرجوع الى تمحيص العلماء آمن. فإذا تشنج متشنج وأنكر الصيام في عاشوراء رددناه، والحكم بعد ذلك للتخيير. وإذا تساخف متساخف وقال: اكتحلوا في عاشوراء وتزينوا قلنا له هذا يوم استغفار لا كرنفال. وقس على ذلك.

    8 وأخيرا

    نسأل الله أن يعيد عاشوراء على المسلمين، وهم أكثر إحاطة بمعانيها التراكمية، وأقدر على التسامح فيما بينهم بشأن الاختلاف حول هذه المعاني بحكم التطورات التاريخية، وما عاشوراء إلا واحدة من المناسبات الدينية التي تتفاوت المواقف بشأنها، فإذا كنا قد خرجنا منها للدعوة إلى الوحدة فإن ديننا ومصالحنا والأخطار المحدقة بنا كل ذلك يحتم علينا أن نتوحد لنصبح كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً


    المصدرhttp://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=143975
    [/size]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-02-20
  3. الاشرف

    الاشرف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-05-02
    المشاركات:
    1,225
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير

    بس اخي العزيز لو انك حاولت ان تختصر الموضوع

    سيكون افضل وحتى يتمكن الكل اخذ الفايدة بشكل اسرع

    وفي كلمات موجزة

    تحياتي يا غالي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-02-21
  5. جاد جاد

    جاد جاد عضو

    التسجيل :
    ‏2005-02-19
    المشاركات:
    4
    الإعجاب :
    0
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...

    قال الله تعالى في كتابه الكريم : ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم .... ) إلى نهاية الآية الكريمة
    إن هذه الآية تحث على الحوار و بالطبع الحوار المهذب المتزن , و قد اتصف حوارك بالعقلانية و الاتزان " بارك الله فيك "

    ولكن لا بد من التنويه بمسألة ... إن صيام التطوع المرتبط بحدث تاريخي اسلامي لا بد أن يعبر عن فرح " كنجاة موسى من فرعون و غيرها من الأسباب " . ولكن ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ) فنحن كمسلمين لسنا مسؤولين عما جرى في الأمم السابقة .. إنما نحن مسؤولون عن هذه الأمة و التي يصادف هذا اليوم عندها حدوث أكبر فاجعة في تاريخها ألا و هي استشهاد الحسين عليه السلام. التي بها وثق افتراق المذهبين فكيف نفرح في هكذا يوم....

    و السلام عليكم....
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-02-24
  7. المتشائم

    المتشائم عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-10
    المشاركات:
    315
    الإعجاب :
    0
    [a7la1=FF3366]الاخ الاشرف إن شاء الله فى المرة القادمة سيكون الموضوع أطول لان أحداث التاريخ لا تختصر
    تقبل تحياتى
    الاخ / جاد جاد مشكور على طيب أنفاسك ولك الف تحيه

    السلام على الحسين وعلى أبناء الحسين وعلى شيعتة الكرام واسأل الله أن يجمعنا بيننا وبينهم فى مستقر رحمتة فى جوار محمد وآله
    [/a7la1]
     

مشاركة هذه الصفحة