(ان لله احبابا في الارض) اللهم اجعلنا منهم

الكاتب : الجزري   المشاهدات : 537   الردود : 5    ‏2001-12-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-25
  1. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    أحباب الله

    الحمدُ للهِ ثم الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصطفَى، الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ، الفردِ الصَّمدِ، الذي لم يلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كفُوا أحد. أحمدُه تعالى وأستهديهِ وأسترشِدُهُ وأتوبُ إليهِ وأستغفِرُهُ، وأعوذُ باللهِ من شرورِ أنفُسِنا، وسيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فهو المهتدِ، ومن يضلِلْ فلن تَجِدَله ولياًّ مُرشِدا. والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكملان، على سيدِنا محمدٍ، سيدِ ولدِ عدنان، من بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ، خاتمَاً للأنبياءِ والمرسلينَ أنزلَ عليهِ القرءانَ الكتابَ المبينَ، دعا إلى اللهِ، جاهدَ في سبيلِ اللهِ، حاربَ الوثنيةَ والإشراكَ، دعا إلى الإخلاصِ في العملِ ونبذِ النِّفاقِ، كان جَواداً يَحُضُّ على مساعدةِ المساكين والفقراءِ، وأن يكونَ المرءُ من أهلِ البذلِ والسخاءِ، (بنى اللهُ على يديهِ أمةً)، كانت خيرَ أمةٍ أُخرجتْ للنّاسِ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جزى نبيا من أنبيائِه. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ الملكُ الحقُ المبين، وأشهد أن محمدا رسولُ اللهِ، الصادقُ الوعدِ الأمين، صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ، وعلى ءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهِرين.
    أما بعد، أيها الأحبةُ المسلمون، يقولُ اللهُ تعالى في القرءانِ الكريم: {ومن يطعِ اللهَ والرسولَ فأولئكَ مع الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبِيِّينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئك رفيقا} النساء/69 . هنيئًا لمن كانَ من أحبابِ اللهِ تعالى، لمن تمسَّكَ بأحبابِ اللهِ تعالى. هنيئا لمن كان مُتَّبِعا لأحبابِ اللهِ تعالى، هنيئا لكلِّ من دخلَ في قولِه تعالى: {ألا إِنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون.الذين ءامنوا وكانوا يتقون. لهمُ البُشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخِرة}. هنيئاً لمن شملَهُ قولُ اللهِ في الحديثِ القدسيِّ: "أعددتُ لعبادِيَ الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ". هنيئا لمن كان متَّبِعا لآدمَ وموسى وعيسى، هنيئا لمن كان متَّبِعا لداودَ وسليمانَ وأيوبَ ويونسَ، هنيئا لمن هو متبعٌ لمحمدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ الاتباعَ الكامِل. الشرفُ الذي ينالُهُ العبدُ لشرفِ ما هو عليهِ من الاعتقادِ والعملِ، ولا ينالُ العبدُ درجةً في أعلى علِّيِّينَ لِمُجردِ أن كسمهُ ورسمَهُ بارِزٌ يسرُّ الناظرين. هنيئا لمن استعَدَّ لما بعدَ الموتِ وكان من العاملينَ في سبيلِ اللهِ، هنيئا لمن كان يبني للمسلمينَ ولا يهدِم عليهم، هنيئا لمن كان على خُطى النبيينَ والصِّدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ ليكونَ معهم في أعلى علِّيِّين. إنَّ العملَ في سبيلِ اللهِ تعالى شرفٌ للعامِلِ. إن العملَ في سبيلِ اللهِ تعالى يرفَعُ شأنَ العامل، إنَّ البناءَ في سبيلِ اللهِ تعالى يرفَعُ درجةَ العامِلِ ولذلك قالَ اللهُ تعالى في شأنِ حبيبِه محمدٍ عليه الصلاة والسلام: {ورفعنا لك ذكرَك}، المحبوبُ عند اللهِ، المرضيُّ عندَ اللهِ، من هو في حالةِ الرضى عندَ اللهِ، هو من التزمَ شرعَ اللهِ. أدى الواجباتِ واجتنبَ المحرماتِ. هذا الإنسانُ إذا ماتَ لا يُعذبُ في قبرِه ولا في ءاخرَتِهِ. فأنبياءُ اللهِ عزّ وجلَ درجتُهُم أرفعُ الدرجاتِ، لا يساويهمُ الملائكةُ ولا يساويهُمُ الأولياءُ من البشرِ مهما جدُّوا في الطاعةِ، مهما جدُّوا في الطاعةِ والعبادةِ، لا يصلُ أبو بكرٍ إلى درجةِ عيسى أو موسى ولا يصلُ عمرُ بنُ الخطابِ ولا عثمانُ ولا عليٌّ إلى درجةِ واحدٍ من النبيينَ، مهما جدَّ في الطاعةِ، فدرجةُ النُّبوةِ لا تكونُ بالاكتسابِ، بلْ اللهُ تعالى اصطفَى منْ عبادِهِ أحباباً لهُ جعلهم أَنبياءَ مبشرِينَ ومنذرِينَ، ولِعُلُوِّ درجةِ موسَى بنِ عمرانَ قالَ اللهُ تعالى في مدحِهِ: {وَكانَ عندَ اللهِ وَجِيهاً}. اَلأَحْزَاب/96. عَجباً لأولئِكَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ التصوفَ وينسِبُونَ إلى نبيِّ اللهِ مُوسَى أنّه لَمَّا قالَ لهُ ربّهُ أتظنُّ نفسكَ أفضل منَ الْكلبِ الأجربِ قالَ لاَ وأَنَّ الرّبَّ عَزَّ وجلَّ قالَ لهُ لو قلتَ بلَى لَمَحَوْتُكَ منْ دِيوَانِ الأَنْبِيَاءِ. هل يقولُ عاقلٌ مثلَ هذه الروايةِ المكذوبةِ المفتراةِ في حقِّ نبيٍّ مكرّمٍ قالَ اللهُ فيهِ: { وَكانَ عندَ اللهِ وَجِيهاً } اَلأَحْزَاب/96 . مَثَلُ هؤلاءِ الناقلينَ، مَثَلُ هؤلاءِ القَصاصينَ، مَثَلُهُمْ كمثلِ الذينَ حُمّلُوا التَّوراةَ ثُم لم يحملُوهَا كمثلِ الحمارِ يحملُ أسفاراً. أحبابُ اللهِ لاَ يفترونَ على أنبياءِ اللهِ. أحبابُ اللهِ لاَ يفترونَ علَى اللهِ. أحبابُ اللهِ لاَ يزوّرونَ كتابَ اللهِ فهؤلاءِ اليهودُ لعنهُم الله يقولونَ في توراتِهِم المحرفةِ أنَّ نبيَّ اللهِ يعقوبَ صارعَ اللهَ. كيفَ يكونُ المرءُ عندَ ربِّه حكيماً وجيهاً؟ علوُّ شأنِهِ ورِفعةُ درجتِهِ في الْتزامِ مَا أمرَهُ بِهِ ربُّه. فليسَ الشأنُ عندَ اللهِ تعالى أن يكونَ المرءُ جميلَ الصورةِ حسنَ الوجهِ ممتلىءَ البطنِ منتفخَ الرَّقبةِ ممتلىءَ الجيبِ مليئاً بالمالِ في مصارف متعددة ليصيرَ عندَ اللهِ وجيهاً. لاَ. بلِ الشأنُ


    عندَ اللهِ تباركَ وتعالى بالتزامِ شرعِ اللهِ. بلِ الشأنُ عندَ اللهِ تعالى بالسعيِ بالتزامِ كتابِ اللهِ. بلِ الشأنُ عندَ اللهِ تعالى بالقيامِ بمصالحِ المسلمينَ والسعيِ في قضاءِ حاجاتِ الأراملِ والمشردينَ والمساكين والمستضعفينَ. أحبابُ اللهِ تعالى، أنبياؤُهُ وأتباعهُم ممن كانُوا متبِعينَ لهم اتباعاً كاملاً الوجاهةُ عندَ اللهِ تعالى ليستْ بالمالِ. روى الإمامُ مسلم أنَّ بغِيّاً من بغايَا بني اسرائيلَ كانت امرأةً مسلمةً زانيةً رأتْ كلباً يطوفُ حولَ بئرٍ قدْ كادَ يقتلُهُ العطشُ نزعتْ مُوقَهَا، غرفَتْ بكُنْدَرَتِهَا الماءَ من البئرِ فسقتِ الْكلبَ فغفرَ اللهُ لَهَا بهِ. (فمَا بالُ أقوامٍ يعرضُونَ عنْ أَن يكونُوا من الساقينَ لأَرْواحٍ طاهرةٍ، لأطفالٍ باكيةٍ، لأرامل حالتهُنَّ يُرثَى لَهَا، لرجالٍ تكادُ الدموعُ تجرِي على خدودِهِم من كثرةِ الهمومِ والمصائبِ والغلاءِ). الوجِيهُ عندَ اللهِ تعالى كمَا قالَ اللهُ تعالى عن إبراهيمَ عليه السلام: {ولقدْ ءَاتَيْنَا إِبراهيمَ رشدَهُ منْ قبلُ وكنَّا بهِ عالمينَ} الأنبياء/51 . دعَا قومَه إلى الإيمانِ باللهِ ونبذِ عبادةِ الأصنامِ فلّمَا لم يُعجبهم مَا دعاهُم إليهِ من الإيمانِ والتوحيدِ قالُوا احرقوهُ وانصرُوا ءالهتَكُم إن كنتُم فاعلين ولكنَّ اللهَ تعالى وعدَهُ نصرَه المبين فقالَ: {قُلنَا يَا نَارُ كونِي برداً وسلاماً على إبراهيمَ} الأنبياء/69. نوحٌ عليه السلام، الوجيهُ العظيمُ عندَ ربِّهِ دعَا قومَهُ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عاماً ومعَ ذلكَ كانُوا مرةً قدْ مروا بهِ وهو يَبْني السفينةَ في أرضِ العراقِ قبلَ الطوفان فضربُوه صلى الله عليه وسلم حتى أُغْميَ عليه، الدنْيا دارُ بلاءٍ. الدنْيا دارُ بلاءٍ. قد يُبتلى النبي في مالهِ وأولادهِ وصحتهِ، وقد يُبتلى الكافرُ أو السفيهُ أو الرذيلُ في مالهِ وأولادهِ وصحتهِ، ولكنَّ الشأنَ عندَ الله فيمنْ هوَ وجيهٌ عندَ اللهِ وليسَ الشأنُ عندَ الله فيمنْ يتصنَّعُ الوجاهَةَ علَى جُثَثِ الفقراءِ. وعن داودَ وسليمانَ يقولُ الربُّ عزّ وجلَّ :{وَكُلاًّ ءاتينَا حكماً وعلماً وسَخّرنَا معَ داودَ الجبالَ يُسبّحنَ والطَّير} الأنبياء 79. {ولسليمانَ الريح عاصفة تجرِي بأمرِهِ} الانبياء/81 وقد قال: {ومنَ الشياطين منْ يغوصونَ لهُ، ويعملونَ عَمَلاً دونَ ذلك} الانبياء/82. أيْ لنبيَّ اللهِ سليمانَ أعطاهُ اللهُ مُلْكاً لاَ يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بعدِهِ ومعَ ذلكَ لم ينسَ النعمةَ أنها صادرةٌ منَ الله فلمْ يكنْ منْ أهلِ العجبِ فكانَ وجيهاً عندَ اللهِ تعالى. ليسَ كلُّ البشرِ عندَ اللهِ سواء. فليسَ منْ عبدَ اللهَ كمنْ كفرَ باللهِ. ليسَ مَنْ ءامنَ بأنبياءِ اللهِ كمنْ سبَّ أنبياءَ اللهِ. ليسَ منْ أحسنَ كمنْ أساءَ. .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-12-25
  3. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    وله متابعه ان شاء الله

    اللهم اعني على حسن المتابعه.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-12-25
  5. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    جميلة هي هذه الخطبة

    والله لقد قراتها يا أخي بتمعن وتمهل واستفدة الكثير هنيئا لمن يعقلها ويتدبر يفكر فيها وما جاء على لسان ممليها من الحكمة المستمدة من كتاب الله وسير لأنبياء وهدي سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-12-25
  7. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    اخي الحبيب ابو الفتوح

    هي مسجلة عندي بالصوت لاحد مشايخي من حفظة القران في باكستان الشيخ خالد بن محمد بن نؤاز النقشبندي وكم ابكت الناس عند سماعها الله يرزقنا الفهم .
    للفائده:هل تعلم يا اخي ابو الفتوح اني لازمت هذا الشيخ اغلب وقته لاشهر عديده وكان اذا قام لقيام الليل يكثر الدعاء بالخير لمن اذاه من المسلمين وسالته يوما لما تكثر الدعاء لمن اذاك من المسلمين فيقول هذامن اداب حملة القران ولا احب ان القى الله وفي قلبي غل لاحد من المسلمين.
    الله يرزقنا حسن الاتباع
    خادمكم الجزري
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-12-26
  9. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    سيدّي الفاضل: الجزري حفظكم الله ورعاكم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا محمد النبي الأمي المبعوث من لدن ملك حق مبين، وعلى آله وصحبه وتابعيه الهداة المهتدين، وبعد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

    ما شاء الله لا قوة إلا بالله. أحسنتم الإختيار بارك الله فيكم. تابعوا فقد شوقتمونا لدرر الصالحين أهل الله وخاصته، حفظة القرآن الكريم. جعلنا الله وإياكم والمسلمين أجمعين منهم، ونفعنا بعلومهم وأنوارهم وبركاتهم وإمدادهم في الدين والدنيا والآخرة. اللهم آمين بجاه حبيبك سيّد الأنبياء والمرسلين.

    قال الله تعالىجلّ ذكره: (وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلّقاها إلا ذو حظ عظيم)، نسألك اللهم أن تجعلنا واحبابنا من الذين يتصبرّوا فتصبرّنا وقد قال نبيك الصادق المصدوق، صلى الله عليه وآله وسلم: (...وما أععطي أحد شيئا هو خير وأوسع من الصبر).

    وبالمناسبة، يبدو لي أنكم على الطريقة النقشبندية كما أخبرتمونا عن أشياخكم، فهلا أكرمتمونا بنبذة عن هذه الطريقة جزاكم الله خيرا ؟

    خادمكم / الميزان العادل
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-12-29
  11. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    ابشر استاذي الكريم الميزان العادل

    سيدي الفاضل الاستاذ الوقور الميزان العادل لكم ما طلبتم مني مع علمي انكم اعلم مني باحوال الساده الكرام وهذه وصية لشيخي الفاضل النقشبندي المشرب الحافظ لكتاب الله صاحب الكرامات الظاهره والفيض الساري الله ينفعنا بهم اوصاني بها فقال ما نصه وللامر متابعه عن الساده النقشبنديه رغبة بتلبيتكم سيدي الفاضل فوالله بذكرهم تنزل الرحمات :

    الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وحبيب رب العالمين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وءال كل والصالحين وسلام الله عليهم اجمعين أما بعد، فقد ثبت في الحديث أن بعض المؤمنين من كثرة البلاء الذي ينزل عليهم في الدنيا يخرجون من الدنيا وما عليهم خطيئة، الله يطهرهم من كل خطاياهم بهذه البلايا فلا يكون عليهم شىء في قبورهم ولا في ءاخرتهم حتى إن بعض الناس تصيبهم عقوبة في الدنيا على الصغائر التي عملوها، لأن الصغائر بعض الناس الله لا يعاقبهم عليها وبعض الناس يعاقبهم عليها، كان رجل من الصحابة رأى امرأة اعجبته فصار يُتْبِعُهَا نَظَرَه ثم وهو في الطريق اصطدم وجهه بجدار فسال دمه فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أراد بك خيرًا وإن هذا جزاء تلك النظرة" فيفهم من هذا أن بعض الناس الله يجازيهم على معاصيهم في الدنيا وأما أكثر الناس فإن الله يؤخر لهم عقوبتهم إلى الآخرة. لكن الذي يجازيه الله في الدنيا يكون أحسن من الذي يؤخر له العذاب إلى الآخرة، لأن هذا بهذه المصائب تسقط عنه العقوبة في الآخرة.
    ثم إن كثيرًا من الناس يكفرون كفرياتٍ شنيعةً شناعةً كبيرةً وهم بحسب الظاهر يتقلبون في النعيم فهؤلاء لا يدل حالهم على أنهم من المرضيين عند الله لأن الله عز وجل يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب. وقد جاء في الحديث أن امرأة عرضت بنتها على الرسول صلى الله عليه وسلم فصارت تمدحها للرسول بالجمال وبأنها تامة الصحة حتى إنه لم يحصل لها صداعٌ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم "لا حاجة لي فيها" وذلك لأن الذي يكون في الدنيا متقلبًا في الراحات من غير أن يصاب بالبلاء قليل الخير في الآخرة عند الله فالذي أراد الله به خيرًا يبتلى في الدنيا.
    بعض الناس الذين لا يبتلون في الدنيا من شدة غرورهم يقولون الله يحبني وكلامهم هذا عكس الحقيقة لو كان الله يحبهم كان سلط عليهم البلاء، والبلاء أنواعٌ عديدةٌ أوجاع الجسم بلاء والفقر الشديد بلاء وأذى الناس بلاء فمن أراد الله به خيرًا يبتليه.
    ومن الجهل الشديد الفظيع أن بعض الناس إذا أقبلوا على الطاعة ثم أصابتهم المصائب يتشاءمون فيقولون نحن كنا في راحة ونعيم لكن منذ بدأنا بالطاعة أصابتنا المصائب فينفرون من التزام العبادة ويقولون الطاعة ما نفعتنا، يُعرضون عن الطاعة ويعودون إلى ما كانوا عليه. فإذا لقيتم انسانًا كان على حالة سيئةٍ واعراضٍ عن الطاعةِ ثم أقبل على الطاعة علموه أن الذي يقبل على الطاعة قد تصيبه مصائب ما كانت تصيبه من قبل، يقال له لا يغرنك الشيطان لأنه قد يقول لك أنت كنت في راحة وبسط قبل ان تقبل على الطاعة فهذه الطاعة صارت شؤمًا عليك قد يقول له الشيطان ذلك ليعود إلى الانغماس في المعصية والبعد عن الطاعة الذي كان فيه. فيقال له إياك أن تنقلب إلى ما كنت عليه. كثير من الناس بعد الإقبال على الطاعة تصيبهم المصائب فينقلبون من الطاعة إلى ما كانوا عليه من الفساد لكن من عرف الدين كما يجب لا يؤثر فيه ذلك بل إن بعض الناس يصل إلى حدٍ أنه يكون فرحُه بالبلاء أكبر من فرحه بالبسط والراحة وهؤلاء هم الأولياء فإنهم يفرحون بالبلاء، حتى قال بعض الصوفية الصادقين "ورود الفاقات أعياد المريدين" معناه ورود المصائب عيد للمريدين أي لطلاب الآخرة المقبلين عليها فإن هؤلاء إن بلغهم الفقر بعد أن كانوا بحالة بسط يعتبرونه عيدًا فيزيدون في الطاعة بدل أن ينقلبوا أو يخففوا.
    بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يفتح الله للرسول الجزيرة العربية كانوا يأتون إلى المدينة غرباء ليس لهم فيها لا أهل ولا معارف وهم بحالة بؤس وفقر شديد حتى إن أحدهم ليس له إلا ثوبًا واحدًا يربطه على رقبته وينزل إلى ركبتيه يبدأ بستر ظهره به ثم يجعل طرفيه إلى خلف ومع هذا كانوا يقومون بالليل ويصلون ويجلبون الماء للمصلين همتهم قوية. ثم هؤلاء بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعضهم الله بسط عليهم الرزقَ فصار أحدهم يملك ما يكفي مائة نفس وأكثر. كان سيدنا علي رضي الله عنه فقيرًا إلى حد بعيد حتى إنه مرة من الجوع خرج فلقيه يهودي له بستان وفي بستانه بئر فظنه اليهودي بدويًا ولم يعرف أنه من علّية قريش من حيث النسب ومن حيث وضعُه الخاص أنه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج فاطمة، ظنه بدويًا فقيرًا جاء إلى المدينة ليتعيش فقال له تُخرج لي من بئري سبعة عشر دَلوًا وأعطيك على كل دلوٍ حبة تمر فوافق فأخرج له سبعة عشر دلوًا وأخذ سبعة عشر حبة تمر وانصرف. كان أحدهم يصبر على حبة تمر أو حبتين أو نحو ذلك ومع ذلك كانوا أقوياء في العبادة في قيام الليل والصيام وغير ذلك من الطاعة، بهؤلاء نصر الله هذا الدين، ثم سيدنا علي رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الله بسط عليه الرزق فصار زكاة ماله اربعين الف درهم ثم وزع هذا المال، ما أمسكه عليه، ولما مات ما وجدوا عنده إلا سبعمائة درهم فقط، هذا الغنى فرّقه في طاعة الله .
    ثم إن هؤلاء الصحابة من شدة الهمة في الطاعة وصدق الرغبة في الآخرة مع هذا البؤس الشديد الذي كانوا فيه كانوا إن دُعوا إلى الجهاد يخرجون إذا استنفروا يستنفرون وأما بالنسبة للطعام فكانوا يأتون إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فكان الرسول يأخذ قسمًا منه يطعمهم وبعض الصحابة يأخذون قسمًا فيطعمونهم لأن هؤلاء الصحابة ليس لهم أهل ولا مال ولا معارف، صبروا على هذا الفقر والبؤس صبرًا تامًا وكانوا بعدما يأكلون يعودون إلى المسجد ليناموا فيه كان منامهم في مؤخر المسجد. فلو كان الصحابة مثلنا يلتزمون التنعم بالأكل اللذيذ والثياب الفاخرة ما انتشر الإسلام بل كان بقي في الجزيرة العربية.
    كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمّ يقال له قُثَمْ وكان يشبه الرسول في جماله هذا ذهب للجهاد وعاش في بلاد العجم التي يحكمها الروس اليوم حتى توفاه الله هناك وكان قثم ابن العباس رضي الله عنهما أبوه العباس رضي الله عنه يضعه وهو طفل على صدره وهو مستلقي ويقول:
    حِبِي قُثَمْ شَبيهَُ ذي الأنْفِ الأَشَمْ نبِيِ ذي النِعم برَغْمِ من رَغِمْ
    حبي قُثَم يعني حبيبي قُثَم شبيه ذي الأنف الأشم أي الذي يشبه النبي الذي كان أنفه طويلاً لأن امتداد الأنف من صفات الجمال، نبِيِ ذي النِعَم أي نبِي الله برَغم من رغِم أي رَغمَ من كذبوه.
    وسبحان الله والحمد لله رب العالمين
     

مشاركة هذه الصفحة