’’الذَّبُّ عن الصحابيِّ الجليل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-‘‘ (منقول)

الكاتب : الروض الباسم   المشاهدات : 457   الردود : 0    ‏2005-02-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-18
  1. الروض الباسم

    الروض الباسم عضو

    التسجيل :
    ‏2005-02-18
    المشاركات:
    25
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ’’الذَّبُّ عن الصحابيِّ الجليل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-‘‘

    ((الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله، و على آله و صحبه و من والاه باطنـًا و ظاهرًا و والى أصحاب محمد-صلّى الله عليه و سلّم-باطنـًا و ظاهرًا و ذبّ عنهم ابتغاء رضاه، أمّا بعد:

    فإنَّ لأصحاب محمد-صلّى الله عليه و سلّم-منزلةً عظيمة و مكانة رفيعة قرّرها الله-تبارك و تعالى-في كتبه التي أنزلها الله لهداية البشر و على ألسنة رسله الذين كلّفوا بتبليغ تلك الرسالات المتضمنة لهذه الهداية.

    قال الله ((محمدٌ رسول الله و الذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينَهم تراهم ركّعـًا سجّدًا يبتغون فضلاً من الله و رضوانـًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزرّاع لغيظ بهم الكفّار))[ الفتح: 29 ].

    و قال في حقهم (( لا يستوي منكم مَن أنفقَ من قبل الفتح و قاتل أولئك أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعد و قاتلوا و كلاًّ وعد الله الحسنى))[ الحديد: 10 ].

    و قال تعالى (( كنتم خيرَ أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله))[ آل عمران: 110 ].

    و قال تعالى ((و كذلك جعلناكم أمةً وسطـًا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدًا))[ سورة البقرة: 143 ].

    و قال تعالى (( و السابقون الأوّلون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسانٍ رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعدّ لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار))[ التوبة: 100 ].

    و أثنى عليهم رسوله-صلى الله عليه وسلم-عاطر الثناء؛ فقال-صلّى الله عليه وسلّم- ((خير الناس: قرني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ الذين يَلُونهم)) الحديث.

    و قال-صلّى الله عليه و سلّم- ((لا تسبُّوا أصحابي؛ فو الذي نفسي بيدِه لو أنفقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍٍٍِ ذهبـًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهم و لا نَصِيفَه)).

    و لقد وعي أسلافنا الصالحون هذه الحقائق الكبيرة، و هذه المنزلة العظيمة لهؤلاء الأخيار؛ سادة هذه الأمة و قادتها و أئمَّتها في العلم، و الجهاد، و العبادة، و الأخلاق، و الصدق في كلِّ شأنٍٍِِ في الأخبار و تبليغ هذا الدين، و العمل به، و الدعوة إليه، و الجهاد في نشره و إعلائه على الأديان كلها.

    وعى أسلافُنا الصالحون هذه الحقائق و المنازل الرفيعة لهؤلاء الأمجاد الأكرمين، و استقرّ هذا الوعي في قلوبهم؛ فدانوا به، و ربّوا الأمةَ عليه، و ألّفوا في فضائل هؤلاء الصحب الكرام المؤلَّفات.

    و تلقّى ذلك عنهم الأجيالُ جيلاً بعد جيل، لا يُخالفهم في هذا المنهج إلاّ من خذله الله، فلم يرفع رأسـًا بما قرّره القرآن و الكتب قبله، و لا بما قرّره الرسول-صلى الله عليه و سلم- ثم خيار أمَّته.

    و لإيماننا بهذه المنزلة الرفيعة لهؤلاء السادة الأخيار سادة الأمة رأينا أنَّ حتمـًا علينا أن نُشيد بفضلهم و بمكانتهم، و أن نذبّ عن حِياضهم، و نحمي أعراضهم، و أن نَفديهم بمُهجنا و أعراضنا و أموالنا رخيصةً لا نخشى في الله لومة لائم.

    و نرى أنّ حبهم و ولاءهم أصلٌ عظيم من أصول دين الله، و أنّ بغضهم و الطعن في دينهم و عدالتهم كفرٌ كما قرّر ذلك علماء الإسلام؛ لأنَّ الطعنَ في دينهم و عدالتهم طعنٌ فيمن بلَّغنا ديننا قرآنـًا و سنة))[1].

    هذا و قد كثر في هذه الأيام من يطعن في الصحابة الأخيار، بل أصبح أمراً ظاهراً للعيان ممّن ظاهره الانتساب للإسلام و لأهل السنة بعد أن كان من شعار الرافضة و دينهم الذي يستخفون به بتقيَّتهم المعروفة، و على رأس هذه الحملة الشرسة على صحابة نبيِّنا-صلّى الله عليه و سلّم-بعض الكتَّاب و أصحاب الأقلام المأجورة ممّن لا همَّ لهم غير تشويه الإسلام و صورته و صورة حملته الأوَّلين تحت ستار حرية الرأي و الفكر و الأدب-زعموا-.

    و من هذا الصنف الأخير-أخَّرهم في الدنيا و الآخرة- كاتب(مسلسلات و تمثيليَّات) مصري يدعى أسامة أنور عكاشة-عامله الله بما يستحق- حيث شن هجوما في صحيفة ’’الموجز‘‘ الأسبوعيّة على عمرو بن العاص-رضي الله عنه- نفى عنه أهميّته التاريخيّة و همَّش وجوده و حقَّره.

    و علَّل هذا النَّكرة-حالاً و مآلاً-سبب هجومه على عمرو بن العاص-رضي الله عنه-بأنَّ الكاتب(إن أراد تشكيل أيِّ صورة تاريخية ليتمَّ تمثيلها في عمل درامي فإنه سيشكِّلها كما يراها هو و ليس كما هي مثبتة في التاريخ)، و أنَّه يرى من وجهة نظره أنَّ شخصية عمرو بن العاص-رضي الله عنه-( أحقر شخصيَّةٍ في الإسلام).

    و أُشير هنا إلى أنَّ هجوم هذا المشبوه على الصحابيِّ الجليل عمرو بن العاص-رضي الله عنه و أرضاه-ما هو إلاّ حلقةً من حلقات صراعٍ مريرٍ بين دعاة الفرعونية ضد الإسلام، و كان من دعاتها الأوائل سلامة موسى و طه حسين.

    فدعاة مصر الفرعونية من أشدِّ الناس حقداً و حنقاً على عمرو بن العاص-رضي الله عنه- لأنّه كان قائد جيوش المسلمين في فتح بلاد النيل، و قد وصل بهم الأمر إلى تصوير مسلسل تلفزيوني(!!) يحكي سيرته-رضي الله عنه- بعنوان "رجل الأقدار"، عُرض في العام الماضي و أثار في حينه-حسب المتتبِّعين- ضجةً إعلامية كبيرة لما احتواه من تشويهٍ للحقائق التاريخية و تشويهٍ لصورة صحابي جليل كان له أكبر الأثر في التاريخ الإسلامي لمصر، و الله المستعان على غربة الدين في هذا الزمان.

    وقد استضافت قناة"أوربت" الفضائية-حما الله المسلمين شرَّها-بتاريخ 4/10/2004م، ذلك المشبوه للتأكُّد من صحة ما قيل في الجريدة على لسانه، و ردَّ عكاشة بأنَّه مُقتنع بكلِّ ما كُتب و أنّه مسؤولٌ كل المسؤولية عن كلامه، و ليس هذا فقط بل لقد أنكر كل هذا الغضب على موقفه المنكوس، و علل ذلك بقوله-فضَّ الله فاه-(لم يكن عمرو من العشرة المبشرين بالجنة).

    و هذه الأقوال على ما تضمَّنته من سوء أدبٍ و عدم احترامٍ في حقِّ صحابيٍّ جليل-لا يبلغ الكاتب مُدَّه و لا نَصيفه، بل و لا عُشر مِعشاره-؛ فيها مخالفةٌ صريحة لاعتقاد أهل السنة و الجماعة في الصحابة الكرام و ما ورد في فضلهم، بلهَ ما ورد في فضل عمرو بن العاص-رضي الله عنه- من مناقب على لسان النبيِّ الكريم-عليه الصلاة و السلام-.

    و أُضيف هنا-استطراداً- أنَّ من خِذلان الله لذلك الكاتب المشبوه قوله في لقاءه عبر تلك القناة (..يكفي أن تُوحِّد بالله بلسانك فقط كي تدخل الجنة)، فقرَّر بقوله هذا عقيدة غلاة المرجئة، نسأل الله السلامة و العافية.

    قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله- في رسالته النافعة’’كشف الشبهات‘‘ (ص116-مع شرح الشيخ العلاّمة صالح الفوزان) "و لنختم الكلام إن شاء الله-تعالى- بمسألةٍ عظيمةٍ مهمة جداًّ تُفهم ممّا تقدَّم و لكن نُفرد لها الكلام لعِظم شأنها و لكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أنَّ التوحيد لابدَّ أن يكون بالقلب و اللسان و العمل، فإن اختلَّ شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلماً؛ فإنْ عرف التوحيد و لم يعمل به فهو كافرٌ معاندٌ كفرعون و إبليس و أمثالهما، و هذا يغلط فيه كثير من الناس.."اهـ.

    و يَصدق في هذا الكاتب المشبوه قول رسولنا الكريم-صلَّى الله عليه و سلَّم- في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه ((سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، و يُكذَّب فيها الصَّادق، و يُؤتمَن فيها الخائن، و يُخوَّن فيها الأمين، و ينطقُ فيها في الرُّويبضة))، قيل: و ما الرُّويبضة؟، قال (( الرَّجل التَّافه يتكلَّم في أمر العامَّة)).

    و فيما يلي ذبٌّ و دفاعٌ عن الصحابيِّ الجليل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-؛ عسى أن يكتبني الله-سبحانه- في الذَّابين عن صحابة رسوله الكريم-صلّى الله عليه و سلّم-، و أن يدَّخر لي أجر ذلك يوم الدين.

    اعتقاد أهل السنَّة في الصحابة و أقوال أهل العلم في من يَطعن فيهم:

    و الأقوال في ها الباب كثيرةٌ جداَّ، و سردها جميعاً يحتاج إلى مجلدٍ أو أكثر، و هي مُستقاة من نصوص الكتاب و السنة و آثار السلف الصالح.

    و في ما يلي طرفٌ منها:

    1- قال الإمام المزني-رحمه الله-في رسالته’’شرح السنة‘‘(ص87-ت/جمال عزون) "و يُقال بفضلهم[أي الصحابة]، و يُذكرون بمحاسن أفعالهم، و نُمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهُم خيار أهل الأرض بعد نبيِّهم، ارتضاهم الله-عزَّ و جلَّ-لنبيِّه، و خلقهم أنصاراً لدينه؛ فهُم أئمَّة الدين، و أعلام المسلمين، رضي الله عنهم أجمعين".

    ثمَّ قال في نهاية الرسالة(ص88) "هذه مقالاتٌ و أفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمَّة الهدى، و بتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوةً و رضى، و جانبوا التكلُّف فيما كُفوا، فسدِّدوا بعون الله و وفِّقوا، لم يرغبوا عن الاتباع فيقصِّروا، و لم يُجاوزوه تزيُّداً فيَعتدوا؛ فنحن بالله واثقون، و عليه متوكِّلون، و إليه في اتباع آثارهم راغبون".

    2- و قال الإمام ابن أبي زيدٍ القيرواني-رحمه الله-في’’مقدمة رسالته‘‘المشهورة(ص61-ت/د.بكر أبو زيد) "و أنَّ خير القرون القرن الذي رأوا رسول الله-صلى الله عليه و سلم-و آمنوا به...، و أنْ لا يَذكر أحدٌ من صحابة الرسول-صلى الله عليه و سلم-إلاّ بأحسن الذكر، و الإمساك عمّا شجر بينهم، و أنّهم أحقُّ الناس أنْ يُلتمس لهم أحسن المخارج، و يُظن بهم أحسن المذاهب".

    3- و قال الإمام الطحاوي-رحمه الله في ’’عقيدته‘‘المشهورة(ص101-102-مع شرح العلاّمة المحدث الألباني-رحمه الله-) "و نحبُّ أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-، و لا نُفرط في حبِّ أحدٍ منهم، و لا نتبرَّأ من أحد منهم، و نُبغض من يُبغضهم و بغير الخير يَذكرهم، و لا نذكرهم إلاّ بخيرٍ، و حبُّهم دين و إيمان و إحسان، و بغضهم كفر و نفاق و طغيان".

    4- و قال الإمام البغوي-رحمه الله في كتابه’’شرح السنة‘‘(1/229) "قال مالك:من يبغض أحداً من أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- و كان في قلبه عليه غِلٌّ فليس له حقٌّ في فيء المسلمين، ثمّ قرأ قوله-سبحانه و تعالى- ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى)) إلى قوله ((و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان))الآية، و ذُكر بين يديه رجلٌ ينتقص أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-فقرأ مالك هذه الآية ((محمد رسول الله و الذين معه أشدّاء على الكفّار)) إلى قوله ((ليغيظ بهم الكفّار))، ثمّ قال من أصبح من الناس في قلبه غلٌّ على أحدٍ من أصحاب النبيِّ-صلّى الله عليه و سلّم- فقد أصابته هذه الآية"[2].

    5- و قال الإمام أبو المظفَّر السمعاني-رحمه الله- " التعرُّض إلى جانب الصحابة علامةٌ على خِذلان فاعله، بل هو بدعة و ضلالة"[3].

    6- و قال إمام أهل السنة و الجماعة أحمد بن حنبل-رحمه الله- في رسالته’’أصول السنة‘‘(ص85-86-ت/عمرو عبد المنعم سليم) "و من انتقص أحداً من أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-، أو بغضه لحدث منه، أو ذكر مساوئه؛ كان مبتدعاً، حتى يترحم عليهم جميعاً، و يكون قلبه سليماً".

    و قال أيضاً-رحمه الله- "إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- بسوءٍ فاتَّهمه على الإسلام"[4].

    7- و قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في ’’العقيدة الواسطية‘‘(ص116-117-مع شرح العلاّمة محمد خليل هراس-رحمه الله-) "و من أصول أهل السنة و الجماعة سلامة قلوبهم و ألسنتهم لأصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- كما وصفهم الله في قوله-تعالى- ((و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربَّنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنّك رؤوفٌ رحيم))[الحشر:10]، و طاعة النبي-صلّى الله عليه و سلّم- في قوله ((لا تسبُّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم و لا نصيفه))[رواه البخاري و مسلم]، و يقولون بما جاء به الكتاب و السنة و الإجماع من فضائلهم و مراتبهم".

    8- و قال الإمام البربهاري-رحمه الله- في رسالته’’شرح السنة‘‘(ص115-ت/خالد الردادي) "و إذا رأيت الرجل يطعن على أحدٍ من أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-؛ فاعلم أنَّه صاحب قول سوء و هوى".

    و قال أيضاً-رحمه الله-(ص123) "و اعلم أنّه من تناول أحداً من أصحاب محمد-صلّى الله عليه و سلّم-؛ فاعلم أنّه إنّما أراد محمداً-صلّى الله عليه و سلّم-، و قد آذاه في قبره".

    9- و قال الإمام أبو زرعة الرازي-رحمه الله- "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-فاعلم أنّه زنديق، و ذلك أنَّ الرسول-صلّى الله عليه و سلّم- عندنا حق، و القرآن حق، و إنّما أدى إلينا هذا القرآن و السنن أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-، و إنّما يُريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب و السنة، و الجرح بهم أولى، و هم زنادقة"[5].

    10- و قال الحافظ العلائي-رحمه الله-في في كتابِه’’تحقيق مُنيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة‘‘(ص 31 – ت/د.محمد سليمان الأشقر) "إنّ الله-سُبحانَه وتعالى- اختصَّ نبيّه-صلّى اللَّه عليه و سلّم-بصحابةٍ جعلهم خيرَ أُمّته، و السابقينَ إلى تصديقهِ و تبعيَّتِه، و المجاهدين بين يديهِ، و الباذلين نفوسَهُم تقرُّباً إليه، و الناقلين لسُنَنه و قضاياه، والمقتدين به في أفعاله ومزاياه؛ فلا خير إلا وقد سَبقوا إليه مَن بعدَهم، و لا فضل إلاّ و قد استفرَغوا فيه جُهدَهم، فجميعُ هذا الدّين راجعٌ إلى نقلهم و تعليمهم، و مُتلقى مِن جِهَتهم بإبلاغهم و تفهيمهم، فلهم مثل أجور كلِّ من اهتدى بشيءٍ من ذلك على مرِّ الأزمان؛ و ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ بالطَّول و الإحسان"[6].

    11- قال الشيخ الدكتور بكر أبو زيد-عافاه الله- "أطبق أهل الملَّة الإسلامية، على أنَّ الطعن في واحدٍ من الصحابة-رضي الله عنهم-؛ زندقةٌ مكشوفةٌ"[7].

    مناقب عمرو بن العاص-رضي الله عنه-:

    ((مِن المعلوم عند المشتغلين بعلومِ السنةِ المشرّفة-و ما يتّصل بها-أنَّ فضائل الصحابة-رضي الله عنهم-قسمان:

    1-فضلٌ بالعموم.

    2- فضلٌ بالخصوص.

    و ليس من شّكٍّ أنَّ مَن نال الفضلَ المخصوصَ يكونُ قد نالَ الفضلَ بالعموم-بطريق الأَوْلَى-))[8].

    فمّما ورد في فضل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-خصوصاً:

    1- عن عمرو بن العاص-رضي الله عنه- ((أنَّ النبيَّ-صلى الله عليه و سلم- بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت:أيُّ الناس أحب إليك؟، قال "عائشة"، فقلت: من الرجال؟، قال "أبوها"، قلت: ثمّ من؟، قال "ثمّ عمر بن الخطاب"، فعدَّ رجالاً))، رواه البخاري و مسلم.

    ففي الحديث أنَّ النبي-صلّى الله عليه و سلّم- أمَّر عمراً-رضي الله عنه- على جيشٍ فيه أبو بكر و عمر-رضي الله عنهما- كما هو مذكور في السِّير، و لا شكَّ أنَّ في هذا منقبةٌ عظيمةٌ لعمرو-رضي الله عنه-.

    2- و عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال (( حضرنا عمرو بن العاص و هو في سياقة الموت، فبكى طويلاً و حوَّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول:يا أبتاه !أما بشرك رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- بكذا؟ أما بشرك رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- بكذا؟ ،قال:فأقبل بوجهه؛فقال:إنَّ أفضل ما نُعدُّ شهادة أن لا إله إلاَّ الله و أنَّ محمداً رسول الله،إنِّي كنت على أطباقٍ ثلاث،لقد رأيتُني و ما أحدٌ أشدَّ بُغضاً لرسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- منِّي،و لا أحبَّ إليَّ أن أكون قد استمكنتُ منه فقتلته،لو متُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار،فلمَّا جعل الله الإسلام في قلبي،أتيت النبي-صلّى الله عليه و سلّم- فقلتُ:ابسُط يمينك فلأُبايعك،فبسط يمينه،فقبضتُ يدي،قال "ما لك يا عمرو؟"، قال:قلت: أردت أن اشترط، فقال "تشترط بماذا؟"، قلت:أن يَغفر لي،قال "أما علمتَ أنَّ الإسلام يَهدم ما كان قبله، و أنَّ الهجرة تَهدم ما كان قبلها، و أنَّ الحج يَهدم ما كان قبله؟"، و ما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- و لا أجلَّ في عيني منه، و ما كنتُ أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، و لو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ؛ لأنِّي لم أكن أملأ عيني منه، و لو متُّ على تلك الحال لرَجوت أن أكون من أهل الجنة، ثمَّ وَلِينا أشياء ما أدري ما حالي فيها...))الحديث، رواه مسلم.

    و هذا(الحديث مشتملٌ على جملٍ دالةٍ على فضل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-)، كما قال الشيخ عبد المحسن العبّاد-نفع الله به-.

    3- و روى الترمذي-رحمه الله- تحت باب مناقب عمرو بن العاص-رضي الله عنه- بإسناده إلى عقبة بن عامر الجهني-رضي الله عنه-، أنَّ النبيَّ-صلّى الله عليه و سلّم- قال ((أسلم الناس، و آمن عمرو بن العاص)).

    قال الشيخ المحدث الألباني-رحمه الله- في تخريجه لكتاب’’الإيمان‘‘لشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-(ص250) "أخرجه الترمذي و أحمد و الروياني في’’مسنديهما‘‘ من طرق عن ابن لهيعة عن مشرح به، و قال الترمذي:غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهيعة عن مشرح، و ليس إسناده بالقوي.قلت: بل هو حسن، فابن لهيعة و إن كان سيِّء الحفظ، فهو صحيح الحديث إذا روى العبادلة عنه، و هم ابن وهب، و ابن يزيد المقري، و ابن المبارك، كما حقَّقه ابن القيم في’’إعلام الموقعين‘‘، و هذا قد رواه عنه الأوَّلان منهم، فثبت الحديث و الحمد لله"اهـ.

    و أورده –بتخريجٍ مفصَّلٍ- في’’السلسلة الصحيحة‘‘(رقم155)، و هو في ’’صحيح الجامع‘‘(رقم971)، و’’صحيح سنن الترمذي‘‘ (رقم3844)،و ’’مشكاة المصابيح‘‘ (رقم6236).

    4- و عن أبي هريرة-رضي الله عنه-، أنَّ النبي-صلى الله عليه و سلم- قال ((ابنا العاص مؤمنان:هشام و عمرو))، أخرجه أحمد و الحاكم و غيرهما، و هو في ’’سلسلة الأحاديث الصحيحة‘‘ (رقم156).

    5- و روى الترمذي-رحمه الله- تحت باب مناقب عمرو بن العاص-رضي الله عنه- بإسناده إلى طلحة بن عبيد الله-رضي الله عنه-مرفوعا ((أنَّ عمرو بن العاص من صالحي قريش))، لكن قال الإمام الألباني-رحمه الله-:"ضعيف الإسناد"، انظر ’’ضعيف سنن الترمذي‘‘(رقم3845).

    قال المرادي-عفا الله عنه-: و فيما ثبت ممَّا تقدَّم غُنية عن غيره، و لله الحمد.

    من أقوال المنصفين في عمرو بن العاص-رضي الله عنه-:

    و أسوق هنا ما وقفت عليه من أقوال أهل العلم في الصحابيِّ عمرو بن العاص-رضي الله عنه- و الذبٍِّ عنه:

    1- قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- عند شرحه لحديث غزوة ذات السلاسل(المتقدِّم برقم1) "و في الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفةٍ تتعلَّق بتلك الولاية، و مزية أبي بكر على الرجال و بنته على النساء، و قد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في المناقب، و منقبةٌ لعمرو بن العاص لتأميره على جيشٍ فيهم أبو بكر و عمر، و إن كان لا يقتضي أفضليَّته عليهم، لكن يقتضي أنَّ له فضلاً في الجملة"[9].

    2- و قال الحافظ الذهبي-رحمه الله- في ’’سير أعلام النبلاء‘‘(3/55) "داهيةُ قريش و رجل العالَم، و من يُضرب به المثل في الفِطنة و الدهاء و الحزم، هاجرَ إلى رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم- مُسلماً في أوائل سنة ثمان، مُرافقاً لخالد بن الوليد و حاجب الكعبة عثمان بن طلحة، ففرِح النبي-صلّى الله عليه و سلّم- بقدومهم و إسلامهم، و أمَّر عمراً على بعض الجيش، و جهَّزه للغزو، له أحاديث ليست كثيرة، تبلغ بالمكرَّر نحو الأربعين، اتَّفق البخاري و مسلم على ثلاثةٍ منها، و انفرد البخاري بحديث، و مسلم بحديثين"[10].

    3- و قال العلاّمة مُحب الدين الخطيب-رحمه الله-في رسالته’’حملة رسالة الإسلام الأولون‘‘(ص79-80) "هذا أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السهمي بطل أجنادين، و فاتح مصر، و أوَّل حاكمٍ ألغى نظام الطبقات فيها، و كان السبب في عُروبتها و إسلام أهلها، و شريكُ مسلميها في حسناتهم من زمنه إلى الآن لأنَّه الساعي في دخولهم في الإسلام- هذا الرجل العظيم عَرفه التاريخ بالدهاء و نُضوج العقل و سُرعة البادرة، و كان نُضوج عقله سبب انصرافه عن الشرك ترجيحاً لجانب الحق و اختياراً لما دلَّه عليه دهاؤه من سبيل الخير، فجاء مزيِّفوا الأخبار من مجوس هذه الأمة و ضحاياهم من البُلهاء فاستغلوا ما اشتهر به عمرو من الدهاء استغلالاً تقرُّ به عين عبد الله بن سبأ في طبقات الجحيم".

    4- و قال محدِّث العصر محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله- في كتابه العُجاب’’السلسلة الصحيحة‘‘(1/289)، -تحت الحديث المتقدِّم برقم3- "و في الحديث منقبةٌ عظيمةٌ لعمرو بن العاص-رضي الله عنه-، إذ شهد له النبيّ-صلّى الله عليه و سلّم-بأنّه مؤمنٌ؛ فإنَّ هذا يستلزم الشهادة له بالجنة، لقوله-صلّى الله عليه و سلّم- في الحديث الصحيح المشهور ((لا يَدخل الجنة إلاَّ نفسٌ مؤمنةٌ))، متّفقٌ عليه، و قال-تعالى- ((وَعد الله المؤمنين و المؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار))[التوبة:72].و على هذا فلا يجوز الطعن في عمرو-رضي الله عنه-كما يَفعل بعض الكتاب المعاصرين و غيرهم من المخالفين- بسبب ما وقع له من الخلاف- بل القتال- مع عليٍّ-رضي الله عنه-؛لأنَّ ذلك لا يُنافي الإيمان ؛فإنَّه يستلزم العِصمة كما لا يخفى،لا سيَّما إذا قيل:إنَّ ذلك وقع منه بنوع اجتهادٍ،و ليس اتباعاً للهوى"اهـ.

    قال المرادي-غفر الله له-: و من أوائل من يدخلُ من الكُتَّاب تحت هذا الكلام: سيِّد قطب، و قد ردَّ عليه الشيخ ربيع المدخلي-عافاه الله- في غير ما كتاب، و كذلك المدعو حسن بن فرحان المالكي، و قد ردَّ عليه الشيخ عبد المحسن البدر-حفظه الله- في كتابه ’’الانتصار للصحابة الأخيار‘‘(ص110-113).

    5- و قال الشيخ العلاّمة عبد المحسن العبّاد-حفظه الله-في كتابه النافع’’الانتصار للصحابة الأخيار‘‘-عند إيراده للحديث المتقدِّم برقم2-(ص112-113) "و الحديث مشتملٌ على جُملٍ دالَّة على فضل عمرو بن العاص-رضي الله عنه-، و ما جاء فيه من بُكائه ليس عيباً فيه؛ فشأنُ أولياء الله أنَّهم يخافون الله ويرجونه، و قد جاء عن بعض أهل العلم أنَّ الخوفَ و الرَّجاء للمؤمن بمنزلة الجناحَين للطائر، لا يكون راجياً فقط ولا يكون خائفاً فقط، بل يكون راجياً خائفاً، و من صفات أولياء الله في الكتاب العزيز ما ذكره الله عنهم بقوله ((وَالَّذِينَ يُؤْتَوْنَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ))".

    إشهار بالخزي و العار:

    قد( يرى بعض الناس أنَّ في الردٍّ على هذا الكاتب إشهاراً له، فأقول:نعم! هو إشهارٌ له، لكن بالخزي و الفضيحة، و اشتهاره نظير اشتهار صاحب الحكاية الذي قال:سأعمل عملاً أُذكر به في التاريخ، فما كان منه في جمعٍ حاشدٍ إلاّ أن خلع ثيابه و تعرَّى أمامهم، فتحقَّق له ذلك الذي أراد، و أيضاً فمن المعلوم أن الباطل إذا ظهر تعيَّن كشفه و تزييفه و إيضاح بُطلانه )[11]،

    و في الأخير أدعو بما دعا به الشيخ ربيع بن هادي-حفظه الله- في مقدِّمة رسالته ’’نظرة سيد قطب إلى الصحابة‘‘ ((اللّهم إنِّي أتقرّبُ إليك بحبِّ أصحاب محمّد-صلَّى الله عليه و سلم- و الغيرة الإسلامية لهم، و أتقرَّبُ إليك بالبراءة ممَّن يطعنُ فيهم، و اغفر لي التقصير في حقِّك و حقِّهم، و وفِّق المسلمين للقيام بحقوقك و حقوقهم، إنَّك سميعٌ بصير، و على كلِّ شيءٍ قدير)).

    و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    و كتبه

    فريد أبوقرة المرادي؛ يوم الخميس 7 رمضان 1425هـ.

    [1] من كلام الشيخ الدكتور ربيع بن هادي المدخلي-حفظه الله- في مقدمة رسالته ’’نظرة سيد قطب إلى أصحاب رسول الله-صلّى الله عليه و سلّم-‘‘.

    [2] نقلاً عن ’’الانتصار للصحابة الأخيار‘‘(ص148)للشيخ العلاّمة عبد المحسن العبّاد-حفظه الله-.

    [3] نقلاً عن المصدر السابق(ص151-152).

    [4] نقلاً عن كتاب ’’الانتصار للصحب و الآل‘‘ (ص158) للشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي.

    [5] نقلاً عن’’الانتصار للصحب و الآل‘‘(ص158)للشيخ إبراهيم الرحيلي-نفع الله به-.

    [6] نقلاً عن رسالة ’’الباعثُ في الذّبِّ عن الصحابي الجليل أبي بَكْرة نُفيع بن الحارثِ‘‘ للشيخ علي بن حسن الحلبي-حفظه الله-.

    [7] انظر كتابه’’الردود‘‘ (ص400).

    [8] من كلام الشيخ علي الحلبي-حفظه الله- في رسالته ’’الباعث...‘‘السابق ذكرها.

    [9] نقلاً عن كتاب ’’الانتصار للصحابة الأخيار‘‘ (ص111) للشيخ العلاّمة عبد المحسن العبّاد -حفظه الله-.

    [10] نقلاً عن المصدر السابق (ص113).

    [11] من كلام الشيخ عبد المحسن العبّاد-حفظه الله-في كتابه الماتع’’الانتصار لأهل السنة و الحديث‘‘(ص8-9)-بتصرف-.
     

مشاركة هذه الصفحة