دراسة تحليلية عن الديمقراطية

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 473   الردود : 1    ‏2005-02-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-17
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    الشريعة والديموقراطية ؟!


    رؤية إسلامية وسطية






    باختصار

    تضع الشريعة الإسلامية القواعد العامة للحياة الإنسانية. وتترك للإنسان في إطارها مساحات واسعة للحرية والاختيار.

    وبالمقابل

    إذا كانت الديموقراطية سباقاً إلى تكوين الرأي العام للفوز بأصوات الأغلبية.. فقد قرر الإسلاميون أن يخوضوا السباق، وأن يقبلوا بثمرات الميدان.

    الإسلاميون والديموقراطية

    لماذا هذا البحث ؟

    هذا البحث محاولة لحل الإشكال المرتسم في بعض الأذهان عن إمكانية المواءمة بين الشريعة الإسلامية والديموقراطية. إذ يبدو موقف الإسلاميين متناقضاً أو مرتبكاً، في نظر البعض، حين يطرحون تمسكهم بالشريعة وقبولهم بالديموقراطية. يتساءل الكثيرون: كيف يمكن التوفيق بين (الشريعة) الثابتة المستقرة، والديموقراطية النابعة من رؤية بشرية متغيرة خاضعة لمجموعة معقدة من العوامل والمؤثرات؟!

    وللإجابة على هذا السؤال، سيمر هذا البحث سريعاً على أطر الديموقراطية ومحددات القرار الديموقراطي. لينتقل إلى الحديث المكثف عن الشريعة الإسلامية من حيث أنها شريعة ربانية مدنية تقوم على إقرار القواعد العامة للحياة الإنسانية، وتترك للاجتهاد البشري المنضبط مساحة واسعة لتقدير مصالح الناس في الزمان والمكان.

    وبين هذا وذاك نؤكد أن الإسلاميين المعتدلين قد توافقوا عموماً على أن يكون مدخلهم إلى تطبيق الشريعة في فضاءاتها العامة صندوق اقتراع حر ونزيه يعبر عن رؤية الأكثرية من أبناء مجتمعاتهم. وأنهم مستعدون دائماً للنزول على نتائج هذا الصندوق حتى ولو يكن في جانبهم.

    الشورى والديموقراطية

    خلفية فكرية وتاريخية

    يقرر المفكرون المسلمون أنه لا نزاع حول المصطلحات إذا تطابقت المفاهيم. في التأسيس الإسلامي للحياة العامة المشتركة تقدم القرآن الكريم بلفظ (الشورى) معبراً عن ضرورة مشاركة الرأي العام في مهمات الأمور.

    و(الشورى) في اللغة العربية تعني استطلاع أكثر من رأي في الأمر الواحد، وتقليب وجهات النظر فيه، للوصول إلى رأي أو موقف عام يكون أقرب إلى الصواب ويجمع عليه الأكثرون.

    في القرآن الكريم سورة تحمل اسم (سورة الشورى) تنبيهاً على أهمية المقصد في الشريعة الإسلامية. وفي هذه السورة يوصف المؤمنون بأنهم (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) ولفظ (الأمر) هنا يشار به إلى المهمات والقرارات الخطيرة.

    في آية أخرى يأمر القرآن الكريم الرسول صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه (وشاورهم في الأمر) والملاحظ هنا تكرار لفظ (الأمر) الذي يعني كما قلنا القرارات الخطيرة في حياة الأمة.

    تجلت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم صور عديدة لتطبيقات الشورى كان معظمها في شؤون الحرب والسلم.

    ففي غزوة (بدر)، وهي أول معركة يخوضها المسلمون ضد المشركين لم يأخذ الرسول قرار المعركة إلا بعد أن وقف على آراء أصحابه فصيلاً فصيلاً، ولا سيما الأنصار الذين أخذوا على عاتقهم حمايته في مدينتهم. فوقف في الجيش خطيباً وقال: أشيروا عليّ أيها الناس..

    في المعركة التالية (أُحد) كان المشركون يستعدون للثأر من هزيمتهم في بدر، وكان رأي الرسول صلى الله عليه وسلم وبعض العقلاء من القوم التحصن في المدينة. وكان رأي الأكثرية من الصحابة الخروج إلى الحرب، فنزل الرسول على رأي الأكثرية متجاوزاً رأيه الشخصي.

    في معركة ثالثة معركة (الأحزاب) تحالفت قوات من قريش وسائر العرب مع يهود بني قريظة ضد المسلمين. حين استشار الرسول أصحابه أشار عليه (سلمان الفارسي)، وهو رجل من فارس أسلم، بحفر الخندق حول المدينة لتحصينها، وهي طريقة لم يكن يعرفها العرب من قبل فأخذ الرسول الكريم بمشورته.

    في الغزوة نفسها أراد الرسول أن يفل تجمع الأحزاب، فراسل بعض القوى يفاوضها على أن يدفع لها ثلث (ثمار المدينة) مقابل فك الحصار. ولكنه عندما استشار أصحابه من أهل المدينة أبدوا اعتراضهم على الصفقة فنزل الرسول على رأيهم.

    في واقعة خامسة يوم بدر عندما نزل الرسول بجيشه في موقع من الأرض، جاءه أحد أصحابه يسأله هل هذا المنزل منزل أنزله الله ليس لنا أن نتحول عنه أو أنه الرأي والحرب؟ فقال الرسول الكريم بل هو الرأي والحرب، فأشار عليه ذاك الصحابي بتغيير الموقع ففعل.

    كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ينبه أصحابه دائماً على بشريته وأنه بشر مثلهم ويرفض أن يوصف بوصف أو فعل يتجاوز حدود البشرية. كان يقول لهم (أنا عبد الله ورسوله. فقولوا عبد الله ورسوله).

    في إحدى الوقائع حصلت سرقة في المدينة كانت الأدلة الظرفية كلها تدور حول يهودي من يهود المدينة، وحين هم الرسول الكريم أن يأخذ بتلك الأدلة، نزل القرآن الكريم يدفع التهمة عن اليهودي ويشير إلى السارق الحقيقي.

    في القضاء كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر دائماً الفرق بين شخصه كرسول مبلغ عن الله، وكقاضي يقضي بالبينات التي بين يديه فيقول: (إنكم تختلفون إليّ وإنما أنا بشر وعسى بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بحق أخيه، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقضي له بقطعة من نار..)

    ومن هنا ميز العلماء المسلمون بين تصرفات الرسول كنبي مبلغ عن الله والتي اعتبرت من الشريعة، وبين تصرفاته كإمام حاكم أو كبشر عادي حيث لا تدرج هذه التصرفات في دائرة التشريع.

    في واقعة أخرى أشار الرسول على أصحابه أن يتوقفوا عن عملية تلقيح النخل، فجاء الموسم الزراعي ضعيفاً في ذلك العام، فقال حديثه المشهور (أنتم أعلم بأمور دنياكم) منبهاً على أنه مهمته هي البلاغ عن الله تعالى. فكان هذا الحديث فتحاً لآفاق واسعة لحركة المسلمين في شؤون الحياة والقيام بمتطلبات المعرفة والعمران.

    ومن هنا أيضاً نجد في القرآن الكريم العديد من التوجيهات لسلوك الرسول الإنساني أو السياسي فيعاتبه مرة لأنه عبس في وجه رجل أعمي، وأخرى لأنه عذر المتقاعسين عن الجهاد.

    عندما توفي الرسول الكريم لم يحدد خليفة أي حاكماً من بعده. ترك الأمر شورى بين المسلمين وإنما أوصى (أبا بكر) أن يصلي بالناس إماماً، فهم الناس في هذه الوصية إشارة إلى تقديمه كحاكم للمسلمين. وعندما توفي أبو بكر، رشح عمر بن الخطاب لتولي أمر المسلمين، فبايعه المسلمون. وعندما توفي عمر رشح للمسلمين ستة من الصحابة تركهم يختارون واحداً منهم. وفي عملية التصفية كما نقول بعد أن تركز الاختيار بين شخصين، قام أحد الستة بعملية استطلاع رأي في المدينة حاضرة الإسلام، فدار على الناس بيتاً بيتاً يسألهم عن آرائهم حتى استشار في ذلك الاختيار النساء في خدورهن كما قال.

    كانت تلك إشارة متقدمة إلى مشاركة النساء في العملية السياسية وفي تكوين الرأي العام منذ ألف وخمسمائة عام.

    إلى جانب ذلك لقد اعتبرت الشريعة (الرأي العام)، في مجتمع إسلامي، حاكماً في ميدان القيم والأفعال. واستعمل القرآن الكريم لفظة (المعروف) كعنوان جامع لكل قيم الحق والخير والجمال. واللفظة مشتقة من المعرفة (savoir ) أي مما تعارف عليه الناس وألفوه. بينما جعل في المقابل لفظ (المنكر) العنوان الجامع لكل خلال الشر، وهو ما استقبحه المجتمع ورفضه الناس. يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن..).

    وفي مذاهب التفكير الإسلامي خلاف معمق في موضوع الحاكمية في (الحسن والقبح أو الخير والشر) هل هما شرعيان أو عقليان؟ وينظر الكثير من علماء الإسلام إلى أن الخلاف لفظي، ويؤكدون التطابق بين الشرعي والعقلي مع الاختلاف في ترتيب الأسبقية.

    يتضح مما تقدم أن (الشورى) كمصطلح إسلامي عنت دائماً إشراك أكبر قطاع ممكن من الناس في الأمور التي تهم الدولة والمجتمع. حقيق أن الشريعة الإسلامية حددت القاعدة ولم تحدد الآلية تاركة ذلك لأبناء كل زمان ومكان لاختيار الوسيلة الأنسب للتعبير عن رأيهم الجماعي.

    لن يفوتنا أن نشير إلى أن الحكام المسلمين في عصور متلاحقة أدخلوا كثيراً من الضيم على مفهوم الشورى وجعلوا من (البيعة) (وهي الآلية التي كانت متبعة لانتقال السلطة من حاكم إلى من يليه) عملية شكلية أشبه بالطقوس التي تمارس ظاهرياً. وحولوا تدوال السلطة الذي ساد في العصر الأول إلى ملك عضوض ونقلوا عن فارس والروم فكرة ولاية العهد!!

    حين نقرن الشورى بالديموقراطية نرى أن في محتوى المصطلحين محاولة أفضل للتعبير عن رأي الأكثرية المجتمعية (الرأي العام) بحيث يكون القرار العام نتاج مشاركة جمعية. ولكن أين يتحدد الخلاف بين المفهومين؟

    يقتضي منا الحق أن نبين في هذا السياق أن (الشورى) الإسلامية لا تطرح نفسها في فراغ وإنما ضمن أطر وقواعد عامة تنص عليها الشريعة وهذه الأطر والقواعد هي التي سنحاول الوقوف عندها في هذا البحث.

    ولكن ومن ناحية أخرى هل تتحرك الديموقراطية في جميع دول العالم في فراغ مطلق؟! أبدو

    ندرك أن العملية الديموقراطية ماتزال محاطة بأطر وقواعد القانون الطبيعي إلى جانب إرث قيمي ثقافي وفكري واجتماعي لايزال له وقعه وأثره في الحياة الإنسانية ببعديها الخاص والعام.

    وسنعترف جميعاً أن في هذه الأطر والقواعد ما هو مطلق وما هو نسبي. المطلق هو الذي تشترك فيه الأمم والشعوب، وتجمع عليه الشرائع والأديان والثقافات. والنسبي ما كان وليد ثقافة أو ظرف خاص.

    حين نقرر السير مع رغبات أو توجهات الرأي العام أو رأي الأغلبية يتطلب الأمر أن نتوقف ملياً عند مكونات (الرأي العام) والعوامل المؤثرة فيه حرصاً على مستقبل الإنسانية والإنسان.

    إن ما سنقدمه في هذه الدراسة عن الشريعة الإسلامية يؤكد أن هذه الشريعة بمحدداتها العامة لا تزيد على ضبط الأطر والقواعد تاركة للعقل البشري في الزمان والمكان مساحات واسعة للاجتهاد والتصرف.

    وسيبين هذا البحث أن الأحكام التفصيلية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لا تشكل إلا دائرة محدودة في مقابلة الدائرة الأوسع التي تركتها للاجتهاد البشري. وأن لهذه الدائرة الضيقة من الهوامش ما يؤهلها للصلوح في متغيرات الزمان والمكان. وغني عن البيان أننا عندما نتحدث عن الشريعة لا نتحدث عن العقيدة التي تتمتع بثبات مطلق يقوم على نصوص قطعية في ثبوتها ودلالاتها.

    إن حماية الإنسان حياته وعقله وحريته وحقه في الوجود أصلاًً كما حقه في الملكية، وإقرار المساواة والعدل بين البشر على اختلاف اللون والمعتقد والجنس هي الأطر العامة التي تضبط القرار الإنساني في الشريعة الإسلامية والتي يجب أن تضبط كل قرار.



    الشريعة الإسلامية شريعة مدنية

    أولاً ـ تعريف عام بالشريعة الإسلامية

    (1) موضوع الشريعة الإسلامية:

    الشريعة الإسلامية هي مجموعة القواعد والأحكام العامة التي تحدد للمسلم علاقته مع ربه، ومع نفسه، ومع أسرته، وفي مجتمعه، كما تحدد المبادئ العامة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدولة، وبين الدولة والدولة في هذا العالم الفسيح.

    (2) أهداف الشريعة الإسلامية:

    يمكن أن نجمل الأهداف الأساسية للشريعة الإسلامية في ثلاثة أهداف:

    1ـ تحرير العقل البشري من رق الجهل والخرافة والتقليد، بربطه بالله الواحد الأحد. وحفزه نحو التأمل والتفكر وطلب الدليل.

    2ـ إصلاح الإنسان نفسياً وخلقياً وتوجيهه نحو الخير والإحسان للآخرين، وأداء الواجب، وضبط غرائزه كي لا تطغى على عقله والتزاماته.

    3ـ إصلاح المجتمع وبناؤه على طريقة يسود فيها الأمن والعدل والمساواة، وتصان فيها الحرية المسؤولة للفرد في إطار تجمع مدني متعاون.

    (3) مقاصد الشريعة الإسلامية:

    يجمع فقهاء القانون الإسلامي على أن مدار الشريعة الإسلامية على خمسة مقاصد تدور عليها أحكام هذه الشريعة، وهذه المقاصد هي:

    1ـ حفظ الدين:

    في إطار قول الله تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة ـ 256) ويعتبر الفقهاء فتنة الناس عن دينهم نوعاً من أنواع البغي والإكراه.

    2ـ حفظ الحياة الإنسانية:

    قرر الإسلام عصمة الدم الإنساني، وشدد النكير على من يعتدي عليه. واعتبر القرآن الكريم قتل نفس واحدة بغير حق بمثابة قتل الناس جميعاً، ونبه على أن هذه القيمة المطلقة هي من القيم المشتركة بين الأديان التوحيدية الثلاثة: ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً..) (المائدة ـ 32).

    3ـ حفظ العقل:

    العقل في الشريعة الإسلامية هو محل الخطاب ومناط التكليف. وقد أكثر القرآن الكريم من النداء (يا أيها الناس..) وأكد على أنه خطاب للذين (يعقلون) وللذين (يتفكرون). ومن أجل ذلك حرم الإسلام كل ما يفسد العقل أو يدخل الوهن عليه من مسكر أو مخدر.

    4ـ حفظ النوع الإنساني:

    اعتبر الإسلام الحياة هبة من الله الحي القيوم وشجع على نمائها. وأكد على ضرورة حفظ الأنساب، وصيانة الأسرة التي هي المحضن الطبيعي للإنسان. ومن هنا حرم الإسلام كل أشكال الفوضى الجنسية.

    5ـ حفظ المال:

    أقر الإسلام حق التملك، وحرية التصرف بالمال، ودعا إلى تنميته والحفاظ عليه وحدد وسائل الكسب، ومنع كل أشكال العدوان على الملكية الخاصة.

    من هذه الأهداف وهذه المقاصد يتحدد معنى (الشريعة الإسلامية) التي هي شريعة ربانية تقوم على ثلاث دعائم:

    عقيدة عقلية، وعبادة روحية، ونظام عام وقواعد قانونية. وهذا هو المعنى المراد عندما يقال: إن الإسلام دين ودولة.

    * * *

    (4) مصدر الشريعة الإسلامية

    1ـ القرآن الكريم:

    هو كلي الشريعة الإسلامية وأصل أصولها.

    ـ وهو قطعي الثبوت، فقد نقل نقلاً علمياً دقيقاً لم يحظ به أي نص ديني أو علمي في تاريخ الفكر أو الحضارة. نقل محفوظاً في الصدور، مكتوباً في السطور.

    ـ وهو في معظمه نصوص مجملة قابلة للبيان والتفسير وقواعد عامة قابلة للاجتهاد والتكييف مع أحوال الناس والمجتمعات على اختلاف الزمان والمكان.

    ـ والقليل من أحكامه ـ كانت ـ قطعية الدلالة ـ أو تفصيلية كأحكام الميراث وبعض العقوبات.

    2ـ السُّنة النبوية:

    ـ الأصل الثاني بعد القرآن الكريم. والسُّنة النبوية هي كل ما أثر عن رسول الله من قول أو فعل أو تقرير مما يتعلق بأصل أو فرع من أصول الشريعة أو فروعها.

    ـ والسُّنة المطهرة مشاركة للقرآن في التشريع، مبينة لأحكامه، مفصّلة لمجمله. فمن البيان -مثلاً- أن القرآن أمر بالصلاة فقط، والسُّنة حددت مواقيتها وكيفيتها وأحكامها. وأن القرآن أمر بالزكاة فقط، والسُّنة حددت مقاديرها وطرائق صرفها.

    ـ وقليل من السُّنة نقل بطريقة من التوثيق ترقى إلى الطريقة التي نقل بها القرآن، -السُّنة المتواترة- التي تصنف تحت عنوان (قطعي الثبوت)، وتورث العلم اليقيني من الناحية الشرعية.

    وخلا هذا النوع تقسم السُّنة، من حيث ثبوتها، إلى ثلاثة أقسام:

    الصحيح –الحسن- الضعيف

    وتمييز هذه الأقسام قد تم بجهد علمي متميز، قام به رجال الحديث وعلماء السُّنة.

    يعتمد العلماء الحديث (الصحيح والحسن) كمصدر للتشريع بشروطه، بينما يتوقفون في الضعيف فلا يقبلونه. كما أنهم ميزوا نوعاً رابعاً من الحديث هو الحديث (الموضوع) المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينوا كذبه، ونهوا عن روايته، إلا لبيان وضعه.

    ـ المتفق عليه عند جمهور المسلمين أن الحديث (الصحيح) ـ غير المتواترـ يورث غالب الظن، ولا يورث العلم اليقيني، وبه يعملون في إقرار الأحكام الجزئية العملية.

    وينضاف إلى هذين المصدرين من مصادر التشريع الإسلامي:

    3ـ الإجماع:

    وهو اتفاق الفقهاء المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور على حكم من أحكام الشريعة.

    4ـ القياس:

    وهو إلحاق أمر بآخر في الحكم الشرعي لاتحاد العلة بينهما. فقد حرم الإسلام الخمر لأنها تذهب بالعقل (تسكر)، فنقول كل (مسكر) حرام مهما اختلف جنسه ونوعه، أي كل ما يذهب بالعقل أو يدخل الوهن عليه حرام فتنضاف إلى أشكال الخمر أنواع المخدرات والمفترات.

    إلى جانب هذه الأصول الأربعة ثمة أصول أخرى ملحقة بها قد تصل إلى العشرة كلها تعين المشرِّع على ضبط قانون الشريعة والاجتهاد في استنباط الأحكام. ولعل أهم هذه الأصول (المصالح المرسلة) هذا الأصل الذي يعني إضفاء الشرعية على كل قانون فيه مصلحة عامة للمجتمع.

    5ـ اجتهادات الفقهاء السابقين:

    المسلمون في كل عصر ملزمون بما جاء في القرآن الكريم والسُّنة الصحيحة. أما اجتهادات الفقهاء السابقين، فهي غير ملزمة لمن جاء بعدهم، وإنما يمكن أن يستفاد منها كمساعدات على الرؤية والفهم.

    تنويه

    يحسن أن نقرر أن تشوهات كثيرة قد أصابت طرائق تطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف العصور، فطوع بعضهم النظام السياسي لإرادة الحاكم، أو جاروا على حرية الفرد، أو سكتوا عن أنواع من الظلم، أو نالوا من مكانة المرأة؛ حسب فهومهم ومعطيات عصورهم. ومن هنا تقع أخطاء كثيرة عندما يحاول البعض أن يفهم الشريعة الإسلامية من خلال رؤية فقيه كان محكوماً بظروف عصره وثقافته أو من خلال واقع عاشه المسلمون. في كل عصر يلزم المسلمون بالارتباط بمصدري الشريعة فقط ـ الكتاب والسُّنة ـ.

    إن كل اجتهاد بشري يحقق هذه المقاصد والأهداف في حياة الناس يعتبر اجتهاداً شرعياً، وكل قانون يصدر عن هذا الاجتهاد يعتبر قانوناً إسلامياً، وهذا الذي يؤكده أحد كبار فقهاء الإسلام (حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله).

    ثانياً ـ القواعد العامة للشريعة الإسلامية

    تعتبر القواعد العامة في دوائرها التي سنوردها في هذا البحث المحددات التي تحيط بالاجتهاد الإسلامي البشري، وتضبط أطره. وستؤكد هذه القواعد والأطر أن الشريعة الإسلامية تترك مساحات واسعة للاجتهاد البشري لتحقيق الأفضل في حياة الناس.

    لقد تضمن النظام القانوني للشريعة الإسلامية قواعد وأحكاماً أساسية في ميدان الحقوق الخاصة بفرعيها المدني والجزائي. وميدان الحقوق العامة بفرعيها الداخلي والخارجي أي (الدستور ـ الإداري ـ المالي ـ الدولي) وفي جميع هذه الميادين أتت نصوص الشريعة الإسلامية الأصلية ـ القرآن والسُّنة ـ بمبادئ أساسية وتركت التفصيلات للاجتهاد في التطبيق بحسب المصالح الزمنية والظروف المكانية. إلا قليلاً من الأحكام تناولتها بالتفصيل كأحكام الميراث وبعض العقوبات.

    ومن تلك المبادئ القانونية في ميادينها المختلفة، ونتيجة للتطبيق في البلاد الإسلامية، التي واجه فيها المسلمون آثار مدنيات قديمة، ونتيجة لتطور الظروف الاقتصادية، نشأ فقه تفسيري وتفصيلي عظيم حول النصوص الأصلية في الشريعة باجتهاد الفقهاء الشراح والقضاة الحاكمين وكان هذا الفقه أعظم وأوسع فقه قانوني عرض إلى اليوم. وهذه بعض أهم مبادئه ومجاليه. وقد نال هذا الفقه اعتراف المجامع الفقهية القانونية العالمية وثناءها على تنوعه وغناه.

    1ـ في حقوق الفرد

    حفظ الإسلام للفرد حقه في الحياة، وحريته في الاعتقاد والتفكير والاختيار، وصان عقله وعرضه وماله. كما قرر المساواة بين الناس دون تمييز بين جنس أو لون فتجاوز المسلمون دعاوى التمييز العنصري منذ ألف وخمس مائة عام. ومقولة عمر بن الخطاب (ثاني الخلفاء بعد رسول الله) ـ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ـ بشأن قبطي من أهل مصر ـ مسيحي ـ تؤكد أن المساواة بين الناس كانت جزءاً من حقوق الفرد في دولة الإسلام.

    وشرع الإسلام العدل بين بني البشر، وجعله قاعدة من قواعد أحكامه الأساسية، كما منح الإنسان الحرية وحمله على أساسها المسؤولية. حتى في قضايا الإيمان والكفر، يقرر القرآن الكريم (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..).

    2ـ في حقوق الأسرة

    أتت الشريعة الإسلامية في القسم القانوني منها بنظام شامل لتنظيم جميع أوضاع الأسرة وعلائقها (الأحوال الشخصية) (Statuts Personel). فبدأت بإنقاذ المرأة من الوضع المتردي الذي كانت عليه. في عصر كانت المرأة محرومة حتى من حق الحياة. ولقد ندد القرآن أشد التنديد بقتل البنات[1] أو ظلمهن، أو التشاؤم منهن، وأكثر الرسول الكريم من الوصاية بهن وحذر من كل أشكال البغي عليهن.

    ثم أقرت الشريعة المساواة بين الرجل والمرأة يقول القرآن الكريم (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وأكد الرسول الكريم هذه المساواة بقوله (إنما النساء شقائق الرجال). وأعطى الرجل في إطار بناء الأسرة حق القوامة على زوجته (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة..). ويقرر علماء الإسلام أن هذه الدرجة هي درجة القوامة: النفقة والرعاية. ففي الإسلام يلزم الرجل النفقة على المرأة زوجة وأماً وأختاً. وتشير آية أخرى إلى أن التفاضل متبادل بين الرجال والنساء في شرعة الإسلام يقول الله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) فبينما أعطي الرجل حق القوامة التي اعتبرت درجة يتقدم بها الرجل على المرأة أعطي مقام الأمومة ثلاث درجات يتقدم بها على مقام الأبوة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان تقدم حق الأم على حق الأب (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك).

    ثم إلى جانب المساواة اعتبرت الشريعة الإسلامية للمرأة جميع الأهليات: الأهلية الإنسانية الكاملة في مساواتها بالرجل في أصل الخلق ـ نذكر هذا ليقارن بما كانت عليه الإنسانية من قبل حين كانت تناقش في مجامعها المقدسة ـ في القرن الثامن عشر ـ هل للمرأة روح إنساني أو لا؟! ويكون القرار: لا.

    واعتبرت للمرأة الأهلية الشرعية، فخاطبتها بالشرائع، وكلفتها كشقيقها الرجل، بسائر أحكامها. في وقت كانت فيه الكثير من الملل والنحل والمذاهب لا يرى في المرأة أهلاً للتكليف الديني.

    واعتبرت لها الأهلية المدنية، فأقرت لها ذمة مالية مستقلة، وأعطتها الحق في التملك، وفي إبرام عقود البيع والشراء والهبة والوكالة والرهن، وحق التصرف بمالها دون وصاية من أحد.

    ونظراً لتكليف الشريعة الرجل بالإنفاق على المرأة ورعايتها حتى ولو كانت غنية، فقد جعل نصيب البنت من الميراث نصف نصيب أخيها. فالمرأة في منظومة التشريع الإسلامي تقبض دائماً وهي لا تكلف حتى بالنفقة على نفسها عندما تكون زوجة، بينما الرجل هو الذي ينفق دائماً.

    وأعطت الشريعة المرأة حقها الأول في اختيار الزوج، وفي الوصاية في العقد على نفسها ـ أو في خلع زوجها ـ وفق تراتيب اجتماعية مرعية، كما أعطتها الحق في الوصاية على أولادها دون الزوج حتى يكبروا.

    3ـ في الحقوق المدنية

    اعتبرت الشريعة الإسلامية كل (فعل) ضار بالغير موجباً مسؤولية الفاعل أو المتسبب. وألزمته بالتعويض عن الضرر ولو كان خطأ. وقرنت إلى التعويض العقوبة إن كان الإضرار بالآخر عن عمد. وينضاف إلى هذا ما توجبه الشريعة في حال الإخلال بالالتزامات الفردية ـ أو الالتزامات للآخرين عن طريق العقد. واعتبرت جميع الالتزامات مضمونة بتأييد القضاء. فللقاضي سلطة واسعة في إجبار الإنسان على الوفاء بالتزاماته ولو كان هذا الإنسان رئيس الدولة نفسه. وتاريخ القضاء الإسلامي يعج بالشواهد.

    العقود في الشريعة الإسلامية

    أقرت الشريعة الإسلامية في بناء العقود الأسس التالية:

    أـ العقد المشروع ملزم لعاقده دون غيره. وإقرار الشخص لا يسري إلا على نفسه وحقوقه. والتزام العاقد ينتقل تلقائياً إلى من يخلفه كالوارث أو الموصى له.

    ب ـ الشروط العقدية حرة وملزمة للعاقدين ـ العقد شريعة المتعاقدين ـ في إطار النظام العام للدولة والمجتمع.

    ج ـ العقود كلها رضائية. أي تنعقد بالتراضي الحر بمجرد الاتفاق بين الطرفين دون اشتراط شيء من المراسم الشكلية.

    بينما كانت العقود كافة لدى الرومان مثلاً عقوداً شكلية خاضعة لمراسم وحركات غريبة، يجب أن يجريها العاقدان. واستمرت آثار شكلية العقود وراثة عن الرومان في العقود الأوروبية إلى أواخر القرن الثامن عشر. حيث تقررت في ذلك العهد المتأخر رضائية العقود.

    د ـ أوجبت الشريعة الإسلامية في إنشاء العقود وتنفيذها حسن النية وجعلت كل غش أو تدليس أو تغرير من أحد العاقدين موجباً خيار الآخر ومسوغاً له فسخ العقد لإخلاله بالتراضي.

    هـ اعتبرت العرف والعادة أساساً لتحديد حدود الالتزامات والحقوق العقدية في كل ما سكت عنه نص العقد.

    عقد الزواج الإسلامي

    انموذج للعقود الشرعية

    جعلت الشريعة الإسلامية الزواج عقداً مدنياً محضاً كسائر العقود. فينعقد ويتم وينتج جميع نتائجه بمجرد اتفاق الإرادتين بمحضر شاهدين. وهو الذي يعبر عنه في سائر العقود الإسلامية بتعبير (الإيجاب والقبول)، دون توقف على مداخلة رجل دين أو أي مرجع ديني. لأنه لا يوجد في الإسلام طبقة رجال دين لهم سلطة دينية على الناس ليست لغيرهم. ففي شريعة الإسلام لا وساطة لأحد بين الله والناس. حتى النبي نفسه تنحصر مهمته ـ وهو الذي جاء بالشريعة ـ في التبليغ، وسلطته الزمنية في التطبيق. (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر). وقد كان القرآن المنزل يراجعه في بعض مواطن التطبيق فليس للنبي نفسه سلطة دينية يحكم فيها بمصير شخص عند ربه.

    وعلى هذا الأساس يقر الإسلام شرعية عقود الزواج التي تعقد بين رجل وامرأة في كل الشرائع والنظم الاجتماعية المختلفة. وكان المتزوجان في ظل شرعة غير شرعة الإسلام يقران على زواجهما بعد إسلامهما اعترافاً بشرعية عقد قام على التراضي.

    دون أن نغفل بعض الضوابط فيما يتعلق بتحريم نكاح المحارم (الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت..) إلى جانب تنظيم الشريعة للزواج في حال اختلاف الأديان.

    وفي ظل هذا التصور لا يمكن أن تكون العقود في الإسلام عقوداً دينية بالمعنى المعروف، أي أن يتوقف انعقاد العقد ونتائجه في نظر الديانة على مداخلة أحد من أصحاب السلطة الدينية في إجراءاته.

    وبذلك تكون الشريعة الإسلامية أول مؤسس للزواج المدني الذي أخذت به جميع الدول ذات الشرائع الوضعية العلمانية الحديثة في إطاره الإسلامي.

    4 ـ في الحقوق الجنائية

    أقامت الشريعة نظام العقوبات الجنائية على أساسين:

    1ـ كل فعل (ممنوع) يعتبر جريمة. وكل جريمة موجبة للعقاب العادل.

    2ـ تركت الشريعة عقوبات معظم الجرائم (سوى خمس منها) لاجتهاد رجال التشريع، لأن العقوبات فيها تختلف باختلاف الظروف. وللسلطة التشريعية تقنين العقوبات على هذا الأساس. وهذه العقوبات التي لم تحددها الشريعة بل تركتها مفوضة للحكام تسمى العقوبات التعزيرية.

    في العدوان على حياة الإنسان أو جسمه أقرت الشريعة القصاص، وندبت إلى العفو وزينته وحضت عليه. وتركت للحكام فرض عقوبة تعزيرية في حالة العفو ما يعرف قضائياً باسم الحق العام.

    وحتى أحكام العقوبات (الحدود) ترك الشارع فيها فسحة للاجتهاد بقاعدة (ادرؤوا الحدود بالشبهات) وأصل هذه العقوبات (خمس) وتركت بقية العقوبات (التعزير) إلى تقدير المشرعين حسب الزمان والمكان.

    5ـ في الحقوق الداخلية

    ـ في الناحية الدستورية..

    أقرت الشريعة هنا ثلاثة مبادئ أساسية:

    المبدأ الأول: الحرية التامة للناس دون إخلال بالنظام والآداب العامة. ودون التجاوز على حريات الآخرين.

    المبدأ الثاني: المساواة أمام القانون في جميع الحقوق فلا امتياز لأي انتماء في دائرة الحقوق والالتزامات (الناس سواسية كأسنان المشط).

    تنويه في قضية الرق:

    فتح الإسلام الباب لتحرير الرقيق منذ ألف وخمس مائة عام فجعل تحرير الرقاب كفارة (شرطاً للمغفرة) للعديد من المخالفات الشرعية. كما جعل تحرير الرقاب قربة وعبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه. وأوجب مكاتبة الرقيق إذا رغب في ذلك. والمكاتبة نظام خاص يقوم على أن يشتري الرقيق رقبته من سيده بمال معلوم إلى أجل معلوم. وجعل للمكاتب سهماً من أسهم الزكاة يعان على فكاك رقبته. إلى جانب كل ذلك سد الإسلام منابع الرق وحرم استرقاق الأحرار أو شراءهم إلا ما يكون نتيجة الحرب حسب النظام الدولي الذي كان متبعاً في العالم آنذاك. نضيف إلى ذلك ما حض عليه الإسلام من الإحسان إلى الرقيق بدأ من طرائق الخطاب إلى طرائق المعاملة. فقال الرسول الكريم (لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي وليقل فتاي وفتاتي..)، وقال (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم مالا يطيقون فإذا كلفتموهم فأعينوهم).

    المبدأ الدستوري الثالث: الحكم في دولة الإسلام يقوم على أساس الشورى. وهذا مبدأ تضمنه القرآن الكريم (وأمرهم شورى بينهم). وأُمر به الرسول الكريم بوصفه حاكماً (وشاورهم في الأمر)، وطبقه الرسول طوال حياته ونزل في بعض الحالات على رأي الأكثر من أصحابه مع مخالفته رأيه.

    ولكن الإسلام لم يحدد طريقة الشورى ولا آلياتها، لأن ذلك يختلف بحسب الإمكانيات الزمانية والمكانية وما يستجد من أساليب مفيدة. الشورى مبدأ عام مناقض للاستبداد فكل أسلوب ضمن مشاركة عدد أكبر من الناس من حيث الكم، وعبر بطريقة أفضل عن إرادتهم الفردية من حيث الكيف كان أقرب للشورى الإسلامية ومجسداً لها. وقد أجمع الفقهاء المعتبرون من علماء الأمة على أن الأمة هي مصدر الولايات بما فيها ولاية القائم على أمر السلطة العليا الذي يطلق عليه (الخليفة) أو (الإمام) وهما مصطلحان سياسيان غير ملزمين. وصاحب هذا المنصب يمثل الدولة الإسلامية باعتبار أن الدولة بمجموعها شخص اعتباري.

    تتنافى الشريعة تماماً مع اختيار الحاكم على أساس (الوصية المقدسة) كما تتنافى تماماً مع اختيار الحاكم على أساس الوراثة أو على أساس النسب.

    وتعتبر الشريعة اختيار الحاكم الأول عقداً رضائياً طرفاه الحاكم والأمة، وهو يستوجب سائر ما تستوجبه العقود الرضائية التي تحدثنا عنها من شروط.

    6 ـ في الناحية الإدارية

    قررت الشريعة لممثل السلطة العليا في الدولة الإسلامية صلاحيات تشريعية وتنفيذية، منضبطة بضوابط الشورى. منذ عصر الإسلام الأول تمتعت السلطة القضائية باستقلالية تامة. وقد قام القضاة المسلمون في كثير من الوقائع بمحاكمة الخلفاء والحكم عليهم ونفذت أحكامهم.

    إن قواعد الشريعة الإسلامية لا تمنع، أيضاً، إمكان فصل السلطات، وجعل حق إصدار الأنظمة الزمنية في يد سلطة خاصة منتخبة كالبرلمانات اليوم إذا رأت الأمة مصلحتها في ذلك، إذ الأصل في النظام القانوني من الشريعة هو رعاية المصلحة العامة والتحول معها.

    7ـ في الميدان الاقتصادي

    ـ سبقت الشريعة الإسلامية العصر بتقرير فصل الذمة المالية للحاكم عن الخزينة العامة للدولة. واعتبرت المال العام ملكاً للأمة، يصرف في مصالحها حسب قواعد مقررة.

    ـ صانت الشريعة الملكية الفردية وحمتها، وحضت على الكسب والإنتاج.

    ـ أقام الإسلام بناءه الاقتصادي على قانون السوق المنضبط، فبينما حض على الكسب وأطلق حرية التنافس وضع بعض القوانين والضوابط فحرم أشكالاً من الكسب مثل القمار والغش وحظر الاحتكار بأقوات الناس الأساسية.

    ـ اعتبر الإسلام (حركة المال) مقصداً اقتصادياً، وشنع على الذين يكنزون المال، أي يجمدونه بعيداً عن الحركة العامة.

    ـ اعتمد الإسلام قاعدة (الغنم بالغرم) أي أن الشريعة اعتبرت المخاطرة بالمال في عمليات المتاجرة أساساً في حركة المال. لكي لا يكون المال دُولة في أيدي فئة قليلة تربح دائماً فتمتص ثروة المجتمع وجهده.

    ـ في أول تنظيم اقتصادي عالمي فرض الإسلام 2.5% على المال المدخر سنوياً يؤخذ من مالكه الغني ويوزع في مصارف محددة على الفقراء وفي عتق العبيد ونشر العلم.. كمدخل لأول نظام للتكافل الاجتماعي.

    ـ شرع الفقهاء المسلمون عبر العصور لنظام اقتصادي مترابط تناول أنواعاً من البيوع والمتاجرات والمضاربات بما يخدم حاجة المجتمع في كل عصر. ومازالت القواعد الاقتصادية الإسلامية قادرة على تلبية التطورات الاقتصادية التي تشغل العالم.

    ـ إن الإسلام الذي يشجع على الاستثمار والإنتاج والإنجاز يضع ضوابط أولية لقواعد الكسب المشروع وغير المشروع أولاً حسماً لأشكال النزاع في المجتمعات، وثانياً منعاً من تغول رأس المال على حاجات المجتمع.

    ـ يطور الاقتصاديون المسلمون في هذا العصر نظاماً (بنكياً) إسلامياً ينسجم مع قواعد الشريعة (الغنم بالغرم) ويتيح حيوية في خدمة عملية الإنتاج. وتشكل البنوك الإسلامية انموذجاً حياً وناجحاً للتعامل الاقتصادي في الكثير من البلدان الإسلامية.

    صنف الفقهاء المسلمون حاجات الإنسان الفرد تحت ثلاثة أقسام: الضروريات ـ والحاجيات ـ والتحسينات. وأوجبوا على الدولة ومن ثم المجتمع، إن غابت الدولة أو قصرت، أن يغطوا دائرة الضروريات لكل فرد عجز أو ضعف عن تغطيتها بجهده الشخصي. في أروع وأقوى نطام تكافلي قام منذ خمسة عشر قرناً.

    8ـ في الحقوق الدولية

    في إطار النظام الدولي أقرت الشريعة الإسلامية القواعد التالية:

    1ـ (الله رب العالمين) والخلق كلهم عيال الله. والشعوب جميعاً متساوية في الحقوق الأساسية خلافاً لنظرية (شعب الله المختار) المدخولة على بعض الأديان، والتي تقتنع بها بعض الشعوب.

    والآية القرآنية التي تخاطب الأمة المسلمة بقول القرآن الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس..) لا تربط الخيرية بنسب ولا بجنس ولا بعصر وإنما تربطها بالقيم التي نصت عليها الآية (الأمر بالمعروف) و(النهي عن المنكر) و(الإيمان بالله) فكل أمة أو مجموعة بشرية تحققت بهذه الأوصاف نالت تلك الخيرية.

    2ـ المعاملة بين الدولة الإسلامية وغيرها تقوم على أسس العدالة في السلم والحرب. ففي السلم تحترم جميع المعاهدات والحقوق المكتسبة للدول ورعاياها. وفي الحرب لا يجوز تجاوز الحد الذي يندفع به شر العدو. الحرب في الإسلام مشروعة لدفع الأذى وليس لإلحاقه بالآخرين.

    * * *

    وبعد..

    حين يتحدث الإسلاميون عن الشريعة والديموقراطية فإنهم يؤكدون أن الشريعة الإسلامية تترك مساحات واسعة للاجتهاد البشري من خلال دائرتين أساسيتين الدائرة الأولى التي يسميها الفقهاء وعلماء الأصول بدائرة (العفو) والتي أشار إليها الحديث الشريف (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان..) وهي دائرة تنظمها قواعد المصالح الشرعية المرسلة.

    والدائرة الثانية هي دائرة البناء على القواعد، والاجتهاد في إطار الضوابط، وهي دائرة تتسع لعقول المشرعين واجتهادات المجتهدين، مما يلبي حاجة الناس ومصالحهم في كل حين.

    وإذا كانت المجتمعات الإنسانية في كل دول الأرض لا تتحرك ولا تشرع في فراغ وإنما ضمن منظومات من القيم الخاصة التي تؤمن تلك المجتمعات بها. فإن من حق المشرع في العالم الإسلامي بل من واجبه أن يكون متناسقاً مع قيم مجتمعه وثقافته.

    وفي كل الظروف فإن الحركات الإسلامية قد حسمت أمرها للقبول بالديموقراطية كآلية معبرة عن آراء الأكثرية المجتمعية وتوجهاتها. والنزول عند مخرجاتها.

    وهي إذ تدرك الخطورة التي تتعرض لها القيم الإنسانية تحت ضربات الامبرياليين من الذين يسيطرون على رأس المال، فإنها قد علمت أن المعركة القائمة على هذه الأرض هي في السعي الدؤوب لكسب (الرأي العام)، بل في إقامة التحالفات الإنسانية مع جميع قوى الخير في العالم، لحماية منظومة القيم الحضارية والإنسانية. وإعطاء المدى للعقل الإنساني لتعميق معاني الحق والخير والجمال على هذه الأرض.

    ثمة مشروعان متناقضان بلا شك؛ ولكن مفتاحهما واحد (الرأي العام) على الصعد المحلية والإنسانية وهذا الفهم هو الذي يجعلنا نؤكد قبولنا بالخيار الديموقراطي. إنه قبول التحدي الذي يتطلب الكثير من الوعي والكثير من الجهد[2].
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-02-17
  3. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    ممكن تنشر في أحد الصحف

    حقوق الطبع محفوظة
    ؟!
     

مشاركة هذه الصفحة