كتابات: بين يدي مؤتمر الإصلاح..التنمية ليست مجرد هدف سياسي ..والتغيير ليس مجرد أشواق

الكاتب : عبدالرشيدالفقيه   المشاهدات : 416   الردود : 0    ‏2005-02-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-17
  1. عبدالرشيدالفقيه

    عبدالرشيدالفقيه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-12-01
    المشاركات:
    3,577
    الإعجاب :
    0
    نقلا عن العاصمة نت ..




    نبيل الصوفي -

    كثيرة هي الرسائل التي ستوجه للدورة الثانية للمؤتمر العام للتجمع اليمني للإصلاح التي بدأت أمس.

    وشخصيا لا أشعر أن هناك جديدا نطالب به الإصلاحيين ومؤتمرهم العام، والأمر لا يتعلق بالسأم ولا بالإحباط، بل منطلقه اعتقادي أن ليس أمام الإصلاحيين من تحدي أكبر من مراجعة علاقتهم بالأسس التي انطلق لها ومن أجلها حزبهم.

    فأظن –وليس كل الظن إثم-، أن ثمة واجبات كثيرة لم تساعد الظروف، الإصلاح للقيام بالجهد المستحق لتنفيذها أو حتى لاتخاذ قرار واعٍ بتأجيلها، وساند هذه الظروف قصور إصلاحي من القيادات والقواعد على حد سواء.

    * البرنامج الذهبي:

    وعلى رأس هذه الواجبات البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح الذي صوت عليه المؤتمر العام الأول في 1994م، وأكتفي بهذا الموضوع الذي به يمكن اعتبار الإصلاح الحزب اليمني الوحيد الذي تأسس متخلصا من معطيات الحرب الباردة رسميا، وهو الوحيد الذي رغم هذه الجدة صنع لنفسه مكانا مهما يشهد للديمقراطية وللمجتمع اليمني بأنه مجتمع حيوي طموح، وبأن العمل الحزبي يمكنه أن يستقطب النجاح الكبير عكس ما تحاول بعض القوى تسويقه لإحباط التغيير.

    لا أريد هنا أن أخوض في تفاصيل البرنامج ومحاسنه ومساوئه، لكني أتحدث عن وثيقة نالت الثقة الجمعية من الإصلاحيين، وتضمنت رؤى الإصلاح تجاه معاقد التغيير: الإنسان، الدولة، الديمقراطية، المرأة، الفنون والثقافة والإعلام، وكثير من القضايا التي تحتاجها التنمية والتغيير في الجمهورية اليمنية.

    لقد تجلت في هذه الوثيقة المهمة والمتطورة خبرة الحركة الإسلامية اليمنية بكل خصوصيتها التي تميزت بها كواحدة من أكثر الحركات الإسلامية العربية واقعية وطموحا في نفس الوقت.

    * إنفتاح تنظيمي:

    لقد شهدت حركة "الإخوان المسلمون" اليمنية نقاشا قبل الوحدة اليمنية في إطار سعيها لمجابهة التحدي الجديد الذي ظهرت تباشيره مع ظهور مؤشرات سقوط آلة القمع التي خطفت دول المعسكر الشرقي من أرباب الفكر والثقافة والذين –أرباب الثقافة لا أتباع القمع- مهما بلغ انحرافهم من وجهة نظرنا، فإنهم يظلون في مربع الجهد الإنساني الساعي نحو الرشد، والذي نزلت من أجله الديانات وحاورت للوصول إليه الأنبياء.

    وكان موضوع تحالف جبهوي بين حركة الإخوان والمجتمع اليمني محل نقاش ساهم فيه قادة الإخوان مبكرا.

    وأتحدث هنا عن تحالف جبهوي تنظيمي، وإلا فإن الحركة الإسلامية اليمنية لم تفقد في أي مرحلة علاقتها بمجتمعها، وبوعيه وخصوصيته، بفضل جهود عشرات القيادات التي لم تكن تشعر بالتطهرية من المجتمع –وهو ما حدث سواء من حركات اليسار في اليمن أو حتى من كثير من الحركات الإسلامية في العالم العربي-.

    بل إن حركة الإخوان اليمنية هي ربما الحركة السياسية العربية الوحيدة التي أقامت علاقات متكافئة وليست توظيفية مع شخصيات غير ملتزمة بالأطر التنظيمية، تولت بموجبها هذه الشخصيات مراكز الريادة والقيادة في تاريخ الحركة، وهو ما يعني الاحتكام لمرجعيات المجتمع بالتوازي مع مرجعيات التنظيم، في حالة متقدمة من الانفتاح السياسي والتنظيمي لم تعرفه كثير من الحركات حتى الآن.

    * بين التخلف والشيوعية:

    وفي سياق الاستقطاب الدولي الحاد الذي أنشأه صراع المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ورغم أن الإخوان اليمنيين لم يغيبوا عن مقتضيات هذا الصراع لأسباب تتعلق بوجودهم في دولة قسمها هذا الصراع الدولي أصلا، ولأسباب تتعلق بالشطح الفكري والعبث المنهجي الذي اتبعه كثير من اليساريين وبخاصة في المجتمع العربي، فقد ظلت غالبية قادة الإخوان اليمنيين متجاوزة الحدود التي كان يقيمها أرباب ومنتفعو ذلك الصراع.

    إذ ظل نظر غالبية قادة إخوان اليمن يتجه نحو المعضلة الأم وهي الاستبداد الذي ينتج الفقر والجهل.

    سواء جاء هذا الاستبداد من الشرق، أو حضر من الغرب أو نبع من بيئتنا التي سقطت فيها قيم الاستخلاف بالفصل بين ربوبية الله وألوهيته في حياة المسلمين، وهو ما أنتج حكما عضوضا حكم الناس بغير الحرية التي لا يقبل الله عبادة عابد إلا بها.

    وسواء استبد بالأمة عالم أو جاهل، متدين أو عاصٍ، أصولي أو علماني، مؤمن أو ملحد، ولذا فإنك حين تعود لتقلب الخطاب الجمعي لإخوان اليمن –ورغم مركزية موضوع مكافحة الشيوعية في خطاب بعض قادتها- تجد أن الجهاز التنظيمي ظل وفيا للمشروع الأم كحركة إحياء وليس مجرد حركة مواجهة طوارئ.

    ويمكن لنا ملاحظة أنه رغم أن اليمن نالت نصيب الأسد من المآسي التي أنتجتها تجربة اليسار، فإن الاهتمام اليمني بالتنظير لأفكار اليسار، أو ضدها كانت محكومة من جهة بالجهل الكلي، ومن جهة بالطبيعة اليمنية التي لايجد الجدل الفكري فرصا حتى لالتقاط الأنفاس، كما أن الجمهورية العربية اليمنية –وبخاصة في العهد الذي كان الإخوان متحالفين فيه مع رئيسه علي عبد الله صالح- استقطبت دعما متساويا من المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، إن لم تكن الأفضلية فيه للإتحاد السوفيتي راعي اليسار العربي أصلا.

    ومع الدور المحوري الذي لعبه الإخوان في مواجهة الجهة الوطنية التي كانت تسعى "للتغيير الثوري" لنظام الحكم في اليمن الشمالي، فقد ظلت جهود هؤلاء –قادة إخوان اليمن أو غالبهم- منصبة على المعركة الكلية: التخلف، والحرية.

    * استدراك لابد منه:

    غير أن هذه الرؤية و تلك العلاقة ظلت مرهونة بالتصورات الشخصية لهذه الشخصيات التي "منها من قضى نحبه ومنها من ينتظر"، ولم تتحول إلى تفاصيل معلنة وواضحة، بل إنه لأسباب مختلفة ظلت صورة الإخوان اليمنيين وحتى اليوم –حتى لدى بعض أبنائها- مخطوفة بالهالة التي كانت نتيجة طبيعية لمركزية الصراع الغربي الشرقي في تاريخ الحرب الباردة.

    غير أنه ومع مجيء الوحدة، وبدون جهود مرجعية لتجاوز هذه الهالة –وهو ما يؤكد هشاشتها أصلا-، ظهر البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح، الذي بدت ملامحه منذ إعلان إشهار الإصلاح في الـ13 من سبتمبر 1990م، قبل أن تخوض رموز إصلاحية غالبها غير معروف جهودا تكللت بإبداع هذه الوثيقة؛ العظيمة نعم لكنها غير خالية من العيوب بالتأكيد، إذ ليسوا بشرا من لا يخطئون.

    وقد توزعت الجهود على: تشخيص احتياجات التحديث في اليمن من جهة، ومن جهة أخرى الاطلاع على تصورات الحركات الإسلامية الأحدث فكرا، وعلى رأسها حركتا السودان التي قاد فيها د.حسن الترابي تحولا هو الأول من نوعه منذ انتكاسة الأصل في مصر بسبب الاعتقالات والتنكيل، ثم حركة تركيا التي تظل النموذج الأفضل حتى الآن بين الحركات الإسلامية المستندة على أسس مشروع الأستاذ حسن البنا رحمه الله.

    * ليس بالتصويت تصنع التصورات:

    ومع هذا الإنجاز الإصلاحي، وكنتيجة طبيعية لأفضلية من يستولي على قلب الدائرة أولا، ولأن من سبق لقلب دائرة الحياة اليمنية –التي هي هنا السلطة-، كان أصحاب مشروع بقاء الرئيس لا مصلحة المرؤوس- فإن الإصلاح ككل الأحزاب اليمنية وجد نفسه من يومه الأول مشغولاً بمعارك وأزمات كانت إعلاناً عن أن شركاء الوحدة اتفق وعيهم الباطن للانحياز لما هو أسوأ في تجربتهم الشطرية.

    ولأن برنامج الإصلاح كان بحاجة لدعم حتى ضد وعي الإصلاحيين الطبيعي سواء الذي ولدته مرحلة ما قبل البرنامج، أو الذي تنتجه تفاعلاتهم الطبيعية كمواطنين يمنيين، يعيشون ذات الظروف العلمية والثقافية والتربوية التي يعيشها أطفال اليمن قبل أن تتوزعهم الأحزاب والتصورات، فإن البرنامج كان آخر ما يفكر به.

    وقد صنع هذا الخذلان اتجاهين:

    الأول موضوعي نتج عن انشغال الإصلاح بالدور الذي وجد نفسه في قلبه مع تنامي دوره بأكبر مما كان يتوقع مؤسسوه.

    أما الثاني فهو ذاتي وهو بقاء القاعدة الإصلاحية بعيدة عن متطلبات التغيير الذي يفرضه مثل هذا البرنامج.

    فمقابل انحياز البرنامج للتنمية، والحرية، والشورى كأولوية على ما سواها، ظلت القاعدة الإصلاحية –البشرية أو الفكرية- منحازة لأولوية ما قبل الوحدة والديمقراطية التي كانت تتحدث عن الدفاع عن "الشريعة".

    مع أن الشريعة ليست مجرد قوالب جامدة من الأحكام، وهذا ما يقوله كل علماء الأمة سواء كانوا إخوان أو حتى من عتاة السلفية أو التقليدية، بل هي جهود متكررة لاستنباط الأحكام التي تحقق المصالح.

    غير أن "الشريعة" التي كانت تمثل أولوية لإخوان ما بعد النكسة التي صنعها القمع، كانت تعني الهوية الإسلامية، في مواجهة نخب ابتليت بها التنمية والحرية في المجتمع المسلم تحتقر المجتمع وتحقر جهود علمائه في الماضي والحاضر، وتستخف بموروثه القيمي، وتتحدث عن الحرية وهي تمارس القمع، والليبرالية وهي أبعد ما تكون عن أي معنى من معانيها.

    ورغم أن الشريعة صارت أساس اليمن الجديد دستوريا، وهو ما كان يستوجب إدراك الإصلاحيين أن التحدي انتقل من مجرد الإقرار بالمشروعية الكلية للشريعة إلى إقامة تلك الثلاثية: التنمية، الحرية، الديمقراطية، باعتبارها هي الأطر التي نحتاج لنعمل الشريعة فيها، "وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون" والعبادة تطبيقات تفصيلية للتوحيد، وليست مجرد مبادئ تكفل الله بحفظها.

    * نجاح لم يغر على الاستمرار:

    ومع أن أداء الإصلاح السياسي طبق كثير من تلك المبادئ التي تضمنها ذلكم البرنامج محققا نجاحات سياسية مدوية، تستحق الفخر أو لنقل –تأدبا- التقدير، أعاذنا الله من العجب أفرادا أو جماعات- تحت قيادة مجموعة مخضرمة فقيهة –لا اقصد فقط أشخاصاً كاليدومي، والانسي، والذارحي، ودماج، وجباري وغيرهم، من الذين تولوا مناصب مركزية في الأمانة العامة أو تنفيذية في حكومات الإئتلاف- بل أتحدث عن عشرات من القيادات في المحافظات عاركت معطيات الأزمة السياسية منذ لحظة ميلاد الإصلاح الأولى، سواء من لا تزال في الإصلاح أو غادرته –كنصر، وقباطي، وعشرات غيرهم- لأسباب لا يتحملها طرف واحد فقط-.

    – ويجوز هنا تذكر وثيقتي الائتلاف وبالذات الثانية بعد حرب 1994م التي قدمت نموذجا إصلاحيا متميزا من التفكير السياسي والإداري الفعال وهي تطبيقات للبرنامج الذي صوت عليه في المؤتمر العام الأول.

    مع ذلك وبمراجعة دقيقة للمكتبة الإصلاحية، أو بتحليل مضمون الخطاب الإصلاحي الفردي نعرف أن الإصلاحيين ظلوا أوفياء لما لم يعد لهم برنامجا لأسباب مختلفة –ذاتية وموضوعية- أهمها –وهي ما تستحق الوقوف عنده هنا- العلاقة السيئة بين الجهاز التنظيمي والبرنامج السياسي.

    فللأسف ظل الجهاز التنظيمي للتجمع اليمني للإصلاح على علاقة غير حسنة بالبرنامج السياسي، مع أن المطلوب ليس فقط أن تكون العلاقة حسنة، بل أن تصبح وظيفة هذا الجهاز الوحيدة هي خدمة مفاصل هذا البرنامج، عبر مناهج ومؤلفات، وحلقات نقاش وخطابات.

    إلا إن كنا وصلنا إلى مرحلة من الليبرالية تجعل مهمة التثقيف والتوعية مهمة وطنية للدولة وليست وظيفة حزبية، حيث تتفرغ الأحزاب للعمل السياسي فقط وإدارة خيارات أعضائها بعيدا عن الشروط التربوية والثقافية.

    ومع أنني من الذين يتمنون ذلك فعليا –إذ الحزبية في قناعتي وسيلة تنافس بين المواطنين أفرادا ومصالح، لا الأفكار من حيث هي منطلقات مجردة-، إلا أنني أقبل أننا كمجتمع يمني لازلنا خارج مربع التنمية أصلا، والتنمية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي "قضية أمن قومي" والاستنتاج الصحيح منقول من كلمة لكولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية.

    وعلى ذلك فلازلنا بحاجة لعمل ثقافي وتوعوي ضخم يساند التنمية والتغيير، بمعالجة الإختلالات الأساسية في البنية الثقافية والمعرفية اليمنية التي راكمتها سنوات من الجهل والتخلف والاستبداد.

    سنوات استطاعت بها السلطات المتعاقبة للأسف الشديد منذ ما قبل الثورة وحتى ما بعد الوحدة إلى الآن، أن تعمق فيها الفصل بين الدين والدنيا، بين المسجد والسوق، بين المدرسة والمعمل والتسبيح والتهليل، كل ذلك كي يسهل فقط السيطرة على هذا المجتمع المتدين، لصالح إبقاء "القصر" مكاناً غير مريح للعبادة، وإبقاء السياسة "نجاسة"، و"التجارة" وساخة!!

    وما يؤسف له أن في موروثنا الديني اجتهادات ضخمة تجد منا من يسوقها دونما إدراك أن مهمة الاستخلاف التي خلق الله الإنسان لها، وسلحه بالديانات بعد ذلك للقيام بها لا تقوم إلا بالسياسة التي يجوز أن نسميها الفريضة الأكبر، والوسيلة الأهم، ومن شاء الاستزادة فليراجع تراث فقهاء أجلاء كابن تيمية، والعز بن عبد السلام، والشاطبي - وغيرهم، ومادمنا نتحدث عن الشرعية الإصلاحية فلنراجع فقط البرنامج السياسي للتجمع اليمني للإصلاح.

    * البرنامج والجهاز التنظيمي:

    لا أقول أن الجهاز التنظيمي للإصلاح تمنع على البرنامج، بل أقول انه انشغل تحت ضغط التحديات التفصيلية الآنية التي فرضتها التقلبات العامة من جهة، والنجاح الذي حققه الإصلاحيون في الميدان من جهة أخرى ونتج عنه إقبال الآلاف من اليمنيين صوب المولود الجديد الذي كان جهازه التنظيمي يحاول سد فراغ اللوائح.

    وليس هذا خطأ، بل كان ضرورة، ولا يمكن نكران الإنجاز الذي حققه هذا الجهاز المتمثل في النظام الداخلي للإصلاح، ولوائحه التنظيمية التي هي في غالبها أفضل مما لدى كثير من الأحزاب والتنظيمات اليمنية.

    ولكني أقول إنه آن الأوان لينتهي هذا الانشغال، ومن ثم علينا ألا نشتت الرؤية الإصلاحية بالتطلع إلى جديد.

    وما لم يكن هذا المؤتمر دفاعا عن شرعية البرنامج السياسي، ليس في بيانه الختامي ككل المؤتمرات السابقة، بل وفي قراراته: كإقرار قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية ولائحته التنفيذية، وقانون الصحافة والمطبوعات والقانون المدني، وكافة قوانين الجمهورية اليمنية التي بذل الإخوان ومنذ وقت مبكر جهدا في تقنين أحكام الشريعة عبرها، معاقد للتوعية تسبق في إلزاميتها حتى إجتهادات السلف الصالح رضوان الله عليهم، لأن القوانين تنظم مصالحنا اليوم إلزاما –وأينما تكن مصالح الناس فثم شرع الله، فيما الاجتهادات السابقة مجرد آراء –يؤخذ من أصحابها ويرد-، ولا يعني هذا أننا نطالب بإهمالها فهي تتضمن تفاصيل ديننا، وهي وحدها تشهد لأمتنا بالحيوية الفكرية والعلمية، وفيها اجتهادات تشهد علينا بأننا في اتكالنا عليها مجرد كسالى ليس إلا.

    لكن ليس ميدانها الحلقات التنظيمية لحزب واحد- بل على الإصلاحيين بذل كل ما عليهم في الإعلاء من شأنها في المؤسسات التي تحتاجها كمناهج التدريس في الجامعات، ومراجع التشريع في البرلمان، وأدلة التنظير في المحاكم ومؤسسات المحاماة، ويمكن للإصلاحيين المهتمين أن يشكلوا لها لجاناً وجمعيات تهتم بتصحيحها وتحقيقها في إطار مواطنتهم لا في إطار حزبيتهم فقط.

    * بين الحداثة والتقليدية:

    إنه لو لم نكن في اليمن لاعتبرت الدولة اليمنية دعم برنامج الإصلاح قضية مركزية لها، باعتباره رؤية تحديثية مستندة لموروث الأمة الذي فشلت كل محاولات إحداث التنمية من خارجه، والتي توقعت أنها قد تتجاوز القاعدة الذهبية للإنسان المسلم عمر بن الخطاب: "نحن أمة أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بدونه أذلنا الله".

    لكننا في اليمن، أو بالأصح في العالم الثالث المتخلف الذي تخاصم فيه السلطات من له مشروع، فيما تدعم من لم يكن لديه شيء من ذلك، بل يصل الحال بسلطات هذا العالم -واليمن على رأسها إلى السخرية ممن يحتكمون لقواعد عظيمة كدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والموازنة بين أهون الشرين وأخير الخيرين، وغيرها من قواعد التفكير الذي يستحيل أن يكون الإنسان عاقلا خارج سياق التفكير فيها.

    إن المرء يشعر بالحسرة من أن يجد حزبا كحزب العدالة والتنمية التركي الذي استند لتراث الأمة وبذل ما استطاعه لدرء المفاسد، وجلب المصالح ويبقى تحقيق الكمال مهمة مستحيلة، و"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، أن يجد دعما من دول العالم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى غالب دول الاتحاد الأوربي، فيما يظل هذا البرنامج وكل ما يمت له بصلة منبوذا من محيطه سوء من السلطات العربية أو من الحركات الإسلامية التي قد تنشغل بابن لادن أكثر من انشغالها بفاطمة وخالدة ومريم – وهي مجرد رموز للنساء اللواتي يحتجن جهودا عظيمة لرفع الظلم الذي تعيشه المرأة المسلمة في محيطها المسلم.

    * اقرؤوا البرنامج يرحمكم الله:

    خلاصة القول إن لدى الإصلاح كنزاً من المعرفة يتضمنه كتاب صغير الحجم اسمه البرنامج السياسي الذي به يكتسب الإصلاح-الحزب- شرعيته القانونية، والذي استند لأصول التدين العام كأسس الإسلام، والحركي كأهداف الإخوان المسلمين، ومناهجهم، منطلقا من البيئة اليمنية التي هي إطار الاختبار الحقيقي لفاعلية التدين الإصلاحي.

    ولا يعني أن هذا البرنامج صار خلاصة الحق والعدل والحكمة المطلقة فهذه لا يمنحها الله لبشر لأنها تتغير بتغير المقتضيات زمانا ومكانا، وتظل هي الاختبار الدائم للإنسان على ارض المعمورة.

    ولكن أقول لندرك ما هو موجود أولا ثم لنتناقش معا أين يقتضي التحسين، تزيدا، وأين يتطلبه إنقاصا.

    إن الواحد منا قد يقيس الصواب والخطأ بناء على تجربته الشخصية، وتقديره المعرفي الذي يظن أنه هو الصواب والحق والعدل.

    ومن ثم يريد أن يكون هو مقياس صوابنا وخطأنا، ومثلما قد يدفعنا نحو قضية يظنها صوابا، يمنعنا من أخرى يراها خطأ، ولذا لا يمانع من الانفتاح طالما يمر عبره، والسياسة خير طالما يشرف عليها، والمقال موحد لله طالما مر من تحت يده وهكذا.

    وهذا ليس خطأ، فنحن لا نريد تنظيما مصنوعاً في معامل القوالب البلاستيكية، بل يستفيد كل واحد منا كلما كانت أخوتنا غير مانعة للتدافع، وكان في تنظيمنا أعضاء لا يلتزم الواحد منهم إلا بما يتعبد الله به وهو ما يشترط النية الحسنة التي تستوجب الفهم الكامل.

    ولكن لنفرق بين رؤانا الشخصية –التي لنا أن ننافح من أجلها في أي إطار- وما تعاقدنا على العمل له كجماعة وهو هنا البرنامج السياسي، الذي أعتقد أن أي عمل من أي منا ضده، أو بمناقضته إنما هو خروج عن مقتضيات العهد الذي يحكم بقاءنا في مؤسسة جمعية.

    إن عشرات المقرات الإصلاحية ليس فيها نسخة من هذا البرنامج، بل إن مئات القيادات لم تقرأ البرنامج حتى مرة، وغالبية المثقفين كتابا أو خطباء، لا يبذلون أي جهد في تفصيل مجمل البرنامج، وشرح ما لا يفهم، وإسناد مفرداته بجهود واجتهادات في الثقافة والسياسة والاقتصاد والفنون والإعلام.

    وتجد بعضنا أكثر ارتباطا بمعطيات لم تعد هي التي يمكن لمجتمعنا أن يعبد الله في إطارها، رغم أن البرنامج قد تجاوزها وحسمها مبكرا قبل أن يطالبنا فلان أو علان بمراجعتها.

    وبعضنا الآخر أكثر اندفاعا نحو رؤى تتحول مشكلة له، لأنها من إنتاج مجتمع آخر لا يعاني مما نعاني منه، ومن ثم فمعالجاته الفكرية ليست هي ما نحتاجها، بل لنا قضايانا ولها معالجاتها.

    "والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

    قبل الختام: أنا والسعواني:

    حين كتبت موضوعا شبيها لهذا في العدد اليتيم من صحيفة "النداء" التي علقتها أوامر من شخص مقرب من الرئاسة ليس إلا، قال لي زميل إصلاحي أن حديثي عن إن الإصلاح يعمل ضد برنامجه السياسي يشبه خطاب القاتل على السعواني.

    لم أناقشه يومها، ولكني هنا أشير لهذا، وأقول إنني لن أستحل الحرام إن لم يتفق معي كل الإصلاحيين أو حتى مع بعض ما قلته.

    كما أني أتحدث عن البرنامج السياسي المكتوب والمعلن والمقر، فيما السعواني تحدث عن برنامج افتراضي، ربما غذته جهالاته، وبعض من أخطائنا التي تحسب كل جزئية منها على قائلها، هذا إن كان الأمر فعلا بالنسبة له دفاعا عن برنامج لا تعبيرا عن شهوة القتل.

    ولا يعني هذا المساواة بين أي صاحب رأي ولو كان ضد كل ما كتبت، وبين مجرم استحل الدم الحرام، ضمن مخطط أكثر إجراما.

    الخيواني ينتظر زيارتكم

    أيها الأحباب جميعا، إنني أكتب لكم هذه الدعوة مدفوعا بالحرص الديني والحقوقي قبل الحزبي والسياسي.

    إن لنا نحن معشر الصحفيين مواطن ممنوع من الاستئناف منذ قرابة خمسة أشهر، ومرمي هناك في السجن المركزي على طريق المطار، هو من تعرفونه: عبد الكريم الخيواني.

    ليس بيننا –نحن الإصلاحيين- وبينه كثير اتفاق حزبي، كما أن أداءه غير خال من العيوب كما كل واحد منا.

    غير أن قضيته الرئيسية هو ما نقشه باسم كل واحد منا في صحيفته الشورى عن استغلال الأكابر للوظيفة العامة لصناعة الرفاه لأبنائهم، فيما نحن ملايين البسطاء ممن ليس لنا أب أو له ذمة ودين، لا نجد من العمل إلا الأماني.

    ولذا حشدت له التهم، مستغلة إرباكاً عشناه جميعا بسبب أحداث صعدة التي يعلم الله منتهاها.

    باسم كل صحفيي الإصلاح، وباسم الأسرة الصحفية التي تشاركونها نجاحاتها كما تتحملون شئتم أم لا إخفاقاتها، نأمل أن لا يمر مؤتمركم هذا دونما نقاش حول قضية مع أن أغلبيتنا لا يعلم حقيقة تفاصيلها، فإنه يركن لوعيه الخاطئ ولكثير قصور للسكوت عن قرار ستدفع حريتنا ثمنا له اليوم أو غدا.

    لقد صعدت السلطة من انتهاكاتها لحرية الرأي –حيث أن معظم القضايا المرفوعة بحق الصحفيين تأتي من وزارة الإعلام والنيابة العامة بدعوى الحق العام-، وموقف الأحزاب يغرى السلطة للتمادي، والأمر يستهدف أول ما يستهدف العلاقة بين الطرفين: الأحزاب والصحافة، ومع أن الصحفيين حتى الآن يرفضون الرضوخ أمام القمع، فإن الأحزاب ترفض الاستجابة للتحديات، وتتعامل مع الصحفيين بأسوأ مما تعامل به السلطة: بالمقارنة بين أهداف السلطة وأهداف الأحزاب، ومن ثم تصرف الطرفين كل تجاه أهدافه، تظهر الأحزاب بأنها الأسوأ.

    وتأتي المماطلة عن منح المواطن الصحفي عبد الكريم الخيواني، حقه في الاستئناف، على رأس هذا الانتهاكات، ومع تأمل الحركة المحلية –لنا كأحزاب- مع الحركة العالمية تجاه قضية الخيواني، نأتي نحن أصحاب الشأن في الدرك الأسفل من الأداء.

    لا نريدكم أن تعتصموا أمام الرئاسة، فالقضية أمام القضاء، فقط نريد أن نعتصم أمام وعينا الذي يخذل الحرية بحجة خطأ أصحابها، مع أن الواجب مواجهة الخطأين معا وبذات القدرة: خطأ الظالم وخطأ المظلوم.

    وفي أسوأ الآمال فإننا نتمنى أن يزور غالبيتكم افردا وجماعات الخيواني، ولتسمعوه تأييد الشراكة في الحرية، والاختلاف في أي شيء بعد ذلك.

    "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون"

    ن.ص.

    خاتمة:

    إن في برنامجنا ما يعمق علاقتنا بمجتمعنا الذي لن يمنحنا ثقته ما لم نشاركه الوعي والتجربة دونما تعالٍ ولا ادعاء.

    ولن يمنحنا الثقة فقط لتتغير أحوالنا نحن، -نكتفي من الانتخابات بما تحققه للنائب، حيث يظل الناخب معفر القدمين، فيما يتقلب بعض النواب في المصالح ولم يكن لهم منها شيء- بل يمنحنا الثقة لنشاركه الأتراح قبل الأفراح.

    وقبل ذلك كله نتحدث معه لغته التي تعيش معه يومه وليتله، لا التي عاش بها أجدادنا حياتهم.

    وبظني أن ملايين اليمنيين لا يعرفون الإصلاح إلا "إيمان ساعة"، ولا أقلل من هذا أبدا أبدا، لكننا نريدهم أن يعرفونا إيمان كل ساعة، فنحن نقرأ أنه "لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس"، وان وفي كل كبد رطبة اجر"، ولذا أدخلت هرة عابدة النار.

    فليبقى برنامجنا هو اهتمامنا الجمعي، ثم من يرى أن المجتمع بحاجة لزيادة في جوانب أخرى فمنظمات المجتمع المدني تدعوه ليؤسس لما يهتم به إحداها، من جمعيات تعليم التجويد، إلى التثقيف القانوني، والتربية البدنية.

    والإصلاح –الحزب- ستكون مهمته الدفاع عن حقه في النشاط.

    "والله لا يضيع أجر من أحسن عملا".

    جار الله

    بالتأكيد فإن كل أعضاء مؤتمر عام الإصلاح لن ينسون الشهيد جار الله عمر.

    لا أتحدث عن الاهتمام العاطفي-وإن كان مهماً فالمرء مع من أحب- لكني أتحدث عن مواطن استشهد بعد أن اسمعنا خطبة بالتأكيد أن الإصلاحيين حفظوها عن ظهر قلب، فهي بغض النظر عن قائلها وما حدث له، وما كان في ماضيه وحاضره، لخصت واجبات أساسية يتعبد كل مسلم ربه القيام بما يستطيعه منها، ثم سقاها بدمه بين ظهرانينا.

    وإذا كنا لم ننل حتى الآن مقتضى حكم الجبار المنتقم الذي قال: "ومن قتل نفسا، فكأنما قتل الناس جميعا"، فإن علينا تذكر قضية أساسية: إنه بقدر ما ارتكبه العقل العابث من جرم حينها، بقدر ما كشف أمامنا التحديات.

    فليكن كل منا جار الله في حالة رشده التي استشهد عليها، ولندع بعد ذلك وقبله تفاصيل ليس بممكن لنا تحقيق إنجاز فيها ومعها.

    "وما الله بغافلٍ عما يعمل الظالمون"

    ملاحظة :

    أصدر الدكتور صالح السنباني رئيس الدائرة الإعلامية بالتجمع اليمني للإصلاح قرار بإيقاف طباعة صحيفة العاصمة بسبب الموضوع أعلاه بينما يطالب البيان الختامي لمؤتمر الإصلاح الحزب الحاكم وإعلامه بالإنفتاح على الرأي الآخر ..
     

مشاركة هذه الصفحة