قراءة في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تجاه الدول الضعيفة

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 460   الردود : 0    ‏2005-02-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-14
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    أعدت "سوزان رايس" الباحثة في معهد "بروكنز" للسياسات العامة دراسة مطولة حول إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلنها الرئيس "بوش"، وقد ركزت دراستها على الأخطار الآتية من دول ضعيفة وفقيرة مثل أفغانستان واليمن ودول كثيرة في أفريقيا لأن تلك الدول في رأي الباحثة أتاحت للجماعات المسلحة التي تستهدف المصالح الأمريكية فرصا للعمل والتخفي، مستفيدة من ضعف الدول ومؤسساتها وغياب القانون والأمن. ونورد هنا ملخصا لما أوردته هذه الباحثة في دراستها المطولة.
    تعتبر الدراسة أن السودان (التي تصنف الولايات المتحدة الأمريكية حكومتها في عداد الدول الراعية للإرهاب) كان ملجأً ونقطة تجمع للقاعدة وغيرها من المنظمات، بينما قدمت الصومال (التي لا تمتلك حكومة مركزية فاعلة) مجالاً عملياتياً آمناً لأنصار القاعدة. وتذكر الدراسة أن القاعدة وغيرها من المنظمات وجدت مخابئ فاعلة لها في العديد من الدول الإفريقية مثل مصر وتونس والجزائر وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجنوب إفريقيا وساحل العاج و موريتانيا وغيرها.
    وتشير الدراسة إلى أن الأوضاع القائمة في الدول الهشة تؤدي إلى نزاعات إقليمية أوسع يمكن أن تضعف الأمن وأن تعيق التنمية في هذه المناطق، فمع أن النزاعات في كل من سيراليون والكونغو والسودان هي نزاعات داخلية إلى حد كبير، إلا أنها تمتد لتشمل عدداً من الدول الأخرى على نحو مباشر، وفي بعض الحالات المستعصية عملت هذه الصراعات على تفاقم الظروف في دول الجوار كما هو الحال في تأثير النزاع في سيراليون على غينيا والنزاع في الكونغو على زيمبابوي. وتقرر الباحثة في مراوغة عجيبة أن هذه النزاعات تترك تكاليف هائلة على عاتق الولايات المتحدة على الرغم من أن بين هذه المناطق وبين أمريكا آلاف الأميال وتفصلها عنها المحيطات! وذلك على النحو الآتي:
    أ - أمواج اللاجئين الذين يصلون إلى الشواطئ الأمريكية.
    ب - انتشار الأسلحة التقليدية، وهو ما يفاقم الاضطرابات الإقليمية ويعزز من وجود
    الخارجين الدوليين عن القانون.
    ج - مليارات الدولارات التي تنفق على المساعدات الإنسانية وجهود حفظ السلام. (العجيب أن الدراسة تذكر أن هذه الدول –باستثناء كولومبيا وأفغانستان وأجزاء من يوغسلافيا السابقة- لا تتلقي إلا مساعدات ضئيلة من الولايات المتحدة باستثناء المساعدات الإنسانية العاجلة)
    د - الخسائر المترتبة على فقدان الفرص التجارية والاستثمارية (في هذه البلدان التي يعيش معظم سكانها تحت خط الفقر).
    هـ - قيام العناصر "الإرهابية" بتصدير ثروات الدول الهشة إلى الخارج مثل الألماس والكولتان (معدن مستخرج من الكونغو ويدخل في صناعة الهواتف النقالة).

    وتقرر الباحثة أن المزايا التجارية المخصصة لدول العالم النامي وفقا لإستراتيجية الأمن القومي بغرض إطلاق النمو الاقتصادي فيها لا تنطبق على "الدول الهشة"، التي لا تدخل ضمن نطاق المفاوضات التي تجريها الولايات المتحدة لعقد اتفاقيات تجارة حرة مع العديد من دول العالم النامي، كما لا تدخل هذه الدول ضمن قانون "الفرص والنمو في إفريقيا" وإن كان سُمح لبعض الدول الهشة بتصدير كميات قليلة من المنتجات الزراعية والمعادن والسلع الخفيفة إلى الولايات المتحدة. كما تقرر الباحثة أن الإدارة الأمريكية خفضت دبلوماسيتها النشطة في إفريقيا لتقتصر على بذل جهود لإنهاء الحرب الطويلة في السودان من دون تقديم عناية كبيرة إلى الصومال وليبيريا وبوروندي وساحل العاج مخالفة بذلك توجهات إستراتيجية الأمن القومي التي تنص على التعاون مع الحلفاء الأوروبيين لتعزيز الدول الإفريقية الهشة".
    أما بالنسبة لأفغانستان فيلمح القارئ حقيقة كيف تبخرت "المساعدات السخية نسبيا" التي قدمتها الولايات المتحدة إلى حكومة التي نصبها بوش في الأفغان وذلك لتمكينها من تلبية احتياجاتها الطارئة، عندما تقرر الباحثة وجوب العمل ليس فقط على زيادة تلك المساعدات - بالتعاون مع متبرعين آخرين- واستدامتها على المدى البعيد، بل وجوب العمل على تحقيق قدر أعلى من الأمن! في أفغانستان، مؤملة في تحسن الأوضاع الأمنية بعد قرار بوش بتوجيه قدر أكبر من القوات العسكرية الأمريكية في المناطق الواقعة خارج كابول.
    ويجد القارئ مفارقة أخرى عند ما يرى أن الدراسة توصي بإعادة دمج المحاربين في دول مثل هاييتي وأنغولا وسيراليون وتدريبهم لما لذلك من أهمية في مجال عملية بناء الدولة في مرحلة ما بعد النزاع بينما لم يعد خافيا على أحد كيف تجد أمريكا في محاربة كل من ينتمي إلى حكومة طالبان الإسلامية ولو بمجرد التعاطف معها.
    وتستعرض الباحثة الدول المستفيدة من المساعدات الأمنية الأمريكية بدءا بكولومبيا ثم أفغانستان والدعم المالي لحراسة الحدود وتعقب عمليات تهريب الثروات في الكونغو وسيراليون وأنغولا مضافا إليها إعلان إدارة بوش تقديم مساعدات متزايدة لمواجهة الإرهاب إلى دول معينة مثل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا وهنا يلحظ القارئ كيف أن هذه الإدارة الشريرة لا تنسى معاقبة أي بلد يدافع عن نفسه ضد الهيمنة الأمريكية عند ما تقرر استثناء الصومال من تقديم أي مساعدة بالرغم من وجود طلب بمبلغ 1.2 مليار دولار للسنة المالية 2003 للمساعدة في مواجهة الإرهاب!.
    وتقترح الدراسة تطوير المصادر الاستخباراتية خاصة البشرية في إفريقيا وفي غيرها من المناطق المعرضة لقيام دول هشة فيها، وإذا تساءل القارئ ما هو الهدف من وراء ذلك فيجد الجواب سريعا خدمة للوصاية الأمريكية على العالم: "ينبغي أن تركز عمليات جمع البيانات على التهديدات الأمنية الانتقالية مثل مكافحة الإرهاب وتهريب المعادن الثمينة وانتشار الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، والجريمة وتدفق الأفيون."

    ومع أن الدراسة ترى وجوب مراهنة الإدارة الأمريكية على قضية السلام حتى وإن كان السلام يبدو ضرباً من الأوهام إلا أن القارئ قد يصعق عند ما يتبين المقصود من هذا السلام: إنه بذل جهود كافية لمواجهة التهديدات بما في ذلك "التدخل المبكر وبقوة عند وجود خطر وشيك أو قائم في الشرق الأوسط وجنوب إفريقيا وإفريقيا"، وكما يشمل ذلك وجوب دعم الحكومة «الديمقراطية»! في نيجيريا بغض النظر عن بعض مبادئها!
    تضم هذه الدراسة النقدية في ثناياها الكثير من المعلومات والتحليلات والتوجهات لكيفية توجيه المساعدات الأمريكية الهادفة إلى مواجهة "الإرهاب" ومصادر تمويل تلك المساعدات والشروط المطلوبة من الحكومات التي تُعطى مثل هذه المساعدات وعلى رأسها "مدى الرغبة في العمل مع الولايات المتحدة" وكيف أنه يمكن أن تستفيد ساحل العاج وبوروندي من المساعدات الأمريكية المناهضة للإرهاب بغض النظر عن قضايا حقوق الإنسان. وتقرر الباحثة أن الإستراتيجيات التنموية لا تحظى بمكانة معقولة ضمن النفقات الأمريكية إلا في الحالات الاستثنائية في الدول التي يكون للولايات المتحدة فيها وجود عسكري مثل البوسنة وأفغانستان.


    وقد يكون من المفيد أن يستذكر القارئ هنا مسودة خطط تأسيس قواعد عسكرية أمريكية في غرب إفريقيا كانت قد قدمت لوزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد قبل فترة، وذُكر حينها أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين قد وصلوا إلى اتفاقات مع العديد من الدول في المنطقة (منها غينيا الاستوائية والكاميرون وغابون) لإنشاء قواعد جوية إضافة إلى تقدم المحادثات أيضا مع المسؤولين في بنين وساحل العاج ونيجيريا حول القضية نفسها. وليس بخاف أن المخططين العسكريين الأمريكان كانوا يحاولون بعد أحداث سبتمبر المضي بعيدا في خطة الإنتشار العسكري لاعتقادهم أن المعركة ضد "القاعدة وحلفائها" تتطلب جيشا أمريكيا مرنا في أغلب بلاد العالم الإسلامي. ومن هنا تتضمن المقاييس الرئيسة لهذا الأسلوب، الإنتشار الجديد في المسارح المحتملة للعمليات، مع تعاون طويل المدى مع الدول المضيفة، ويشكل التمكن من استعمال القواعد الجوية في دول خليج غينيا الساحلية خطوة أولى نحو تجسيد هذه المعايير لتحاكي النموذج الذي استعملته واشنطن لمدة طويلة في منطقة الخليج.
     

مشاركة هذه الصفحة