الولايات المتحدة وكوريا الشمالية: عندما لا ينفع التهديد بعمل عسكري

الكاتب : الثمثمى   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2005-02-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-14
  1. الثمثمى

    الثمثمى عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-11-01
    المشاركات:
    1,004
    الإعجاب :
    0
    لا شك أنّ البرنامج النووي قد أوصل كوريا الشمالية إلى إنتاج عدّة قنابل نووية، وعليه فعلى الولايات المتحدة التعامل مع كوريا الشمالية بطرق وأساليب تختلف عن تلك التي تتعامل بها مع إيران أو التي تعاملت بها مع ليبيا والعراق، خاصة أن باستطاعة كوريا الشمالية وفي حال اعتماد واشنطن للخيار العسكري ضدها أن تلحق أضرارا كبيرة وفادحة بالقوات الأمريكية، هذا وتستطيع صواريخ كوريا الشمالية القادرة على حمل رؤوس نووية أن تصل نظريا على الأقل إلى سواحل الولايات المتّحدة الغربية، وهو ما يجب أخذه بعين الاعتبار عند شن أي هجوم عسكري على كوريا الشمالية، ولكننا نستبعد أن تقوم أمريكا اعتماد هذا الخيار حتى على المدى البعيد لعدة أسباب أهمها:
    أولا: أن كوريا الشمالية ليست ضعيفة كما يصورها الإعلام خاصة من الناحية العسكرية والتقنية وهي إحدى الدول القليلة القادرة على مواجهة الولايات المتحدة عسكريا وإلحاق خسائر فادحة بل وكارثية بها، وهي تمتلك الإرادة السياسية للمواجهة وهو ما تفتقده العديد من الدول التي تمتلك قدرات عسكرية تقليدية، مع العلم أن كوريا الشمالية إن هددت فستفعل وأسلوبها يختلف عن أسلوب إيران الذي يهدد ويتوعد ثم لا يلبث أن يتراجع أو يتعاون ثمّ يعود من جديد، وذلك بغرض الابتزاز أو المساومة.
    ثانيا: إن كوريا الشماليّة تمتلك القوة في حال مهاجمتها لضرب 37 ألف جندي أمريكي ينتشرون في القواعد الكورية الجنوبية أو اليابانية بكل سهولة وهي قادرة على استهداف عدة مدن أمريكية بصواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما يجعل أمريكا حذرة في التعامل مع كوريا الشمالية وليس بنفس الأسلوب الذي تتعامل به مع إيران أو ليبيا أو العراق أو سوريا أو السودان، فأمريكا لا تهاجم إلا الضعيف المتهالك أو المأزوم، وكوريا الشمالية من الناحية العسكرية ليست كذلك.
    ثالثا: أن كوريا الشمالية ليست دولة تابعة عسكريا، بمعنى أنها لا تعتمد على إمدادات وصفقات عسكرية مع دول أخرى قد تقوم بقطع هذه الإمدادات عنها بناء على طلب أمريكا أو ابتزازها أو معرفة قدراتها العسكرية، وهذا يمنحها الاستقلالية في اتخاذ أي قرار عسكري، كما أن خطة كوريا الشمالية لن تكون دفاعية كما كان عليه الحال مع العراق، حتى إذا تعرضت كوريا الشمالية لضربات استباقية تستهدف منشآتها النووية، فهي قادرة هجوميا على استخدام الأسلحة الكيماوية والجرثومية بدلا عنها وهي لا تقل خطرا عن الأولى، لذلك فالضربات الاستباقية فاشلة ضمن هذه المعايير.
    رابعا: عدم امتلاك الولايات المتحدة لمعلومات دقيقة عن قدرات كوريا الشمالية في جميع الميادين رغم امتلاك أمريكا لطائرات تجسس حديثة ومتطورة تراقب كوريا الشمالية على مدار الساعة، ورغم امتلاكها للأقمار الصناعية التجسسية التي تقارب 70 قمرا، إلا أنه هكذا نوع من الأنظمة يصعب اختراقه والتجسس عليه، وقد أثبتت المنظومة الاستخباراية الأمريكية فشلها في العراق وبدت كأنها تعتمد على أفلام هوليوود لترويج قدراتها وتقنياتها وأساليبها، ولكنها في حقيقة الأمر ليست بشيء، إذ إن أمريكا لم تكذب بشكل متعمد فيما يخص أسلحة الدمار الشامل العراقيّة، بل إن نقص المعلومات و عدم القدرة على اختراق النظام العراقي مخابراتيا جعلها تتصور أسوء ما يمكن حدوثه وهو امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، خاصة وأن هذه الدول مثل أمريكا و بريطانيا لديها "فوبيا" من الآخر نظرا للاعتداءات والمجازر التي ترتكبها بحق هذا الآخر، لذلك فهي دائما تتوقع أن يقوم بالأسوء تجاهها.
    خامسا: أن دول الجوار المحيطة بكوريا الشمالية أو القريبة منها كالصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها كروسيا ستحاول إقناع الولايات المتحدة بالعدول عن الحل العسكري إذا كانت تنوي القيام به، فهذه الدول ترفض الحل العسكري ليس خوفا على كوريا الشمالية، بل خوفا على المنطقة وعلى أنفسهم وعلى المستقبل ككل، فإن وقعت الحرب فلن تكون محدودة كما كان الأمر مع العراق، بل ستطال جميع الدول المحيطة وستؤدي هذه الحرب على أقل تقدير إلى خسائر اقتصادية هائلة وفادحة، فهذه الدول ليست كالدول العربية المحيطة بالعراق والتي قبلت بكل سهولة خوض الحرب ولولا قبلوها لما استطاعت أمريكا دخول شبر واحد من أراضي العراق، بل إن الدول العربية قد دفعت تكاليف الحرب أيضا، لذلك فالدول المحيطة بكوريا الشماليّة تفضّل الحل السياسي.
    لذلك، فإن طريقة الولايات المتحدة في التعامل مع كوريا الشمالية سترتكز على نقطتين أساسيتين: الأولى هي الاقتصاد والثانية هي حقوق الإنسان في محاولة لقلب الطاولة (كما يقال) على النظام الداخلي في كوريا الشمالية ودفعه إلى الانهيار. ولكن وبما أن سجل حقوق الإنسان التابع للولايات المتحدة خاصة في أفغانستان والعراق وفي غوانتنامو وأبو غريب وغيرها لا يقل عن سجل أي دولة ديكتاتورية وإجرامية فلن يكون هناك مجال لإعطاء كوريا الشمالية دروسا في الأخلاق وستكون مهزلة إن حصلت، لذلك ستعتمد الولايات المتحدة على العامل الاقتصادي وستحاول عزل كوريا الشمالية نهائيا عن العالم وقطع كافة طرق المساعدات والإمدادات والتعاون بين كوريا الشمالية وأي دولة أخرى بما فيها دول الجوار والتي سيكون على أمريكا بذل جهود مضنية معها لإقناعها بالتخلي عن مساعدة كوريا الشمالية أو حتى التعاون معها ودفعها إلى طاولة المفاوضات، وهنا تكمن الصعوبة سيما أن كوريا الشمالية تعد حسب بعض التقارير الشريك التجاري الأول للصين، لذلك لا خوف على كوريا الشمالية من هجمات عسكرية أمريكية وسيكون على الولايات المتحدة الانتظار مع اعتماد سياسة الضغط على الدول المجاورة إلى حين انتظار انهيار النظام الكوري الشمالي وتسليم جميع أوراقه طواعية، وهذه المرة من الممكن أن تكون مقابل مساعدات اقتصادية كبيرة.
     

مشاركة هذه الصفحة