الغرباء - قصة أرجو إبداء الرأي فيها بكل صراحة

الكاتب : علي النقيب   المشاهدات : 640   الردود : 3    ‏2005-02-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-07
  1. علي النقيب

    علي النقيب عضو

    التسجيل :
    ‏2004-07-07
    المشاركات:
    2
    الإعجاب :
    0
    ]الغرباء
    أكتم سراً خطيراً، لو استطعت لما بحت به لنفسي ذاتها، هل من المعقول أنهم قد اختاروني أنا من بين أكثر من 5 مليارات نسمة يدبّون على سطح الأرض؟ ولماذا أنا بالذات هل لأني كنت أرجو ذلك دائماً ؟،أم لأني لم أفقد أبداً أمل ظهورهم وآمنت بوجوده كإيماني بوجود الشمس ؟ إنه سرٌّ لم تستطع الولايات المتحدة ولا كل العالم سبر أغواره ومعرفة خفاياه وحقيقته ، إنه سر الكائنات الفضائية التي تزورني بين الحين والآخر والتي أفضت إليّ بأسرار لا تحلم بها مخابرات العالم أجمع.
    كان يهيم في ذلك كله وقد تناثرت حوله كتب بعناوين مريبة، إنهم قادمون، الكائنات الفضائية بين الحقيقة والخيال، سر الأطباق الطائرة. لقد قرأ ما يزيد على الثلاثين كتاباً تتحدث جميعها عن ذات الموضوع .كان يفترش سطح البناية التي يسكن فيها وهو يرنو إلى السماء في انتظار أن يلوح له شبح طبق طائر أو يسقط عليه شعاع ضوئي هابط من النجوم ليرفعه إلى أعلى وأصبح من الاعتيادي بالنسبة إليه أن يلمح الشهب العابرة في السماء والنيازك الصغيرة الساقطة ، وقد ابتاع في الآونة الأخيرة جهاز كمبيوتر واشترك أيضاً في خدمة الإنترنت خصّيصاً ليبحث عن معلومات تتعلق بهؤلاء الغرباء، كان يقضي إجازاته السنوية في تلك المناطق التي انتشرت إشاعات عنها تفيد بظهور أطباق طائرة في أجوائها، فيذهب إلى هناك مدجّجاً بالكاميرات الفوتوغرافية وكاميرات الفيديو وبعض الأفلام الإضافية وجهاز تسجيل، لعل وعسى أن يظهر أحدهم ويستطيع تصويره أو تسجيل لقاءٍ معه، وقد قطع عهداً على نفسه أنه لو حدث وظهرت له هذه المخلوقات كاشفةً له عن نفسها، أو رأى إحدى مركباتهم فلن يخبر أحداً ولو عرضوا عليه الملايين من الدولارات لأجل ذلك، ولعل هذا هو ما دفع هؤلاء الغرباء إلى إفشاء سرّهم إليه واطلاعه على خفاياهم، ذلك لأنهم علموا بطريقةٍ أو بأخرى أنه لا ينكث عهداً قطعه على نفسه فَأَمِنوا أنه لن يخبر أحداً بالأمر فكشفوا له عن أنفسهم .

    الجميع يلومونه على ما ينفق من أموال في سبيل هذه الكائنات والبحث عن معلومات جديدة تتعلق بها، فقد انتشر الخبر بين سكّان البناية التي يقطن فيها انتشار النّار في الهشيم وعلم الجميع بأمر ولعه الجنوني بالكائنات الفضائية، و يتندرون بها في اجتماعاتهم العائلية وفي جلساتهم في المقهى، ويتغامزون أمامه، كاتمين ضحكاتهم الاستهزائية عند سؤالهم له عن أحول الطقس وعن الأفلاك ويترجّونه أن يتنبّأ لهم عن مستقبلهم وعن توقّعاته للعام المقبل، وكان يحلو لهم أن يطلقوا لقب البرج على سطح المبنى نظراً لأنّ أحمد يستخدمه كبرج لمراقبة الغرباء، وهم يطلقون لقب الفلكي أو الإسطرلاب على أحمد نفسه .

    وفي يومٍ وهو في طريقة إلى المصعد الذي يقلِّه إلى شقته في الطابق التاسع وقف يرهف السمع إلى البوّاب وهو يحدث أحد السكّان في انتظار المصعد، بعد أن سمع هذا الأخير يقول:
    -ما هي آخر أخبار البـرج ؟
    البوّاب:
    - آه البرج ، سوف يفقدني عقلي هذا الفلكي .
    الساكن:
    -لماذا هل جدّ جديد في الأمر ؟
    البواّب :
    - أنسيت يا سيدي أنّ حجرتي تجاور صومعته التي يجلس فيها محدثاً همهماته الغريبة طوال الليل؟
    - الساكن : آه نعم ، أما زال يفترش الأرض هناك ؟
    - البوّاب : لا لقد كان هذا في السابق، كل عام وأنت بخير، لقد أصبح يجلب معه كرسياً اشتراه خصيصاً لهذا الغرض.
    - الساكن : يبدو أنه يخاف أن يغفو وهو مستلقٍ فتفوته حرب النجوم .
    قهقهوا معاً ضاحكين والساكن يدلف إلى المصعد .
    عندها صعد أحمد على السلم إلى المصعد فرآه البواّب وعَلِمَ أنه سمع الحديث الذي دار بينه وبين الساكن فدخل إلى غرفة عدّادات المياه خوفـاً وخجلاً من أحمد الذي راح يلهبه بنظرات الاستحقار.
    ضرب أحمد اللوح المعدني داخل المصعد وهو يقول لنفسه : سوف يعلم هؤلاء الأوغاد يوماً أيّ سِرٍّ أكتم ، وكيف أني أمثل سبباً من أسباب بقائهم في الأرض حتى الآن، وهذا البواب الجاهل اللعين من يراه وهو يضحك كالأبله يظن أنّه يدرك مفهوم حرب النجوم. وهو لا يملك مذياعاً في غرفته الحقيرة، وهذا السّاكن الذي يستهزئ بأمري ويتشدّق بمصطلح حرب النجوم، لا يعلم كم هم هؤلاء الغرباء متراحمين ومتسالمين فيما بينهم ولا يحتل بعضهم بعضاً كما يفعلون هم بني البشر، وهل يعلم هذا الساكن وغيره أني أنا من يشفع لهم عند هؤلاء الغرباء ولولاي لأخذوا جميع من في الأرض إلى كوكبهم ليعملوا عندهم كعبيد في بناء حضارتهم التي بدأت منذ مليارات السنين.
    خرج من المصعد هائماً على وجهه ،وقبل أن يلج مفتاحه في باب شقته ، سمع صوت باب جاره يُفْتَحْ فوقف منتظراً ليسلم عليه، وظهر جاره الذي قال له مبتسماً :
    -كيف حالك يا سيد أحمد ؟
    قال أحمد مبتسماً بدوره:
    -بخير ماذا عنك أنت، ما هي آخر أخبارك؟
    -على ما يرام … هل ما صدر من إزعاج ليلة البارحة كان منك ؟
    قال أحمد ناظراً إلى السقف :
    -البارحة … آه نعم … إني آسف لذلك.
    قال جاره وهو يمسك باب المصعد بيده:
    -وما كان ذلك ؟
    قال أحمد بعد طول تفكير :
    - لقد كان صوت وقوع الكرسي من يدي وأنا أصعد به إلى السطح .
    ترك جاره باب المصعد والتفت إليه قائلاً :
    -عفواً … أي كرسي وأي سطح ؟
    قال أحمد وهو يدلف إلى شقته :
    -يمكنك سؤال البوّاب عن ذلك فلديه الإجابة على جميع استفساراتك .
    أغلق باب شقته بعنف وهو **** الساعة التي عمل بها مترجماً في هذه الشركة التي اختارت له هذه البناية بسكّانها الأغبياء الفضوليين، لقد عاهد نفسه على أن لا يخجل مما يقوم به مادام قد اقتنع به، وهو يدرك تمام الإدراك أنّ صراحته هذه سوف تجلب له الكثير من السخرية ووجع الرأس، ولكنه يصبر على ذلك ويتحمل الهمزات واللمزات لكي يزيد من اشتعال النار في صدره فيحرقهم بها في النهاية جميعاً.

    جلس على كرسيه يشاهد التلفاز ببرامجه المملة، كم يتمنّى لو أنه أذاعوا برنامجاً يتحدّث عن موضوع الأطباق الطائرة ليسخر منهم ومن تلفيقهم، فقد قال له الغرباء أصدقاءه ،أنّهم لم يظهروا أشكالهم الحقيقية أو مركباتهم الأصلية لجنس مخلوق قط، خصوصاً على وجه الأرض، ولا أحد يستطيع إثبات وجودهم بدليل مادي، وجميع الصور والقصص التي نشرت موضحةً صفاتهم وأكثرها يمثل وجهاً ساذجاً شبه مثلث وقد دمجت به عينان واسعتان، جميعها محض أكاذيب وأوهام لأن جميع الكاميرات التي اخترعها الإنسان لا تستطيع على الرغم من التطور الذي وصلت له من التقاط صور لمركباتهم لأنها محاطة بغلاف كهرومغناطيسي يحول دون ظهورها على الفيلم، وجميع الصور والقصص ظهرت لتطال الشهرة قائلها أو لخدمة أغراض اجتماعية وسياسية، وأنّه هو الوحيد الذي كشفوا له عن أنفسهم وعن أسلوبهم في العيش وقد صرّحوا له بإمكانية أخذه إلى مجرّتهم لكي يرى بعينيه مدى قوتهم والمستوى الذي وصلت إليه حضارتهم العريقة على حد قولهم .. آه متى يتم ذلك، وألعب دور الوسيط بين الأرض و … والنجوم .

    أطفأ جهاز التلفاز وذهب إلى غرفته، ووقف على عتبة بابها برهةً من الزمن، يتأمل الصّور والمقالات التي علّقت على الحائط والتي تصب جميعها في قالب واحد ألا وهو الكائنات الفضائية وبعض ملصقات سلسلة أفلام حرب النجوم، نظر إلى ذلك كله ملياً، وضحك بعلو صوته، وهو يتذكّر كيف أنّ أحد أصدقائه من الغرباء كان قد رأى هذه الصّور فقام بأخذ بعضٍ منها وعندما سأله عن سبب ذلك قال له، أنّهم سيستخدمونها لتحليل الشخصيّة العامة لسكّان الأرض وسيصلون بذلك إلى ماهية الفكرة التي تبلورت عند شعب الأرض عن شخصية الغرباء .
    وقال مخاطباً نفسه وهو جالس أمام جهاز الكمبيوتر وهو مغلق :
    يجب أن يكون لي دور في هذه الأحداث، دور كبير جداً، إمّا هنا أو في كوكب الغرباء، عليه أن يستغلّ الظروف على أكمل وجه، الله هو الذي يعلم بحاله وهو الذي يعلم أنّ عقله الخارق الذكاء لا يصلح للأمور الأرضية التافهة فأراد له أن يكون هو من يمثّل حلقة الوصل بين شعب الأرض وشعب السّماء، كان يدرك منذ أن أكمل دراسته الثانوية أنّه لن يكون شخصاً عادياً أبداً، ويبدوا أنّ الغرباء قد توصّلوا لذلك بطريقةٍ أو بأخرى فاختاروه ليحمل سرّهم، آه … كم أشتاق إلى اللحظة الّتي أصعد فيها إلى كوكبهم بمركبتهم السداسية الشكل والتي لا تمتُّ بصلة لتلك التي طالما شاهدنا صورها على صفحات الجرائد والمجلاّت بشكلها البيضاوي الساذج، متى يحفّني جنودهم أثناء صعودي إلى مركبتهم لمقابلة رئيس كوكبهم لمناقشته في بعض الأمور الكونية وشعب الأرض يلوِّح لي بالأعلام مودعاً، ويكون رئيس الولايات المتحدة هو آخر من يقوم بتوديعي ويشدّ على يدي قائلاً : أملنا كبير في ربنا وفيك يا أحمد .
    وانفجر ضاحكاً عندما وصل به التفكير إلى هذه النقطة ، ترى كيف سينطقها بالإنجليزية ؟

    دق جرس الهاتف ورفع السمّاعة وهو مازالت الضحكات تتردد في أنفاسه:
    -ألو ..
    -مساء الخير يا أحمد كيف حالك ؟
    -بخير … من … شريف … كيف حالك يا رجل ؟
    -أنا بأحسن حال … أين كنت غائباً طوال هذه المدة؟ … لقد اشتقنا إليك يا رجل .
    -أعذرني يا صديقي ، لقد كنت منشغلاً مع بعض الأمور الخاصة .
    -أو تشغلك أمورك عن أعز أصدقائك ؟
    "من قال أنّك أعزُّ أصدقائي وأنت مجرّد زميل لا أكثر؟ "
    -لا ولكنها أمور شغلتني عن نفسي أيضاً .
    -هل هي أمور شخصية ؟
    "وما دخلك أنت ؟"
    - لا ، لا ، إنها أكبر من ذلك بكثير .
    - عائلية ؟
    - تعلم أنني لا أملك عائلة .
    بسخرية:
    -إذن هي دولية ؟
    -هل تصدقني لو قلت لك أنّها أكبر من ذلك ؟
    -لم يبقى إلا أن نقول أنها أمور كونية ، هاهاهاها .
    "جاهل"
    - هذا هو أنسب وصف لها .
    -ما زلت خفيف الظل كعادتك ، ما رأيك في الذهاب إلى النادي لنحتسي أقداح الشاي ونحن ننظر إلى الفتيات وهنّ يلعبن التنس ، ها ها ، هل تذكر تلك الأياّم؟
    "تافه"
    -نعم ، نعم أذكرها ، ولكن أعذرني ، فلا وقت عندي اليوم .
    -هيّا يا رجل ، دع عنك المشاكل وتعال نقضي وقتاً ممتعاً في النادي ، ولا تخف سنكون وحدنا بعيداً عن إزعاج باقي الأصدقاء .
    "ما يخيفني هو أن أكون وحدي مع هُزئ مثلك"
    -حسناً ، سألقاك بعد ربع ساعة أمام مدخل النادي .
    -وهو كذلك .
    أقفل السمّاعة وملامح وجهه تكاد أن تتشقق من الامتعاض الذي سببه له ذلك الرجل المدعو شريف، ،إنسان تافه ، لقد تجاوز الخامسة والأربعين ومازال يفكّر بالفتيات الخجولات ،والنادي وشاطئه الصيفي الحار، ويسرح في أحلام اليقظة ليرى نفسه مع محبوبته في جزيرة أبعد من الخيال لم ترها عين ولا خطرت ببال ،ماذا سيكون مصير الأرض لو أنّ الغرباء عرضوا على شريف ما عرضوه عليّ ، كان سيشعل حرباً كونية بغبائه.

    لم يصل بعد هذا الغبي "شريف" يبدوا أنّه قد صادف فتاةً تصغره بثلاثين عاماً فذهب وراءها ناسياً موعدنا الذي ألحّ عليّ لأقبله ، ولم يعلم ذلك المتحذلق إني ما قبلت المجيء إلاّ لأروّح عن نفسي قليلاً وليس من أجل صلعته اللامعة ……
    ها هو ذا قادم من بعيد وملامح النفاق تتبدّى على وجهه رويداً رويداً عن طريق ابتسامة صفراء تحمل الكثير من الحقد، وصل شريف حيث يقف أحمد أمام باب النادي وقال أحمد :
    -ما هذا الوجه الصبوح يا شريف كأنك عدت 10 سنوات إلى الوراء .
    أحسّ بتأنيب ضميره على هذه المجاملة المنافقة .
    قال شريف واضعاً يده في جيبه متطلعاً إلى الطيور في السماء :
    -أشكرك…… هي الحياة تمنح شبابها لمن يبتسم لها دوماً .
    كاد أحمد أن يستلقي على قفاه من الضحك عند سمع الجملة الأخيرة وخصوصاً أن شريف كان يحمل نظرة من يرنو إلى الأفق البعيد مضيقاً عينيه المتجعدتان الذابلتان ليمنحهما البريق الذي يلمع جراّء تجمع الدمع فوق المقلتين.
    قال شريف بمـرح وهو يضع راحته على كتف أحمد :
    هيّا يا رجل ، دعنا ندخل إلى النادي ، فالكثير مما يروقك ينتظرنا في الداخل .
    قال أحمد في نفسه وهو يبتسم ابتسامةً ذات مغزى غير سوي :
    -"هل يعلم هذا التافه أن أكثر ما يروق لي هو أن أحطم رأسه المحشو بالـ…
    قطع شريف حبل أفكاره قائلاً له :
    -هل تحمل بطاقة عضوية ؟.
    قال أحمد كمن يضع شخصاً أمام الأمر الواقع :
    - أنت تعلم حق العلم أنّي لا أملك عضوية في هذا النادي .
    قال شريف وهو يعطي بطاقته إلى موظف النادي :
    إذن عليك أن تدفع الرسوم يا صديقي .
    قال أحمد والضحكات قد جعلت حديثه كالكلمات المتقاطعة واضعاً يده في جيبه :
    - أنت من دعوتني مع إصراري على عدم المجيء .
    تظاهر شريف بأنّه قد رأى أحد أصدقائه في النادي فنده عليه ذاهباً إليه، بينما يهزّ أحمد رأسه أسفاً على هذا الصديق .
    جلسا على مقعدين قرب البحر وشريف يتلفّت حوله راسماً الابتسامة على شفتيه ، بينما يرنو أحمد إلى البحر عديم الشاطئ في الضفة الأخرى وهو يفكّر:
    " كيف لم أبح بالأمر لأحد؟ ، كيف أحمل بين طيّات عقلي هذا السِّر المهول، بينما الولايات المتحدة تقوم بإنشاء أكبر محطّة فضائية أرضية لالتقاط إشارات الكواكب الأخرى ؟ وكيف يمكن … "
    تنبّه فجأة لشريف الذي مازال يتلفّت حوله :
    " آه هذا ال… ، من يراه هكذا يظنُّ أنه قد أضاع ابنه وهو في الحقيقة يبحث عن فتاة لتبادله هذه الابتسامة التي يوزعها على الرواّد والتي تضيف إلى قبحه الطبيعي قبحـاً أفظع، ترى ماذا سيكون رد فعله إذا هبطت إحدى المركبات وظهر منها أحد الغرباء وصافحني بحرارة ؟من المؤكّد أنّه س…
    قفز فجأةً كمن لدغته عقربه شاخصاً إلى البعيد، فتـنبـّه شريف إلى ذلك وقال له وهو يشدّه إلى الأسفل :
    - ماذا دهاك ؟

    قال سعيد وهو يعود جالساً على كرسيه :
    - لا …، لا شيء فقط ذلك الضوء هناك خيّل لي وكأنّه …
    ظهرت علامات الارتياح على وجه شريف وهو يقاطعها قائلاً :
    - آه يا صديقي ، هذه منارة الميناء، عجيب أنّك لم تلحظها حتّى الآن على الرغم من أنّها تومض مذ أن جلسنا، أم أنّك مازلت تهيم بتلك الكائنات الخرافية ؟
    -" بل أنت من سيصبح خرافة بعد أن أصل إلى مبتغاي".
    ثم قال أحمد :
    - هل تعتقد حقاً أنها خرافات ؟
    قال شريف وهو يعود إلى الالتفات :
    - بالطبع هي كذلك ، فما الذي يدعوهم إلى التخفي إذا كانوا موجودين حقاً ؟
    قال سعيد بصوت خافت وهو يرنو إلى البحر المتشح بالزرقـة الداكنة من جديد بصوت لم يسمعه شريف :
    -الأمر أكبر و أصعب من أن يدركه أمثالكم .
    ثم نهض أحمد بحيوية وقد عبّ نسيم البحر في رئتيه قائلاً لشريف :
    -أراك لاحقاً أيّها الدنجوان.
    ثم راح يمشي بخطوات سريعة مبتعداً عن شريف الذي راح يترّجّاه أن يعود وهو لا يلتفت ماضياً إلى وجهته التي لم يحددها بعد.
    دخل إلى شقّتـه وراح ينظر إلى محتوياتها وهو يحدّث نفسه بصوت عال قائلاً :
    -لن يتوب هؤلاء الغرباء من هذه العادة ، لا تحلو لهم شقّتي إلا عندما أغيب عنها ، سوف أقول لهم أن يكفّوا عن ذلك .
    ثم أخذ ينظّم محتويات الشقّة من جديد وهو يصدر بين الحين والآخر ضحكات متقطّعة كمن يتذكّر أمراً بالتقسيط، وخلد إلى النوم بعد أن أعاد ترتيب كامل محتويات الشقـة.
    عاد إلى شقته بعد يوم عمل شاق ولم يكد يحاول أن يستـريح بعد الغداء حتى دقّ جرس الباب فصاح وقد انتصب قائماً مرهفاً السمع:
    -من بالباب ؟
    لم يسمع جواباً ، فنظر بحرص من العين السحريّة وهو يحاول أن يبعد عينه بأكبر قدر ممكن ، ثم تنفّس الصعداء وهو يفتح الباب قائلاً للواقف أمامه :
    - عم مصطفى ، تفضّل بالدخول .
    قال العجوز وهو يدلف إلى الشقّة بعصاه التي يتّكأ عليها :
    - شكراً يا ولدي ، أنت تعلم أنّه ليس بإمكاني أن أصرخ مثلك ، أعذرني إن كنت قد سببت لك قلقاً.
    قال أحمد وهو يساعد العجوز على الجلوس :
    -لا، لا ، لا تقل ذلك يا عم مصطفى ، أنت الخير والبركة في هذه البناية ولولاك لهوت بسكّانها هؤلاء.
    قال عم مصطفى :
    -لا تقل ذلك يا ولدي ، أظنّك فقط غضبان قليلاً من سكّان البناية لأنهم يضايقونك بشيءٍ ما أجهله.
    قال أحمد ونظراته تحاول النفاذ إلى داخل رأس العجوز :
    - وكيف علمت أنّهم يضايقونني ، ومِنْ مَنْ علمت هذا ؟
    قال العجوز وهو معتدل في جلسته متكأ على عصاه بيديه :
    -لقد سمعت من زوج ابنتي -الذي أسكن معهم كما تعلم- ، أنّك تؤمن بشيء ما لا يصدق ولكني لم أدرك بعد ماهيته، نظراً لأني لا أحبذ التدخّل في شؤون الغير .
    قال أحمد بنفاذ صبر :
    -هل يعمل زوج ابنتك هذا مراقباً عليّ بالإضافة إلى كونه مهندساً ؟ لقد سمعته البارحة أيضاً يتحدّث عني مع ذلك البوّاب الذي أصبح قريب الشبه بالممسحة من كثرة ما استخدمها.
    قال العجوز محاولاً تهدئة الأمر:
    - لا عليك يا ولدي سوف أقول لابنتي أن تنبّـه زوجها إلى ذلك وأن يهتم بشؤونـه فقط.
    ذهب أحمد لإحضار القهوة لعم مصطفى الذي أخذ يتفرّج متعجباً على الصور التي ملأت جدران المنـزل وجميعها تتعلّق بالكائنات الفضائية ، وبعد أن رشف رشفـةً من القهوة قال لأحمد :
    -ما هذه الصّور الغريبة التي تمتلكها ، يهيّأ لي أنها ترمز إلى شيءٍ واحد ، أليس كذلك ؟
    قال أحمد وهو يتّجـه إلى أحد الملصقات بحماس وهو يشير إليها قائلاً كأنّه دكتور في محاضرة:
    -ألم تسمع عن الكائنات الفضائية يا عم مصطفى ؟
    تظاهر العجوز بأنّه يعدّل من جلسته مخفياً دهشته من هذا السؤال، فقد أدرك الآن علاما كانت تضحك ابنتـه وزوجها عندما يتذاكرون أحمد، ونظر إليه العجوز قائلاً وهو يحك ذقنه :
    -بلا سمعت عنها ولكني لا أعير الأمر أيّ اهتمام .
    قال أحمد بانفعال:
    -كيف لا تعيره أيّ اهتمام يا عم مصطفى .؟؟ ألا يشغلك وجود كائنات غير التي تعرفها ولا تعلم عنها ما يروي ظمأك ؟
    قال عم مصطفى وهو ينهض قائماً :
    - هناك الكثير من الأحياء تدبُّ على الأرض ولا نعلم عنها شيئاً يا ولدي .
    قال أحمد :
    - لقد قلتها بنفسك .. على الأرض .. أمّا هؤلاء الذين نتحدّث عنهم يقطنون غير هذا الكوكب ويتنفسون غير هوائه .
    قال العجوز :
    -ألم تسمع عن قوله تعالى في محكم آياته :{ ويخلق ما لا تعلمون } صدق الله العظيم .
    قال أحمد ونشوة النقاش قد بلغت أوجّها عنده :
    - معنى هذا أننا لن ندركها أبداً لأنّ القرآن باقٍ ما حيينا ثم أنّه من الصعب تصديق أن كوناً بهذا الاتساع لا يوجد به عقلاء غيرنا أليس كذلك يا عم مصطفى؟
    - قال العجوز :
    - من الجائز أن يكون هذا هو تفسير الآية ولكني أتسائل لم لا يكشفوا لنا عن أنفسهم إن كانوا حقاً موجودين، وهل في ذلك ضرر لهم مع أنّه من البديهي أنهم أكثر منّا قوّة وأعظم تطوّراً.. هل لديك جواب لسؤالي هذا يا أحمد ؟
    وجم أحمد أمام السؤال الذي يعلم إجابته حق العلم وقال في نفسه :
    " هل يمكن لرجل بهذا العمر استيعاب ما سألقيه على مسامعه؟ هل يمكن أن يدرك أنّ هؤلاء الغرباء الذين يزورون الأرض من حين لآخر ما هم إلا شرذمة من علمائهم اكتشفوا كوكب الأرض منذ مئات السنين ، وهم يدرسون الآن إمكانية تسخير البشر للعمل لديهم كعبيد في بناء حضارتهم التي بدأت منذ مليارات السنين ، والتي بدأت تتراجع إثر ظهور جيل جديد منهم لا يتنازل أن يعمل في بناء الحضارة ويعتبرون ذلك إهانة لكرامتهم فقرروا أن يجلبوا كائنات أخرى هم البشر للعمل لديهم، واقترحوا الفكرة على ملك كوكبهم فرض بشدة قائلاً أن ذلك يخالف عادات وتقاليد كوكبهم التي تنص على عدم الاعتداء على الكواكب الأخرى وخصوصاً تلك التي تقل عنهم في القوة والتطور، ولأنه يعد عقبة في تطور حضارتهم ومن الممكن أن ينهيها إلى الانقراض بتمسكه بما مضى من عادات فقد قرر هؤلاء العلماء إقالة ملكهم بتدبير انقلاب عليه سيتم بعد 22 عاماً من الآن ، وقد انتظروا كل هذه المدة على سكان الأرض ليصلوا إلى التطوّر الذي يمكنهم من إدراك علومهم وحضارتهم وقد حان الوقت لذلك "
    أفاق من تخيلاته والعجوز يفتح باب الشقة وهو يتمتم قائلاً : من الأفضل لي أن ألحق بصلاة العصر في الجامع.
    أقفل أحمد وراءه الباب وهو يقول لنفسه بضيق :
    - عجوز خرف، يشبه الغرباء بفئران بلجيكا التي لم يسمع عنها .
    اتجـه إلى جهاز المذياع العتيق الذي ورثـه عن أبيه ،وأخذ يفتّش في موجاته عن محطّة ما وهو يتمتم قائلاً:
    - هل من الممكن أن يخطر على بال أحد أنّ هذا المذياع القديم يـعدُّ أحد وسائل اتصال الغرباء بي ؟
    توقّف عند موجة تصدر صفيراً حاداً مرهفاً السّمع وهو يتفرّس المذياع باهتمام عجيب، ثم لم يلبث أن ذهب ليعدّ لنفسه كوباً من الشاي ليحتسيه وهو قابع أمام المذياع- كعادته في وقت الأصيل –في انتظار شيء ما، ولم يكد يبتعد بضع خطوات عن المذياع حتى تغيّرت النغمة الصادرة منه لتتقطع لفترات ثم تعود كما كانت منذ لحظات، اتّسعت عيناه في دهشة وفرح ، وقبض على المذياع بيديه وهو يهزّه قائلاً :
    -هيّا أعد تلك النغمة .. هيّا أعيدوها … لا يمكنني أن أصدّق هذا .. لا يمكنني أن أصدّق أنّـه قد حان الوقت للذهاب … .
    كانت هذه النغمة إشارة على أن الغرباء قد وافقوا على أن يأخذوه إلى كوكبهم ليبدأ مرحلة التفاهم معهم على مصير الأرض وشعبها .
    قال لنفسه بلا وعي :
    " الليلة … الليلة سأترك هذا الكوكب البغيض بسكانه الأغبياء وسأعمل على أن لا أعود إليه سوف أبقى هناك إلى أن يشاء الله رب العالمين، ولكن عليّ قبل ذلك أن أصفي حساباتي مع بعض الحمقى ومنهم ذلك البواب البغيض وزوج ابنة العم مصطفى .
    ولكن ماذا عليه أن يفعل الليلة لكي يتمكن من ركوب مركبتهم .. آه لقد أشاروا عليه ببعض الأمور التي عليه اتباعها في هذه الحالة، وقد دوّنها على ورقة .. أين هي هذه الورقة اللعينة … راح يفتّش عليها كالمجنون حتى وجدها فوق الخوان في غرفة الجلوس … نظر إليها مليّاً … عليه أولاً أن يتلف أي شيء من الممكن أن يوصل أحداً إلى مكانه أو إلى طريقة اختفاءه وسيبدأ بهذا المذياع … أمسك المذياع بكلتا يديه ورفع عالياً وهو يقول له بأسف :
    " أعلم أنّك كنت عزيزاً جداً على والدي كما أنت عزيز عليّ، ولكن الأمر أقوى مني، فهي فرصة عمري التي طالما تمنيتها وقد حانت اللحظة لذلك … وقذفـه فجأة صوب الحائط بكل قوته فتناثرت محتويات المذياع بعشوائيةٍ ارتاح إلى مرآها ثم جمعها في كيس وراح يمزق الصور التي علّقت على الجدران وهو يتذاكر المجلات والجرائد والكتب التي أقتطعها منها وأصبح منظر الحوائط في المنـزل قبيحاً جداً بآثار بقايا الشرائط اللاصقة، وكدسها جميعاً فوق المذياع وأضرم النار فيها وهو ينظر بنشوة إلى اللهب المتصاعد …
    البند الثاني في الورقة محرج قليلاً … حيث أن عليه أن يتجرد من ملابسه ماعدا الداخلية منها وقد ترجّاهم على أن يبقوها عليه نظراً لأن ذلك سيسبب له الكثير من المشاكل … ثم أن عليه أن يبلل جسمه بالماء لكي يتمكنوا من التقاط إشاراته الكهربائية ليستطيعوا أن يستدلوا على مكانه …
    آه إنّ الجو بارد جداً هذه الأيام فكيف عليه أن يفعل ذلك بالملابس الداخلية فقط ؟
    قال لنفسه :" سوف أضحي بالغالي والنفيس لكي أتمكن من رؤية عالمهم ولن توقفني تفاهات كهذه عن بلوغ مرادي …" ثالثاً : عليه أن يقف فوق السطوح كما اعتاد أن يفعل وأن يكون شاخصاً إلى السماء ولا يلقي بالاً لأي شيء يجري حوله ثم –وهذه هي النقطة الأهم- أن لا يتكلم لأن سوف يجرون فحصاً بواسطة أجهزة دقيقة وحساسة جداً فإذا ما تكلم فإن ذلك سوف يسبب ضرراً كبيراً لأجهزتهم ، وأضاف بنداً من عنده بأن يكتب وصيته ويقوم بتعيلقها وسط غرفة الجلوس فأحضر لوحاً كرتونياً أبيض متوسط الحجم وكتب بعناية التالي: أنا في مكان ما في الكون وادعوا الله على أن لا أعود إلى الأرض لأني لو عدت فلن أرحم أحداً إلا من رحم ربي ."أحمد خضير ".
    علّـق وصيته أو رسالته بعناية على الحائط أسفل الساعة ،وبخّـر المنـزل ثم جلس على كرسي أسفل وصيتـه وأمام المبخـرة تحرق ما فيها من أعواد وهو ينظـر إليها بعينين ميتتين منتظراً أن يسدل الليل أستاره ليغادر هذا الأرض التي ليس له فيها صاحب أو حبيب.
    مازال على جلسته السابقـة لم يحرّك ساكناً ولكن ساكناً حرّكه ألا وهي ساعـة الحائط التي دقّت معلنـةً دخول الساعة الواحدة صباحاً فقام من فوره إلى غرفتـه ونظر إلى محتوياتها وكأنّـه يراها لأول مرّة وكادت أن تغلبه العبرات وهو يخيل إليه أن محتويات غرفته تتساءل بحزن قائلة : إلى أين تذهب ولمن نكون من بعدك ..وهذا المنبه لولاه لما تمكن من الذهاب يوماً إلى موعد عمله في الوقت المحدد ، كم هو موحش مرأى الحجرة من غيـر الصور التي كانت تزينها بتلك الريبة الغامضة.
    خلع ما عليه من ثياب وأبقى على ملابسه الداخلية وتلحّف بغطاء السرير ،سيجد طريقة ما على السطوح ليبلل نفسه بالماء، وألقى النظرة الأخيرة على الصورة التي تتوسط الممر والتي يظهر فيها والده وهو يقف إلى جوار أمّه رحمهما الله واللذان لم ينجبا غيره ثم أطفأ الأنوار دون أن يلقي النظرة الأخيرة على منـزله الذي لم يألف غيره مذ أن توفي والداه.
    تسـرّب من منـزله كاللصوص وأقفله من الخارج بالمفتاح و ألقاه من هوة المصعد ووقف شاخصاً إلى الهوة حتى سمع رنين المفتاح إثر سقوطه على الأرضية في الأسفل ثم التفت إلى السلم وهم أن يستقله إلى السطوح لولا أن زوجة جاره فتحة الباب لتلقي بكيس النفايات، وصدمت عند رؤيته ملتحفاً وكأنه قد عاد لتوّه من الحج، كان قد قفز إلى أمام باب شقته عندما سمع صوت باب منـزل جاره يفتح فبادر المرأة قائلاً ليوقف نظراتها المـزعجة :
    - لقد هيّأ لي وكأن هناك شخصاً ما يطرق باب منـزلي وكنت أقوم ساعتها بتبديل ملابسي فخرجت من فوري لأرى من الطارق.
    كانت المرأة ما تزال على شاكلتها الأولى فاستطرد قائلاً :
    - وفتحت الباب فلم أجد أحداً، ولكن يبدوا أن الهواء قد أقفل الباب ورائي وأنا لا أملك المفتاح الآن كما تعلمين فلم أتوقّع أن …
    قاطعته المرأة قائلة :
    -هل تعني أنّك لا ترتدي شيئاً تحت هذا الغطاء ؟
    قال بعد أن أطلق ضحكات مفتعلة :
    -لا بالطبع فقد قلت لك أني كنت أقوم باستبدال ثيابي عندما..
    سَكَتَ عندما لاحظ الحمرة التي تتصاعد على وجه المرأة من شدة الحرج مع اتساع عينيها مع كل كلمة يقولها، وعند إذن ظهر زوجها من خلفها وصوته يسبقه وهو يهتف :
    -ما الذي يحدث يا سعاد ألم تنتهي بعد من …
    نفس الوقفة المشدوهة النظرات التي لحقت بزوجته سابقاً ولكنه أطال النظر مع بوادر غضب بدأت ترتسم على ملامحه فقال أحمد محدثاً نفسه دون صوت معلقاً نظراته على الزوج الغاضب : آه، اكتملت صورة الخيانة في رأس هذا الغبي، زوجته بملابس النوم ورجل آخر ليس عليه إلا أن يرخي يديه ليكون كيوم ولدته أمّه، قصة حبٍ ظلّت سنين في الظلام وهاهي الآن تنكشف إثر تراكم الظنون في قلبه ..ألم يرَ وجه زوجته حين تصبح من نومها إنها أقبح من قرد يحاول أن يبدو بـ…
    اقتحم صوت الرجل أفكاره وهو يقول لزوجته بغضب :
    -ماذا تنتظرين …؟ هيّا عودي إلى الداخل .
    ثم نظر الزوج إلى أحمد بنظرات تنتظر تفسيراً لهذا الموقف ، فقال أحمد موضحاً قبل أن يقرأ زملاؤه في العمل اسمه في قصة بعنوان الخيانة والانتقام ترد في صفحات صحيفة الجمعة :
    -كنت أرتدي ملابسي عندما خيّل إلي أن هناك من يطرق بابي ، فالتحفت بغطاء السرير ولم أجد أحداً.
    قال الزوج :
    - ولماذا لم تعد إلى شقتك ؟؟ هل تنتظر أن يظهر هذا الذي خيّل إليك أنـه يطرق بابك ؟
    قال أحمد راسماً ابتسامة كبيرة على وجهه :
    -كان بودّي ذلك، لولا أن الهواء على ما يبدو قد صكّ الباب ورائي .
    فقال جاره وقد خفّت وطأت غضبه :
    -وما العمل الآن ؟
    قال أحمد بمرح :
    -لا عليك أنت، سوف أتصرف، يمكنك أن تخلد إلى النوم دون أن تقلق عليّ.
    قال الرجل وكأنّـه يكفّـر عن شكّه في أحمد :
    - لا، لا يمكنني أن أتركك في موقف كهذا دون أن أمـدّ إليك يد المساعدة فالجار للجار، والرسول عليه الصلاة والسلام قد وصّى على …
    قاطعـه أحمد بنفاد صبر قائلاً :
    - عليه الصلاة والسلام .. وأنا أشكر لك شهامتك هذه، ولكني لا أريد أن أسبب لكم أي إزعاج …
    كانت هذه المرة المقاطعة من نصيب أحمد الذي قاطعه جاره قائلاً وهو يدلف إلى داخل منـزله وصوته يبعد تدريجياً :
    - لا، لا، لا يمكن، يجب علي أن أفعل شيئاً …
    وعاد الرجل وهو يحمل مطرقةً من الوزن الثقيل ومسماراً كبيـراً كالذي يستخدمه عمّال البناء في هدم الأجزاء الصغيرة من الحائط وراح يثبته بين مصراعي الباب وهو يقول لأحمد :
    -لقد عملت كنجّار في بداية حياتي وهاأنا ذا أعود إليها ..
    ثم قهقه ضاحكاً بعلو صوته مما زاد من اشمئزاز أحمد الذي قال لنفسه :"هل كنت نجّاراً أم لصاً ؟" وحاول عبثاً إيقافه مذكّراً إيّاه أن الوقت متأخر وأن هذا الطرق الذي ينوي فعله سوف يوقظ الكثير من السكّان وسيسبب إحراجاً ليس لو أول من آخر، ولكن الشهامة كانت قد أخذت الرجل فراح يطرق المسمار بكل قوته محاولاً رفع صوته ليسمعه أحمد وهو يقول :
    -وهل ستظل هنا حتى الصباح ؟ لا يمكن يا رجل .. سوف يتفهم السكان الوضع ويعذروننا .
    قال أحمد بعصبية :
    -يمكنني أن أقوم بدورك وتعود أنت لزوجتك وأولادك.

    هنا ظهر البوّاب الذي كان يجمع القمامة واقترب ليستعلم الأمر فراح أحمد -الذي شعر أنّـه قد أصبح جهاز تسجيل من كثرة ما أعاد القصة – يسرد عليه ما حدث بصوت يكاد يصل إلى درجة الصراخ مع اشتداد الطرق .
    أمسك البوّاب المطرقة والمسمار من يد الرجل وهو يقول بتأفف :
    - لا عليك يا سيدي ، فطالما تعرضت لمثل هذه الموافق وكنت أنا من أقوم بهذا الدور نظراً لكوني البوّاب .
    وأخذ يطرق بشدّة وكأنـه تحـدٍّ للقوة بين الرجال، وقال الجار وهو يمسح حبّات العرق من على جبينه وهو يلهث من فرط التعب وقد عادت زوجته للوقوف على عتبة الباب مع التفاف أطفالها من حولها يحكّون أعينيهم من أثر النوم:
    -ما هذا يا رجل .؟ بابك عنيد جداً يبدو أنّك قد عديته فأصبح مثلك .
    وقهقه مرة أخرى ضاحكاً، فقال أحمد في نفسه وملامحه تدل على الامتعاض الشديد "يظن هذا الأحمق أن قهقهته الحيوانية هذه تخفف من حدة الجو المتوتر هنا، أمّا ذلك البواّب اللعين يعمل بجد ظناً منه أني سوف أمنحه بقشيشاً سخياً نظير ذلك، الجميع يظن هنا ولكن لا أحد منهم يظن أنه من الممكن أن يفوّت عليّ فرصة عمري ".

    ظهر أحد سكّان الأدوار السفلية متطلعاً إلى سبب ذلك الضجيج في الأعلى وراح جاره يشرح له ما حدث بحماس وكأنّها أحداث فلم سينمائي، وخطرت على بال أحمد فكره جنونية وقال لنفسه " لم لا أترك كل هذه الفوضى ورائي وأتجه إلى هدفي الذي خرجت من أجله " ولم يمهل نفسه فرصة للتفكير فراح يتسلل من بين السكّان وهو يكتشف أن كل شخص يضيف سطراً للموضوع من عنده، فزوجة جاره تقول أنّها المرة الرابعة التي يحدث فيه ذلك ويكون بنفس المنظر ملتحفاً بغطاء السرير فقال في داخله " وهل هي المرة الرابعة أيضاً خروجك بقميص النوم لتلقي القمامة؟" وسمع الرجل الذي قَدِمَ من الأسفل يقول للبوّاب أنّه قد رأى شبح شخص يهبط السلالم مسرعاً ويبدو أنّه الشخص الذي قد طرق باب الشقة فقال أحمد دون أن يتجاوز قوله شفتيه " وهل كنت تناوب مع البوّاب في جمع القمامة أيّها الكاذب ؟ ." كان قد وصل إلى السلم فهم بالطلوع مرة أخرى في تلك الليلة السرمديـة لولا أنّ فاجأه أحد سكّان الدور العلوي وهو يهبط على السلم ومع اثنين من جيرانه وقد قضّ صوت الطرق مضجعهم فالتفوا حول أحمد مستفسرين منه عن سبب هذا الإزعاج، وعن سبب تلحفه بغطاء السرير في هذا الوقت وهذا الجو، فراح أحمد يوضح لهم ما حدث محاولاً التخفيف من هول الأمر وهم لا يلتفتون إليه متطلعين بشغف أحمـق إلى البوّاب الذي كان قد جعل من الباب لوحة سريالية متآكلة، وأخذ أحمد يصعد السلالم درجة تلو أخرى بتسحّب لكي لا ينتبه إليه أحدهم في نفس الوقت الذي كانت فيه أفواج المتطفلين تتجمع أمام شقته حاضرين من الأسفل أو هابطين من الأعلى فيصادفهم في طريقه ويسألونه عن سبب ذلك ولا يمنحهم جواباً شافياً، وكاد أن يعود ليمسك بخنّاق زوجة جاره لأنها سبب كل ذلك.
    كان قد اجتاز بضعة درجات من السلم صعوداً حين سمع صراخ البوّاب وهو يقول كمن عثر على كنـز:
    - ولكن الباب مقفل بالمفتاح .
    ثم تبع صراخه همهمات غاضبة وراح السكّان يندهون عليه وشعر وكأن مطرقة البوّاب قد اتجهت إلى رأسه، فعاد أدراجه وعقله لا يستطيع أن يسعفه بعذر لذلك، ووقف على السلم والسكّان ينظرون إليه بنظرات تتراوح بين الغضب والدهشة وأحدهم يقول ساخراً :
    -هل يمكن للهواء أن يقفل الباب بالمفتاح أيضاً يا سيد أحمد ؟
    قال أحد السكّان الذي يعتبره أحمد من قلائل المحترمين في البناية :
    - لا داعي للسخرية يا جماعة، يبدوا أن الأستاذ أحمد قد نسي شيئاً ما … قل لي يا سيد أحمد هل هناك شخص ما في شقتك ؟
    قال أحمد بشرود وهو مازال يحكم الغطاء حول جسده:
    -ربّما .
    أكمل الرجل المحترم قائلاً :
    -وضّح يا سيّد أحمد، فجميعنا يعلم أنّ تقطن وحدك في الشقّة وخصوصاً أنك … أنك أعزب.
    أعقب قوله بعض ضحكات مكتومة من النسوة المتواجدين ، " آه ، سيناريو آخر بدأ يتكوّن في رأس هذا الغبي المحترم وآخرين معه، خرجت لأستلم زجاجات البيرة من الساعي الذي أرسله البار فاستغلت عشيقتي ذلك بعد أن علمت بعلاقتي مع امرأة غيرها وأغلقت عليّ الباب خارجاً انتقاماً مني"
    أفاق من أفكاره على صوت أحدهم يقول :
    -يبدو أنّك لست على ما يرام يا سيد أحمد .
    وراح بعضهم يضغط على زر جرس شقته متأثرين بما سمعوه من المحترم وهم يصيحون بعلو صوتهم : افتح يا من في الداخل ، افتحِ يا امرأة.
    حتى هنا ومازال أحمد ينظر إليهم بيأس ولا يدري ما يفعل وكيف يتصرف، معتلياً السلم ببضع درجات، متأزراً غطاء السرير وجعل يتذكر إذا ما صادفه موقف كهذا من قبل وكيف تصرّف فيه.
    ثم صاح قائلاً وقد سادت حالة الهرج والمرج بين الحضور :
    - ليس لكم شأن بما يحدث، فليعد كل إلى منـزله واتركوني وحدي .
    قال أحد السكّان ولم يكن قد رآه أحمد من قبل :
    - هذه أوّل ليلة لي في شقتي الجديدة وقد اخترتها في هذه البناية بالذات لبعدها عن الشبهات وهاهي الحقيقة تتكشف أمامي في أول ليلة … سترك يا رب .
    قال أحمد والغضب يمزق ملامح وجهه :
    - هذه شقتي أفعل بها ما أشاء، ولتعلموا جميعاً أني أشرف من سكن في هذه البناية .
    قال رجل أصلع قصير القامة تبدوا عليه هيأة المحامي :
    -هذا قذف علني بحق جميع السكان واتهامٌ صريح بأننا أقل منك شرفاً .
    وقال آخر :
    -على مالك البناية أن يعلم بما يحدث هنا، ليضع حداً لذلك .
    رأى البوّاب أن دوره قد حان ليقول شيئاً مدفوعاً بالحفاظ على سمعة البناية فقال بانفعال مبالغ :
    -عليك أن تفسّر لنا موقفك هذا قبل أن أتخذ خطوات تندم عليها .
    ارتفعت همهمات تؤيد البوّاب فيما ذكر، فصاح أحمد قائلاً وقد أفلتت إحدى يديه الغطاء كاشفة عن جزء من ملابسه الداخلية :
    -لست مجبراً على تفسير تصرفاتي لأحد .
    ندّت صرخات قصيرة من بعض النسوة اثر انكشاف جزء يسير من ملابس أحمد الداخلية وخبّأت بعضهن عينيها لكي لا يرين ما هو أسوأ، وقال أحمد وتوتر صوته -أو صرخاته بالأحرى- تتوازى من شدة توتر الموقف :
    -أنتم تضيعون عليّ فرصة عمري .
    فقال شاب من الحضور :
    -أي فرصة تلك التي تستقبلها بغطاء يسترك في منتصف الليل وباب شقتك مغلق بالمفتاح ولا تدري أنت نفسك كيف .
    فقال أحمد دون وعي :
    -فرصة عمري التي طالما انتظرتها تفلت من بين أصابعي الآن بسبب موقف شديد السخافة.
    فقال أحد المتعصبين لسمعة البناية :
    -ليس هناك أسخف منك وأنت في هذا المظهر الشبه عاري .
    وهنا قال المحامي القصير القامة بلهجة آمرة موجهاً كلامه إلى البوّاب:
    _عليك أن تضع حداً لذلك بصفتك المسئول الوحيد عن أمن البناية في غياب مالكها ووكيلها، وأقترح عليك أن تقوم من فورك بإبلاغ الشرطة لتتخذ إجراءاتها المعتادة في مثل هذه المواقف.
    وهنا أفلت أحمد يده الأخرى وهو يصيح كالمجنون :
    -اتركوني وحدي قبل أن أحطمكم جميعاً يا أغبياء.
    هرعت النسوة إلى بيوتهن وهن يتدافعن قائلين: مجنون، مجنون، وهجم البوّاب على أحمد الذي عاجله بلكمة أسقطته أرضاً والدم يقطر من أنفه، فتحفّز باقي الرجال ليقبضوا على هذا المعتوه، فقفز هو ممسكاً بالمطرقة الملقاة على الأرض وأخذ يلوّح بها قائلاً كمن يهذي:
    - هيّا اقتربوا أيها الحمقى، لقد علمتم بما سيحدث الليلة فهرعتم إلى هنا يسبقكم حقدكم لكي تفسدوا عليّ الرحلة.
    قال أحد الرجال وهو يقترب منه بخفّة :
    -عن أي رحلة تتحدث ؟
    قال أحمد وعيناه لا تستقر في محجريهما:
    -هل تدعي أنّكم اجتمعتم هنا من أجل فتح الباب وأنّه لا علم لكم بأن الغرباء قادمون الليلة لأخذي معهم ؟

    ارتسمت على جميع وجوه الرجال المتواجدين ملامح تدل على إدراكهم لحقيقة الأمر، ولأوّل مرة منذ بدأ الأحداث ينتبه أحمد إلى وجود العم مصطفى الذي تقدّم الصفوف وملامح الطيبة تشع من وجهه وهو يقول لأحمد :
    - الق هذه الأداة من يدك يا ولدي وتعال إلى منـزلي نناقش الأمر فيما بيننا بعيداً عن هؤلاء الحقودين .
    قال أحمد وقد استقرت عيناه على العم مصطفى بعصبية :
    -لا تقترب أيها العجوز الخرف، فأنت أحد أكبر الحقودين عليّ.
    هنا توجـه جاره إلى داخل منـزله وعاد بعد برهة وهو يقول بصوت خافت لبعض الحضور: إنهم قادمون، نعم لقد استدلوا على العنوان، لا، لا، ليست الشرطة بل هم …
    قاطعه أحمد بانفعال جنوني قائلاً :
    -ما الذي فعلته أيها الحقيـر ؟
    وقذف بالمطرقة نحوه فأصاب أحد السكان في رأسه ولكن للطف القدر كانت الإصابة من ناحية المقبض الخشبي وليس الكتلة الحديدية، وهنا استغل الرجال الفرصة وهجموا دفعة واحدة- وكأنّ هناك تنسيق مسبق بينهم –على أحمد الذي كال لهم اللكمات في عشوائية ولكن الكثرة غلبت الشجاعة الجنونية فتكالبوا عليه وأسقطوه أرضاً وراحوا يحاولون شلّ حركته حتّى نجحوا في ذلك بعد جهد جهيد نظراً لمقاومة أحمد المستميتة لهم وقام الذي أصيب بالشاكوش بمحاولة للفتك بأحمد ولكن الرجال حالوا دون بلوغه مرامه.
    ومازال أحمد يحاول الخلاص من قبضتهم وهو يكيل لهم الشتائم البذيئة حتى شعر باستحالة الفكاك منهم فراح غضبه يخف وهو يقول :
    -صدقوني، إنكم تضيعون عليّ فرصة لطالما انتظرتها، اتركوني ولن أتعرّض لأحدكم بسوء، فقط اتركوني أمضى إلى حال سبيلي..
    لم يلتفت الرجال إلى حديثة منتظرين أشخاص ما لم يصلوا بعد، وأحس أحمد بخطورة الوضع فراح يصيح بجنون عصبي :
    -اتركوني ، اتركوني أيها الحقودين، لولا علمكم بأنّ نهايتكم على يدي لما فعلتم ذلك، اتركوني فالغرباء في انتظاري لأبدأ معهم رحلة التفاهم حول مصير الأرض ومصيركم أيّها الدواب…اتركوني.
    ندت من بعضهم ضحكات استهزاء بعد سماعهم آخر كلمات أحمد وسمعوا صوت خطوات متسارعة تصعد على السلم وبعض الرجال يقول لأصحاب الخطوات: من هنا، نعم هذا هو، هذا الرجل الذي يتكاتف عليه باقي الرجال، نعم لقد أثار الكثير من المشاكل هذه الليلة.
    كانوا عبارة عن ثلاثة رجال متشحين بملابس بيضاء أحاطوا أحمد بعباءة تحمل نفس اللون، و لم يقاومهم أحمد مستسلماً لهم بيأس ناظراً إلى الأرض وكأنّه يراها أول مرة فقد كان بصره متعلق دوماً بالسماء ونجومها، فقادوه ثلاثتهم إلى المصعد والسكّان ينظرون إليه بأسى حتى ذلك الذي أصابه بالمطرقة راح يضرب كفاً بكف مندهشاً مما آل إليه مصير أحمد، وقبل أن يغلق المصعد بابه أمسك أحمد بشعر زوجة جاره التي كانت تقف غير بعيد منه وراح يشده بعنف كآخر عمل يقوم به في حياته و المرأة تصرخ بجنون والجميع يحاول تخليص شعرها من يده وأولهم زوجها الذي راح يكيل اللكمات إلى وجه أحمد عبثاً، ولم تتخلص المرأة إلا وبعض خصلات شعرها تتمايل بين أصابع أحمد، فجعل يرتبها بعناية وهو يقول محدثاً الثلاثة الذين يستقل معهم المصعد إلى الأسفل وكأنه يحدثهم عن سر خطير :
    -أسوف أَهِبُ هذه الخصلات إلى علماء الغرباء ليستخرجوا منها الحامض النووي لأغبى أنثى على وجه الأرض.
    قادوه الرجال الثلاثة إلى سيارة بيضاء وضع على نوافذها من الخارج شبك حديدي وقد كتب أحد العابثين على الغبار المتراكم على هيكلها بإصبعـه كلمة : العصفورية .



    علي النقيب
    أبوظبي 28/10/1999
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-02-07
  3. omarkumaim

    omarkumaim عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-12-18
    المشاركات:
    1,442
    الإعجاب :
    0
    يعوة و الفعلة

    كل هذه قصة

    هذا نص مسلسل مكسيكي مبلج

    مشكور على القصة
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-02-10
  5. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    قال أحمد :
    - لقد قلتها بنفسك .. على الأرض .. أمّا هؤلاء الذين نتحدّث عنهم يقطنون غير هذا الكوكب ويتنفسون غير هوائه .
    قال العجوز :
    -ألم تسمع عن قوله تعالى في محكم آياته :{ ويخلق ما لا تعلمون } صدق الله العظيم .
    قال أحمد ونشوة النقاش قد بلغت أوجّها عنده :
    - معنى هذا أننا لن ندركها أبداً لأنّ القرآن باقٍ ما حيينا ثم أنّه من الصعب تصديق أن كوناً بهذا الاتساع لا يوجد به عقلاء غيرنا أليس كذلك يا عم مصطفى؟
    - قال العجوز :
    - من الجائز أن يكون هذا هو تفسير الآية ولكني أتسائل لم لا يكشفوا لنا عن أنفسهم إن كانوا حقاً موجودين، وهل في ذلك ضرر لهم مع أنّه من البديهي أنهم أكثر منّا قوّة وأعظم تطوّراً.. هل لديك جواب لسؤالي هذا يا أحمد ؟
    وجم أحمد أمام السؤال الذي يعلم إجابته حق العلم وقال في نفسه :
    " هل يمكن لرجل بهذا العمر استيعاب ما سألقيه على مسامعه؟ هل يمكن أن يدرك أنّ هؤلاء الغرباء الذين يزورون الأرض من حين لآخر ما هم إلا شرذمة من علمائهم اكتشفوا كوكب الأرض منذ مئات السنين ، وهم يدرسون الآن إمكانية تسخير البشر للعمل لديهم كعبيد في بناء حضارتهم التي بدأت منذ مليارات السنين ، والتي بدأت تتراجع إثر ظهور جيل جديد منهم لا يتنازل أن يعمل في بناء الحضارة ويعتبرون ذلك إهانة لكرامتهم فقرروا أن يجلبوا كائنات أخرى هم البشر للعمل لديهم، واقترحوا الفكرة على ملك كوكبهم فرض بشدة قائلاً أن ذلك يخالف عادات وتقاليد كوكبهم التي تنص على عدم الاعتداء على الكواكب الأخرى وخصوصاً تلك التي تقل عنهم في القوة والتطور، ولأنه يعد عقبة في تطور حضارتهم ومن الممكن أن ينهيها إلى الانقراض بتمسكه بما مضى من عادات فقد قرر هؤلاء العلماء إقالة ملكهم بتدبير انقلاب عليه سيتم بعد 22 عاماً من الآن ، وقد انتظروا كل هذه المدة على سكان الأرض ليصلوا إلى التطوّر الذي يمكنهم من إدراك علومهم وحضارتهم وقد حان الوقت لذلك "
    أفاق من تخيلاته والعجوز يفتح باب الشقة وهو يتمتم قائلاً : من الأفضل لي أن ألحق بصلاة العصر في الجامع.


    هذا هو لب الموضوع ..

    أخي العزيز علي النقيب ..

    أكرر ترحيبي بك في مجلسنا الموقر لتضاف إلى قافلة المبدعين فيه ..

    قصتك تدلنا على كاتب متمكن ولكن الإسهاب في الشرح في أكثر من موضع فيها أضاع منها عنصر التشويق
    هذا من ناحية الناحية الثانية إنزالها كاملة مرة واحدة وهي بهذا الطول سيجعل بعض الرواد يتجنب قراءتها لأنه كما تعلم
    ليس لدى القارىء الصبر خلف الشاشة مدة طويلة ، ومن الأفضل إذا كانت قصصك من هذا الحجم أن تنزلها أجزاء متتابعة

    ولك مني خالص الود ، وكل عام وأنت بخير !!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-04-18
  7. ابوخديجه

    ابوخديجه عضو

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    147
    الإعجاب :
    0
    ياعلي النقيب

    قصه رائعه

    وجميله

    ومرحبا بك في المجلس
     

مشاركة هذه الصفحة