أثر القدوة في إصلاح النفوس

الكاتب : الميزان العادل   المشاهدات : 656   الردود : 0    ‏2001-12-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-21
  1. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    خطبة الجمعة
    لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
    الموضوع : أثر القدوة في إصلاح النفوس .

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .

    يا رب هذا ذلنا ظاهر بين يديك ، وهذا ضعفنا لا يخفى عليك ، فعاملنا بالإحسان إذ الفضل منك وإليك ، نطلب منك الوصول إليك ، ونستدل بك عليك ، اهدنا بنورك إليك ، وأقمنا بصدق العبودية بين يديك.

    يا رب علمنا من علمك المخزون ، واحفظنا بسر اسمك المصون وحققنا بحقائق أهل القرب ، واسلك بنا مسالك أهل الحب ، وأغننا بتدبيرك عن تدبيرنا ، وباختيارك عن اختيارنا ، وأخرجنا من ذل معصيتك ، إلى عز طاعتك ، وطهرنا من الشلء والشرك ، اللهم بك نستنصر فانصرنا ، وعليك نتوكل فلا تكلنا ، وإياك نسأل فلا تخيبنا ، ومن فضلك نرغب فلا تحرمنا ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا ، وببابك نقف فلا تطردنا
    .
    يا رب لقد خاب من رضي من دونك بديلاً ، ولقد خسر من ابتغى عنك متحولاً .
    يا رب لا يطيب الليل إلا بمناجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ، ولا تطيب الدنيا إلا بذكرك ، ولا تطيب الآخرة إلا ببرك ، يا ذا العزة والجبروت ، ويا مالك الملك والملكوت ، ويا من أمنت يونس في بطن الحوت ، ونجيت موسى في التابوت ، وحفظت الحبيب محمداً بنسيج العنكبوت ، سبحانك أنت الحي الذي لا يموت .

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقول في الحديث القدسي:
    " ليس كل مصلٍ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي ، إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس، على أن أجعل له الجهالة حلماً والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ويقسم عليَّ فأبره، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس ، لا يُمس ثمرها ولا يتغير حالها ".

    وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله ، خير نبيٍ اجتباه ، وللعالمين أرسله، زكَّى الله عقله ، فقال:
    " ما ضل صاحبكم وما غوى "

    وزكى لسانه ، فقال :
    " وما ينطق عن الهوى "

    وزكى شرعه ، فقال :
    " إن هو إلا وحي يوحى "

    وزكى جليسه ، فقال :
    " علمه شديد القوى "

    وزكى فؤاده ، فقال :
    " ما كذب الفؤاد ما رأى "

    وزكى بصره ، فقال :
    " ما زاغ البصر وما طغى "

    وزكاه كله ، فقال :
    " وإنك لعلى خلق عظيم " .

    قال عليه الصلاة والسلام :
    " ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا ، طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ألا وإن عمل الجنة حَزْن بربوة ، ألا وإن عمل النار سهل بسهوه، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً " .

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، الهداة المهديين ، الذين هم كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا ، يقول الإمام علي كرم الله وجهه :

    " إنه ليس شيء شر من الشر إلا العقاب ، وإنه ليس شيء خير من الخير إلا الثواب ، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ومن الغيب الخبر .

    واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة ، خير مما نقص في الآخرة وزاد في الدنيا ، فكم من منقوص رابح ، وكم من مزيد خاسر .

    واعلموا أن الذي أمرتم به ، أوسع من الذي نُهيتم عنه ، وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قل لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ، وقد تُكفِّل لكم بالرزق ، وأمرتم بالعمل، فلا يكن المضمون لكم طلبه ، أولى بكم من المفروض عليكم ، فبادروا بالعمل وخافوا بغتة الأجل " .
    عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير :

    أيها الأخوة المؤمنون في كل مكان :

    يقول الله عز وجل في سورة الحجر :

    {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وإنّ الساعة لأتية فاصصفح الصفح الجميل }

    فالسماوات والأرض تعبير قرآني يطابق مفهوم الكون ، والذي يبدو لعلماء الفلك من خلال المراصد العملاقة أن هذا الكون لا تحدُّه نهاية ولا تحيط به دراية ، ففي كل يوم تُكتشف مجرَّة جديدة ونجوم بعيدة ، فهناك مئات ألوف الملايين من المجرات ، وفي المجرة الواحدة مئات ألوف الملايين من النجوم والكواكب ، ويكفي أن نذكر أنه تم اكتشاف مجرة بعدها عن أرضنا يزيد عن ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية ، علماً بان الضوء يقطع ما يقارب ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة .. قال تعالى في سورة فاطر :
    {فلآ أقسم بمواقع النجوم. وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم}

    فلا يعرف ما تعنيه مواقع النجوم إلا العلماء ومن عرف ما تعنيه مواقع النجوم خشع قلبه ، وخشعت جوارحه ، وخر لله ساجداً ، قال الله تعالى في سورة فاطر :
    {إنما يخشى الله من عباده العلماؤا}

    يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه :
    " إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم " .

    نعود إلى الآية الكريمة :
    " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق "
    فالحق لابَسَ خلق السماوات والأرض ، فماذا تعني كلمة " الحق " ؟ .. يا لروعة القرآن ، إنه يفسر بعضه بعضاً ، قال الله تعالى في سورة ص:
    {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار}

    فالحق إذاً مناقض للباطل ، وقال تعالى في سورة الأنبياء :
    {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين}

    فالحق إذاً مناقض للعب . والحق إذاً ليس باطلاً وليس لعباً .. وإذا كان الباطل هو الشيء الزائل والزاهق ، فالحق هو الثابت المستقر الأبدي .
    وإذا كان اللعب هو الشيء العابث ، غير الهادف ، فالحق هو الذي ينطوي على هدف كبير .. وهو الاستقرار الهادف أو الحكمة الثابتة ..فما الهدف والحكمة من خلق السماوات والأرض ؟

    قال بعض العلماء في تفسير الآية الكريمة :
    " .. خلق الله السماوات والأرض مَظهراً لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، وخلقنا كي نتعرف إليه ، من خلال خلق السماوات والأرض
    فإذا عرفناه عبدناه ، وإذا عبدناه حق العبادة ، سعدنا بعبادته في الدنيا والآخرة ، فمن تعرَّف إلى الله وعبده حق العبادة وسعد بقربه فقد حقق الهدف من خلق السماوات والأرض ، وحقق الهدف من خلقه ، وقد ورد في الأثر القدسي :
    " ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء ، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء .. " .

    يا رب ماذا وجد من فقدك وماذا فقد من وجدك .
    فمعرفة الله أمر مصيري في حياة الإنسان ، فمن لم يـعرف ربه ومن لم يهتد بهداه ، ضل عقله ، وشقيت نفسه ، وحزن على ما فاته وخاف مما هو آت ، وكان هلوعاً جزوعاً منوعاً . قال تعالى في سورة طه:
    {فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى}

    وقال تعالى في سورة البقرة:
    {تبع هداي فلا خوف عليهم ولا يحزنون}

    إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين .

    فهذا الهدي الرباني كيف نقنع الناس به ؟ وكيف نحملهم على اتباعه؟ ولماذا دخل الناس في دين الله أفواجاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ .. وفي عهد صحابته الراشدين ؟ .. ولماذا خرج ناسٌ كثيرون من دين الله أفواجاً في عهود لاحقة ؟ ..و لماذا كان الواحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كألف ؟ .. ولماذا صار الألف من بعض المسلمين كأفٍّ ؟ .. ولماذا نجح الأنبياء في تزكية نفوس أتباعهم والسمو بها ، ولم ينجح غيرهم من دعاة الإصلاح وأدعياء الدين ؟ ..

    يقول أحد المفكرين : إن مثلاً واحداً أنفع للناس من عشرة مجلدات .. لأن الأحياء لا تصدق إلا المثل الحي ، لهذا كان الني الواحد بمثله الخلقي الحي ، وجهاده أهدى للبشرية من آلاف الكتَّاب ، الذين ملؤوا بالفضائل والحكم بطون المجلدات ، وإن أكثر الناس يستطيعون الكلام عن المثل العليا ، ولكنهم لا يعيشونها .. لهذا كانت حياة الأنبياء إعجازاً وكانت نتائج دعوتهم إعجازاً ، بينما لا تلقى دعوة الداعين غير المخلصين من أتباعهم إلا الاستخفاف والسخرية ، فالإسلام لا يحييه إلا المثل الأعلى ، والقدوة الحسنة ، والسلوك المستقيم ، والانضباط الذاتي والعفة عن المطامع و المحارم ، والعمل الصالح ، والتضحية والإيثار ، قال عليه الصلاة والسلام :
    " ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل " .
    وقال أيضاً :
    " ركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعة من مخلط " .
    والمخلط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، وقال عليه الصلاة والسلام :
    " من لم يكن له ورع يصده عن محارم الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله " .

    روي أن سيدنا عمر رأى راعياً يرعى شياهاً ، فقال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، فقال الراعي : ليست لي ، قال عمر : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، وهو بهذا يمتحنه ، فقال الراعي : ليست لي ، قال عمر : خذ ثمنها .. عندها قال الراعي ، والله إنني بأشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟

    لقد وضع هذا الراعي يده على جوهر الدين ، ولو أن حظه من الثقافة الدينية محدود ، فكفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهلاً أن يعصيه .
    فإذا حدثت أحدَنا نفسُه ، أن يأخذ ما ليس له بحق ، وليس عليه رقيب أو شهيد ، فقال في نفسه كما قال هذا الراعي : ولكن أين الله ؟.. فهو قد عرف الله وصحت عباداته ، أما إذا أخذ ما ليس له بحق أن يأخذه ، لن تنفعه ثقافته الدينية مهما اتسعت ، فقد لا يقبل الله منه عباداته ، وأعماله ، مهما كثرت .

    قال سهل التستري : والله لترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، وقيل : ليس الولي من يفعل خوارق العادات ، ولكنه من تجده عند الأمر والنهي في الملمات ، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه ، لأويس القرني رضي الله عنه : عظني يا أويس ، فقال أويس : "ابتغ رحمة الله عند طاعته ، و احذر نقمته عند معصيته ، ولا تقطع رجاءك فيما بينهما " .

    وفي القرآن الكريم إشارات دقيقة إلى الصفات الرفيعة التي يجب أن يتحلى بها كل من دعا إلى الله وتصدى لهذه المهمة المقدسة . فلا بد من الترفع عن الدنيا وما فيها ، ولا ينبغي أن يُتخذ الدين مطية للدنيا، قال الله تعالى في سورة يس :
    {وجآء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتّبعوا المرسلين. اتّبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون}

    ولا بد من العمل الصالح ، فهو دليل صدق الداعية ، وسبب نجاح الدعوة ، قال تعالى في سورة فصّلت :
    {أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين}

    ولا بد من الصبر على الطاعة وعن المعصية ، وعلى من تدعوه فهو علامة الصدق في طلب الجنة ، والإصرار على الفوز برضوان الله قال الله تعالى في سورة السجدة:
    {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بأياتنا يوقنون}

    ولا بد من الانقياد التام لأوامر الله كلها في المنشط والمكره ، وما عُرفت حكمته وما لم تُعرف ، فالرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، قال الله تعالى في سورة البقرة:
    {وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهن قال إنّي جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين}

    ولا بد من أن تكون الخشية لله وحده ، قال الله تعالى في سورة الأحزاب :
    {الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلاّ الله وكفى بالله حسيبا}

    أيها الأخوة الكرام :
    فالنبي صلى الله عليه وسلم كان مثلاً أعلى لأصحابه الأطهار وأسوةً حسنةً للمؤمنين الأخيار ، وقدوة صالحة لأتباعه الأبرار ، فقد اتسمت دعوته باتساع رقعتها ، وامتداد أمدها ، وعمق تأثيرها ، لأنه طبق بسلوكه ما قاله بلسانه ، فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم ، وكان خلقه القرآن ، وأحبه أصحابه إلى درجة فاقت حد التصور وأطاعوه طاعةً جاوزت حدود الخيال ،
    قال أبو سفيان يوم كان مشركاً :
    " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً " .

    فالسر في قوة تأثير النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه .. أنه كان لهم أسوة حسنة وقدوة صالحة ومثلاً يُحتذى .

    قال ملك عمان ، وقد التقى النبي العدنان : والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه كان لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له ، وأنه يغلب فلا يبطر ، ويُغلب فلا يضجر ويفي بالعهد وينجز الوعد .

    لقد كان صلى الله عليه وسلم ، جمّ التواضع وافر الأدب ، يبدأ الناس بالسلام ، وينصرف بكله إلى محدثه صغيراً كان أو كبيراً ، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح ، وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين ، وإذا جلس جلس حيث ينتهي به المجلس ، لم يُر مادَّاً رجليه قط ، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار وكان يذهب إلى السوق ، ويحمل بضاعته ، ويقول أنا أولى بحملها وكان يجيب دعوة الحر والعبد، والمسكين ، ويقبل عذر المعتذر .

    وكان يرفو ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ويعقل بعيره ويكنس داره ، وكان في مهنة أهله ، وكان يأكل مع الخادم ، ويقضي حاجة الضعيف والبائس ، و يمشي هوناً خافض الطرف ، متواصل الأحزان دائم الفكرة ، لا ينطق من غير حاجة ، طويل السكوت ، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم .

    وكان دمثاً ، ليس بالجاحف ولا المهين ، يعظم النعم وإن دقت ، ولا يذم منها شيئاً ، ولا يذم مذاقاً ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها .

    إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، وكان يؤلف ولا يفرق ، ويقرب ولا ينفر ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويتفقد اصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويُحَسِّن الحسن ويصوبه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، و لا يقصر عن حق ، ولا يجاوزه ، ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه .
    من سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو ما يسره من القول .

    كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخَّاب ، ولا فحَّاش ، ولا عيَّاب ، ولا مزَّاح ، يتغافل عما لا يشتهي .

    ولا يخيب فيه مؤمله ، وكان لا يذم أحداً ولا يعيِّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يُرجى ثوابه ، يضحك مما يضحك منه أصحابه ، ويتعجب مما يتعجبون ، ويصبر على الغريب وعلى جفوته في مسألته ومنطقه ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه
    .
    الحديث عن شمائله صلى الله عليه وسلم لا تتسع له المجلدات ولا خطب في سنوات ، ولكن الله جل في علاه ، لخصها بكلمات فقال تعالى في سورة نون:

    والمثل الأعلى الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بسيرته وخلقه حمل أصحابه الكرام على أن يهتدوا بهديه ويتبعوا سنته ويقتفوا أثره فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعل من سلوكه ومواقفه ، مثلاً أعلى يُحتذى فكان إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصته ، وقال لهم : إني أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا ، ويم الله ، لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانته مني .. فصارت القرابة من عمر رضي الله عنه مصيبة .

    وقد جسد هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه بسلوكه ، قيم الحق والخير ، في أبهى صورها ، جسدها بمواقفه ، وأحكامه فكان بحق بطل مبدأ ، مضى نحو تحقيقه ، من دون أن ينظر إلى الثمن .

    ففي خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، جاءه إلى المدينة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة ، معلناً إسلامه ، وقد رحب به عمر لكن بدوياً من فزاره يدوس على طرف ردائه فغضب الملك ويلتفت إلى هذا البدوي ويضربه ويهشم أنفه ، فيشكوه الفزاري إلى عمر بن الخطاب ، ويستدعي عمر الملك الغساني إلى مجلسه ويدور بينهما حوار صيغ على الشكل التالي :

    قال عمر : يا ابن أيهم ، جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة ، بدوي من فزارة بدماءٍ تتظلم ، بجراج تتكلم ، مقلةٌ غارت وأنف قد تهشم ، وسألناه ، فألقى فادح الوزر عليك ، بيديك .
    أ صحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
    قال جبلة : لست ممن ينكر أو يكتم شيئا ، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي .
    قال عمر : أي حق يا ابن أيهم ، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم ، عند غيري جبهةٌ بالإثم بالباطل تلطم ، نزوات الجاهلية ورياح العنجهية ، قد دفناها ، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً ، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً .
    أرض الفتى ، لابد من إرضائه ، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك ، وتنال ما فعلته كفك .
    فقال جبلة : كيف ذاك يا أمير المؤمنين ، هو سوقة وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ أنا مرتدٌ إذا أكرهتني .
    فقال عمر : عالَم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
    أيها الأخوة الكرام ، كلكم يعلم ماذا فعل جبلة بعد موقف عمر هذا رضي الله عنه .

    لقد أدرك أعلام العلماء من السلف الصالح أثر القدوة الحسنة في تهذيب النفوس والسمو بها وحملها على عظائم الأعمال ، فوعظوا أنفسهم قبل أن يعظوا غيرهم ، لذلك كان تأثيرهم في معاصريهم شديداً وهيبتهم عند أولي الأمر عظيمة ، قال الإمام الغزالي : "الوعظ زكاة الاتعاظ ، ومن لا نصاب له كيف يخرج الزكاة ،

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تركت فيكم واعظين ، ناطقاً وصامتاً ، فالناطق هو القرآن والصامت هو الموت ، وفيهما كفاية لكل متعظ " .
    فقلت لنفسي ( هذا قول الإمام الغزالي ) أما أنتِ فمصدقةٌ بأن القرآن هو الواعظ الناطق ، فإن الله تعالى يقول فيه في سورة هود:

    {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}

    فقد وعدك ( يخاطب نفسه ) الله تعالى بالنار على إرادة الدنيا وحبها وكل ما لا يصحبك بعد الموت فهو من الدنيا ، ولو أن طبيباً وعدك بالمرض على تناول ألذِّ الأكلات لتحاشيتها واتقيتها ، أيكون الطبيب عندك أصدق من الله تعالى ؟ .. فإن كان كذلك فما أكفرك ، وإن كان المرض أشد عندك من النار فما أجهلك .. ثم وعظنا بالواعظ الصامت وهو الموت ، فقلت قد أخبر الواعظ الناطق عن الواعظ الصامت ، حيت قال الله تعالى في سورة الشعراء :
    {أفرأيت إن متعناهم سنين. ثمّ جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون}

    وهكذا نجد كيف أن القدوة تفعل فعل السحر في النفوس ، لأن الناس لا يتعلمون بآذانهم ، بل يتعلمون بعيونهم ، ولغة العمل أبلغ من لغة القول ، لذلك لا تستطيع أن تقنع الناس بشيء إلا إذا كنت قانعاً به ، ولا تستطيع أن تحملهم على اتباعه إلا إذا سبقتهم إليه ، عندئذ تكون أنت أيها الداعية قدوة حسنة .

    والقدوة الحسنة هي حقيقة مع البرهان عليها ، فمتى يستقيم الظل والعود أعوج ، فأنت أيها المسلم على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين من قبلك ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .

    ورد في الأثر القدسي :
    " إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه " .

    أيها الإنسان ، صانك الله فلا تبتذل ، وأعزك فلا تَذل ، وأعلاك فلا تسفل ، ونقَّاك فلا تتلطخ ، هو يسر لك فلا تتعسر ، و قربك فلا تتباعد ، وأحبك فلا تتبغض ، جد بك فلا تكسل ، و استخلفك فلا تتكل ، وأعتقك فلا تتعبد لغيره ، وأقالك فلا تتعثر ، ونسبك فلا تجحد، وجبرك فلا تنكسر ، وأنبتك فلا تذوِ ، وحسَّنك فلا تقبح ، وحلاك فلا تسمج ، وعلمك فلا تجهل ، ونوه بك فلا تخمل ، وقواك فلا تضعف ، و لطفك فلا تكثف ، و أسرك فلا تنكشف وانتظرك فلا تتوقف ، وأمنك فلا تتخوف ، وقومك فلا تتقصف ، وندَّاك فلا تنشف .

    أيها الأخوة المؤمنون :

    أيها الأخوة ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

    كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر إذا رجع العبد العاصي إلى الله سطع نور بين السماء والأرض ونادى منادٍ من قبل الله جل وعلا ، أيتها الخلائق هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، والحمد لله رب العالمين .

    الخطبة الثانية :

    أيها الأخوة الكرام ، قلت في الخطبة الأولى إن جوهر الدين أن يعرف الإنسان ربه ، وإن الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى ، وإن التفكر في مخلوقات الله باب واسع من أبواب معرفة الله ، وإن الإنسـان إذا تفكر في خلق الله عرفه ، وإذا عرفه عبده ، وإذا عبده سعد في الدنيا والآخرة ، وقد وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض ، وقد حضنا الله على التفكّر في بعض آياته ، ومنها الإبل فقال تعالى في سورة الغاشية:
    {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}

    فلو أمعن المرء النظر إلى الجمل ، لرآه من أبدع المخلوقات ، إنه أعجوبة في الهندسة التشريحية ، فالجمل يُعدُّ وسيلة لا تُقدر بثمن في المناطق الصحراوية ، والتي تغطي سدس مساحة اليابسة ، والتي تستعصي حتى على أقوى المركبات .. وفي العالم ما يزيد عن خمسة عشر مليوناً من الجمال تزداد باستمرار ، فكل ما في الجمل متقن التصميم للتكيف مع بيئته القاسية .
    فعينه لها أهداب كثيفة ، ومزدوجة ، تحجب عنها الرمال المتطايرة وتتميز العين بقدرتها على التكبير والتقريب ، فهي تريه البعيد قريباً والصغير كبيراً ، وهذا سر انقياده لطفل صغير أو لدابة قميئة .. قال تعالى في سورة يس :
    {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}

    وفي إمكان الجمل إغلاق أذنيه ومنخريه حفظاً من الغبار ، أما أخفافه الضخمة فهي تُسهِّل له الحركة على الرمال ، من دون أن يغرز فيها ، وشفتا الجمل ، مطاطيتان قاسيتان ، تلتهمان الأشواك الحادة ، وهما فعَّالتان في تجميع الطعام والأشواك بحيث لا يفقد الجمل أية رطوبة بمد لسانه إلى الخارج . {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}

    ومن أبرز مزايا الجمل قلة حاجته إلى الماء ، ومع أنه يمكنه أن يشرب ما يملأ حوض استحمام ، لكنه يستطيع أن يستغني عن الماء كلياً عشرات الأيام . بل بضعة أشهر حيث يستطيع في الحالات الطارئة أن يأخذ ما يحتاج إليه من ماء ، من أنسجة جسمه فيخسر ربع وزنه من غير أن يضعف عن الحركة ..

    وفي السنام يخزن الجمل من الشحم ما يعادل خمس وزنه ، ومنه يسحب الجمل ما يحتاج إليه من غذاء ، إن لم يجد طعاماً ، .. ومتوسط عمر الجمل ، يزيد عن أربعين عاماً .

    ولا يسلس قياد الجمل إلا إذا عومل باحترام ومودة وعطف .. وفي هذا عبرة لبني البشر ..{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}

    عرفتك يا رب في بحث وفي فطرة *** فجئتك صباً طاهر القلب خاليا
    لك في الآفاق آيات لعل أقلها *** نوراً بدا إليه هداك
    فإن رأيت النبت في الصحراء *** يربو وحده فاسأله من أرباك
    وإن رأيت البدر يسري ناشراً أنواره *** فاسأله من ذا الذي أسراك
    وإن رأيت النهر بالعذب قد جرى *** فاسأله من ذا الذي أجراك
    وإن رأيت البحر في الملح قد طغى *** فاسأله من ذا الذي أطغاك
    وإن رأيت الليل يغشاك داجياً *** فاسأله من يا ليل حاك دجاك
    وإن رأيت الصبح يسفر ضاحياً *** فاسأله من يا صبح حاك ضحاك

    الدعاء :

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، إنك أنت العفو الكريم ، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

    اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسترزق من دونك ونسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك ، خزائن الأرض والسماء .

    اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، و نعوذ بك من عضال الداء ، ومن السلب بعد العطاء ومن شماتة الأعداء .

    اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك ، ومن الأمل إلا فيك ، ومن التسليم إلا لك ومن التفويض إلا إليك ، ومن التوكل إلا عليك ، ومن الطلب إلا منك ومن الرضى إلا عنك ، ومن الصبر إلا على بلائك .

    اللهم إنا نسألك خفايا لطفك ، وفواتح توفيقك ، ومألوف برّك ، وعوائد إحسانك ، وجميل سترك ، وروح قربك ، وجفوة عدوك .

    اللهم احرسنا عند الغنى من البطر ، وعند الفقر من الضجر ، وعند الكفاية من الغفلة ، وعند الحاجة من الحسرة ، وعند الطلب من الخيبة ، وعند المنازلة من الطغيان ، فإنه لا عز إلا في الذل لك ، ولا غنى إلا في الفقر إليك ، ولا أمن إلا في الخوف منك .

    اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين ، يا أرحم الراحمين .

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات ، الأحياء منهم والأموات ، إنك يا مولانا سميع مجيب للدعوات .

    اللهم أعز كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين .

    اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر . والحمد لله رب العالمين" اهـ.

    === انتهت خطبة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي جزاه الله خيرا ====

    اللهم آمين بجاه سيدّنا محمد الأمين، صلّى وسلم عليه رب العالمين، والآل والصحب والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين...

    خادمكم / الميزان العادل
     

مشاركة هذه الصفحة