القضاء البريطاني بفضح السياسه الاعلامية السعوديه

الكاتب : سيل الليل   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2005-02-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-02-01
  1. سيل الليل

    سيل الليل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-10-23
    المشاركات:
    411
    الإعجاب :
    0
    نقلا عن د. مضاوي) القضاء البريطاني يفضح السياسة الاعلامية السعودية

    بسم الله الرحمن الرحيم


    القضاء البريطاني يفضح السياسة الاعلامية السعودية
    2005/01/31



    د. مضاوي الرشيد *

    قضية بين الشيخة موزة حرم أمير قطر وجريدة عراقية صادرة في لندن زحلقت النظام السعودي بسرعة فائقة يوم 25/1/2005 عندما اصدرت محكمة بريطانية حكمها لصالح الشيخة موزة واجبرت الجريدة المذكورة ان تعتذر وتدفع مبلغ نصف مليون جنيه تعويضا للشيخة عن الاساءة الي سمعتها وتشويه شخصها. ورغم اننا لم نطلع علي سلسلة المقالات هذه والتي نشرت في صيف عام 2001 ولا تربطنا بالشيخة موزة اي علاقة او معرفة لا يسعنا الا ان نتخيل مدي التجاوزات الشخصية التي صدرت في حق الشيخة موزة.

    تطرح هذه القضية ملفا اكبر واعمق واخطر من مسألة قضية ترفعها امرأة ضد صحيفة لندنية ناطقة بلغة الضاد وتفتخر ان بين كتابها الكثير من الاقلام المشهورة عربيا وعالميا. انها قضية هيمنة النظام السعودي علي الاعلام العربي المهاجر واستغلال هذا الاعلام ليس فقط للترويج لسياسات النظام والتطبيل له بل لمهاجمة كل من لا يتفق معه بطريقة استخباراتية شوهت حبر الاقلام بل كسرتها وهزمتها حتي اصبحت كالاقزام تباع وتشري في سوق النخاسة.

    اما الامر الثاني الذي فضحته هذه المحكمة البريطانية فيتعلق بمفهوم حرية التعبير. هذه الحرية التي طالما فسرت علي انها حرية في التهجم الشخصي وتشويه السمعة دون محاسب ولا رقيب من جهة وتأليه الحاكم وتثبيت حكمته ورؤيته والاشادة بعصمته من جهة اخري. نعم توجد في بريطانيا حرية تعبير قد لا توجد في كثير من الدول الاوروبية ولكن في بريطانيا ايضا قوانين تضبط هذه الحرية وتوجد ايضا محاكم مستقلة تنصف الفرد من جور المؤسسات والاشخاص ذوي النيات السيئة.

    هدف هذه القوانين حماية الشخص سواء أكان غنيا أم فقيرا وتحقيق العدالة بمفهومها الشامل. المحاكم هذه تجعل محاكمنا والتي تحكم باسم الاسلام تخجل من نفسها خاصة وأنها حتي هذه اللحظة غير مستقلة عن ارادة الحاكم وشرعه هو وليس شرع الاسلام.

    محاكمنا تسجن الصحافي الحر والمحامي المدافع عن المتهم بدل ان تطبق شرع الله وتمارس استقلالية تخرجها من كونها اداة في يد السلطة لاضفاء شرعية دينية علي اهوائها السياسية وشطحاتها في تطوير وسائل القمع والاستبداد وتطبيقها علي شرائح عريضة من ابناء المجتمع.

    محاكمنا لا تفرق بين سارق للرغيف وسارق لاموال الشعب تقطع يد الاول وتقبل يد الآخر. محاكمنا لا تسأل عن تبذير الثروة الوطنية والتي يذهب جزء كبير منها لشراء الصحافة العربية في لندن وغيرها من المراكز الاعلامية في العالم كي تدافع عن النظام وتلبس التهم بالآخرين وتشوه سمعة هذا وذاك.

    محاكمنا تجلد الذي يتظاهر في الشارع معبرا عن وجهة نظر قد لا تعجب النظام وتعتبر هذه المحاكم ان اسلام النظام سيكرس ويظهر علي الملأ بمجرد تطبيق حكم الجلد والذي اصبح موروثنا الحضاري والاسلامي الوحيد ورمزنا الذي يمثل انتماءنا لهذا الدين. وبينما تصمت هذه المحاكم علي تجاوزات اكبر بكثير من مظاهرة.

    وبينما نفخر بتهاوي الرؤوس عند قطعها في الساحات العامة بعد صلاة الجمعة تطبيقا للشريعة نري ان اهل مجرم ما يتسابقون علي اعفاء ذوي المناصب والسمو من هذه النهاية في آخر لحظة وقبل ان يهوي سيف السياف ليقطع رأسا من اصحاب الرؤوس الكبيرة وبعدها نقول انه مجتمع مسامح متسامح لا يقبل بتطبيق الشرع الا علي اصحاب الاصول الوضيعة.

    المسألة الثالثة التي عرتها هذه القضية تتعلق بمأساة الاعلام العربي. هذا الاعلام الذي ما زال العوبة في يد النظام الذي يدفع المبلغ الاكبر. كذلك هذه مأساة الصحافي العربي الذي يهاجر ربما بسبب قمع نظامه الأم.

    عندما يستقر هذا الصحافي في بلد كبريطانيا ينسلخ عن مصدر رزقه في وطنه ويظل فريسة نظامه السابق والذي قد يلاحقه في غربته ويطارده حتي في منامه نراه يقع فريسة العوز وهنا بحكم الضرورة يتجرد هذا الصحافي من مثاليته وقيود مهنته التي تحدد اطار اخلاقية العمل الصحافي فيتسكع هذا الصحافي في سوق عكاظ اللندني طلبا للعيش وكسب الرزق.

    قد يعيد تأهيل نفسه ويشتغل في اطار خارج عن تخصصه ومهنته ولكنه يجد نفسه في موقع يسهل اصطياده من قبل المتربصين ذوي المخزون العالي من الاموال والمستعدين لتبذيرها في سبيل تحسين سمعتهم وتشويه سمعة الآخرين. لقد عاني من هذا الوضع الكثير من اصحاب الاقلام. في السبعينات كانت الاقلام العربية المهاجرة معروضة للبيع في سوق لندن. فاشترتها اموال النفط واستغلت لباقتها وفصاحتها في خدمة مصالحها الشخصية.

    نعم لقد نشر النظام السعودي غسيله القذر من علي منبر قضائي اثبت استقلاليته وعدالته. ولن يستطيع النظام ان يتهم المحكمة البريطانية هذه بعمالتها للنظام القطري او للشيخة موزة بالتحديد اذ ان هذه المحكمة هي نفسها التي انصفت شخصية سعودية قبل بضعة اشهر عندما حكمت لصالح هذه الشخصية في قضية ضد صحيفة فرنسية وطبلت عندها مصادر الاعلام السعودي بالنصر. هل ستخصص جرائد النظام السعودي اللندنية فصولا وحلقات لتفصيل هذه العلاقة وعرضها علي الملأ ام انها ستتكتم علي الخبر لانها ستكون مشغولة بحبك ونسج مقالات اخري ضد اشخاص آخرين بدأوا يقلقون النظام ويخطفون النوم من عينيه؟

    وبينما تنشغل وسائل الاعلام السعودي بتوجيه تهم العمالة لمعارضيها او كل من يتجرأ ان ينطق بكلمات لا تطرب لسماعها نراها تصاب بالعماء عندما يكون الموضوع من خصوصيات الدولة وسياساتها الاعلامية. هذه السياسة التي تعتمد علي شراء الاعلام وتسويق الخبر بطريقة تشمئز منها النفوس بسبب اسلوبها الذي يمجد النظام بابتذالية رخيصة تفتقد للتحليل العميق، بل تعتمد علي الرد السطحي.

    اثبتت هذه الصحافة عدم قدرتها علي نقد الخطاب او المقولة اذ انها دربت علي التهجم الشخصي الذي يخلط بين المتكلم والكلمة وبسبب هذا التدريب والترويض هي قاصرة علي النقد دون التجريح والتحليل دون الشتيمة.

    مع الاسف خلقت اموال النظام السعودي مدرسة صحافية ستبقي عارا علي جبين الكلمة العربية وفصلا تاريخيا اسود لن تمحيه اجيالنا القادمة بسرعة بل ستبقي تعاني منه لفترة طويلة بسبب استشراء هذا الفكر وتطويره وصرف الاموال الطائلة علي ترويجه حتي اصبحت كلمة العمالة مصطلحا يختصر حاضرنا اليوم ويشوه ليس مستقبلنا فحسب، بل نفسية اجيالنا القادمة.

    ومع الاسف لم يأت التحضر والتمدن وبروز طيف كبير من المثقفين واصحاب الاقلام بما يأتي عادة مع مثل هذه التطورات الاجتماعية والسياسية بل تميزت حداثتنا المزعومة بظهور الدولة المركزية المستبدة المستعدة لان تفعل كل شيء في سبيل توطيد دعائم قمعها الفكري والمعنوي والمادي.

    حداثة النظام السعودي تبلورت في تطوير قدرته علي الهيمنة والتضليل من خلال شرائه لاعلام معولم يستغله بين الحين والحين للتشهير والكلام الذي يحط من قدر قائله وليس من قدر الموجه له: تكرست حداثة النظام بمدينة مبتورة جاءت بالمطار والطائرة، بسكة الحديد والقاطرة، بمضخة النفط والناقلة ولكنها قضت علي الكثير من تراثنا المحلي واستقلاليتنا وقدرتنا علي قول الكلمة الحرة. نقول هذا الكلام ليس من باب النوستالجيا والتغني بالعصور البائدة بل من باب التذكير بان تراثنا الحقيقي قد مسخ في عصر الاستبداد وديننا الحنيف قد شوه في زمن القهر حتي اصبحنا اضحوكة في قاعات محاكم الدولة الكافرة حسب اسلامنا المروج من قبل النظام والذي بدأ يتنصل منه مؤخرا.

    ولكننا نقول ان محاكم الدولة الكافرة كانت عادلة وربما هذا هو السبب الخفي وراء كونها اليوم في ميزان القوي العالمية من الدول التي تستطيع فرض سيادتها.

    اما نحن ابناء الفئة الناجية فلماذا لا تعدل محاكمنا وتنصف كتابنا وشبابنا ونساءنا الذين يقبعون في السجون جريمتهم المطالبة بحقوق كرسها ديننا وعدالة من صلب تراثنا ومخزوننا الحضاري.

    لماذا يسجن الكتاب الذين يكتبون عن العدالة في الاسلام واصول الحكم بينما يبقي الآخرون الذين يشتمون ويقذفون في اعراض النساء والرجال احرارا يعبثون بأقلامهم علي صفحات في جرائد تمتص الثروة وتبذر الاموال؟

    ربما يقف هذا النظام وقفة تأمل بعد قضية الشيخة موزة.

    اننا نستبعد هذه الوقفة رغم ان واجب المسؤولية يمليها علي كل من في نفسه غيرة علي مصلحة البلد الا اننا نأمل اعادة صياغة السياسة الاعلامية السعودية المحلية وتحرر الاعلام العربي المهاجر من قبضة نظام تزحلق بطريقة مخجلة.


    * كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية.


    (نقلا من جريدة القدس العربي)

    __________________
     

مشاركة هذه الصفحة