قصائد قتلت أصحابها: في بحث يغني المكتبة العربية ، شعراء تحت مجهر الموت

الكاتب : alagi   المشاهدات : 882   الردود : 0    ‏2005-01-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-01-25
  1. alagi

    alagi عضو

    التسجيل :
    ‏2005-01-24
    المشاركات:
    88
    الإعجاب :
    0
    قصائد قتلت أصحابها: في بحث يغني المكتبة العربية ، شعراء تحت مجهر الموت

    قديما كان الشاعر والقصيدة يؤلفان مؤسسة اعلامية فاعلة وكانت القصيدة أيضاً البيان السياسي للتكتلات السياسية والاجتماعية والمذهبية . كان الشعر يشكل الأساس لحركة المجتمع العربي, لذلك كان الإعلان عن ظهور الشاعر في القبيلة من الأحداث الهامة, بل من المناسبات البارزة التي يفخر أبناء القبيلة بتسجيل وقائعها, ويحرصون على التبشير بها بين القبائل, وما قتل الشاعر سوى محاولة لقتل الجسد فقط, لأنَّ استمرارية الشاعر في استمرارية أشعاره, لذلك فالشعر إذا قتل صاحبه فإنه (بالضرورة) يمنحه الخلود, لأنه بهذا الموت يتابع حياته ـ الثانية ـ الأبدية من خلال أشعاره الخالدة. ولتأثير الشعر (كان العرب يعتقدون بأن من يمسك قيادة الشعر فإنه يمسك بالضرورة قيادة المجتمع وحركته) , وهذا بحد ذاته مؤشر أكيد على دور الشعر وأهميته في حركة المجتمع العربي, فإبن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة) ص ,153 يقول: (كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك) . لهذا فإن (قصائد قتلت أصحابها) للباحث باقر ياسين, دليل على أهمية الشعر وأهمية القصيدة, وعلى تأثيرها الفعال في الحياة العربية خلال العصور الأدبية المختلفة, والكتاب يحتوي على فصلين حيث نتعرف من خلاله على سعة إطلاع الباحث على الشعر العربي, وعلى قدرته في استنتاج النتائج, وايصالها بشكلها الصحيح الشيق, وبإسلوبها القصصي الممتع في عرض الحوادث التي انسحق تحت وطأتها أولئك الشعراء. والبحث في هذا الكتاب يقتصر على العصور العربية الأربعة المعروفة ــ الجاهلي, الإسلامي, الأموي, العباسي ــ وبالتحديد الفترة الممتدة بين أوائل العصر الجاهلي ونهاية العصر العباسي, وللإشارة فقط فإن من بين هؤلاء الشعراء من قتل بسبب قصيدة من قصائده, أو بضعة أبيات, وحتى هناك من قتل من أجل بيت واحد. ففي الفصل الأول, والمعنون بـ (قتل الشعراء وإعدامهم في التاريخ العربي) نجد كيف كان (الشعر ديوان العرب) عند أجدادنا, وهو عبارة عن دراسة لواقع الشعر العربي ودوره في الحياة العامة, حيث كان الشاعر إعلامي القبيلة, وكانت لكلماته وقعاً وتأثيراً في النفوس وفي العقول, بحيث يمكن لكلمة يقولها شاعر أن ترفع قبيلة أو تخفض شأن عشيرة كما فعل الحطيئة مع بني (أنف الناقة) إذ رفع شأنهم بقوله:


    قوم هم الأنفُ والأذنابُ دونهم
    ومن يسوي بأنفِ الناقة الذنبا
    هكذا كان الشاعر والقصيدة يؤلفان مؤسسة إعلامية فاعلة, وهكذا مثلت القصيدة البيان السياسي للتكتلات السياسية والاجتماعية, وحتى (المذهبية والحزبية) ــ حسب رأي الباحث ــ وهكذا كانت للكلمة أثرها البالغ في نفوس العرب. كل ذلك قدمه الباحث مدعما آراءه بالشواهد المختارة من التراث العربي الغني والمتنوع.


    أما في الفصل الثاني والمعنون بـ (قصائد قتلت أصحابها) وهو الأوسع مساحة والأشمل تدقيقاً, إذ يشتمل على وقائع قتل واحد وثلاثين شاعراً ينتمون لعصور مختلفة, وفق ترتيب أبجدي, وهذا الفصل يعتبر الكشف عن الواقعة التي جرى خلالها إعدام الشاعر أو قتله, والقصيدة المسببة لذلك, مما يخلق لدينا الإشفاق والتعاطف مع هؤلاء الشعراء الذين أزهقت أرواحهم, لأن هؤلاء الشعراء ضحايا قصائدهم فقط, والقصيدة بطبيعتها تقود الشاعر إلى الحياة لا إلى الموت. فجميع هؤلاء الشعراء ــ أعشى همدان, ابن الرومي, المتنبي, أبو الينبغي, أبو نخيلة, الأقيشر, بشار بن برد, دوقلة المنبجي, دعبل الخزاعي, هدبة بن خشرم, زيادة بن زيد, وضاح اليمن, حماد عجرد, الحلاج, طرفة بن العبد, كعب بن الأشرف, الكميت, محمد بن سعيد العامري, محمد بن منظور القرشي, مروان بن أبي حفصة, منصور النمري, سديف بن ميمون, سالم بن دارة, عبد بني الحسحاس, عبد الله العرجي, علي بن جبلة, عطية بن الأسود الكلبي, عمرو الأشدق, صالح بن عبد القدوس, الرشيد بن الزبير الأسواني, الفضل بن سهل ــ قادتهم قصائدهم إلى الموت, ولأن قتل كل شاعر يختلف عن شاعر آخر, وكذلك قصيدته, فإن الأوجع يبقى أكثر دليلاً, وربما الأكثر تأثرا, وخاصة إذا عرفنا أن شاعرا قد كتب طوال حياته قصيدة واحدة ــ يتيمة ــ وهذه القصيدة كانت ثمنا لحياته, فكما يقول الباحث: (القصيدة القاتلة هنا هي اليتيمة, تلك القصيدة التي ذاع صيتها بهذا الاسم بعد أن سميت بأسماء أخرى كدعد, وبعد أن بقي اسم قائلها مجهولاً لسنين طويلة) , ثم يضيف الباحث (ولعل تسميتها باليتيمة لكونها وحيدة لا شبيه لها نظرا لقوة سبكها وروعة تشبهاتها ومعانيها وسلاسة صياغاتها ووضح مقاصدها) فالقصيدة اليتيمة تضم ستين بيتاً, وهي للشاعر دوقلة المنبجي, وفيها يقول:


    لهفي على دعد وما خلقت
    إلا لطول بليتي دعد
    بيضاء قد لبس الأديم وأديم
    الحسن فهو لجلدها جلد
    ويزين فوديها إذا حسرت
    ضافي الغدائر فاحم جعد
    فالوجه مثل الصبح مبيض
    والشعر مثل الليل مسود
    ضدان لما استجمعا حسناً
    والضد يظهر حُسنه الضدُ



    هذا بالنسبة إلى هذا الشعر السيئ الحظ, أما بالنسبة إلى الشاعر الفضل بن سهل وزير المأمون, والملقب بـ ذي الرئاستين ــ لأنه دبر أمر السيف والقلم معاً ــ فإنه أيضاً يستحق الوقوف, لأنه كان من أخبر الناس بعلم التنجيم, وتذكر الروايات عنه مجموعة من الحوادث والوقائع التي صدق فيها حدسه وتوقعه قبل وقوعها وحصلت بعد ذلك, حيث يروى عنه أنه توقع لنفسه أن يموت ــ يقتل ــ وعمره ثمانية وأربعون عاما, وفعلا قتل في هذا العمر, والملفت أيضا ان الفضل بن سهل لم يشتهر كشاعر, بل اشتهر كقائد سياسي وعسكري, ولم ينظم إلا القليل من الشعر, ورغم ذلك فقد قتلته تلك القصيدة التي نظمها في المأمون. من خلال هذين الشاعرين نكتشف حجم الفاجعة التي نزلت في بقية الشعراء, والكتاب رغم أهميته جعل الباحث يسهو نوعاً ما, حيث هناك العديد من الشعراء الذين قتلتهم أشعارهم, ولم يتطرق إليهم الباحث, ورغم ذلك يبقى كتاب (قصائد قتلت أصحابها) كتابًا هاماً جداً, حيث نتعرف فيه على الشعراء الذين كان الشعر سبباً في مقتلهم, حيث استعرض الباحث باستقصاء تفصيلي موثق تلك القصص المثيرة التي روت لنا كيف واجه هؤلاء الشعراء الضحايا قرار الموت النازل بحقهم, وكيف تم اغتيالهم, أو كيف تم تنفيذ الإعدام بهم, والأساليب التي أتبعت في ذلك وفق معايير العصر والزمان الذي وقعت فيه مجريات تلك الحوادث المأساوية المؤلمة. ومن جماليات هذا الكتاب أن الباحث اختتم كتابه بقصة شاعر أنقذته قصيدته من الموت المحقق, بعد سرده لكل تلك القصص المؤلمة والموجعة, والقصيدة المنقذة للشاعر (محمد بن البعيث) الذي تمرد على الخليفة المتوكل, ولما ظفر به ــ الخليفة ــ أراد أن يعدمه, لكن بلاغة قصيدته كانت سداً بينه وبين تنفيذ الحكم, ثم ينهي الباحث كتابه بمقولة جميلة جداً, حينما يقول: من بين تلك القصائد القاتلة التي حواها الكتاب, وهذه القصيدة المنقذة, هناك قاسم مشترك واحد, هو تلك الأهمية الاستثنائية الفائقة للشعر في الحياة العربية, وتلك الروح السحرية التي تملكها القصيدة العربية, فتتملك بها روح الإنسان العربي وعواطفه وسمعه وقلبه ووجدانه
     

مشاركة هذه الصفحة