الأشاعرة - الفرقة الكلامية - وبكل انصاف

الكاتب : " سيف الاسلام "   المشاهدات : 1,183   الردود : 4    ‏2005-01-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-01-02
  1. " سيف الاسلام "

    " سيف الاسلام " عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-08-11
    المشاركات:
    2,074
    الإعجاب :
    0
    الأشاعرة : فرقة كلامية إسلامية ، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة . وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم ، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب .

    التأسيس وأبرز الشخصيات :

    · أبو الحسن الأشعري : هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، ولد بالبصرة سنة 270هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث مراحل :

    - المرحلة الأولى : عاش فيها في كنف أبي علي الجيائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته . ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة .

    - المرحلة الثانية : ثار فيه على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه ، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يوماً ، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه ، وأعلن البراءة من الاعتزال وخط لنفسه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها .

    - المرحلة الثالثة : إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل ، وفي هذه المرحلة كتب كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي عبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل . ولم يقتصر على ذلك بل خلف مكتبة كبير ة في الدفاع عن السنة وشرح العقيدة تقدر بثمانية وستين مؤلفاً ، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي على جنازته : " اليوم مات ناصر السنة " .

    · بعد وفاة أبو الحسن الأشعري ، وعلى يد أئمة المذهب وواضعي أصوله وأركانه ، أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور ، تعدد فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في أصول المذهب وعقائده ، و ما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل ، واضحة أصوله الاعتقادية ، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية ، بل تذبذبت مواقفهم واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على المعتزلة . من أبرز مظاهر ذلك التطور :

    - القرب من أهل الكلام والاعتزال .

    - الدخول في التصوف ، والتصاق المذهب الأشعري به .

    - الدخول في الفلسفة وجعلها جزء من المذهب .

    · من أبرز أئمة المذهب :

    -القاضي أبو بكر الباقلاني : ( 328-402هـ ) (950-1013هـ ) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ، من كبار علماء الكلام ، هذب بحوث الأشعري ، وتكلم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها كثيراً إذ لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة ، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة وذلك في كتابه : تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل .

    ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها . وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم ، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها . من كتبه : إعجاز القرآن ، الإنصاف ، مناقب الأئمة ، دقائق الكلام ، الملل والنحل ، الاستبصار ، تمهيد الأوائل ، كشف أسرار الباطنية .

    _ أبو إسحاق الشيرازي : ( 293-476هـ ) ( 1003-1083م ) . وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي ، العلامة المناظر ، ولد في فيروز أباد بفارس وانتقل إلى شيراز ، ثم البصرة ومنها إلى بغداد سنة ( 415هـ ) . وظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام ، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للأمة في عصره ، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة . بنى له الوزير نظام الملك : المدرسة النظامية على شاطىء دجلة ، فكان يدرس فيها ويديرها .

    عاش فقيراً صابراً ، وكان حسن المجالسة ، طلق الوجه فصيحاً ، مناظراً ، ينظم الشعر ، مات ببغداد وصلى عليه المقتدر العباسي .

    من مصنفاته : التنبيه والمهذب في الفقه ، والتبصرة في أصول الشافعية ، وطبقات الفقهاء ، واللمع في أصول الفقه وشرحه ، والملخص ، والمعونة في الجدل .

    · أبو حامد الغزالي : ( 450-505هـ) ( 1058-1111م ) وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، حجة الإسلام .. ولد في الطابران ، قصبة طوس خراسان وتوفي بها . رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد ، فالحجاز ، فبلاد الشام ، فمصر ثم عاد إلى بلدته .

    لم يسلك الغزالي مسلك الباقلاني ، بل خالف الأشعري في بعض الآراء وخاصة فيما يتعلق بالمقدمات العقلية في الاستدلال ، وذم علم الكلام وبين أن أدلته لا تفيد اليقين كما في كتبه المنقذ من الضلال ، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة ، وحرم الخوض فيه فقال : " لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام " . اتجه نحو التصوف ، واعتقد أنه الطريق الوحيد للمعرفة .. وعاد في آخر حياته إلى السنة من خلال دراسة صحيح البخاري .

    · أبو إسحاق الإسفراييني : ( ت418هـ) ( 1027م ) وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين وهو أول من لقب به من الفقهاء . نشأ في إسفرايين ( بين نيسابور وجرجان ) ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها ، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق ، فاشتهر في العالم الإسلامي . ألف في علم الكلام كتابه الكبير ، الذي سماه الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين . قال ابن خلكان : رأيته في خمسة مجلدات . توفي أبو إسحاق الإسفراييني يرحمه الله تعالى - في يوم عاشوراء سنة عشرة وأربعمائة بنيسابور ثم نقل إلى إسفرايين ودفن بها وكان قد نيف على الثمانين .

    · إمام الحرمين أبو المعالي الجويني : ( 419-478هـ ) ( 1028-1085م ) . وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين ( من نواحي نيسابور ) ثم رحل إلى بغداد ، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين ، وذهب إلى المدينة المنورة فأفتى ودرس . ثم عاد إلى نيسابور فبنى له فيها الوزير نظام الملك المدرسة النظامية ، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء . وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع ، ودافع عن الأشعرية فشاع ذكره في الأفاق ، إلا أنه في نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف . وقد قال في رسالته : النظامية والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة … ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم ، فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي فقد قال فيه :" والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب ، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين ، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات … " .

    - نقل القرطبي في شرح مسلم أن الجويني كان يقول لأصحابه : " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به " . توفي بنيسابور وكان تلامذته يومئذ أربعمائة . ومن مصنفاته . العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية ، البرهان في أصول الفقه ، ونهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعية ، والشامل في أصول الدين .

    * الإمام الفخر الرازي ( 544هـ – 1150م ) ( 606هـ - 1210م ) : هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد ، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي قال عنه صاحب وفيات الأعيان " إنه فريد عصره ونسيج وحده ، فاق أهل زمانه في علم الكلام ، والمعقولات " أهـ ، وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة ، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدمه على الأدلة الشرعية . قال فيه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : ( 4/426 - 429 ) : " كان له تشكيكات على السنة على غاية من الوهن " إلا أنه أدرك عجز العقل فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف ، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طريق علم الكلام فقال : " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية رأيتها لا تشفي عليلاً ولا تروي عليلاً ، ورأيت أقرب الطرق ، طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات [ الرحمن على العرش استوى ] و [ إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه ] ، و أقر في النفي [ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ] و [ ولا يحيطون به علماً ] ، ثم قال في حسرة وندامة : " ومن جرب تجربتي عرف معرفتي " أهـ . ( الحموية الكبرى لا بن تيمية ) .

    من أشهر كتبه في علم الكلام : أساس التقديس في علم الكلام ، شرح قسم الإلهيات من إشارات ابن سينا ، واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات ، البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والضلال ، كافية العقول .

    الأفكار والمعتقدات :

    · مصدر التلقي عند الأشاعرة : الكتاب والسنة على مقتضى قواعد علم الكلام ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض ، صرح بذلك الرازي في القانون الكلي للمذهب في أساس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .

    - عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر منها يجب تأويله ، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن ، ولقوله صلى الله عليه وسلم " نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها … " الحديث ، وحديث تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .

    - مذهب طائفة منهم وهم : صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي ، تقديم الكشف والذوق على النص ، وتأويل النص ليوافقه . ويسمون هذا " العلم اللدني " جرياً على قاعدة الصوفية " حدثني قلبي عن ربي " . وكما وضح ذلك في الرسالة اللدانية 1/114-118 من مجموعة القصور العوالي ، وكبرى اليقينيات لمحمد سعيد رمضان البوطي ، الإهداء - 32-35 . ولا يخفى ما في هذا من البطلان والمخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب .

    · يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام :

    - قسم مصدره العقل وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا يسمون الصفات التي تثبت بالعقل " عقلية " وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على الوحي عندهم . أما ما عدا ذلك من صفات خير دل الكتاب والسنة عليها فإنهم يؤولونها .

    - قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية - على خلاف بينهم فيها .

    - قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر والصراط والميزان وهو مما لا يحكم العقل باستحالته ، فالحاصل أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكماً ، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً ، وفي الرؤية جعلوه مساوياً . أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل أصلاً ولا تقديم للعقل في جانب وإهمال في جانب آخر وإنما يبدأ بتقديم النقل على العقل .

    * خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعالى ، ووافقوا الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم : إن الكون حادث ولا بد له من محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفة للحوادث وعدم حلوله فيها ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسم ولا في جهة ولا في مكان . وقد رتبوا على ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر مثل : إنكارهم صفات الرضا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم العالم ، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق سبحانه وتعالى .

    · التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة . وفي ذلك يقولون : إن الله واحد في ذاته لا قسيم له ، واحد في صفاته لا شبيه له ، واحد في أفعاله لا شريك له . ولذلك فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع ، و أنكروا صفات الوجه واليدين والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم . وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة من سلف الأمة ومن تبعهم - ، وبذلك جعل الأشاعرة التوحيد هو إثبات ربوبية الله عز وجل دون ألوهيته وتأويل بعض صفاته .

    وهكذا خالف الأشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة والجماعة أن التوحيد هو أول واجب على العبد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل .

    - إن أول واجب عند الأشاعرة إذا بلغ الإنسان سن التكليف هو النظر أو القصد إلى النظر ثم الإيمان ، ولا تكفي المعرفة الفطرية ثم اختلفوا فيمن آمن بغير ذلك بين تعصيته و تكفيره ..

    بينما يعتقد أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له ، توحيد الألوهية بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، وأن معرفة الله تعالى أمر فطري مركوز في النفوس .

    - يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع وكذلك صفتي العلو والاستواء . وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه ، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات بل توسعوا في باب التأويل حيث أكثر نصوص الإيمان خاصة فيما يتعلق بإثبات الزيادة والنقصان ، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء . أما مذهب السلف فإنهم يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص - بمعنى تحريفه - أو تفويضه ، سواءاً كان في نصوص الصفات أو غيرها .

    · الأشاعرة في الإيمان بين : المرجئة التي تقول يكفي النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان ، وبين الجهمية التي تقول يكفي التصديق القلبي . ورجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين إن المصدق بقلبه ناجٍ عند الله وإن لم ينطق بالشهادتين ، ( تبسيط العقائد الإسلامية 29-32 ) . و مال إليه البوطي و ( كبرى اليقينيات 196 ) . وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقاد ، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها : ( أم حسب الذين اجترحوا اليسئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون ) . عليه يكون إبليس من الناجين من النار لأنه من المصدقين بقلوبهم ، وكذلك أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله وغير ذلك كثير .

    · الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير فتارة يقولون لا تكفر أحداً ، وتارة يقولون لا تكفر إلا من كفرنا ، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق و التبديع أو بأمور لا توجب التفسيق ، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظواهر النصوص حيث يقولون : إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر .

    أما أهل السنة والجماعة فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من يستحقه شرعاً ،

    ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفرة بإثبات شروط وانتفاء موانع 0

    · قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي وإن الكتب بما فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة : " يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم " وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة .

    أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو : أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل و سمعه موسى - عليه السلام - ويسمعه الخلائق يوم القيامة . يقول تعالى : (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )) .

    · والإيمان والطاعة بتوفيق الله ، والكفر والمعصية بخذلانه ، والتوفيق عند الأشعري ، خلق القدرة على الطاعة ، والخذلان عنده : خلق القدرة على المعصية ، وعند بعض أصحاب الأشعري ، تيسير أسباب الخير هو التوفيق وضده الخذلان .

    · كل موجود يصح أن يرى ، والله موجود يصح أن يرى ، وقد ورد في القرآن أن المؤمنين يرونه في الآخرة ، قال تعالى : (( وجوه يوم ناظرة إلى ربها ناظرة )) . ولكن يرى الأشاعرة إنه لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع فإن كل ذلك مستحيل . وفي ذلك نفي لعلو الله تعالى والجهة بل ونفي للرؤية نفسها . ويقرب الرازي كثيراً من قول المعتزلة في تفسيره للرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي .

    · حصر الأشاعرة دلائل النبوة بالمعجزات التي هي الخوارق ، موافقة للمعتزلة وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي بينما يرى جمهور أهل السنة أن دلائل ثبوت النبوة للأنبياء كثيرة ومنها المعجزات .

    · صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا بغير توبة حكمه إلى الله تعالى ، إما أن يغفر له برحمته ، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة .

    · يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاته ، وأن الله تعالى أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها ، فيكون الفعل خلقاً من الله وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته . ولقد عد المحققون " الكسب " هذا من محالات الكلام وضربوا له المثل في الخفاء والغموض ، فقالوا : " أخفى من كسب الأشعري " ، وقد خرج إمام الحرمين وهو من تلاميذ الأشعري عن هذا الرأي ، وقال بقول أهل السنة والجماعة بل والأشعري نفسه كتاب الإبانة رجع عن هذا الرأي .

    · قالوا بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً ، ولكنهم قالوا إن الله يجعل لكل نبي معجزة لأجل إثبات صدق النبي فتناقضوا في ذلك بين ما يسمونه نفي الحكمة و الغرض وبين إثبات الله للرسول المعجزة تفريقاً بينه وبين المتنبئ .

    · وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأحوال البرزخ ، وأمور الآخرة من : الحشر والنشر ، والميزان ، والصراط ، والشفاعة والجنة والنار ، لأنها من الأمور الممكنة التي أقر بها الصادق صلى الله عليه وسلم ، وأيدتها نصوص الكتاب والسنة ، وبذلك جعلوها من النصوص السمعية .

    · كما وافقوهم في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم ، وأن ما وقع بينهم كان خطاً وعن اجتهاد منهم ، ولذا الكف عن الطعن فيهم ، لأن الطعن فيهم إما كفر ، أو بدعة ، أو فسق ، كما يرون الخلافة في قريش ، وتجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر ، ولا يجوز الخروج على أئمة الجور . بالإضافة إلى موافقة أهل السنة في أمور العبادات والمعاملات .

    · فضلاً عن تصدي الأشعري للمعتزلة ومحاجتهم بنفس أسلوبهم الكلامي ليقطع شبهاتهم ويرد حجتهم عليهم ، تصدى أيضاً للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية ، والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة .

    · والأشعري في كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي هو آخر ما ألف من الكتب على أصح الأقوال ، رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات وعدم التأويل .. يقول رحمه الله :" وقولنا الذي نقول به ، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبينة نبينا عليه السلام ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته - قائلون ، ولما خالف قوله مخالفون ، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ، ورفع به ضلال الشاكين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفخم ".

    · إن مدرسة الأشعرية الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي ، ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي : " فقدت حيويتها ونشاطها الفكري ، وضعف إنتاجها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً وبدت فيها آثار الهرم والإعياء ". لماذا ؟

    - لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة وأصبح علم الكلام لديهم علماً متناقلاً بدون تجديد في الأسلوب .

    - لإدخال مصطلحات الفلسفة وأسلوبها في الاستدلال في علم الكلام .. فكان لهذا أثر سيئ في الفكر الإسلامي ، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة ومسلك السلف ، تمثلاً صحيحاً ، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك .. حتى الغزالي نفسه الذي حارب الفلاسفة في كتبه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي : " شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر " .

    - تصدي الإمام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسلامية التي اعتقد أنها انحرفت عن الكتاب والسنة - ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم - في كتابه القيم : درء تعارض العقل والنقل وفند آراءهم الكلامية ، وبين أخطاءهم وأكد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيد ة .

    الجذور الفكرية و العقائدية :

    · كما رأينا في آراء أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية أن العقيدة الإسلامية ، كما هي في الكتاب والسنة و على منهج ابن كلاب هي الأساس في آرائه الكلامية وفي ما يتفق مع أحكام العقل .

    · تأثر أئمة المذهب بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات : الجهمية من الإرجاء والتعطيل ، وكذلك بالمعتزلة والفلاسفة في نفي بعض الصفات وتحريف نصوصها ، ونفي العلو والصفات الخبرية كما تأثرو بالجبرية في مسألة القدر .

    · لا ينفي ذلك تأثرهم بعقيدة أهل السنة والجماعة فيما وافقوهم فيها .

    الانتشار ومواقع النفوذ :

    انتشر المذهب الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعري العقيدة ، وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية ، وكذلك أصبحت العقيدة الأشعرية عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة .

    وزاد في انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية ، ومدرسة نيسابور النظامية ، وكان يقوم عليهما رواد المذهب الأشعري ، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامية وقتها ، كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي الموحدين ، ونور الدين محمود زنكي ، والسلطان صلاح الدين الأيوبي ، بالإضافة إلى اعتماد جمهرة من العلماء عليه ، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله ، لا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة .

    يتضح مما سبع :

    إن الأشاعرة فرقة كلامية إسلامية تنسب إلى أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية التي خرج فيها على المعتزلة ودعى فيها إلى التمسك بالكتاب والسنة ، على طريقة ابن كلاب ، وهي تثبت بالعقل الصفات العقلية السبع فقط لله تعالى ، ( الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ) واختلفوا في صفة البقاء ، أما الصفات الاختيارية والمتعلقة بالمشيئة من الرضا والغضب والفرح والمجيء والنزول فقد نفوها ، بينما يأولون الصفات الخبرية لله تعالى أو يفوضون معناها . ويؤمن متأخرو الأشاعرة ببعض الأفكار المنحرفة عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي تصدى لها ولغيرها شيخ الإسلام ابن تيمية ، لا سيما في مجال العقيدة ، حيث أكد أن أسلوب القرآن والسنة بفهم السلف الصالح هو الأسلوب اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة والدين . وعموماً فإن عقيدة الأشاعرة تنسب إلى عقيدة أهل السنة والجماعة بالمعنى العام في مقابل الخوارج والشيعة والمعتزلة ، وأن الأشاعرة ، وبخاصة أشاعرة العراق الأوائل أمثال أبو الحسن الأشعري ، والباهلي ، وابن مجاهد ، والباقلاني وغيرهم ، أقرب إلى السنة والحق من الفلاسفة والمعتزلة بل ومن أشاعرة خراسان كأبي بكر بن فورك وغيره ، وإنهم ليحمدوا على موافقتهم في الدفاع عن السنة والحق في وجه الباطنية والرافضة والفلاسفة ، فكان لهم جهد المحمود في هتك أستار الباطنية وكشف أسرارهم ، بل وكان لهم جهادهم المشكور في كسر سورة المعتزلة والجهمية . وعلى ذلك فإن حسناتهم على نوعين كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية : " إما موافقة السنة والحديث ، وأما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم " . ويقول أيضاً : " ومنهم من يذمهم لما وقع كلامهم من البدع والباطل ، وخير الأمور أوسطها " . درء التعارض 2/102-103 . ويقول في كتاب النبوات : " حيث إن خطؤهم بعد اجتهادهم مغفور " . وأخيراً يقول في درء التعارض :" .. فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول . فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله ، وإظهار العلم الصحيح .. وما من أحد من هؤلاء هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع " .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-01-02
  3. نور الدين زنكي

    نور الدين زنكي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-06-12
    المشاركات:
    8,612
    الإعجاب :
    69
    الاحباش هم اشاعرة اليوم
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-01-02
  5. الأحسائي الحسني

    الأحسائي الحسني عضو

    التسجيل :
    ‏2004-03-13
    المشاركات:
    226
    الإعجاب :
    0
    تحقيق الجهد في خبط اللئام بمقولتهم عن شيوخ الاسلام ونقض زعم مبتورهم 0 سيف الاسلام0@@

    سيف الاسلام "]
    الأشاعرة : فرقة كلامية إسلامية ، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة . وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم ، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب .

    الرد:
    هذا تعريف غير صحيح وغير مؤيد بنقل من كتب الأشاعرة، فالأشاعرة لم يقتصروا على الكلام فقط بل هم مشاركون مشاركة فعالة لا غنى عنها في شتى العلوم الإسلامية، وقد برّزوا في علوم التفسير والحديث والفقه وسائر العلوم، حتى إن الذي يريد أن يؤلف في علم من علوم الإسلام لن يستغني البتة عن كتب الأشاعرة في ذلك العلم، فالقول أنهم فرقة كلامية هو غمص لهم وتقليل من شأنهم.

    أما أنهم أثبتوا الحقائق على طريقة ابن كلاب فهذا مما لا يُعرف عن الأشاعرة، فالمعروف عنهم أنهم أسسوا طريقهم العلمي في علم العقيدة على طريقة أبي الحسن الأشعري الذي نافح عن عقيدة المسلمين ورد على أهل الأهواء، وليس على طريقة ابن كلاب.


    يقول المخالف:
    التأسيس وأبرز الشخصيات :

    · أبو الحسن الأشعري : هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، ولد بالبصرة سنة 270هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث مراحل :

    - المرحلة الأولى : عاش فيها في كنف أبي علي الجيائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته . ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة .

    - المرحلة الثانية : ثار فيه على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه ، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يوماً ، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه ، وأعلن البراءة من الاعتزال وخط لنفسه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقل : الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها .
    الرد:
    المرحلة الثانية المذكورة هنا ليست دقيقة أبداً فالأشعري والأشاعرة يثبتون الوجه واليد والاستواء ولا يستدلون على الصفات بمجرد العقل إنما جعلوا العقل شاهدا من الشواهد على صحة الشرع ويقولون أن الصفات تثبت بالنص إنما يدل العقل بعد ثبوت النص على بعض الصفات، ويتسعملون العقل وقت المناظرة مع أهل الأهواء، فليس العقل مقدم على الشرع ومن يقول غير ذلك فعليه بالبينة، والبينة على من ادعى.

    وما عُرف أحد يقدم العقل على النقل في الصفات إلا المعتزلة، فكيف يقال عن أبي الحسن الأشعري أنه ترك المعتزلة ثم ينسب له ما يعتبر أساس من أساسات المعتزلة ألا وهو تقديم العقل على النقل في الصفات.

    وقضية التأويل قضية طويلة الذيل، فالتأويل عند الأشاعرة مضبوط بالنقل وليس الأمر على عواهنه، وكما ورد عن بعض الصحابة والتابعين والأئمة من السلف نصوص في التأويل فقد ورد عن علماء الأشاعرة كذلك ولكنها منضبطة بضوابط الشرع، ومن يقول عن الأشاعرة أنهم عطلوا الصفات فقد وصفهم بما هم بريئون منه وهذا اتهام لهم بالباطل بل تكفير لهم لأن معطل الصفات كافر والعياذ بالله.


    - المرحلة الثالثة : إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل ، وفي هذه المرحلة كتب كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي عبر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل . ولم يقتصر على ذلك بل خلف مكتبة كبير ة في الدفاع عن السنة وشرح العقيدة تقدر بثمانية وستين مؤلفاً ، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي على جنازته : " اليوم مات ناصر السنة " .

    الرد:
    هذا التقسيم ذي المراحل الثلاث لا يعرف عن أبي الحسن الأشعري وليس مما نقله عنه تلاميذه بل المشهور المعروف عنه هو ترك الاعتزال والرجوع إلى أهل السنة والجماعة، وأعلم الناس بالشيخ تلاميذه وخاصته، وكتبه أيضاً تعتبر من المراجع التي تدل على حال الرجل ولكن هذا إذا صح ما فيها عنه، فليس كل ما في كتاب الإبانة من تسطير يد الأشعري، فقد دخل على هذا الكتاب دس وتحريف كثير جعل من العسير بل من المتعذر فصل كلام الأشعري عن كلام غيره، فقد اختلط كلام الأشعري بما دسه الحشوية عليه، ولي في هذا الموضوع بحث يثبت أن الإبانة الموجودة بين أيدينا اليوم لا يعتمد عليها في تقرير منهج الأشعري رحمه الله وسأوافيك به لاحقاً حتى لا يطول الكلام هنا.

    والمعتمد هو ما نقله عنه ثقات تلاميذه بالإسناد الصحيح المتصل مما اثبته الحافظ ابن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري فيما نسبه للإمام أبي الحسن الأشعري" وهو كتاب نفيس جداً في بابه، فلا تقدم شهادة مجهول من المعاصرين على شهادة إمام في الحديث والرجال كالإمام ابن عساكر فهو الموصوف بحافظ الشام وصاحب الموسوعة الضخمة "تاريخ دمشق"، وكذا من أوثق الكتب التي تعرض منهج الإمام الأشعري كتاب "مقالات الأشعري" للإمام ابن فورك الذي قتله الحشوية بالسم بعد أن ناظرهم وكسر شوكتهم.
    ·

    بعد وفاة أبو الحسن الأشعري ، وعلى يد أئمة المذهب وواضعي أصوله وأركانه ، أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور ، تعدد فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في أصول المذهب وعقائده ، و ما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل ، واضحة أصوله الاعتقادية ، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية ، بل تذبذبت مواقفهم واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على المعتزلة . من أبرز مظاهر ذلك التطور :
    الرد:
    هذه مقولة عظيمة فحسبنا الله ونعم الوكيل، بل لن تجد منهجاً إسلامياً مؤصلاً كما هو منهج الأشاعرة في العقيدة لأنه مبني على الكتاب والسنة ولو لم يكن كذلك لما رضيه علماء المسلمين شرقاً وغرباً قرناً بعد قرن، وسآتيك بثلة من علماء الأشاعرة المشاركين في كل علم لتعرف من هم هؤلاء الرجال الذين يسِمهم صاحب هذه المقالة بالتذبذب في أهم أمور الدين ألا وهي العقيدة، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم والوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون.


    - القرب من أهل الكلام والاعتزال .
    الرد:
    وهذه مثل سابقتها، وهل عانى المعتزلة مثل ما عانوا من الأشاعرة، وهل كان انقراضهم وانخماد ذكرهم إلا على يد الأشاعرة، فنسبة الأشاعرة للقرب من الاعتزال هو دعوة غير صحيحة هدفها الحط على الأشاعرة والتنفير منهم.

    أما علم الكلام (نسبة إلى مسألة الكلام التي حصل فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل وبين المعتزلة في زمن خلافة المأمون والمعتصم والمقتدر حتى رفعها المتوكل لصالح أهل السنة والجماعة فكان له اليد البيضاء في نصرة دين الله)، فإن كان المقصود بعلم الكلام ما يحتاج إليه من ترتيب للحجج وتنسيق للأدلة للرد على الملاحدة وأهل الأهواء فهو محمود ولا ريب وهو يندرج تحت علوم العقيدة، أما إن كان ما يشتغل فيه من الفلسفة اليونانية والمباحث التي لا طائل من ورائها غير الإمعان في التيه فهو المذموم الذي نهى عنه الأئمة أمثال الشافعي ومالك وغيرهم.

    - الدخول في التصوف ، والتصاق المذهب الأشعري به .

    الرد:
    هذا مما يرفع درجة الأشعرية وليس مما يحطها، فالتصوف المحمود الخالي من الدخل والخرافات مما حض عليه الأئمة وامتدحوه وساروا في ركابه، وأما التصوف المذموم الممخرق فهو برئ من الأشعرية والأشعرية بريئون منه بل أهل التصوف الحق برآء منه ولله الحمد والمنة.



    - الدخول في الفلسفة وجعلها جزء من المذهب .
    الرد:
    هذا تمويه لا أساس له من الصحة وكيف يصح ذلك والأشاعرة هم أكثر من ردوا على الفلاسفة حتى أكفرهم الإمام الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة"، وليست الفلسفة من علوم الإسلام، ومن خاض فيها من علماء الأشاعرة إنما للرد على أهلها وليس لانتهاجها منهجاً ففي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم خير منهج وطريق.

    والكاتب هنا يغفل أن ابن تيمية ممن خاضوا غمار الفلسفة حتى غرق فيها إلى شحمة أذنيه فارتضى من مقالاتهم الكفرية القول بحوادث لا أول لها والعياذ بالله، ولكنه للأسف يهول على الأشاعرة ويصفهم بما ينفر الناس عنهم في زمن الغرباء هذا فطوبى للغرباء.
    ·
    من أبرز أئمة المذهب :

    -القاضي أبو بكر الباقلاني : ( 328-402هـ ) (950-1013هـ ) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ، من كبار علماء الكلام ، هذب بحوث الأشعري ، وتكلم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها كثيراً إذ لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة ، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة وذلك في كتابه : تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل .

    ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها . وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم ، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها . من كتبه : إعجاز القرآن ، الإنصاف ، مناقب الأئمة ، دقائق الكلام ، الملل والنحل ، الاستبصار ، تمهيد الأوائل ، كشف أسرار الباطنية .
    الرد:
    كلام جميل دس فيه كلام سقيم، فقوله "غالى في البراهين العقلية" لا أدري من أين أتى بها، بل غاية ما يقال أنه كان بارعاً ماهراً مبرّزاً فيها، وهذا ما يستدعبه تحسين الظن بعوام المسلمين فما بالك بعالم من علماء المسلمين، ومما يسجل لهذا الشيخ الجليل –كما ذكر الكاتب أعلاه- انتدابه من قبل الخليفة لمناظرة قساوسة الروم في عقر دارهم فناظرهم مناظرته المشهورة التي أراهم فيها ضحالة مكرهم وضئالة فكرهم، وهي مبسوطة في ترجمته رحمه الله.

    أما قوله "لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة"، فإن الرد على أهل الأهواء بالأدلة العقلية وترتيبها لا يمتنع حتى لو لم يرد عين الدليل في الكتاب والسنة، فهو من باب النوازل التي تطرأ على المسلمين فينتدب لها من يردها من علمائهم، ولا يشترط في رده على الملحدين أن تكون كل ردوده وخاصة العقلية مما نص عليها الكتاب والسنة حرفياً ولكن الشرط أن توافق الأصول الواردة في الكتاب والسنة لتصلح نصيراً لهما ومدافعاً عنهما.

    أما قوله برجوع الإمام الباقلاني في كتابه التمهيد فهو مما لا أعرفه عنه ولو صح ذلك لسجله من ترجم له ولا يوجد في ترجمته مثل هذا القول على حد علمي، ثم إن اختيار العالم لأحد مسلكي التأويل غير ممنوع ولا معترض عليه، فالتأويل الإجمالي والتفصيلي مما ورد عن الصحابة والسلف وهو إحدى مسلكي العلماء من الأشاعرة ولكل استعماله وتفصيله في كتبهم، وقد قلت سابقاً إن مسألة التأويل مسألة طويلة الذيل تحتاج لمزيد بيان في موضوع مستقل، والله أعلم وأحكم.

    _ أبو إسحاق الشيرازي : ( 293-476هـ ) ( 1003-1083م ) . وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي ، العلامة المناظر ، ولد في فيروز أباد بفارس وانتقل إلى شيراز ، ثم البصرة ومنها إلى بغداد سنة ( 415هـ ) . وظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام ، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للأمة في عصره ، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة . بنى له الوزير نظام الملك : المدرسة النظامية على شاطىء دجلة ، فكان يدرس فيها ويديرها .

    عاش فقيراً صابراً ، وكان حسن المجالسة ، طلق الوجه فصيحاً ، مناظراً ، ينظم الشعر ، مات ببغداد وصلى عليه المقتدر العباسي .

    من مصنفاته : التنبيه والمهذب في الفقه ، والتبصرة في أصول الشافعية ، وطبقات الفقهاء ، واللمع في أصول الفقه وشرحه ، والملخص ، والمعونة في الجدل .
    الرد:
    أنصف الكاتب هنا، ومما يسجل للشيرازي نصرته للإمام القشيري في حادثة بغداد لما تطاول بعض المنتسبين للحنابلة على الإمام الأشعري فسجل العلماء خطوطهم في نصرة الإمام الأشعري لما فيه من نصرة لأهل السنة والجماعة وكان منهم الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى، وكتاب المجموع للإمام النووي هو شرح لكتاب الشيرازي المسمى المهذب وهو من أهم كتب النووي في الفقه الشافعي.

    · أبو حامد الغزالي : ( 450-505هـ) ( 1058-1111م ) وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، حجة الإسلام .. ولد في الطابران ، قصبة طوس خراسان وتوفي بها . رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد ، فالحجاز ، فبلاد الشام ، فمصر ثم عاد إلى بلدته .

    لم يسلك الغزالي مسلك الباقلاني ، بل خالف الأشعري في بعض الآراء وخاصة فيما يتعلق بالمقدمات العقلية في الاستدلال ، وذم علم الكلام وبين أن أدلته لا تفيد اليقين كما في كتبه المنقذ من الضلال ، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة ، وحرم الخوض فيه فقال : " لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام " . اتجه نحو التصوف ، واعتقد أنه الطريق الوحيد للمعرفة .. وعاد في آخر حياته إلى السنة من خلال دراسة صحيح البخاري .
    الرد:
    لم ينصف ... لم ينصف، فالخلاف بين الغزالي والباقلاني أو الأشعري في مسائل فرعية نتجت عن اجتهاد الإمام الغزالي كالخلاف الذي حصل بين الشافعي ومالك في الفقه مع أن الإمام مالك شيخ للإمام الشافعي ولكنه خلاف لا يفسد للود قضية، والخلاف فيما لا نص فيه من ميادين فحول العلماء.

    أما ذمه للكلام فهو ذم لكلام أهل الأهواء والكلام الذي خالطته الفلسفة وهو الذم الموافق لذم الأئمة، أما علم الكلام المندرج تحت تفصيل وترتيب الردود على الملحدة وغيرهم فالغزالي من أعلامه وأقطابه المبدعين فيه، وليس هو ما ذمه يقيناً.

    أما اتجاهه نحو التصوف فقد قلنا أن التصوف المحمود كان وما يزال منقبة لا مثلبة إنما يحرم التصوف الممخرق المستند على التخاريف المتنقل بين الحلول والاتحاد وغيرها من البواطل.

    وأخيراً ففي العبارة الأخيرة تعريض غير هين بالإمام الغزالي فقوله أنه عاد إلى السنة من خلال دراسة البخاري يوهم انه كان مفارقها طول عمره وأنه ما عرف البخاري إلا في آخر حياته، وهذا ظلم للغزالي الذي نافح عن السنة طيلة عمره حتى أنه المعتمد مجدداً للقرن الخامس الهجري بلا خلاف، والله إن العصبية المذهبية الغالية لتظهر في هذا المقال وضوحاً بيناً رزقنا الله الإنصاف.
    ·
    أبو إسحاق الإسفراييني : ( ت418هـ) ( 1027م ) وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين وهو أول من لقب به من الفقهاء . نشأ في إسفرايين ( بين نيسابور وجرجان ) ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها ، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق ، فاشتهر في العالم الإسلامي . ألف في علم الكلام كتابه الكبير ، الذي سماه الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين . قال ابن خلكان : رأيته في خمسة مجلدات . توفي أبو إسحاق الإسفراييني يرحمه الله تعالى - في يوم عاشوراء سنة عشرة وأربعمائة بنيسابور ثم نقل إلى إسفرايين ودفن بها وكان قد نيف على الثمانين .
    الرد:
    أنصف الكاتب هنا، ومما يذكر للإمام الإسفراييني كتابه "التبصير في الدين" الذي انتهج فيه تعداد الفرق الضالة الوارد ذكرها إجمالاً في حديث الافتراق المشهور، والكتاب مرجع في علم الفرق ككتاب الإمام عبد القاهر البغدادي "الفـَرق بين الفِرق".

    · إمام الحرمين أبو المعالي الجويني : ( 419-478هـ ) ( 1028-1085م ) . وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين ( من نواحي نيسابور ) ثم رحل إلى بغداد ، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين ، وذهب إلى المدينة المنورة فأفتى ودرس . ثم عاد إلى نيسابور فبنى له فيها الوزير نظام الملك المدرسة النظامية ، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء . وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع ، ودافع عن الأشعرية فشاع ذكره في الأفاق ، إلا أنه في نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف . وقد قال في رسالته : النظامية والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة … ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم ، فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي فقد قال فيه :" والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب ، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين ، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات … " .

    - نقل القرطبي في شرح مسلم أن الجويني كان يقول لأصحابه : " يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به " . توفي بنيسابور وكان تلامذته يومئذ أربعمائة . ومن مصنفاته . العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية ، البرهان في أصول الفقه ، ونهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعية ، والشامل في أصول الدين .
    الرد:
    ارى الكاتب ينصف تارة ويظلم تارة أخرى، فالإمام الجويني لم يترك منهج السلف ليرجع إليه في نهاية حياته، بل المحفوظ عنه ما قد قيل هنا وهو اتباع السلف، وهذا ليس فيه اي ذكر لرجوع أو غيره، ولكن علماء الاشاعرة الذين خاضوا في مناظرة الملحدين وأهل الاهواء كانوا وما زالوا يحرّضون الناس وينصحونهم على موافقة السلف حيث لم يكن لهذه المناظرات وجود في القرون المفضلة الثلاثة الا النزر اليسير.

    فإن هذه المناظرات على العوام ممنوعة للخوف عليهم من تزلزل عقائدهم ولكنها على العلماء الراسخين في العلم مندوبة ومحمودة بل وواجبة أحياناً حماية للدين من شبهات المغرضين ودفاعاً عن حياض المسلمين من مكر المتربصين، ولو تُرك أهل الأهواء بلا رد عليهم يقمعهم ويزيل شبههم للعبوا بعقول الضعاف من العامة وأفسدوا عليهم عقائدهم.

    أما نهي الجويني عن الكلام فهو كنهي الغزالي عنه وتفصيل هذه المسألة مسطرة في كتاب الإمام ابن عساكر "تفنيد كذب المفتري".

    * الإمام الفخر الرازي ( 544هـ – 1150م ) ( 606هـ - 1210م ) : هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد ، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي قال عنه صاحب وفيات الأعيان " إنه فريد عصره ونسيج وحده ، فاق أهل زمانه في علم الكلام ، والمعقولات " أهـ ، وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة ، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدمه على الأدلة الشرعية . قال فيه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان : ( 4/426 - 429 ) : " كان له تشكيكات على السنة على غاية من الوهن " إلا أنه أدرك عجز العقل فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف ، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طريق علم الكلام فقال : " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية رأيتها لا تشفي عليلاً ولا تروي عليلاً ، ورأيت أقرب الطرق ، طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات [ الرحمن على العرش استوى ] و [ إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه ] ، و أقر في النفي [ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ] و [ ولا يحيطون به علماً ] ، ثم قال في حسرة وندامة : " ومن جرب تجربتي عرف معرفتي " أهـ . ( الحموية الكبرى لا بن تيمية ) .

    من أشهر كتبه في علم الكلام : أساس التقديس في علم الكلام ، شرح قسم الإلهيات من إشارات ابن سينا ، واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات ، البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والضلال ، كافية العقول .
    الرد:
    محصلة القول في هذا الإمام هو ما قاله عن نفسه أن القرآن هو الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فالردود على أهل الأهواء والبدع بالحجج العقلية لا تعدو كونها مجهودا بشرياً معتمداً على الاجتهاد لا يوازي عظمة القرآن والسنة وإن كان يعتمد عليهما.

    الأفكار والمعتقدات :
    الرد:
    للأسف من هنا إلى آخر المقال كلام مشحون بقلب الحقائق والتمويه، وأعتذر عن علماء الأمة من الأشاعرة بأن أقول أنه مشحون أيضاً بالكذب أجارنا الله منه، فرده ونقده يحتاج لوقت كبير، والمنصف إذا مر بعينيه على بعض أسماء علماء الأشاعرة يعرف أن اتهامهم بمثل هذه التهم هو تخوين لعلماء المسلمين وقطع لإسناد الدين، فلا يوجد عِلم إسلامي يستغني عن علماء الأشاعرة، ولا يوجد في الدنيا اليوم إسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو من أشعري واحد على الأقل.

    فهل يسند الله أمانة نقل هذا الدين إلى رجال من المبتدعة متذبذين في عقائدهم كما يحاول أن يصورهم كاتب هذا المقال، والله إن هذا من الطوام.

    وسأكتفي بوضع اللون الأزرق على كل فرية على الأشاعرة (وربما يفوتني شىء منها من غير أن أنتبه عليه لكثرة الافتراءات التي وضعها هذا الكاتب في مقاله) مما هو مسطر في بقية المقال، ووضعت خطاً تحت بعضها مما حاصله تكفير الأشاعرة والعياذ بالله.

    وإذا أردت معرفة الحق (والكلام هنا للأخ الذي أرسل لي المقال) أكلمك في كل نقطة منها على حدة، أما أن أردها جميعا بالتفصيل فالوقت لا يسعفني لذلك وفي القائمة المرفقة في آخر المقال من أسماء بعض علماء الأشاعرة كفاية في رد ما ينسب إليهم.

    فإذا كان ورثة الأنبياء وحُفاظ المسلمين ومجددي الدين على مر القرون من علماء الأشاعرة كما يصفهم صاحب هذا المقال فهذا من الكاتب أذان بضياع الدين وتخوين للمسلمين والعياذ بالله من شرور الشياطين.
    ·

    مصدر التلقي عند الأشاعرة : الكتاب والسنة على مقتضى قواعد علم الكلام ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض ، صرح بذلك الرازي في القانون الكلي للمذهب في أساس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .

    - عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر منها يجب تأويله ، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن ، ولقوله صلى الله عليه وسلم " نضر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها … " الحديث ، وحديث تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .

    - مذهب طائفة منهم وهم : صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي ، تقديم الكشف والذوق على النص ، وتأويل النص ليوافقه . ويسمون هذا " العلم اللدني " جرياً على قاعدة الصوفية " حدثني قلبي عن ربي " . وكما وضح ذلك في الرسالة اللدانية 1/114-118 من مجموعة القصور العوالي ، وكبرى اليقينيات لمحمد سعيد رمضان البوطي ، الإهداء - 32-35 . ولا يخفى ما في هذا من البطلان والمخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب .

    · يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام :

    - قسم مصدره العقل وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا يسمون الصفات التي تثبت بالعقل " عقلية " وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على الوحي عندهم. أما ما عدا ذلك من صفات خير دل الكتاب والسنة عليها فإنهم يؤولونها .
    - قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية - على خلاف بينهم فيها .

    - قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر والصراط والميزان وهو مما لا يحكم العقل باستحالته ، فالحاصل أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكماً ، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً ، وفي الرؤية جعلوه مساوياً . أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل أصلاً ولا تقديم للعقل في جانب وإهمال في جانب آخر وإنما يبدأ بتقديم النقل على العقل .

    * خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعالى ، ووافقوا الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم : إن الكون حادث ولا بد له من محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفة للحوادث وعدم حلوله فيها ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسم ولا في جهة ولا في مكان . وقد رتبوا على ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر مثل : إنكارهم صفات الرضا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم العالم ، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق سبحانه وتعالى .

    · التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعيض والتركيب والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة . وفي ذلك يقولون : إن الله واحد في ذاته لا قسيم له ، واحد في صفاته لا شبيه له ، واحد في أفعاله لا شريك له . ولذلك فسروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع ، و أنكروا صفات الوجه واليدين والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم . وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة من سلف الأمة ومن تبعهم - ، وبذلك جعل الأشاعرة التوحيد هو إثبات ربوبية الله عز وجل دون ألوهيته وتأويل بعض صفاته .
    وهكذا خالف الأشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة والجماعة أن التوحيد هو أول واجب على العبد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل .

    - إن أول واجب عند الأشاعرة إذا بلغ الإنسان سن التكليف هو النظر أو القصد إلى النظر ثم الإيمان ، ولا تكفي المعرفة الفطرية ثم اختلفوا فيمن آمن بغير ذلك بين تعصيته و تكفيره ..
    بينما يعتقد أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له ، توحيد الألوهية بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، وأن معرفة الله تعالى أمر فطري مركوز في النفوس .

    - يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع وكذلك صفتي العلو والاستواء . وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه ، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات بل توسعوا في باب التأويل حيث أكثر نصوص الإيمان خاصة فيما يتعلق بإثبات الزيادة والنقصان ، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء . أما مذهب السلف فإنهم يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص - بمعنى تحريفه - أو تفويضه ، سواءاً كان في نصوص الصفات أو غيرها .

    · الأشاعرة في الإيمان بين : المرجئة التي تقول يكفي النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان ، وبين الجهمية التي تقول يكفي التصديق القلبي . ورجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين إن المصدق بقلبه ناجٍ عند الله وإن لم ينطق بالشهادتين ، ( تبسيط العقائد الإسلامية 29-32 ) . و مال إليه البوطي و ( كبرى اليقينيات 196 ) . وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقاد ، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها : ( أم حسب الذين اجترحوا اليسئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم و مماتهم ساء ما يحكمون ) . عليه يكون إبليس من الناجين من النار لأنه من المصدقين بقلوبهم ، وكذلك أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله وغير ذلك كثير .

    · الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير فتارة يقولون لا تكفر أحداً ، وتارة يقولون لا تكفر إلا من كفرنا ، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق و التبديع أو بأمور لا توجب التفسيق ، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظواهر النصوص حيث يقولون : إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر .

    أما أهل السنة والجماعة فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من يستحقه شرعاً ،

    ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفرة بإثبات شروط وانتفاء موانع 0

    · قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي وإن الكتب بما فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة : " يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم " وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة .

    أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو : أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل و سمعه موسى - عليه السلام - ويسمعه الخلائق يوم القيامة . يقول تعالى : (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله )) .

    · والإيمان والطاعة بتوفيق الله ، والكفر والمعصية بخذلانه ، والتوفيق عند الأشعري ، خلق القدرة على الطاعة ، والخذلان عنده : خلق القدرة على المعصية ، وعند بعض أصحاب الأشعري ، تيسير أسباب الخير هو التوفيق وضده الخذلان .
    الرد:
    أرى الكاتب هنا يغمز إلى الطعن في الأشعري ونسي أنه ابتدأ مقاله بمدحه وزعمه أنه رجع إلى السنة في كتابه الإبانة، فالعجب العجب.
    · كل موجود يصح أن يرى ، والله موجود يصح أن يرى ، وقد ورد في القرآن أن المؤمنين يرونه في الآخرة ، قال تعالى : (( وجوه يوم ناظرة إلى ربها ناظرة )) . ولكن يرى الأشاعرة إنه لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع فإن كل ذلك مستحيل . وفي ذلك نفي لعلو الله تعالى والجهة بل ونفي للرؤية نفسها . ويقرب الرازي كثيراً من قول المعتزلة في تفسيره للرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي .
    · حصر الأشاعرة دلائل النبوة بالمعجزات التي هي الخوارق ، موافقة للمعتزلة وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي بينما يرى جمهور أهل السنة أن دلائل ثبوت النبوة للأنبياء كثيرة ومنها المعجزات .

    · صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا بغير توبة حكمه إلى الله تعالى ، إما أن يغفر له برحمته ، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، موافقة لمذهب أهل السنة والجماعة .

    · يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاته ، وأن الله تعالى أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها ، فيكون الفعل خلقاً من الله وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته . ولقد عد المحققون " الكسب " هذا من محالات الكلام وضربوا له المثل في الخفاء والغموض ، فقالوا : " أخفى من كسب الأشعري " ، وقد خرج إمام الحرمين وهو من تلاميذ الأشعري عن هذا الرأي ، وقال بقول أهل السنة والجماعة بل والأشعري نفسه كتاب الإبانة رجع عن هذا الرأي .

    · قالوا بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً ، ولكنهم قالوا إن الله يجعل لكل نبي معجزة لأجل إثبات صدق النبي فتناقضوا في ذلك بين ما يسمونه نفي الحكمة و الغرض وبين إثبات الله للرسول المعجزة تفريقاً بينه وبين المتنبئ .

    · وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأحوال البرزخ ، وأمور الآخرة من : الحشر والنشر ، والميزان ، والصراط ، والشفاعة والجنة والنار ، لأنها من الأمور الممكنة التي أقر بها الصادق صلى الله عليه وسلم ، وأيدتها نصوص الكتاب والسنة ، وبذلك جعلوها من النصوص السمعية .

    · كما وافقوهم في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم ، وأن ما وقع بينهم كان خطاً وعن اجتهاد منهم ، ولذا الكف عن الطعن فيهم ، لأن الطعن فيهم إما كفر ، أو بدعة ، أو فسق ، كما يرون الخلافة في قريش ، وتجوز الصلاة خلف كل بر وفاجر ، ولا يجوز الخروج على أئمة الجور . بالإضافة إلى موافقة أهل السنة في أمور العبادات والمعاملات .

    · فضلاً عن تصدي الأشعري للمعتزلة ومحاجتهم بنفس أسلوبهم الكلامي ليقطع شبهاتهم ويرد حجتهم عليهم ، تصدى أيضاً للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية ، والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة .

    · والأشعري في كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي هو آخر ما ألف من الكتب على أصح الأقوال ، رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات وعدم التأويل .. يقول رحمه الله :" وقولنا الذي نقول به ، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبينة نبينا عليه السلام ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته - قائلون ، ولما خالف قوله مخالفون ، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ، ورفع به ضلال الشاكين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفخم ".
    الرد:
    سيأتيك أخي ما وعدتك به من بيان حقيقة المسطور في كتاب الإبانة وأنه قد لحقه الدس والتحريف وأنه لا يصلح بصورته الحالية أن يكون كتاباً معتمداً للتعرف على عقيدة الإمام الأشعري.

    · إن مدرسة الأشعرية الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي ، ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي : " فقدت حيويتها ونشاطها الفكري ، وضعف إنتاجها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً وبدت فيها آثار الهرم والإعياء ". لماذا ؟
    الرد:
    كيف يهيمن فكر على العالم الإسلامي وفيه هذه المكفرات التي سطرها الكاتب آنفاً، بل إن هيمنة الفكر الأشعري دليل على متابعته للكتاب والسنة وليس على ما ادعاه فيه الكاتب، فهذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ومن شذ شذ في النار.

    - لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة وأصبح علم الكلام لديهم علماً متناقلاً بدون تجديد في الأسلوب .

    - لإدخال مصطلحات الفلسفة وأسلوبها في الاستدلال في علم الكلام .. فكان لهذا أثر سيئ في الفكر الإسلامي ، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة ومسلك السلف ، تمثلاً صحيحاً ، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك .. حتى الغزالي نفسه الذي حارب الفلاسفة في كتبه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي : " شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر " .

    - تصدي الإمام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسلامية التي اعتقد أنها انحرفت عن الكتاب والسنة - ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم - في كتابه القيم : درء تعارض العقل والنقل وفند آراءهم الكلامية ، وبين أخطاءهم وأكد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيد ة .
    الرد:
    لو كان الكاتب منصفاً لانتقد ابن تيمية على دخوله في الفلسفة واتقاد بعض مسائلها ديناً للمسلمين كمسألتي قدم العالم وحوادث لا أول لها، ولكن الغالب على هؤلاء القوم استهانة اقتراف الكذب حينما يتكلموا عن الأشاعرة، وأبلغ دليل ما سطره الكاتب في هذا المقال من كذب سيسأل عنه يوم القيامة، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.

    الجذور الفكرية و العقائدية :

    · كما رأينا في آراء أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية أن العقيدة الإسلامية ، كما هي في الكتاب والسنة و على منهج ابن كلاب هي الأساس في آرائه الكلامية وفي ما يتفق مع أحكام العقل .

    · تأثر أئمة المذهب بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات : الجهمية من الإرجاء والتعطيل ، وكذلك بالمعتزلة والفلاسفة في نفي بعض الصفات وتحريف نصوصها ، ونفي العلو والصفات الخبرية كما تأثرو بالجبرية في مسألة القدر .

    --------------------------------------------------------------------------------
    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

    الحمد لله أن استطعت العودة للسفينة، فالحمد لله والحمد لله والحمد لله.

    الإخوة الكرام،

    لفت نظري نقاش دائر حول السادة الأشاعرة نفعنا الله بعلومهم، فقلت لماذا لا أعرض عليكم ردا مقتضبا كنت قد أرسلته لأحد الإخوة الذي خشيت عليه التأثر بدعايات المتمسلفة على السادة الأشاعرة، والرد هو على مقال يكثر المتمسلفة من نشره في منتدياتهم ينتقص من السادة الأشاعرة ويهول عليهم ويحط من قدرهم.

    والمقال بغالبه مأخوذ من كتاب سفر الحوالي هداه الله، والحقيقة أنه قلما أدخل لموقع للمتمسلفة أو منتدى إلا وأجد هذا المقال معلقاً أمامي، فكان ولله الحمد أن تشجعت على كتابة هذا الرد المقتضب عليه لما أرسله لي أحد الإخوة.

    وليستفيد منه إخواني فإنني أعرضه هنا وأسأل الله القبول ومنكم الدعاء.

    ملاحظة:أينما ذكر صاحب المقال أهل السنة والجماعة أو السلف فهو يقصد بهم المتمسلفة في هذا الزمان فلا ينخدع به قارئ، وقد جعلت كلامه باللون العادي والأزرق والرد عليه بالأحمر العريض.

    --------------------------------------------------------------

    منقول مما يسمى (الشبكة الإسلامية)
    الموسوعة الميسرة في الأديان
    كتب المؤلف:
    الأشاعرة

    التعريف :
    الأشاعرة : فرقة كلامية إسلامية ، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة ، وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم ، لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب .

    الرد:
    هذا تعريف غير صحيح وغير مؤيد بنقل من كتب الأشاعرة، فالأشاعرة لم يقتصروا على الكلام فقط بل هم مشاركون مشاركة فعالة لا غنى عنها في شتى العلوم الإسلامية، وقد برّزوا في علوم التفسير والحديث والفقه وسائر العلوم، حتى إن الذي يريد أن يؤلف في علم من علوم الإسلام لن يستغني البتة عن كتب الأشاعرة في ذلك العلم، فالقول أنهم فرقة كلامية هو غمص لهم وتقليل من شأنهم.

    أما أنهم أثبتوا الحقائق على طريقة ابن كلاب فهذا مما لا يُعرف عن الأشاعرة، فالمعروف عنهم أنهم أسسوا طريقهم العلمي في علم العقيدة على طريقة أبي الحسن الأشعري الذي نافح عن عقيدة المسلمين ورد على أهل الأهواء، وليس على طريقة ابن كلاب.

    التأسيس وأبرز الشخصيات:
    أبو الحسن الأشعري : هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، ولد بالبصرة سنة 270 هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث مراحل :

    المرحلة الأولى : عاش فيها في كنف أبي علي الجبـائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته ، ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة.

    المرحلة الثانية : ثار فيها على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه ، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر يوماً، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه ، وأعلن البراءة من الاعتزال وخط لنفسـه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق العقـل : الحيـاة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ، أما الصفات الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها .

    الرد:
    المرحلة الثانية المذكورة هنا ليست دقيقة أبداً فالأشعري والأشاعرة يثبتون الوجه واليد والاستواء ولا يستدلون على الصفات بمجرد العقل إنما جعلوا العقل شاهدا من الشواهد على صحة الشرع ويقولون أن الصفات تثبت بالنص إنما يدل العقل بعد ثبوت النص على بعض الصفات، ويتسعملون العقل وقت المناظرة مع أهل الأهواء، فليس العقل مقدم على الشرع ومن يقول غير ذلك فعليه بالبينة، والبينة على من ادعى.

    وما عُرف أحد يقدم العقل على النقل في الصفات إلا المعتزلة، فكيف يقال عن أبي الحسن الأشعري أنه ترك المعتزلة ثم ينسب له ما يعتبر أساس من أساسات المعتزلة ألا وهو تقديم العقل على النقل في الصفات.

    وقضية التأويل قضية طويلة الذيل، فالتأويل عند الأشاعرة مضبوط بالنقل وليس الأمر على عواهنه، وكما ورد عن بعض الصحابة والتابعين والأئمة من السلف نصوص في التأويل فقد ورد عن علماء الأشاعرة كذلك ولكنها منضبطة بضوابط الشرع، ومن يقول عن الأشاعرة أنهم عطلوا الصفات فقد وصفهم بما هم بريئون منه وهذا اتهام لهم بالباطل بل تكفير لهم لأن معطل الصفات كافر والعياذ بالله.

    المرحلة الثالثة : إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل وفي هذه المرحلة كتب كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي عبّر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم والذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل ، ولم يقتصر على ذلك بل خلّف مكتبة كبيرة في الدفاع عن السنة وشرح العقيدة وتقدّر بثمانية وستين مؤلفاً ، توفي سنة 324 هـ ودفن ببغداد ونودي على جنازته : ( اليوم مات ناصر السنة ) .

    الرد:
    هذا التقسيم ذي المراحل الثلاث لا يعرف عن أبي الحسن الأشعري وليس مما نقله عنه تلاميذه بل المشهور المعروف عنه هو ترك الاعتزال والرجوع إلى أهل السنة والجماعة، وأعلم الناس بالشيخ تلاميذه وخاصته، وكتبه أيضاً تعتبر من المراجع التي تدل على حال الرجل ولكن هذا إذا صح ما فيها عنه، فليس كل ما في كتاب الإبانة من تسطير يد الأشعري، فقد دخل على هذا الكتاب دس وتحريف كثير جعل من العسير بل من المتعذر فصل كلام الأشعري عن كلام غيره، فقد اختلط كلام الأشعري بما دسه الحشوية عليه، ولي في هذا الموضوع بحث يثبت أن الإبانة الموجودة بين أيدينا اليوم لا يعتمد عليها في تقرير منهج الأشعري رحمه الله وسأوافيك به لاحقاً حتى لا يطول الكلام هنا.

    والمعتمد هو ما نقله عنه ثقات تلاميذه بالإسناد الصحيح المتصل مما اثبته الحافظ ابن عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري فيما نسبه للإمام أبي الحسن الأشعري" وهو كتاب نفيس جداً في بابه، فلا تقدم شهادة مجهول من المعاصرين على شهادة إمام في الحديث والرجال كالإمام ابن عساكر فهو الموصوف بحافظ الشام وصاحب الموسوعة الضخمة "تاريخ دمشق"، وكذا من أوثق الكتب التي تعرض منهج الإمام الأشعري كتاب "مقالات الأشعري" للإمام ابن فورك الذي قتله الحشوية بالسم بعد أن ناظرهم وكسر شوكتهم.

    بعد وفاة أبو الحسن الأشعري ، وعلى يد أئمة المذهب وواضعي أصـوله وأركانه ، أخذ المذهب الاشعري أكثر من طور ، تعددت فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في أصول المذهب وعقـائده ، وما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل ، واضحـة أصوله الاعتقادية ، ولا كيفية التعـامل مع النصوص الشرعية ، بل تذبذبت مواقفهم واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على المعتزلة ومن أبرز مظاهر ذلك التطور .

    الرد:
    هذه مقولة عظيمة فحسبنا الله ونعم الوكيل، بل لن تجد منهجاً إسلامياً مؤصلاً كما هو منهج الأشاعرة في العقيدة لأنه مبني على الكتاب والسنة ولو لم يكن كذلك لما رضيه علماء المسلمين شرقاً وغرباً قرناً بعد قرن، وسآتيك بثلة من علماء الأشاعرة المشاركين في كل علم لتعرف من هم هؤلاء الرجال الذين يسِمهم صاحب هذه المقالة بالتذبذب في أهم أمور الدين ألا وهي العقيدة، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم والوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    - القرب من أهل الكلام والاعتزال .

    الرد:
    وهذه مثل سابقتها، وهل عانى المعتزلة مثل ما عانوا من الأشاعرة، وهل كان انقراضهم وانخماد ذكرهم إلا على يد الأشاعرة، فنسبة الأشاعرة للقرب من الاعتزال هو دعوة غير صحيحة هدفها الحط على الأشاعرة والتنفير منهم.

    أما علم الكلام (نسبة إلى مسألة الكلام التي حصل فيها النزاع بين أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل وبين المعتزلة في زمن خلافة المأمون والمعتصم والمقتدر حتى رفعها المتوكل لصالح أهل السنة والجماعة فكان له اليد البيضاء في نصرة دين الله)، فإن كان المقصود بعلم الكلام ما يحتاج إليه من ترتيب للحجج وتنسيق للأدلة للرد على الملاحدة وأهل الأهواء فهو محمود ولا ريب وهو يندرج تحت علوم العقيدة، أما إن كان ما يشتغل فيه من الفلسفة اليونانية والمباحث التي لا طائل من ورائها غير الإمعان في التيه فهو المذموم الذي نهى عنه الأئمة أمثال الشافعي ومالك وغيرهم.

    - الدخول في التصوف والتصاق المذهب الأشعري به .

    الرد:
    هذا مما يرفع درجة الأشعرية وليس مما يحطها، فالتصوف المحمود الخالي من الدخل والخرافات مما حض عليه الأئمة وامتدحوه وساروا في ركابه، وأما التصوف المذموم الممخرق فهو برئ من الأشعرية والأشعرية بريئون منه بل أهل التصوف الحق برآء منه ولله الحمد والمنة.

    - الدخول في الفلسفة وجعلها جزء من المذهب .

    الرد:
    هذا تمويه لا أساس له من الصحة وكيف يصح ذلك والأشاعرة هم أكثر من ردوا على الفلاسفة حتى أكفرهم الإمام الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة"، وليست الفلسفة من علوم الإسلام، ومن خاض فيها من علماء الأشاعرة إنما للرد على أهلها وليس لانتهاجها منهجاً ففي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم خير منهج وطريق.

    والكاتب هنا يغفل أن ابن تيمية ممن خاضوا غمار الفلسفة حتى غرق فيها إلى شحمة أذنيه فارتضى من مقالاتهم الكفرية القول بحوادث لا أول لها والعياذ بالله، ولكنه للأسف يهول على الأشاعرة ويصفهم بما ينفر الناس عنهم في زمن الغرباء هذا فطوبى للغرباء.

    من أبرز أئمة المذهب :
    القاضي أبو بكر الباقلاني ( 328-403هـ ) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر ، من كبار علماء الإسلام ، هذّب بحوث الأشعري ، وتكلّم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها كثيراً إذ لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة وذلك في كتابه : تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل .

    ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها ، وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم ، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها ، ومن كتبه : إعجاز القرآن ، الإنصاف ، مناقب الأئمة ، دقائق الكلام ، الملل والنحل ، الاستبصار ، تمهيد الأوائل ، كشف أسرار الباطنية .

    الرد:
    كلام جميل دس فيه كلام سقيم، فقوله "غالى في البراهين العقلية" لا أدري من أين أتى بها، بل غاية ما يقال أنه كان بارعاً ماهراً مبرّزاً فيها، وهذا ما يستدعبه تحسين الظن بعوام المسلمين فما بالك بعالم من علماء المسلمين، ومما يسجل لهذا الشيخ الجليل –كما ذكر الكاتب أعلاه- انتدابه من قبل الخليفة لمناظرة قساوسة الروم في عقر دارهم فناظرهم مناظرته المشهورة التي أراهم فيها ضحالة مكرهم وضئالة فكرهم، وهي مبسوطة في ترجمته رحمه الله.

    أما قوله "لم ترد هذه المقدمات في كتاب ولا سنة"، فإن الرد على أهل الأهواء بالأدلة العقلية وترتيبها لا يمتنع حتى لو لم يرد عين الدليل في الكتاب والسنة، فهو من باب النوازل التي تطرأ على المسلمين فينتدب لها من يردها من علمائهم، ولا يشترط في رده على الملحدين أن تكون كل ردوده وخاصة العقلية مما نص عليها الكتاب والسنة حرفياً ولكن الشرط أن توافق الأصول الواردة في الكتاب والسنة لتصلح نصيراً لهما ومدافعاً عنهما.

    أما قوله برجوع الإمام الباقلاني في كتابه التمهيد فهو مما لا أعرفه عنه ولو صح ذلك لسجله من ترجم له ولا يوجد في ترجمته مثل هذا القول على حد علمي، ثم إن اختيار العالم لأحد مسلكي التأويل غير ممنوع ولا معترض عليه، فالتأويل الإجمالي والتفصيلي مما ورد عن الصحابة والسلف وهو إحدى مسلكي العلماء من الأشاعرة ولكل استعماله وتفصيله في كتبهم، وقد قلت سابقاً إن مسألة التأويل مسألة طويلة الذيل تحتاج لمزيد بيان في موضوع مستقل، والله أعلم وأحكم.

    أبو إسحاق الشيرازي : ( 293-476هـ ) ،
    وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفـيروزأبادي الشيرازي ، العلامة المناظر ، ولد في فيروزأباد بفارس وانتقل إلى شيراز ، ثم البصرة ومنها إلى بغـداد سنة 415هـ وظهر نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام ، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للأمة في عصـره ، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة ، بنى له الوزير نظام الملك : المدرسة النظامية على شاطئ دجلة فكان يدرس فيها ويديرها .

    عاش فقيراً صابراً ، كان حسن المجالسة ، طلق الوجه ، فصيحاً ، مناظراً ، ينظم الشعر ، مات ببغداد وصلى عليه المقتدي العباسي .

    من مصنفاته : التنـبيه ، والمهذب في الفقه ، والتبصرة في أصول الشافعية ، وطبقات الفقهاء ، واللمع في أصول الفقه وشرحه ، والملخص ، والمعونة في الجدل .

    الرد:
    أنصف الكاتب هنا، ومما يسجل للشيرازي نصرته للإمام القشيري في حادثة بغداد لما تطاول بعض المنتسبين للحنابلة على الإمام الأشعري فسجل العلماء خطوطهم في نصرة الإمام الأشعري لما فيه من نصرة لأهل السنة والجماعة وكان منهم الإمام الشيرازي رحمه الله تعالى، وكتاب المجموع للإمام النووي هو شرح لكتاب الشيرازي المسمى المهذب وهو من أهم كتب النووي في الفقه الشافعي.

    أبو حامد الغزالي : (450-505هـ ) ،
    وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي ، حجة الإسلام .. ولد في الطابران ، قصبة طوس بخراسان وتُوفي بها ، رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد ، فالحجاز ، فبلاد الشام ، فمصر ثم عاد إلى بلدته .

    لم يسلك الغـزالي مسلك الباقـلاني ، بل خـالف الأشعري في بعض الآراء وخاصة فيمـا يتعلق بالمقدمات العقلية في الاستدلال ، وذم علم الكلام ، وبيَّن أن أدلته لا تفيد اليقين كما في كتبه المنقـذ من الضلال ، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة ، وحرم الخوص فيه فقال : (لو تركنا المداهنة لصرحـنا بأن الخوض في هذا العلم حرام ) اتجه نحو التصوف ، واعتقد أنه الطريق الوحيد للمعرفة ، وعاد في آخر حياته إلى السنة من خلال دراسة صحيح البخاري .

    الرد:
    لم ينصف ... لم ينصف، فالخلاف بين الغزالي والباقلاني أو الأشعري في مسائل فرعية نتجت عن اجتهاد الإمام الغزالي كالخلاف الذي حصل بين الشافعي ومالك في الفقه مع أن الإمام مالك شيخ للإمام الشافعي ولكنه خلاف لا يفسد للود قضية، والخلاف فيما لا نص فيه من ميادين فحول العلماء.

    أما ذمه للكلام فهو ذم لكلام أهل الأهواء والكلام الذي خالطته الفلسفة وهو الذم الموافق لذم الأئمة، أما علم الكلام المندرج تحت تفصيل وترتيب الردود على الملحدة وغيرهم فالغزالي من أعلامه وأقطابه المبدعين فيه، وليس هو ما ذمه يقيناً.

    أما اتجاهه نحو التصوف فقد قلنا أن التصوف المحمود كان وما يزال منقبة لا مثلبة إنما يحرم التصوف الممخرق المستند على التخاريف المتنقل بين الحلول والاتحاد وغيرها من البواطل.

    وأخيراً ففي العبارة الأخيرة تعريض غير هين بالإمام الغزالي فقوله أنه عاد إلى السنة من خلال دراسة البخاري يوهم انه كان مفارقها طول عمره وأنه ما عرف البخاري إلا في آخر حياته، وهذا ظلم للغزالي الذي نافح عن السنة طيلة عمره حتى أنه المعتمد مجدداً للقرن الخامس الهجري بلا خلاف، والله إن العصبية المذهبية الغالية لتظهر في هذا المقال وضوحاً بيناً رزقنا الله الإنصاف.

    أبو إسحاق الإسفراييني : ( ت 418هـ )
    وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب بركن الدين ، وهو أول من لقـب به من الفقهاء ، نشأ في إسفرايـين ( بين نيسابور وجرجان ) ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها ، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق ، فاشتهر في العالم الإسلامي، ألف في علم الكلام كتابه الكبير ، الذي سماه الجامع في أصول الدين والرد على الملحـدين .

    قال ابن خلكان : رأيته في خمس مجلدات ، توفي أبو إسحاق الإسـفراييني - يرحمه الله - في يوم عاشوراء سنة ثمـان عشر وأربعمائة بنيسابور ثم نقل إلى إسفرايين ودفن فيها وكان قد نيف الثمانين .

    الرد:
    أنصف الكاتب هنا، ومما يذكر للإمام الإسفراييني كتابه "التبصير في الدين" الذي انتهج فيه تعداد الفرق الضالة الوارد ذكرها إجمالاً في حديث الافتراق المشهور، والكتاب مرجع في علم الفرق ككتاب الإمام عبد القاهر البغدادي "الفـَرق بين الفِرق".

    إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ( 419-478هـ )
    وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني ، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين (من نواحي نيسابور) ثم رحل إلى بغداد ، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين ، وذهب إلى المدينة المنورة فأفتى ودرس ، ثم عاد إلى نيسابور فبـنى له فيها الوزير نظـام الملك المدرسة النظامية، وكان يحضر دروسه أكبر العلماء ، وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين سنة غير مزاحـم ولا مدافع ، ودافع فيها عن الأشعرية فشاع ذكره في الآفاق ، إلا أنه في نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف ، وقد قال في رسالته النظامية : " والذي نرتضيه رأياً وندين لله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القـاطع على أن إجماع الأمة حجة " ....

    ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم، فبالرغم من أن الكتاب مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي فقد قال فيه : ( والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب ، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف السابقين ، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات ).

    نقل القرطبي في شرح مسلم أن الجويني كان يقول لأصحـابه : ( يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكـلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به ) ، توفي رحمه الله بنيسابور وكان تلامذته يومئذ أربعمائه ومن مصنفاته العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية ، البرهان في أصول الفقه ، ونهـاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعية ، والشامل في أصول الدين .

    الرد:
    ارى الكاتب ينصف تارة ويظلم تارة أخرى، فالإمام الجويني لم يترك منهج السلف ليرجع إليه في نهاية حياته، بل المحفوظ عنه ما قد قيل هنا وهو اتباع السلف، وهذا ليس فيه اي ذكر لرجوع أو غيره، ولكن علماء الاشاعرة الذين خاضوا في مناظرة الملحدين وأهل الاهواء كانوا وما زالوا يحرّضون الناس وينصحونهم على موافقة السلف حيث لم يكن لهذه المناظرات وجود في القرون المفضلة الثلاثة الا النزر اليسير.

    فإن هذه المناظرات على العوام ممنوعة للخوف عليهم من تزلزل عقائدهم ولكنها على العلماء الراسخين في العلم مندوبة ومحمودة بل وواجبة أحياناً حماية للدين من شبهات المغرضين ودفاعاً عن حياض المسلمين من مكر المتربصين، ولو تُرك أهل الأهواء بلا رد عليهم يقمعهم ويزيل شبههم للعبوا بعقول الضعاف من العامة وأفسدوا عليهم عقائدهم.

    أما نهي الجويني عن الكلام فهو كنهي الغزالي عنه وتفصيل هذه المسألة مسطرة في كتاب الإمام ابن عساكر "تفنيد كذب المفتري".

    الإمام الفخر الرازي ( 544 -1150هـ ) :
    هو أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد ، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي قال عنه صاحب وفيات الأعيان : ( إنه فريد عصره ونسيج وحده ، فاق أهل زمانه في علم الكلام ، والمعقولات ) ، وهو المعبر عن المذهب الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام بالفلسفة ، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدمه على الأدلة الشرعية ، قال فيه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (4/426-429) : ( كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة ، وكان يورد شبه الخصوم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهن ) إلا أنه أدرك عجز العقل فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده فقد نبه في أواخر عمره إلى ضرورة اتباع منهج السلف وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في طرق علم الكلام فقال : ( لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق ، طريقة القرآن ، أقرأ في الإثبات ( الرحمن على العرش استوى ) و ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وأقرأ في النفي ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ( ولا يحيطون به علماً ) ثم قال في حسرة وندامة ( من جرب تجربتي عرف معرفتي ) ( الحموية الكبرى لابن تيمية ) .

    ومن أشهر كتبه في علم الكلام : أساس التقديس في علم الكلام ، شرح قسم للإلهيات ومن إشارات ابن سينا ، واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات ، البيان والبرهان في الرد على أهــل الزيغ والضلال ، كافية العقول .

    الرد:
    محصلة القول في هذا الإمام هو ما قاله عن نفسه أن القرآن هو الذي يشفي العليل ويروي الغليل، فالردود على أهل الأهواء والبدع بالحجج العقلية لا تعدو كونها مجهودا بشرياً معتمداً على الاجتهاد لا يوازي عظمة القرآن والسنة وإن كان يعتمد عليهما.

    الأفكار والمعتقدات :

    الرد:
    للأسف من هنا إلى آخر المقال كلام مشحون بقلب الحقائق والتمويه، وأعتذر عن علماء الأمة من الأشاعرة بأن أقول أنه مشحون أيضاً بالكذب أجارنا الله منه، فرده ونقده يحتاج لوقت كبير، والمنصف إذا مر بعينيه على بعض أسماء علماء الأشاعرة يعرف أن اتهامهم بمثل هذه التهم هو تخوين لعلماء المسلمين وقطع لإسناد الدين، فلا يوجد عِلم إسلامي يستغني عن علماء الأشاعرة، ولا يوجد في الدنيا اليوم إسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلو من أشعري واحد على الأقل.

    فهل يسند الله أمانة نقل هذا الدين إلى رجال من المبتدعة متذبذين في عقائدهم كما يحاول أن يصورهم كاتب هذا المقال، والله إن هذا من الطوام.

    وسأكتفي بوضع اللون الأزرق على كل فرية على الأشاعرة (وربما يفوتني شىء منها من غير أن أنتبه عليه لكثرة الافتراءات التي وضعها هذا الكاتب في مقاله) مما هو مسطر في بقية المقال، ووضعت خطاً تحت بعضها مما حاصله تكفير الأشاعرة والعياذ بالله.

    وإذا أردت معرفة الحق (والكلام هنا للأخ الذي أرسل لي المقال) أكلمك في كل نقطة منها على حدة، أما أن أردها جميعا بالتفصيل فالوقت لا يسعفني لذلك وفي القائمة المرفقة في آخر المقال من أسماء بعض علماء الأشاعرة كفاية في رد ما ينسب إليهم.

    فإذا كان ورثة الأنبياء وحُفاظ المسلمين ومجددي الدين على مر القرون من علماء الأشاعرة كما يصفهم صاحب هذا المقال فهذا من الكاتب أذان بضياع الدين وتخوين للمسلمين والعياذ بالله من شرور الشياطين.

    مصدر التلقي عند الأشـاعرة : الكتاب والسنة على مقتضى قواعـد علم الكلام؛ ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض ، صرح بذلك الرازي في القانون الكـلي للمذهب في أسـاس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .

    عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من الاحتجاج بهـا في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي ، والمتواتر منها يجب تأويله ، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صـلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن ، ولقوله صـلى الله عليه وسلم : [ نضر الله امرءاً أسمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها .. ] وحديث تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .

    مذهب طائفة منهم وهم : صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي ، تقديم الكشف والذوق على النص ، وتأويل النص ليوافقه ، ويسمون هذا ( العلم اللدني ) جرياً على قاعدة الصوفية ( حدثـني قلبي عن ربي ) وكما وضح ذلك في ا لرسالة اللدنية 1/114 -118 من مجموعة القصور العوالي ، وكبرى اليقينيات لمحمد سعيد رمضان البوطي ، الإهداء ( 32-35 ) . ولا يخفى ما في هذا من البطلان والمخـالفة لمنهج أهل السنة والجماعة وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل وإنزال الكتب .

    يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام :
    - قسم مصدره العقل وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ؛ ولهذا يسمون الصفات التي تثبت بالعقل ( عقلية ) وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على الوحي عندهم . أما ما عدا ذلك من صفات خبرية دل عليها الكتاب والسنة فإنهم يؤولونها .
    - قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية علىخلاف فيما بينهم .
    - قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخـرة كعذاب القبر والصـراط والميزان وهو مما لا يحكم العقل باستحالته ، فالحاصل أنهم في صفات الله جعلوا العقل حاكماً ، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً ، وفي الرؤية جعلوه مساوياً . أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل والنقل أصلاً ولا تقديم للعقل في جانب وإهماله في جانب آخر وإنما يبدأ بتقديم النقل على العقل .

    خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعـالى ، ووافقـوا الفلاسفة والمتكلـمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم : إن الكون حادث ولا بد له من محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وعدم حلوله فيها ومن مخالفته للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسم ولا جهة ولا في مكان . وقد رتبوا على ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر مثل : إنكارهم صفات الرضـا والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم العـالم ، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على جود الخالق سبحانه وتعالى .

    التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعـيض والتركيب والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة ، وفي ذلك يقولون : أن الله واحد في ذاته لا قسيم له ، واحد في صفاته لا شبيه له واحد في أفعاله لا شريك له . ولذلك فسـروا الإله بأنه الخالق أو القادر على الاختراع ، وأنكروا صفات الوجه واليدين والعين لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم . وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند أهل السنة والجماعة من سلف الأمة ومن تبعهم ، وبذلك جعل الاشاعرة التوحيد هو إثبات ربوبية الله عـز وجل دون ألوهيته وتأويل بعض صفاته .

    وهكذا خالف الاشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة والجماعة أن التوحيد الذي هو أول واجب على العبيد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته على نحو ما أثبته تعـالى لنفسه أو أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونفي ما نفاه الله عنه نفسه أو نفاه عن رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل .

    إن أول واجب عند الأشاعرة إذا بلغ الإنسان سن التكليف هو النظر أو القصد إلى النظر ثم الإيمان ولا تكفي المعرفة الفطرية ثم اختلفوا فيمن آمن بغير ذلك بين تعصيته وتكفيره .

    بينما يعتقد أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له ، هو توحيد الألوهية بدليل الكتاب والسنة والإجماع ، وأن معرفة الله تعالى أمر فطري مركوز في النفوس .

    يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع ، وكذلك صفتي العلو والاستواء . وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله تعـالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنـزيه، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات بل توسعـوا في باب التأويل ، حيث شمل أكثر نصوص الإيمان خاصة فيما يتعلق بإثبات الزيادة والنقصان ، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء . أما مذهب السلف فإنهم يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص -بمعنى تحريفه - أو تفويضه، سواءاً كان في نصوص الصفات أو غيرها .

    الأشاعرة والإيمان :
    هم بين المرجئة التي تقول يكفي النطق بالشهادتين دون العمل لصحة الإيمان ، وبين الجهمية التي تقول يكفي التصديق القلبي ، ورجح الشيخ حسن أيوب من المعـاصرين أن المصدق بقلبه ناج عند الله وإن لم ينطق بالشهادتين ، ( تبسيط العقائد الإسلامية 29-32 ) ومال إليه البوطي في ( كبرى اليقينيات 196 ) . وفي هـذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل واعتقـاد ، ومخـالفة لنصوص القرآن الكريم الكثـيرة منها : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنـوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم وممـاتهم ساء ما يحكمون ) ( الجاثية : 21 ) . وعليه يكـون إبليس من الناجين من النـار لأنه من المصدقين بقلوبهم ، وكذلك أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك داع لحـرص النبي صلى الله عليه وسلم على قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله وغير ذلك كثير .

    الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير فتارة يقولون لا نكفر أحداً ، وتارة يقولون لا نكفر إلا من كفرنا ، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق والتبـديع أو بأمور لا توجب التفسيق والتبـديع ، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظـواهر النصوص حيث يقولون : إن الأخـذ بظواهـر النصوص من أصول الكفر .

    أما أهل السنة والجماعة فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من يستحقه شرعاً ، ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفره بإثبات شروط وانتفاء موانع .

    قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي ، وأن الكتب بما فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة : ( يمنع أن يقال إن القرآن مخلوق إلا في مقام التعليم ) وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة . أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو : أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعـالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل وسمعـه موسى - عليه السلام - ويسمعه الخلائق يوم القيامة . ويقول الله تعالى : ( وإن أحدٌ من المشركين استجـارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) .

    الإيمان والطاعة بتوفيق الله والكفـر والمعصية بخذلانه ، والتوفيق عند الأشعري خلق القدرة على الطاعة ، والخذلان عنده: خلق القدرة على المعصية ، وعند بعض أصحاب الأشعري ، تيسير أسباب الخير وهو التوفيق وضده الخذلان .

    الرد:
    أرى الكاتب هنا يغمز إلى الطعن في الأشعري ونسي أنه ابتدأ مقاله بمدحه وزعمه أنه رجع إلى السنة في كتابه الإبانة، فالعجب العجب.

    كل موجود يصح أن يرى ، والله موجود يصح أن يُرى ، وقد ورد في القرآن أن المؤمنين يرونه في الآخرة ، قال تعالى : ( وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ( القيامة:22،23 ) . ولكن يرى الأشاعرة إنه لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على وجهة ومكان صورة ومقابلة واتصال شعاع فإن كل ذلك مستحيل . وفي ذلك نفي لعلو الله تعالى والجهة ، بل ونفي للرؤية نفسها . ويقترب الرازي كثيراً من قول المعتزلة في تفسير للرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي .

    حصر الأشاعرة دلائل النبوة بالمعجزات التي هي الخوارق ، موافقة للمعتزلة وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، بينما يرى أهل السنة أن دلائل ثبوت النبوة للأنبياء كثيرة منها المعجزات.

    صاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا بغير توبة حكمه إلى الله تعالى ، إما أن يغفر له برحمته ، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، موافقه لمذهب أهل السنة والجماعة .

    يعتقد الاشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاته ،وأن الله تعالى أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها ، فيكون الفعل خلقاً من الله وكسباً من العبد ، لوقوعه مقارناً لقدرته ولقد عدّ المحققون ( الكسب ) هذا من محالات الكـلام ، وضربوا له المثل في الخفـاء والغموض، فقالوا : ( أخفى من كسب الأشعري ) وقد خرج إمام الحرمين وهو من تلاميذ الأشعري ، عن هذا الرأي ، وقال بقول أهل السنة والجماعة ، بل والأشعري نفسه في كتاب ( الإبانة ) رجع عن هذا الرأي .

    قالوا بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً ، ولكنهم قالوا إن الله يجعل لكل نبي معجزة لأجل إثبات صدق النبي ، فتناقضوا في ذلك بين ما يسمونه نفي الحكمة والغرض وبين إثبات الله للرسول المعجزة تفريقاً بينه وبين المتنبىء .

    وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأحوال البرزخ ،وأمورالآخرة من : الحشر والنشر ، والميزان ، والصراط ، والشفاعة والجنة والنار من الأمور الممكنة التي أخبر بها الصادق صلى الله عليه وسلم وأيدتها نصوص الكتاب ، وبذلك جعلوها من النصوص السمعية .

    كما وافقوهم في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهـم ، وأن ما وقع بينهم كان خطـأ وعن اجتهاد منهم ، ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم ، لأن الطعن فيهم إما كفر أو بدعة، أو فسق ، كما يرون الخلافة في قريش ، وتجوز الصلاة خلف كل برٍ وفاجر ، ولا يجوز الخروج على أئمة الفجور ، بالإضافة إلى موافقة أهل السنة في أمور العبادات والمعاملات .

    فضلاً عن تصدي الأشعـري للمعتزلة ومحاجتهم بنفس أسلوبهم الكـلامي ليقطع شبهـاتهم ويرد حجتهم عليهم ، تصدى أيضاً للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية ، والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة .

    والأشعري في كتاب ( الإبانة عن أصول الديانة ) الذي هو آخر ما ألف من الكتب ، على أصح الأقوال رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات وعدم التأويل .. يقول رحمه الله : ( وقولنا الذي نقول به ، وديانتنا التي ندين بها : التمسك بكتاب ربـنا عز وجل ، وبسنة نبينا عليه السلام ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان يقـول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته - قائلون ، ولما خالف قوله مخالفون ، لأنه الإمام الفاضل ، والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ، ودفع به ضلال الشاكّين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدّم وجليل معظّم وكبير مفحْم) .

    الرد:
    سيأتيك أخي ما وعدتك به من بيان حقيقة المسطور في كتاب الإبانة وأنه قد لحقه الدس والتحريف وأنه لا يصلح بصورته الحالية أن يكون كتاباً معتمداً للتعرف على عقيدة الإمام الأشعري.

    إن مدرسة الأشعري الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي ، ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي : ( فقدت حيويتها ونشاطها الفكري وضعف إنتاجها في الزمن الأخـير ضعفاً شديداً ، وبدت فيها آثار الهرم والإعياء ) .

    الرد:
    كيف يهيمن فكر على العالم الإسلامي وفيه هذه المكفرات التي سطرها الكاتب آنفاً، بل إن هيمنة الفكر الأشعري دليل على متابعته للكتاب والسنة وليس على ما ادعاه فيه الكاتب، فهذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ومن شذ شذ في النار.

    لمــاذا ؟
    - لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة ، وأصبح علم الكـلام لديهم علمـاً متناقلاً بدون تجديد في الأسلوب.

    - لإدخـال مصطلحات الفلسفة وأسلوبها في الاستدلال في علم الكـلام .. فكان لهذا أثر سيء في الفكر الإسلامي، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة ومسلك السلف ، تمثلاً صحيحاً ، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك .. حتى الغـزالي نفسه الذي حارب الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي : ( شيخنـا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ، ثم أراد أن يخرج منها فما قدر ) .

    تصدي الإمام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسـلامية التي اعتقد أنهـا انحرفت عن الكتاب والسنة - ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم - في كتابه القيم : ( درء تعارض العقل والنقل ) وفنـَّد آراءهـم الكلامية ، وبين أخطاءهم، وأكد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب اليقيـني للوصول إلى حقـيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة .

    الرد:
    لو كان الكاتب منصفاً لانتقد ابن تيمية على دخوله في الفلسفة واتقاد بعض مسائلها ديناً للمسلمين كمسألتي قدم العالم وحوادث لا أول لها، ولكن الغالب على هؤلاء القوم استهانة اقتراف الكذب حينما يتكلموا عن الأشاعرة، وأبلغ دليل ما سطره الكاتب في هذا المقال من كذب سيسأل عنه يوم القيامة، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا.

    الجذور الفكرية والعقائدية :
    كما رأينا في آراء أبي ا لحسن الأشعري في مرحلته الثانية أن العقيدة الإسلامية ، كما هي في الكتاب والسنة على منهج ابن كلاب هي الأساس في آرائه الكلامية وفق ما يتفق مع أحكام العقل .

    تأثر أئمة المذهب بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات الجهمية من الأرجاء والتعطيل ، وكذلك بالمعتزلة والفلاسفة في نفي بعض الصفات وتحريف نصوصها ، ونفي العلو والصفات الخبرية كمـا تأثروا بالجبرية في مسألة القدر .

    الرد:
    لم يترك الكاتب فرقة هالكة إلا ادعى تأثر الأشاعرة بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله، ألا يخشى على نفسه يوم القيامة لما يخاصمه علماء المسلمين على ما ادعاه فيهم، ألا يخشى من البيهقي وابن حجر والنووي والعز بن عبد السلام وغيرهم لما يخاصموه يوم القيامة، ولن ينفعه الادعاء بمتابعة والسنة إذ لا يكون اتباع السنة بالكذب والافتراء على علماء السنة.



    · لا ينفي ذلك تأثرهم بعقيدة أهل السنة والجماعة فيما وافقوهم فيها .

    الانتشار ومواقع النفوذ :

    انتشر المذهب الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعري العقيدة ، وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية ، وكذلك أصبحت العقيدة الأشعرية عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة .

    وزاد في انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية ، ومدرسة نيسابور النظامية ، وكان يقوم عليهما رواد المذهب الأشعري ، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية في العالم الإسلامية وقتها ، كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي الموحدين ، ونور الدين محمود زنكي ، والسلطان صلاح الدين الأيوبي ، بالإضافة إلى اعتماد جمهرة من العلماء عليه ، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله ، لا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة .
    الرد:
    هل فكر إسلامي ينتشر في العالم الإسلامي كله يحتوي على هذه المكفرات التي ساقها صاحب هذا المقال، والله إنه يرد على نفسه هنا، فهل يجعل الله دين الأمة مطية لمتذبذي العقيدة الذين تأثروا بالفلسفة والاعتزال والارجاء والتعطيل؟؟؟

    كيف يصدق عاقل أن انتشار هذا الفكر منذ القرن الرابع الهجري إلى الآن قد قام عليه متذبذون في العقيدة معطلون للصفات محرفون لكلام الله، أليس هذا طعن في المسلمين، أين الإنصاف.

    وتعليقا على قوله " بالإضافة إلى اعتماد جمهـرة من العلماء عليه" والأصح أن يقول جمهور العلماء عليه، لا أن يأتي بهذه الصيغة بديلاً عما هو معروف في هذا المحل من ذكر كلمة "الجمهور".

    وقوله فقهاء الشافعية والمالكية المأخرين غير دقيق البتة بل والمتقدمين أيضاً منذ زمان أبي الحسن الأشعري والمطلع على علماء الأشاعرة الذين رتبهم الحافظ ابن عساكر في خمس طبقات في كتابه التفنيذ يجد شافعية ومالكية متقدمين كثر، وليس الاقتصار على الشافعية والمالكية فقط، بل على الحنفية أيضا فهم ماتريدية ومنهم أشعرية، فالماترديدية والأشعرية متلاصقان كالظهر مع البطن، وليس فقط هؤلاء كما ينضاف إليهم فضلاء الحنابلة كابن الجوزي والتميميين وغيرهم، فغالب علماء الأمة منذ القرن الرابع الهجري إلى يومنا هذا أشاعرة، ولله الحمد على ذلك.

    يتضح مما سبع :
    لعل الكاتب يعني مما سبق
    إن الأشاعرة فرقة كلامية إسلامية تنسب إلى أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية التي خرج فيها على المعتزلة ودعى فيها إلى التمسك بالكتاب والسنة ، على طريقة ابن كلاب ، وهي تثبت بالعقل الصفات العقلية السبع فقط لله تعالى ، ( الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ) واختلفوا في صفة البقاء ، أما الصفات الاختيارية والمتعلقة بالمشيئة من الرضا والغضب والفرح والمجيء والنزول فقد نفوها ، بينما يأولون الصفات الخبرية لله تعالى أو يفوضون معناها . ويؤمن متأخرو الأشاعرة ببعض الأفكار المنحرفة عن عقيدة أهل السنة والجماعة التي تصدى لها ولغيرها شيخ الإسلام ابن تيمية ، لا سيما في مجال العقيدة ، حيث أكد أن أسلوب القرآن والسنة بفهم السلف الصالح هو الأسلوب اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة والدين . وعموماً فإن عقيدة الأشاعرة تنسب إلى عقيدة أهل السنة والجماعة بالمعنى العام في مقابل الخوارج والشيعة والمعتزلة ، وأن الأشاعرة ، وبخاصة أشاعرة العراق الأوائل أمثال أبو الحسن الأشعري ، والباهلي ، وابن مجاهد ، والباقلاني وغيرهم ، أقرب إلى السنة والحق من الفلاسفة والمعتزلة بل ومن أشاعرة خراسان كأبي بكر بن فورك وغيره ، وإنهم ليحمدوا على موافقتهم في الدفاع عن السنة والحق في وجه الباطنية والرافضة والفلاسفة ، فكان لهم جهد المحمود في هتك أستار الباطنية وكشف أسرارهم ، بل وكان لهم جهادهم المشكور في كسر سورة المعتزلة والجهمية . وعلى ذلك فإن حسناتهم على نوعين كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية : " إما موافقة السنة والحديث ، وأما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم " . ويقول أيضاً : " ومنهم من يذمهم لما وقع كلامهم من البدع والباطل ، وخير الأمور أوسطها " . درء التعارض 2/102-103 . ويقول في كتاب النبوات : " حيث إن خطؤهم بعد اجتهادهم مغفور " . وأخيراً يقول في درء التعارض :" .. فإن الواحد من هؤلاء له مساع مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول . فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله ، وإظهار العلم الصحيح .. وما من أحد من هؤلاء هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع "
    الرد:
    يكفي ابن تيمية عاراً وشناراً أنه قال أن الأشاعرة ****** المعتزلة، فهذه الكلمة مسقطة له لإسقاطه أغلبية علماء الأمة، ولا أدري كيف خرجت من فيه كلمة كهذه.

    قوله في بداية الفقرة عن الأشاعرة "أنهم فرقة كلامية إسلامية" إذا أضفنا إليه ما شنع به عليهم وألصقه بهم وهم بريئون منه ثم بالنظر إلى المقارنات التي عقدها بينهم وبين أهل السنة والجماعة الذين ادعاهم فنخلص إلى أنه يجعلهم فرقة ولكن ليسوا هم أهل السنة والجماعة.

    إذن خلاصة القول فيهم عنده أنهم من الفرق الاثنتين والسبعين غير فرقة أهل السنة والجماعة، فإذا طبقنا هذه النتيجة على حديث الافتراق المشهور نخرج أن الأشاعرة عند صاحب هذا المقال في النار بنص الحديث كونهم ليسوا من أهل السنة والجماعة.

    فمقال هذه نتيجته، الأحرى بكاتبه أن يبكي على نفسه مما جناه في حق ألوف من علماء المسملين، وكذا فليفعل من يصدقه.

    والعذر إن لم أعلق على جميع الافتراءات والتقولات الواردة في هذا المقال فالوقت لم يسعفني وفي الإخوة الأفاضل البركة إن شاء الله ليتابعوا الرد إن شاؤوا.

    والله من وراء القصد.

    --------------------------------------

    ملحق بأسماء بعض علماء الأشاعرة والماتريدية المشاركين في مختلف العلوم والذين يسعى صاحب المقال لإخراجهم من دائرة أهل السنة والجماعة ويحشد فيهم ما قد حشد من عقائد فاسدة هم بريئون منها:

    علم القراءات:
    ابن الجزري.
    أبو عمرو الداني.
    شهاب الدين القسطلاني.
    الشاطبي.
    أبو شامة المقدسي.

    التفسير:
    القرطبي.
    النسفي.
    الخازن.
    الرازي.
    الآلوسي الأب.
    البيضاوي.

    علوم القرءان:
    الزركشي.
    الراغب الأصفهاني.
    الماوردي.
    الكافيجي.

    الحديث:
    الدارقطني.
    الإسماعيلي.
    ابن حجر العسقلاني.
    السيوطي.
    ابن عساكر.
    الدمياطي.
    البيهقي.
    ابن حبان.
    البرهان الحلبي.
    ابن الصلاح.

    التوحيد:
    أبو الحسن الأشعري.
    الماتريدي.
    إمام الحرمين.
    المتولي.
    الآمدي.
    عز الدين ابن عبد السلام.
    هبة الله المكي.
    البيجوري.

    الفقه:
    السبكي.
    النووي.
    الرافعي.
    البلقيني.
    زكريا الأنصاري.
    الشبرملسي.
    الفاكهي.
    الطرطوشي.
    ابن الجوزي.
    ابن عابدين.
    الشيخ نظام.
    الكاساني.
    الغنيمي.

    أصول الفقه:
    ابن الحاجب.
    القرافي.
    البيضاوي.
    علاء الدين البخاري.
    البزدوي.
    ابن الهمام.

    السيرة النبوية:
    علي بن إبراهيم الحلبي.
    ابن سيد الناس.
    يوسف النبهاني.
    القاضي عياض اليحصبي.

    التاريخ:
    السخاوي.
    ابن خلدون.
    ابن الأثير.
    الخطيب البغدادي.
    سبط ابن الجوزي.
    الفاسي.
    التاج السبكي.
    ابن قاضي شهبة.

    التصوف:
    القشيري.
    الغزالي.
    الرفاعي.
    الجنيد.
    الشيخ زروق.
    محمد أمين الكردي.
    أبو نعيم الأصبهاني.

    تعبير الرؤيا:
    عبد الغني النابلسي.
    ابن المقري.

    الخلاف:
    الدبوسي الحنفي.
    الشيرازي.
    القدوري.
    ابن المنذر.

    اللغة:
    الزبيدي.
    أبو حيان الأندلسي.
    الفيومي.
    الفيروزآبادي.
    ابن منظور.

    والآن فلنذكر طائفة من القادة والمجاهدين واصحاب السياسة الأشعريين:
    الوزير نظام الملك.
    القائد المجاهد نور الدين زنكي.
    فاتح القدس الناصر صلاح الدين الأيوبي.
    فاتح القسطنطينية السلطان محمد الفاتح.
    أغلب قادة الدولة الأيوبية والمملوكية والسلجوقية والموحدية والعثمانية.

    بعد هذا كيف يسوغ أن يكون شموس الأمة وأعلام الأئمة كالذين ذكرناهم متذبذبي العقيدة مشابهين للمعتزلة والمرجئة والمعطلة فيهم من العقائد ما قد ذكر الكاتب أعلاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    والله من وراء القصد.



    .[/QUOTE]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-01-04
  7. alQssam

    alQssam عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-06-26
    المشاركات:
    617
    الإعجاب :
    0
    هنا بحث عن الشيخ أبو الحسن االأشعري






    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبة ومن تبعهم باحسان إلى يوم الدين .

    وبعد : لما كان كثير من الناس في الاقطار الاسلامية ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري ، مع ذلك لا يعرف شيئا عن أبي الحسن الأشعري ولا عن عقيدته التي استقر عليها أمره أخيراً واستحق بها أن يكونن من الأئمة المقتدى بهم –أحببنا أن نفيد أولئك عن حقائق هذا الامام المجهول عند كثير ممن ينتسب اليه وينتحل عقيدته ، حسب ما تتبعنا من المراجع المعتبرة .
    وقبل كل شيء أتحف القارئ بنبذة قليلة من ترجمة الأشعري فأقول وبالله أستعين:





    التعريف بالامام وذكر أبرز المصادر التي ترجمت له:
    (أما أبو الحسن االأشعري) فهو: علي بن اسماعيل ابن اسحاق ابن سالم بن اسماعيل بن موسى الأشعري ، ولد سنة ستين ومئتين من الهجرة النبوية260هـ ، ترجمه أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي في كتابة "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري" والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" وابن خلكان في وفيات الأعيان ، والذهبي في "تاريخ الإسلام" وابن كثير في "البداية والنهاية" وطبقات الشافعية والتاج السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" وابن فرحون المالكي في "الديباج المذهب في أعيان أهل المذهب" ومرتضي الزبيدي في "اتحاد السادة المتقين بشرح أسرار غحياء علوم الدين" زابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب في أعيان من ذهب" وغيرهم.


    عمن أخذ الأشعري العلم والكلام:
    دخل هذا الامام بغداد وأخذ الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي أحد أئمة الحديث والفقة وعن أبي خليفة الجمحي وسهل بن سرح ومحمد بن بعقوب المقريء وعبدالرحمن ابن خلف البصريين ، وروى عنهم كثيراً في تفسيره ((المختزن)) وأخذ علم الكلام عن شيخة زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة ، ولما تبحر في كلام الاعتزال وبلغ فيه الغاية كان يورد الأسئلة على استاذه في الدرس ولايجد فيها جواباً شافياً فتحير في ذلك فحُكي عنه أنه قال: وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر ، فقال لي رسول الله صلى الله علية وسلم ((عليك بسنتي)) فانتبهت !! ، وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار ، فأثبته ونبذت ماسواه ورائى ظهري . قال أبوبكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب الغدادي المتوَفى سنة 463هـ في الجزء الحادي عشر من تاريخه المشهور صفحة 346هـ (( أبو الحسن الأشعري المتكلم صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية ، والخوارج وسائر أصناف المبتدعة... إلى أن قال : وكانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجزهم في أقماع السمسم.

    قال ابن فرحون في الديباج: (( أثنى على أبي الحسن الأشعري أبو محمد بن أبي زيد القيرواني وغيره من أئمة المسلمين اهـ))

    أبو الحسن الأشعري يناهظ شيخه الجبائي فيفحمه!!!
    وقال ابن العماد الحنبلي في الشذرات الجزء الثاني صفحة 303 ومما بيض به أبو الحسن الأشعري وجوه أهل السنة النبوية وسود به رايات أهل الاعتزال والجهمية ، فأبان به وجه الحق الأبلج ولصدور أهل الايمان والعرفان أثلج مناظرة كما قال ابن خلكان: (( سأل أبو الحسن الأشعري أستاذه أبا على الجبائي عن ثلاثة إخوة ؛ كان أحدهم مؤمناً براً تقيلً والثاني كان كافراً فاسقً شقياً ، والثالث كان صغيراً ، فماتوا فكيف حالهم؟ ، فقال الجبائي : أما الزاهد ففي الدرجات أما الكافر ففي الدركات ، وأما الصغير فمن أهل السلامة فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟ ، فقال الجبائي: لا !!؛ لأنه يقال له: أخوك إنما وصل إلى هذه الدرجات بعطائه الكثير وليس لك تلك الطاعات ، فقال الأشعري: فان قال ذلك التقصير ليس مني ، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة ، فقال الجبائي: يقول البارئ جل وعلا: كنت أعلم لو بقيت لعصيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك ، فقال الأشعري: فلو قال الأخ الأكبر يا إله العــــالمي كما علمت حاله فقد علمت حالي ، فلم راعيت مصلحته دوني فانقطع الجبائي !!!

    وقال ابن العماد (( وفي هذه المناظرة دلالة على أن الله تعالى خص من شاء برحمته’ واختص آخر بعذابه)) اهـ.

    ثناء السبكي ، على عقيدة أبي الحسن الأشعري
    وقال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعيه الكبرى: ((أبو الحسن الأشعري كبير أهل السنة بعد الإمام أحمد ابن حنبل وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد رحمة الله واحدة لاشك في ذلك ولا ارتياب وبه صرح الأشعري في تصانيفه وذكره غير مامرة من أن عقيدتي هي عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل هذه عبارة الشيخ أبي الحسن في غير موضع من كلامه)) اهـ.

    وفضائل أبي الحسن الأشعري ومناقبه أكثر من أن يمكن حصرها في هذه العجالة ، ومن وقف على تواليفه بعد توبته من الاعتزال –رأى أن الله تعالى قد أمده ؛ فاالمالكي يدعي أنه مالكي ؛ والشافعي يزعم أنه شافعي ، والحنفي كذلك. قال ابن عساكر: لقيت الشيخ الفاضل رافعاً الحمال الفقيه ، فذكر لي عن شيوخه أن أب الحسن الأشعري كان مالكياً فنسب من تعلق اليوم بمذهبه وتفقه في معرفة أصول الدين من ســـائر المذاهب –إلى الأشعري لكثرة تواليفة وكثرة قراءة الناس لها.

    وقال ابن فروك: توفي أبو الحسن الأشعري سنة 324هـ

    رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاعتزال إالى عقيدة السلف

    قال الحافظ مؤرخ الشام أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر الدمشقي المتوفى سنة هـ في كتابه ((التبيين)) قال أبو بكر اسماعيل بن أبي محمد بن اسحق الأردي القيرواني المعروف بابن عزره: إن أبا الحسن الأشعري كان معتزلياً وإنه أقام على مذهب الاعتزال أربعين سنة وكان لهم إماماً، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً ، فبعد ذلك خرج إلى الجامع بالبصرة فصعد المنبر بعد صلاة الجمعة ، وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ولم يترجح عندي حق على باطل ولا باطل على حق ، فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى ما أودعته في كتبي هذه ، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا ،وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به ودفع الكتب إلى الناس ؛ فمنها كتاب اللمع وغيره من تواليفه الآتي ذكر بعضها قريبا إنشاءالله: فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحوها ، واعتقدوا تقدمة واتخذوه إماماً حتى نسب مذهبهم إليه فصار عند المعتزلة (ككتابيٍ أسلم وأظهر عوار ما تركه فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة) ، وكذلك أبو الحسن الأشعري أعدى الخلق إلى المعتزلة ؛ فهم يشنعون علية وينشنعون علية وينسبون إليه الأباطيل ، وليس طول مقام أبي الحسن الأشعري على مذهب المعتزلة مما يفضى به إلى انحطاط النمزلة بل يقضي له في معرفة الأصول بعلو المرتبة ويدل عند ذوي البصائر له على سمو المنقبة ؛ لأن من رجع عن مذهب كان بعواره أخبر وعلى رد شبه أهله وكشف تمويهاتهم أقدر ، وتبيين ما يلبسون به لمن يهتدي باستبصاره أبصر ، فاستراحتة من يعيره بذلك كاستراحة مناظر هرون بن موسى الأعور ؛ وقصته أن هارون الأعور كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامة ، وحفظ القرآن وضبطه وحفظ النحو ، وناظره انسان يوماً في مسألة فغلبه هرون فلم يدر المغلوب ما يصنع فقال له: أنت كنت يهودياً فأسلمت فقال له هرون فبئس ما صنعت فغلبه هرون في هذا .
    واتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن الأشعري كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث ، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث ؛ تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة ، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة سبفاً مسلولاً ومن طعن فيه أو سبه فقد بسط لسان السؤ في جميع أهل السنة ، ولم يكن أبو الحسن الأشعري أول متكلم بلسان أهل السنة وإنما جرى على سنن غيره وعلى نصرة مذهب معروف، فزاده حجةً وبياناً، ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهباً انفرد به وليس له في المذهب أكثر من شرحه كغيرة من الأئمة.
    وقال أبوبكر بن فروك: رجع أبو الحسن الأشعري عن الاعتزال إلى مذهب أهل السنة سنة300هــ
    وممن قال من العلماء برجوع الأشعري عن الاعتزال أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان الشــافعي المتوفى سنة681هــ ؛ قال في ((وفيات الأعيان)) الجز الثاني صفحة 446: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً ثم تاب. ومنهم عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر ابن كثير القرشي الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 774هـ ؛ قال في البداية والنهاية الجزء الحادي عشر صفحة187: ((إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم)) ومنهم شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الشافعي الشهير بالذهبي المتوفى سنة 748هـ؛قال في كتابه ((العلول للعلى الغفار)): (( كان أبو الحسن أولا معتزلياً أخذ عن أبي علي الجبائي ثم نابذه ورد عليه وصار متكلماً للسنة ، ووافق أئمة الحديث ، فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن ولزموها لأحسنوا ولكنهم خاضوا كخوض حكماْ الأوائل في الأشياء ومشوا خلف المنطق فلا قوة إلا بالله)) ، وممن قال برجوعه تاج الدن أبو نصر عبدالوهاب بن تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة771هــ قال في طبقات الشافعية الكبرى ، الجزء الثاني صفحة 246هــ : أقام أبو الحسن على الاعتزال أربعين سنة حتى صار للمعتزلة إماماً فلما أرادة الله لنصرة دينة وشرح صدره لإتباع الحق غاب عن الناس في بيته، وذكر كلام ابن عساكر المتقدم بحروفه ومنهم برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المدني المالكي المتوفى سنة 799هــ قال في كتابه (( الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب)) صفحة193: "كان أبو الحسن الأشعري في ابتداء أمره معتزلياً ، ثم رجع إلى هذا المذهب الحق ، ومذهب أهل السنة فكثر التعجب منه ، زسئل عن ذلك ، فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فأمره بالرجوع إلى الحق ونصره ، فكان ذلك والحمد لله تعالى .
    ومنهم السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى ؛ قال في كتابه ((إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار احياء علوم الدين)) الجزء الثاني صفحة 3 قال: "أبو الحسن الأشعري أخذ الكلام عن شيخ أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة ، ثم فارقه لمنام رآه ، ورجع عن الاعتزال وأظهر ذلك إظهاراً ، فصعد منبر البصرة يوم الجمعة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن وإن الله لايُرى في الدار الآخرة بالأبصار وإن العباد يخلقون أفعالهم وها أنا تائب من الغعتزال معتقداً الرد على المعتزلة ، ثم شرع في الرد عليم والتصنيف على خلافهم ، ثم قال: قال ابن كثير: ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال أولها حال الاعتزال التي رجع عنها ولا محالة والحال الثاني إثبات الصفات العقلية ؛ وهي الحياة والعلم ، والقدرة ، والارادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام . زتأويل الخبرية كالوجة واليدين والقدم والساق ونحو ذلك، الحال الثالث إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف وهي طريقته في الإنابه التي صنفها آخراً.

    وبهذه النقول عن هؤلاء الأعلام ثبت ثبوتاً لاشك فيه ولا مرية أن أبا الحسن الأشعري استقر أمره أخيراً بعد أن كان معتزلياً على عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم وسنة النبي الكريم عليه أزكى الصلاة والتسليم.


    صحة نسبة(( الابانة في أصول الديانة))

    ثبوت نسبة الابانة إلى أبي الحسن الأشعري والرد على من أنكر ذلك وزعم أنها مدسوسة:

    وقبل البحث في صحة نسبة هذا الكتاب إلى أبي الحسن الأشعري نذكر نبذة قليلة من تواليفة التي ألفها بعد توبته من الاعتزال ، فنقول: قال الحافظ ابن عساكر في كتابه ((تبيين كذب المفتري)) ذكر ابن حزم الظاهري أن لأبي الحسن الأشعري خمسة وخمسين تصنيفاً ، ثم قال: ترك ابن حزم من عدد مصنفاته أكثر من مقدار النصف ، وبعد ذلك سردها ، فقال : منها كتاب اللمع ، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (( كشف الأسرار وهتك الأستار)) ومنها تفسيره المختزن ؛ وهو خمسمئة مجلد لم يترك فيه آية تعلق بها بدعي إلا أبطل تعلقه بها ، وجعلها حجة لأهل الحق ، وبين المجمل وشرح المشكل ونقض فيه ما حرفه الجبائي والبلخي في تفسيريهما ومنها الفصول في الرد على الملحدين والخارجين على الملة كالفلاسفة والطبائعيين والطبائعيين والدهريين وأهل التشبيه ومنها مقالات المسلمين استوعب فيه جميع اختلافهم ومقالاتهم وذكرها الحافظ ابن عساكر بأسمائها وموضوعاتها في كتابه التبيين من صفحة 128 إلى صفحة 136 ، وقد أطلعت أنا الجامع لهذه الرسالة على ثلاثة من الكتب المذكورة ، وهي مطبوعة: اللمع، والابانة ، والمقالات الاسلامية ، وقال ابن عساكر في صفحة28 من التبيين: وتصانيف أبي الحسن الأشعري بين أهل العلم مشهورة معروفة وبالاجادة والاصابة للتحقيق عند المحققين موصوفة ، ومن وقف على كتابه المسمى بالإبانة عرف موضعه من العلم والديانه ، ثم قال في صفحة 152: فإذا كان أبو الحسن كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ، ونتجنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركاً للخيانة لتعلم الحقيقه حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة ؛ فاسمع ماذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة ونذكر ما يأتي في آخر الرسالة إنشاء الله تعالى ثم قال في صفحة 171 في جملة أبيات نسبها لبعض المعاصرين له:

    لو لم يصنف عمره----غير الإبانة واللمع
    لكفى فكيف وقد----تفنن في العلوم بما جمع
    مجموعة تربى علىالمئت----ين مما صنع
    لم يأل في تصنيفها----أخذاً بأحسن ما استمع
    فهدى بها المسترشد----ين ومن تصفحها انتفع
    تتلى معاني كتبه----فوق المنابر في الجمع
    ويخاف منإفحامه----أهل الكنائس والبيع
    فهو الشجا في حلق من----ترك المحجة وابتدع




    وممن عزا الإبانة إلى أبي الحسن الأشعري الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي المتوفى في سنة 458هــ ؛ قال في كتاب (( الاعتقاد الهداية إلى سبيل الرشاد)) في باب القول في القرآن صفحة31 ؛: ذكر الشافعي رحمه الله مادل على أن مانتلوه من القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا ، ونكتبه في مصاحفنا يسمى كلام الله عز وجل وان الله عز وجل كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم وبمعناه ذكره أيضاً علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة وقال في صفحة 23 من الكتاب المذكور آنفاً: قال أبو الحسن علي بن إسماعيل في كتابه ؛ يعني الإبانة فإن قال قائل حدثونا أتقولون إن كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ قيل له نقول ذلك ؛ لأن الله قال (( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)) ، فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم ‘ وهو بالالسنة قال تعالى: (( لاتحرك به لسانك)) والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة محفوظ في صدورنا في الحقيقة متلو بألسنتنا في الحقيقة . مسموع لنا في الحقيقة كما قال تعالى: ((فأجره حتى يسمع كلام الله)) ثم قال في صفحة 26 بعد سرد الأدلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق: وقد احتج علي ابن إسماعيل الأشعري رحمة الله بهذه الفصول اهـ. من نسخة مخطوطة يرجع تاريخ خطها إلى سنة1086هـ[وهي محفوظة لدى الأخ اسماعيل الأنصاري طبعت في مصر قريباً].

    وممن ذكر الإبانة وعزاها لأبي الحسن الأشعري الحافظ المعروف بالذهبي قال في كتابه (( العلو العلي للغفار)) صفحة278 قال الأشعري في كتاب (الابانة في أصول الديانة) له في باب الاستواء: فإن قال قائل: (الرحمن على العرش استوى) الى آخر مافي الابانة . ثم قال: وكتاب الابانة من أشهر تصانيف أبي الحسن الأشعري شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه ونسخة بخط الامام محيي الدين النواوي وذكر الذهبي عن الحافظ أبي العباس أحمد بن ثابت الطرقي أنه قال : ونقل عن أبي علي الدقاق أنه سمع زاهر بن أحمد الفقيه يقول : مات الاشعري رحمة الله ورأسه في حجري فكان يقول شيئاً في حال نزعه: *** الله المعتزله موهوا ومخرقوا اهـ كلام الذهبي.

    وممن نسبها إلى أبي الحسن الاشعري ابن فرحون المالكي ؛ قال في كتابه الديباج صفحة 193: إلىصفحة194 ولأبي الحسن الأشعري كتب منها كتاب اللمع الكبير واللمع الصغير وكتاب الابانه في أصول الديانةاهـ.

    وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري أبو الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ؛ قال في الجزء الثاني من كتابه؛(( شذرات الذهب في أعيان من ذهب)) صفحة 303، قال أبو الحسن في كتابه الابانة في أصول الديانة وهو آخر كتاب صنفه. وعليه يعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه ، ثم ذكر فصلاً كاملاً من الابانه .

    وممن عزاها لأبي الحسن الأشعري السيد مرتضى الزبيدي قال في ((إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين)) في الجزء الثاني صفحة2 قال: صنف أبو الحسن الأشعري بعد رجوعة من الاعتزال الموجز؛ وهو في ثلاث مجلدات كتاب مفيد في الرد على الجهمية والمعتزلة ومقالات الاسلاميين وكتاب الابانة، وقد تقدم حكاية عن ابن كثير أن الابانة هي آخر كتاب صنفه أبو الحسن الأشعري.

    وممن ذكر أن الابانة تأليف أبي الحسن الأشعري أبو القاسم عبالملك بن عيسى بن درباس الشافعي قال في رسالته (( الذب عن أبي الحسن الاشعري)) : إعلموا معشر الاخوان أن كتاب الابانة عن أصول الديانة، الذي الفه الامام أبو الحسن علي بن إسماعيل الاشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده وبه كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه من الاعتزال بمن الله ولطفه ، وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف مافيه فقد رجع عنها وتبرأ إلى الله سبحانه منها وكيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها: وروي أثبت أنه ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين ، وأن مافيه هو الذي يدل علية كتاب الله وسنة رسولة صلى الله علية وسلم ، فهل يسوغ أن يقال إنه رجع عن هذا إلى غيره فإلى ماذا يرجع أتراه يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون وأئمة الحديث المرضيون وقد علم أنه مذهبهم ، ورواه عنهم؟؟!! هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين وكيف بأئمة الدين أوهل يقال:: إنه جهل الأمر فيما نقلة عن السلف الماضين مع افنائه جل عمره في استقراء المذاهب وتعرف الديانات ، هذا مما لا يتوهمه منصف ، ولا يزعمه إلا مكابر مسرف ، وقد ذكر الابانه واعتمد عليها وأثبتها عن الامام أبي الحسن الأشعري وأثنى عليه بما ذكره فيها وبرأه من كل بدعة نسبت إليه ، ونقل منها إلى تصنيفه جماعة من الأئمة الأعلالم من فقهاء الاسلام وأئمة القراء وحفاظ الحـــديث وغيرهم.

    وذكر ابن درباس طائفة من الذين قدمنا ذكرهم وزاد الحافظ أبا عباس أحمد بن ثابت العراقي ، وذكر عنه أنه قال في بيان مسألة الاستواء من تأليفه رأيت هؤلاء الجهمية ينتمون في نفي علو الله على العرش وتأويل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري ، وما هذا بأول باطل إدعوه وكذب تعاطوه ، فقد قرأت في كتابه الموسم بالابانه عن أصول الديانة أدلة من جملة ما ذكرته على اثبات الاستواء ، ومنهم الامام الاستاذ الحافظ أبو العثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني ، ذكر عنه أنه ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا بيده كتاب الابانه لابي الحسن الأشعري ويظهر الاعجاب بها ، ويقول مالذي ينكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه( هذا قول الامام أبي عثمان وهو من أعيان أهل الأثر بخرسان).

    ومنهم امام القراء أبو علي الحسن بن علي بن ابراهيم الفارسي ذكر الامام أبا الحسن الأشعري رحمة الله عليه، فقال: وله كتاب في السنة سماه كتاب الابانه صنفه ببغداد لما دخلها وذكر ابن درباس أنه وجد كتاب الابانة في كتب أبي الفتح نصر المقدسي-رحمه الله ببيت المقدس وقال رأيت في بعض تآليفه في الاصول فصولا منه بخطه.

    ومنهم الفقيه أبو المعالي مجلى صاحب كتاب الذخائر في الفقة ، قال ابن درباس أنبأني غير واحد عن الحافظ أبي محمد المبارك بن علي البغدادي ونقلته أنا من خطه في آخر كتاب الابانه قال نقلت هذا الكتاب جميعه من نسخة كانت مع الشيخ الفقيه مجلى الشافعي أخرجها في مجلدة فنقلتها وعارضت بها وكان رحمه الله يعتمد عليها وعلى ماذكره فيها ويقول لله من صنفه ويناظر على ذلك من ينكره وذكر ذلك لي وشافنى به وقال: هذا مذهبي وإليه أذهب نقلت هذا في سنة 540هـ بمكة وهذا آخر مانقلت منخط ابن الطباخ .

    وذكر فيمن غزاها إلى أبي الحسن أبا محمد بن علي البغدادي نزيل مكة قال ابن درباس شاهدت نسخة من كتاب الابانة بخطه من أوله إلى آخره ، وهي بيد شيخنا الإمام رئيس العلماء الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن بن المضل المقدسي ونسخت منها نسخة ، وقابلتها عليها بعد أن كنت كتبت نسخة أخرى مما وجدته في كتاب الامام نصر المقدسي ببيت المقدس ولقد عرضها بعض أصحابنا على عظيم من عظماء الجهمية المنتمين افتراءاً إلى أبي الحسن الأشعري ببيت المقدس فأنكرها وجحدها وقال : ماسمعنابها قط ولاهي من تصنيفه واجتهد آخر في إعمال رويته ليزيل الشبهة بفطنته ، فقال بعد تحريك لحيته لعله ألفها لما كان حشوياً ، قال ابن درباس فمادريت من أي أمر به أعجب أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في تصانيفه من العلماء أومن جهله بحال شيخة الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته من الاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها، فإذا كانوا بحال من ينتمون إليه بهذه المثابة فكيف يكونون بحال السلف الماضين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وأعلام الفقهاء والحدثين وهم لايلوون على كتبهم ولا ينظرون في آثارهم وهم والله بذلك أجهل وأجهل كيف لا وقد قنع بعض من ينتمي منهم إلى أبي الحسن الأشعري بمجرد دعواه وهو في الحقيقة مخالف لمقالة الأولى ، وكان خلاف ذلك أحرى به وأولى لتستمر القاعدة وتصير الكلمة واحدة اهـ (كلام ابن درباس رحمه الله).

    وممن ذكر بالابانه ونسبها إلى أبي الحسن الأشعري تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن عبدالسلام الشهير بابن تيمية المتوفى سنة 728هـ؛ قال في الفتوى الحموية الكبرى صفحة72: قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الابانة في أصول اليانة ، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه فقال: فصل في ابانة قول أهل الحق والسنة وذكر مافي أول كتاب الابانة بحروفه وسيأتي ذكره إنشــــاء الله قريباً.

    وممن عزاها إلى أبي الحسن الأشعري شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة 751هـ قال في كتابه اجتماع الجيوش الاسلامية على غزو المعطلة والجهمية الطبعة الهندية صفحة111: قال شيخ الاسلام ابن تيمية ولما رجع الأشعري من مذهب المعتزلة سلك طريق أهل السنة والحديث وانتسب إلى الامام أحمد بن حنبل كما في كتبه كلها والموجز والمقالات وغيرها ثم قال ابن القيم: وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه كالحسن الطبري وأبي عبدالله بن المجاهد والقاضي أبي بكر الباقلاني متفقون على اثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليدين وعلى ابطال تأويلها وليس للأشعري في ذلك قولان أصلاً ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين ولكن لاتباعه قولان في ذلك ولأبي المعالي الجويني في تأويلها قولان: أولها في الارشاد ورجع عن تأويلها في رسالته النظامية وحرمه ، ونقل اجماع السلف على تحريمه وأنه ليس بواجب ولا جائز ، ثم ذكر ابن القيم قول أبي الحسن الأشعري إمام الطائفة الأشعرية ، ثم قال: نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه كالموجز والابانة والمقالات وقال ابن القيم في قصيدته النونية التي سماها الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية الطبعة المصرية صفحة 68 والأشعري قال تفسير استوى بحقيقة استولى من البهتان:

    هوقول أهل الاعتزال وقول أتبـــ----ــــاع لجهم وهو ذو بطلان
    في كتبه قد قال ذا من موجز----وابانة ومقالة ببيان

    وقد قال في صفحة 69 من الكتاب المذكو آنفاً:

    وحكى ابن العلم أن الله فو----ق العرش بالايضاح والبرهان
    وأتى هناك بماشفى أهل الهدى----لكنه مرض العميان
    وكذا علي الأشعري فإنه----في كتبه قد جاء بالتبيان
    من مؤجز وابانة ومقالة----ورسائل للثغر ذات بيان
    وأتى بتقرير استواء الرب فو----ق العرش بالايضاح والبرهان
    وأتى بقرير العلو بأحسن التقر----ير فانظر كتبه بعيان


    قلت هذه نقول الأئمة الأعلام التي تضمنت بالصراحة التي لا يتناطح عليها عنزان أن كتاب الابانة ليس مدسوساً على أبي الحسن الأشعري كما زعمه الأغمار من المقلدة بل هو من تواليفه التي ألفها أخيراً واستقر أمره على مافيها من عقيدة السلف التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية.


    عقيدة الإمام أبو الحسن الأشعري

    وبعد هذا رغبت أن أتحف القارئ بقطعة من عقيدة هذا الامام التي رجع إليها وذكرها في ابانته ؛ أذكرها بفصها ونصها ليظهر لكل منصف قرأها يفهم أن أبا الحسن الأشعري تاب من التعطيل والتأويل كما أنه ليس بممثل بل هو مثبت ومعتقد كل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه أو أخبر به عنه نبيه عليه الصلاة والسلام من غير تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل ؛ فأقول قال أبو الحسن الأشعري في ابانته: (باب في ابانة قول أهل الحق والسنة) فإن قال لنا قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة ، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه السلام وما رُويا عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون لأنه الامام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق ورفع به الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من امام مقدم وجليل معظم مفخم وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لا نرد من ذلك شيئاً وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق وأن الله يبعث من في القبور ، وأن الله مستو على عرشه كما قال (الرحمن على العرش استوى) وأن له وحهاً كما قال: ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) وأن له يدين بلا كيف كما قال ( لما خلقت بيدي ) وكما قال ( بل يداه مبسوطتان ) وأن له عينين بلا كيف كما قال ( تجري بأعيننا ) وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً وأن لله علماً كما قال (أنزله بعلمه) وكما قال ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج ونثبت أن لله قوة كما قال: ( أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له كن كما قال (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله وأن الأشياء قبل أن يفعله ولا يستغني عن الله ولا يقدر على الخروج عن علم الله عز وجل وأنه لا خالق إلا الله وأن أعمال العبد مخلوقه لله مقدرة كما قال: (خلقكم وما تعملون) وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون كما قال: ( أفمن يخلق كمن لا يخلق) وكما قال (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) وهذا في كتاب الله كثير وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظرلهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالآيات كا زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين ولو هدادم لكانوا مهتدين وأن الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أرد أن يكونا كافرين كما علم وخذلهم وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وإنا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ايصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا بالله كما قال عز وجل ونلجئ أمورنا إلى الله نثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر وندين بأن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقول : إن الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنه كما قال عز وجل: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) وأن موسى عليه السلام سأل الله عز وجل الرؤية في الدنيا وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكا فعلم بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا و ندين بأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبة كالزنى والسرقة وشرب الخمور كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنهم كافرين ونقول إن من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنى والسرقة وما أشبههما مستحلا لها غير معتقد لتحريمها كان كافراً ، ونقول إن الاسلام أوسع من الايمان وليس كل إسلام ايمان ، وندين الله عز وجل بأنه يقلب القلوب بين أصبعين من أصابع الله عز وجل وأنه عز وجل يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله علية وسلم ونديد بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالايمان جنة ولا نار اً إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وترجوا الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ونقول إن الله عز وجل يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض وأن الميزان حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق وأن الله عز وجل يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين. وأن الايمان قول وعمل يزيد وينقص . ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وندين بحب السلف الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه عليه السلام ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم ونتولاهم أجمعين ، ونقول إن الإمام الفاضل بعد رسول الله صلى الله علية وسلم أبو بكر الصديق رضوان الله عليه إن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون بالامامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة وسموه أجمعهم خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان رضي الله عنه وإن الذين قاتلوه قاتلوه ظلماً وعدواناً ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ونتولى سائر أصحاب النبي صلى الله علية وسلم ونكف عما شجر بينهم وندين الله بأن الأئمة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاً لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول هل من سائل هل من مستغفر وبسائر ما نقولوه وأثبتوه خلافاً لما قال أهل الزيغ والتضليل ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كا في معناه: ولا نبتدع في دين الله مالم يأذن لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول إن الله عز وجل يجيء يوم القيامة كما قال (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) وأن الله عز وجل يقرب من عباده كيف شاء كما قال: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد). وكما قال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وغيره. كما روي عن عبدالله بن رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج. وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافاً لمن أنكر ذلك ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والاقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم وإذا ظهر منهم ترك الاستقامة وندين بانكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر ونكير ومنكر ومسائلتهما المدفونين بقبورهم. ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحراً. وأن السحر كائن موجود في الدنيا. وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوراتهم ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات وقتل فبأجله مات وقتل وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها عباده حلالاً وحراماً. وأن الشياطان يوسوس للانسان ويسلكه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله عز وجل: (الذين يأكلون الربى لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) وكما قال: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس) ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله عز وجل بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين أن الله يؤجج لهم في الآخرة ناراً ثم يقول لهم اقتحموها كما جاءت بذلك الرواية، وندين الله عز وجل بأنه يعلم ماالعباد عاملون وإلى ماهم صائرون. وما كان ومايكون ومالا يكون أن لو كان كيف يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعته ومجانبة أهل الهوى. ((انتهى بحروفه))

    هذا مجمل عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري التي استقر أمره عليها بعد أن أقام على مذهب الاعتزال أربعين عاماً. ذكره في أول كتابه الإبانة وفصله باباً باباً فراجها إن شئت تجد ما يشفي ويكفي. فتأمل أيها الأخ المنصف هذه العقيدة ما أوضحها وأبينها وعترف بفضل هذا الإمام العالم الذي شرحها وبينها وانظر سهولة لفظها فما أفصحه وأحسنة. وكن ممن قال الله فيهم( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) وتبين فضل أبي الحسن الأشعري واعرف إنصافه واسمع وصفه للإمام أحمد ابن حنبل بالفضل لتعلم أنهما كانا في الاعتقاد متفقين وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين، ولعمري إن هذه العقيدة ينبغي لكل مسلم أن يعتقدها ولا يخرج عن شيء منها إلا من في قلبه غش ونكد، ونسأل الله تعالى الثبات عليها ونستودعها عند من لا تضيع عنده وديعة. والحمد لله وبنعمتة تتم الصالحات وصلى الله وسلم على نبينا محمد معلم الخيرات وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تجزى فيه الحسنات.

    بقلم فضيلة الشيخ: حماد بن محمد الأنصاري
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-01-05
  9. " سيف الاسلام "

    " سيف الاسلام " عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-08-11
    المشاركات:
    2,074
    الإعجاب :
    0
    رحم الله والديك أيها القسام

    ولي بإذن الله عودة في هذا الموضوع .

    نلتقي
     

مشاركة هذه الصفحة