التغيير بين الرفض و القبول

الكاتب : بسيم الجناني   المشاهدات : 525   الردود : 0    ‏2004-12-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-12-22
  1. بسيم الجناني

    بسيم الجناني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-16
    المشاركات:
    10,620
    الإعجاب :
    0
    [align=right]قرأت هذه المقالة التي تتعلق بموضوع التغير المطروح مسبقاً في المجلس العام واحببت ان انقل لكم مااتى في مضمونها.

    والتي سردها الكاتب بمحاور عدة ومنها التمسك بالثوابت والتمسك بالعادات والتقاليد و التطرق لمجالات التغير ومدى قبوله ورفضه على المجتمع .

    [align=right]
    بسم الله والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين ......... أما بعد
    من المعلوم أن لكل أمة من الأمم ولكل شعب من الشعوب مجموعة من الثوابت الدينية والاجتماعية والسياسية من الخطير جداً المساس بها، فإن المساس بها يؤدي على المدى البعيد إلى طمس الهوية وفقدان الذات، ومعلوم أيضا أن مجال الثوابت في النواحي التي ذكرناها محددة أو معينة، أي أن المتغيرات هي الأكبر مساحة ومجالاً من الثوابت، وذلك لما يجري من تغير دائم على الحياة البشرية تطوراً وتجدداً في الأساليب خصوصاً والغايات في بعض الأحيان.
    من هذا المنطلق فإن التغير دائم وآت، والمسألة التي تطرح نفسها بهذا الصدد هي كيفية مواجهة هذا التغير الذي لا يقف دونه شيء، ولاسيما إذا كان التغير نمطياً ونوعياً ومبرمجاً وهادفاً ومفروضاً من جهات خارجية ومسنوداً بتقنية متقدمة.
    إن التغيير بحد ذاته سنة من سنن الكون، فقد قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).
    ((هذا الحراك الوجودي لا يكون دائماً في الاتجاه نحو الأسوأ ولا في الاتجاه نحو الأفضل، فهو في المعايير الأخلاقية والمصلحية تطور محايد.. والانتقال من حال إلى حال هو الباب العريض الذي يدخل منه كل أولئك الذين يبحثون عن التخلص من ظروف النشأة الوضعية المنزوية التي وجدوا أنفسهم فيها..)).إذن فالتغيير عمل قصدي بشري يقوم به الناس بغية الوصول إلى أهدافهم.. والمنطلق الأساسي للتغيير في الإسلام هو تغيير الذات فهو أساس كل تغيير [ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ]، [ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ].
    والسؤال المهم في هذا المجال هو: ما هو مجال ذلك التغيير؟ في الثوابت أم في المتغيرات؟ أم في كليهما؟ إذن لابد من تحديد للثوابت وتحديد للمتغيرات، مع العلم بأن المتغيرات لايمكن حصرها، ذلك أنه بدون تحديد لما هو ثابت وما هو متغير فإن الأمور تختلط، فقد تستهدف الثوابت للتغيير وذلك أمر في غاية الخطورة.
    ولكن هل إن الثوابت في كل الأمم والشعوب هي نفسها، أم أنها مختلفة حسب اختلاف الانتماءات الحضارية والجغرافية والقومية والدينية؟ فلاشك في أنها مختلفة باختلاف الأوطان والأديان وتاريخ الشعوب.
    فرب أمور تعتبر من الثوابت لامة ما، ليست كذلك بالنسبة لأمة أخرى. وهكذا فالثوابت بالنسبة للأمة الإسلامية هي غيرها بالنسبة للأمم الأخرى، بل وفي داخل الأمة الإسلامية ثمة خصوصيات، فالثوابت بالنسبة إلى شعب مسلم في إقليم ما، قد تكون مغايرة تماماً بالنسبة لثوابت شعب مسلم آخر في الأبعاد الأخرى غير البعد الإسلامي كالبعد السياسي والبعد الاجتماعي وغيره.
    وعدم التمعن في هذا الأمر غالباً ما يؤدي إلي صراع وتناحر وتناطح، لذلك كان من الضروري احترام ثوابت الآخرين وإن كانت لا تتفق مع ثوابتي.
    ونقطة الاختلاف تبرز من أن الثوابت والمتغيرات مختلفة ومتفاوتة، وتيار التغيير الجارف في هذا العصر يتخطى حدود المكان والعالم، وكما يقول الكثيرون فقد أصبح العالم قرية صغيرة. إذن فلا عجب أن يكون التغيير أحيانا موضع نظر وعدم ثقة ألحقت به على أنه مسألة طبيعية، لاسيما إذا ارتبط هذا التغيير بقوى عالمية تريده لوجهة ما أو تريد أن تفرض نمطاً معيناً من التغير. عند ذلك، أي عند توقع أن يتجه التغيير إلى الثوابت، يبرز رد الفعل، تبرز بعده فكرة رفض التغيير، وخاصة التغيير الذي يراد أن يفرض بالقوة ومن الخارج، وهذا ما ينتج عنه ما نسميه (مقاومة التغيير)، والتي تبررها أسباب عديدة سواء كانت صادرة من المثقفين أو من عامة الناس، وهذه الأسباب هي:
    1-القصور الذاتي، وهو عامل مهم في مقاومة التغيير، حيث يشعر المرء نفسه بالعجز عن استيعاب المتغيرات الجديدة، ويتخذ التمنع من قبول الجديد شكلاً من أشكال الاستقطاب حول القديم.. ولا أظن أن هذا القصور يعود إلى الطبيعة البشرية بمقدار عودته إلى طريقة التربية التي يتلقاها الواحد منا.
    وثمة عوامل متعددة تؤثر في هذا القصور من بينها دور المؤسسات التربوية والاجتماعية وحتى السياسية والمناهج التعليمية المتبعة في بلادنا.
    2-موقف المرء من التغيير كثيراً ما يحكم من قبل الوضعية التي يتلبس بها، فالراحة العقلية والشعورية تشجع الإنسان على الانفتاح نحو الوافدات الجديدة أياً كان نوعها.
    إن الحالة النفسية المتردية المقترنة بالضغوطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تؤدي أحيانا إلى الرفض السريع لكل ما يشوبه الغموض والتعقيد ((إن الفتور الذي يسيطر على معظم أبناء هذه الأمة كثيراً ما كان عاملاً في الحكم على كثير من المستجدات حكماً سلبياً غير مقترن بدراسة متعمقة وقراءة متأنية.. إن رد فعل سريع على أشياء جديدة وأفكار حديثة غالباً ما تسببه الخلفية العاطفية والعقيلة المتعصبة الرافضة لما هو مغاير لما تعود عليه المرء.
    إن الأمة التي تمر بحالة الضعف والفتور، وتحول وضعها من التأثير على الآخرين إلى الدفاع عن نفسها، لهي ضعيفة غير قادرة على استيعاب المستجدات، لاسيما إذا أتت من أعدائها.
    3-الفشل في محاولات عديدة غالباً ما يؤدي إلى ترسيخ اليأس وتجذير القنوط (إن السلبية المنحنية التي يبديها السواد الأعظم من مسلمي اليوم تجاه ما يدور حولهم من أحداث هي مولود شرعي لما ترسخ في أعماق شعورهم من أن الكلام في أي أمر ومحاولة الإصلاح في أي اتجاه، لا يعدو أن يكون صيحة في واد وجهاداً في غير عدو.. ومن ثم تكون الإيجابية والسلبية وجهان لعملة واحدة).
    فأي أمل يمكن أن يرتجى من مثقفين ومفكرين حوربوا من قبل الأصدقاء قبل الأعداء؟ أي أمل نرجوه من شعوب تعودت على الأنظمة السياسية الأبدية ـ إن صح التعبير ـ التي جاءت لتبقى. تلك الأنظمة التي صبغت كل مؤسسات الحياة لعقود طويلة؟ ومن ثم أي أمل نرجوه من أناس دفعوا حياتهم ثمناً لإطلاق ألسنتهم (التغيير) أحيانا؟
    4-عدم وضوح نتائج التغيير: إن المستجدات تأتي بنتائج معلومة أحيانا، وغامضة أخرى، وغموضها يغلب على وضوحها، مما يؤدي رفضها (بعض الناس يملك إحساسا بأن الاستجابة لدعوات الانفتاح والاتزان والتعقل، تفرز لدى كثيرين شططاً، يضعف لديهم الحساسية نحو الخصوصية الثقافية والحضارية، وهذه التوجهات مشروعة، لكن الاستسلام لها دون توسيع قاعدة الفهم والتحليل والمتابعة الدقيقة يترتب عليه آثار سيئة جدا).
    الشفافية في الأهداف والغايات يمكن التعامل معها، واتخاذ الموقف منها رفضاً أو قبولاً، وعلى أساس عقلي ومنطقي، أما إذا لم تكن ثمة شفافية ووضوح في الأهداف والغايات، فإن رد الفعل الطبيعي لها والإجابة الأولية في الرفض مطلقاً، وربما دون تمعن وتعمق. والحقيقة إن الرفض المطلق لكل ما هو مستجد وآت أمر غير مقبول، وناتج في كثير من الأحيان من العقلية التي تسند المستجدات إلى المؤامرات الدولية والإقليمية وغيرها، وهذا بحق تطرف في الرفض وعدم التعمق والتحليل والحكم المسبق على الأشياء دون تبين ووضوح سابقين.
    5-الحرص على عادات وأعراف المجتمع: العادات التي ترسخت بمرور الزمن من الصعب جداً أن تتغير في وقت قصير، بل ربما احتاجت إلى وقت أطول من الزمن الذي تتكون فيه، ولاسيما العادات التي كانت حسنة ومرغوبة في وقت ما، بل كانت إيجابية جداً في فترة ما، ولكن فقدت إيجابيتها بمرور الزمن. ولكن المشكلة تكمن في رسوخ حسنها وضرورتها في أذهان الكثيرين خاصة الكبار وعامة الناس (ومن الواضح أن الناس كثيراً ما يتضايقون من بعض العادات والتقاليد، ويشعرون بعدم منطقيتها، لكن الخوف من العزلة الاجتماعية هو الذي يجعلهم يمتثلون لها، حتى في الأمور الشخصية التي لا تتعلق بأهداف اجتماعية مادامت ممارستهم في إطار اجتماعي).
    6-التغيير الإجباري أو القسري: إن الإكراه والقسر يؤدي إلى ردود فعل عكسية عندما تناسب الظروف (يقاوم كثير من الناس التغيير لا لأنهم يرفضون مدلولاته أو نتائجه، ولكن لأنهم حملوا عليه حملاً واكرهوا قسراً على الاستجابة له).
    وهذا سبب أساسي في معظم حالات رفض التغيير، ومن منا لا يحبذ الحريات العامة وحقوق الإنسان والمؤسسات الديمقراطية وغيرها، ولكن عندما يتم تغير هذه الأمور أو إيجادها بقوة قاهرة أو بتدخل خارجي يصاحبه نوع من الرفض والاستنكار، وهكذا فالناس يأنفون من تقبل التطوير الذي يملى عليهم إملاء مهما كان موضوعياً ومنطقياً، ومهما كانت النتائج المرجوة منه باهرة).
    خطير جدا أن نغير واقعاً بقوة قاهرة دونما أن نغير هذا الواقع في قلوب الناس أولا أو أن نقنع الناس بضرورة التغيير. ثم ما الفائدة من مؤسسات اجتماعية واقتصادية وسياسية متطورة تخدم الإنسان والإنسانية إذا لم يكن هناك من يستطيع أن يترجمها في حياته وسلوكه اليومي؟ إننا حقاً نعاني من ازدواجية واضحة، فثمة مؤسسات مدنية ولكن لا يوجد أناس مدنيون، وثمة خطوات تغيير إيجابية ولكن لا يوجد من يضعها موضع التطبيق والتنفيذ. ومن ثم نصبغ المؤسسات المدنية بالصبغة القديمة، ونجردها من معانيها ومضامينها الأصلية، وتبقى مثل جسدً بلا روح، أو شكل بلا مضمون.
    فالأمل في التغيير أن ينبع من الداخل إذ أن هذا التغيير هو الذي سيستطيع أن يأخذ مجراه الصحيح، وأن تكون له نتائج صحيحة وواضحة، ولاسيما تغيير نابع من الشعور بالمسؤولية، واحساس بالتقصير تجاه الآخرين وتجاه الأمة، وتجاه الشعب، ومن قبلهم تجاه رب العالمين. هذا التغيير يكون قوياً ومثمراَ، لكن إن حدث ولم يكن هذا التغيير من الداخل، واتت بوادره من الخارج فلا يعني رفضه مباشرة، وعلى وجه الإطلاق، بل تحتاج إلى تدقيقه وتحليله إن كان تغييرا نحو الأفضل والاهم والأولى كان بها، وإن كان تغييرا نحو ألاسوء والهوامش ترفضه فنرفضه ونرده ولكن رداً ليناً، ورفضاً محكماً، بقوة المنطق وبرهان العقل لا بدافع العاطفة وتحكم الأحاسيس.

    ودمتم بخير


    [align=left]بقلم / شورش حسن
     

مشاركة هذه الصفحة