أرض نعرف رائحتها

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 419   الردود : 0    ‏2001-12-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-08
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    أرض نعرف رائحتها
    قصة بقلم :نجلاء العمري


    عند سفرنا إلى صنعاء لأول مرة ..اضطربت صديقتي .. كانت تقول :
    صنعاء منبسطةٌ كالجسد المسجى، لا يجد من يضمه ويلملم أطرافه ..
    لربما كانت محقة فتعز صبيةٌ مدللة لاتفارق حضن والديها طرفة عين ،هكذا تشعر وأنت تتأملها مسترخية بين أذرع الجبال المحيطة بها ..
    لكم يصعب على المرء أن يستبدل مربية مكان أمه ، كذلك أن تغادر قلباً صغيراً دافئاً إلى مكان شاسع تشعر فيه بالبرد يغمر كل أوصالك ،هكذا كانت الحالة بالنسبة لصديقتي التي تركتها وهي تتبرم من الناس والشوارع ..حتى من أعمدة النور التي تدعي أنها تقف أمامها متعمدة لتصطدم بها!!
    - صنعاء باردةٌ كلوح الثلج..
    - صنعاء أم قلب صنعاء ؟؟..سألتها.
    - كلاهما.. ربما ..
    هل داهمتها الغربة في صنعاء بسبب الوحدة!.. الغربة تداهم الغرباء دائماً ،تصادفهم على قارعة الطريق وتصطحبهم من حينها..
    - الوقت في صنعاء يمر بطيئاً ..
    - هل تختلف خطوط الطول بين صنعاء وتعز إلى هذا الحد..أم خطوط القلب هي التي تتغير !..
    يمكث المرء زماناً في أرضٍ يعرف رائحتها وتعرف رائحته ،تمده أغانيها الجميلة وآفآقها الرحبة بأشياءٍ لاتنمو في قلبه إلا وهو في ذلك المكان..
    - هنا لاأشم سوى رائحة الدخان ..
    - ثمة أشياءٌ تحترق؟
    - ربما ..قلوبنا الكهلة..
    هل يتجعد وجه الزمان ونحن غرباء..أم أن قصاصاتنا الجميلة وصدورنا الرحبة فقط هي التي تتجعد؟ وأي روحٍ تربطنا بالأمكنة وكل الأمكنة سواء ؟سألت نفسي وأنا أرقب أوراقها المتغضنة تحت يديها الجافة ، بدت ضامئةً كشجرةٍ خريفيةٍ صامتة ..
    - في صنعاء يموت الإنسان عطشاً ولايجد قطرة حب ، أما في تعز، عروق الأرض كلها تسيل بين شفتيك..
    هل حقا تعز كما تقول ؟! الغرباء يرونها قرية بدائية لاتحمل طعم البهجة؟! وكل غريب يحن إلى وطن تمرغ وجهه بترابه ذات أمسيةٍ جميلةٍ..
    - بغداد دافئةٌ كالحُب..
    جميلةٌ كحبات الحنطة في حقولها السمراء..
    دكتور عراقي يقول ذلك ..بينما كان المغني يغني:
    - دبي زهرة الدنيا..
    وفي دمشق كان عاشقٌ آخر يوسد قلبه ترابها..
    هاهو الجبلي يستلقي على الصخور.. يضع حجرة تحت رأسه وينام ,بينما على الشاطيء يُقَبل آخر رماله الناعمة ويتوسد خشبةً خلفتها الأمواج..أثرٌ من آثار زورق تحطم..
    - لقد أمطرت صنعاء طيلة أسبوع..
    - نعم حدث ذلك لكني لم أرى شيء يُغسل ،أما هنا فالحياة بأكملها تغتسل مع أول قطرة مطر، والجداول الصغيرة على وجه هذه الجبال تغمر أطراف قلوبنا كما تفعل حين ندلي فيها بأقدامنا..
    كنا في طريقنا إلى تعز ومع ارتعاشة أنسامها كانت صديقتي قد غفت على المقعد ..كأنما لم تنم منذ عام ,والآن غابت مع أولى زخات الدفء…

    8/2000-تعز
    من مجموعة القاصة الأولى "أوجاع بنكهة الليمون" 2001م صنعاء
    ملاحظة المشرفة : القصة نٌشرت بتفويض من القاصة
     

مشاركة هذه الصفحة