ذيـــــــــاب في رحلت العودة !!

الكاتب : ابو عهد الشعيبي   المشاهدات : 373   الردود : 0    ‏2004-12-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-12-11
  1. ابو عهد الشعيبي

    ابو عهد الشعيبي قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-05-15
    المشاركات:
    7,602
    الإعجاب :
    0
    ..
    [align=right]الوجهة .. الحبيبة عدن !!
    تركت الوطن منذ مطلع الستينات ، فاستقرت هجرتي في بريطانيا ، بعد مرور خمسة أعوام على هجرتي الميمونة رغبت في زيارة أهلي وموطني ، فكانت بوابة دخولي مطار عدن الدولي ، لم أجد فارقا كبيرا في الإجراءات الإدارية للمطار وحركة الطيران الدولي بين مطار لندن الدولي (مطار هيثرو) ومطار عدن الدولي ، بل تكاد أن تلاحظ بأن الشكل العام وحركة الطيران الدولية توحي لك بأنه نموذجا مصغرا لذلك المطار مع فارق لفحات الحر التي تلامس وجهك عند خروجك من باب الطائرة ... استقبلت بكل ترحاب ، أنهيت إجراءات خروجي من المطار بسلاسة مريحة ، عند خروجي لم أجد إشكالا في توصيلي الى الفندق ، اخترقت بي سيارة الأجرة الفخمة بعض شوارع خور مكسر والمعلا والتواهي في طريقها الى الفندق ، شاهدت حياة تعج بالحركة التجارية والسياحية ، كانت عنوانا واضحا بأن عدن كانت حينهامن أهم مدن العالم التجارية والسياحية ، كنت مسرورا بذلك الازدهار الذي تنعم به عاصمة الجنوب العربي في لحظات سبات لعواصم ومدن عربية مجاورة ، وصلت الفندق وبعد أخذي قسطا من الراحة أجريت بعض الاتصالات ببعض الأصدقاء والمعارف ، فكانت أول حصيلة تلك الاتصالات عزيمة إجبارية على الغداء من صديق عزيز ...تعمد صاحبي دعوة معظم الأصدقاء لحضور الوليمة بهدف التقائي بهم ، قبل تناولنا وجبة الغداء دار حديث عن أحوال البلاد ومستقبلها ، فشممت من رائحة الحديث أن هناك زخما ثوريا ضد ذلك الاستعمار البغيض الجاثم على صدر الشعب ، وكان أكثر الناس حماسة أولائك الأصدقاء الأكثر فشلا في حياتهم العلمية والعملية ، كما شاركهم تلك الحماسة بعض الأبرياء من الشخصيات الناجحة في المجتمع ... كنت صامتا أستمع للجدل الدائر .. قال أحدهم موجها الحديث لي : ما بك يا صديقي لا تدلي بدلوك في الحديث الدائر ، قلت له : علمت بأن هناك استقلالا ناجزا سيمنح للجنوب من قبل بريطانيا في مطلع عام 1968م ، حبذا لو استطعنا نيل ذلك الاستقلال مع الحفاظ على مكانة عدن الدولية ، رد علي أحدهم من ركن قصي في المجلس ، قال : ماذا تقصد ... هل تتوقع أن الاستعمار البريطاني سيمنحنا الاستقلال دون مقاومة وكفاح .....؟ قلت له : انامع الكفاح لنيل الاستقلال ، ولكن مع الكفاح الواعي الذي يجعلنا نحصل على استقلالنا ويحافظ على مصالح البلد ..! قال آخر : لا .. حديثك ينم عن أنك متعاطف مع البريطانيين كونك عشت بين أحضانهم وفي بلدهم .. وتساورني الشكوك أنك أحد أزلا مهم المندسة ... أعترض على هذا الاتهام صديقي صاحب العزيمة .. قال : لا أسمح لك بتوجيه هذا الاتهام لضيفي .. قلت لصديقي : دعه يقول ما يشاء .. فأنا أعتقد بأني أحرص على مصلحة البلد أكثر منه .. ومقصدي .. أخشى ان تختلط الأوراق وتفقد الجنوب مصالحها العليا ..
    مرت السنون وفي طريقي الى عدن عبر احدى دول الجوار وجدت صاحب الاتهام مركونا في تلك الدولة يلهث وراء رزق أولاده ... قلت له : ألست الآن في بلد كانت مستعمرة بريطانية ، وها هي تنعم بخيرات الاستقرار والازدهار لأن نخبة أبناء شعبها آثروا مصلحة بلدهم في طريقة نيل استقلالها .. قال : أتذكر كلامك لنا في الستينات ، فكل أزمة سياسية كانت تمر بالبلد وتؤدي الى تدهورها نحو الأسوأ تؤكد لي بأنك كنت أكثر نضجا منا ، فها نحن أضعنا مصالحنا بل وأضعنا جنوبنا ... ثم سألني أين وجهتك ...؟ قلت له : الى ارض الوطن .. قال : أي وطن ...؟ أذهب وستلاحظ بأم عينيك ...!

    عند تأكيدي للحجز قيل لي بأنه ليس هناك خط طيران مباشر الى مطار عدن .. قلت لا يهم فلدي بعض الأعمال سأقضيها هنا ، ويمكنني أن أنتظر يوم يومين حتى أجد حجزا مباشرا الى عدن .. قالت الموظفة ـ ويبدو من لهجتها أنها من بنات عدن ـ ليس هناك خط مباشر إطلاقا إلا عبر صنعاء ومن ثم تأخذ طيران داخلي الى عدن ، قلت لها أليس مطار عدن دوليا .. قالت : يبدو عليك لك فترة من زيارة عدن .. فمطار عدن ما زال يحمل هذا الاسم ولكنه .. ثم أطلقت ضحكة تهكم ... قلت لها : ما بك تضحكين ...؟ قالت مطار عدن تطور فأصبح مطارا وطنيا محليا لا يستقبل الطائرات الأجنبية .. ابتسمت وقلت لها : أمري لله أكدي حجزي .. طبعا رحلتي كانت على خطوط اليمنية .. صعدت الطائرة واتجهت الى مقعدي فكان حظي العاثر أن أقع بين مقاعد ثلة من المدخنين ... تضايقت .. قلت للمضيف : ألا يمكن تبديل مكاني ..نظر إلي شزرا وقال : ما بوش مكان ... (يقصد ما هناك مكان وما عليك إلا أن تنطم وتجلس مكانك) سلمت أمري لله واستمريت أستنشق الدخان حتى وصولي مطار صنعاء الدولي ... نزلت المطار .. التفت يمنة ويسرة .. استغربت ... أهذا مطار دولي ..؟ سألت أحد الركاب كان يسير بجواري .. أهذا مطار صنعاء .. قال : نعم هذا هو مطار صنعاء الطولي .. (يقصد الدولي باللكنه المحلية) .. ايش ما به .. ما بي شبه المطارات الطولية .. قلت له : بلى ... اتجهنا نحو مبنى المطار .. يبدو في ملامحه العامة كمحطة من محطات الحافلات أو القطارات القديمة في بعض الدول المتخلفة.. وزاد المنظر جمالا حين وجدت بعض جدرانه مزينه بديكور متناثر من بقايا الشمة ومضغات القات التي نفثها أصحابها بإتقان كي تظل شاهد عيان على مهارة رمايتهم ومساهمتهم الفاعلة لتزيين مطارهم الدولي أمام الزوار .. ما علينا من هذا .. المهم وصلت الى كاونتر المعاملات : وجدت موظفين قد ملأت لوقوفهم مضغات القات حتى عملت انتفاخا بارزا في خد كل منهم ودخاخين السجائر تتصاعد الى الأعلى .. مررت بأكثر من موظف وقبل أن يسلموني جواز سفري كل منهم ينظر إلى : قال لي أحد الركاب خلفي : يالله خلصنا أعطيه حق القات .. قلت : أي قات ... ألا ترى بأنهم مخزنين ..؟ قال : يريدون حق قات بكره ...! فهمت القصد .. فبدأت سيل بخششتهم بجنيهات إسترلينية .. فلقيت الترحيب بقدومي بعد استلام المعلوم وأكثر من المعلوم ... قال لي الموظف الأخير : رحلة عدن ستتأخر لمدة ساعتين .. قلت : وأين أقضي الساعتين .. قال : وصي لك شوية قات وارتكن وخزن على كرسي .. ابتسمت وخرجت الى صالة .. يا لها من صالة قذرة فقد ازدادت نظافة ونقشا عن مكاتب المبنى الداخلية .. انتظرت .. مرت الساعة .. الساعتين .. الثلاث .. استدعاني أحد الموظفين : يا خبير تعال لاهانا .. موعد طائرة عدن قرب .. ذهبت إليه .. أعادوا وزن عفشي بسرعة لم أتمكن من لمح عداد الميزان قال : أدفع حق الوزن .. قلت أي حق وزن .. أنا ترانزيت الى عدن .. دفعت حق الوزن عند بداية رحلتي .. قال : ما بوش عليك تدفع حق الوزن .. قلت له : ما هناك مسؤول أتفاهم معه ..؟ قال مناديا على آخر : يا خبير نادي المسؤول .. الخبير مش راضي يدفع حق الوزن .. حضر المسؤول مرتديا بزة عسكرية غير مرتبة والقات يملأ شدغه .. قال : للمه ما تريد تدفع ...؟ قلت : لماذا أدفع مرتين ..؟ قال : ما في مغادرة إلا لما تدفع ...



    أحدهم سحبني من يدي جانبا يبدو أنه أحد سماسرتهم ، وقال يا خبير .. أدفع لهم .. المبلغ سيتوزع بينهم وهذا بالعربي الفصيح حق القات ما هوه حق وزن ولا شي .. قلت رافعا صوتي والله ما أدفع ولا فلس .. يمكنهم يرجعوني الى بلد الإقلاع وهناك سأتقدم بشكوى على الشركة .. سمع المسؤول تهديدي .. يبدو أنه يأس من انصياعي للدفع .. أشار للموظف .. وقال هامسا .. هذا يبان عاصي والديه .. مشيه .. قلت له سمعت شتيمتك .. احترم نفسك .. لم يرد علي وولى أدباره .. سلم لي جواز سفري وأشاروا علي الاتجاه الى مدرج المطار .. كانت هناك طائرة صغيرة متهالكة جاثمة على أرض المطار .. اتجهت صوب السلم للصعود .. نادى أحد المخزنين مرتديا ملابس وطنية زنة وجنبيه قال : يا خبير ما تصعد قبل ما تتأكد من عفشك .. عدت الى مؤخرة الطائرة .. رأيتهم يرمون حقائبي رميا عنيفا حتى أن بعضها تهشم .. لم استطع التأكد من عددها وأن كل الحقائب قد شحنت .. قلت له : باستسلام كل شي تمام .. تفحص ثانية تذاكري وجواز سفري .. نظر إلى .. عرفت من نظرته أن يريد حق القات .. قلت له : تعبت من البخششة من يوم وصلت المطار ... قال حق أتعاب تحميل العفش .. قلت ولا فلس .. أستسلم .. وسلمني الجواز والتذاكر .. صعدت الطائرة .. يالها من طائرة متهالكة ، ومقاعدها غير مريحة .. بالرغم من قلة عدد كراسيها إلا أن الركاب لم يشغلوا كل الكراسي ، فعددنا قليل ... أقلعت الطائرة بطريقة مخيفة متجهة الى عدن .. كنت ماسك على قلبي وهي في الأجواء ... دقائق وهبطت على مدرج المطار .. نزلنا من الطائرة واتجهنا الى مبنى المطار .. ياله من مطار ومبنى للمطار .. فمطار صنعاء يشكل بكل سماته المتخلفة مطارا راقيا بالنسبة لمطار عدن .. دخلت الصالة ولمحتها كعروش خاوية .. وهناك موظفون متناثرون هنا وهناك ترى شبح المجاعة والفاقة على وجوههم وكل منهم يملأ فيه بمضغات القات .. المعاملة كانت أسوأ لأنه كما يبدو ان عدوى الفساد قد ساد الوطن بأكمله ولكن ما لفت نظري شراهة الارتشاء .. أي بمعنى أوضح (حق القات) كانت المبالغ المطلوبة صريحة ومضاعفة يبدو أنهم أرادوا تعويض ما فاتهم في ظل النظام والقانون في سابق عهد مطار عدن حين كان مطارا دوليا بحق وحقيقة .. ذهبت الى مكان الحقائب .. افتقدت حقيبتين ، وحقيبة مهشمة وشبه خالية من محتوياتها .. صرخت بأعلى صوتي ... أين حقائبي ...؟ رد أحدهم .. هذه كل الحقائب التي أفرغت من الطائرة .. تأكد لي بأني دفعت حق الوزن قسرا حقيبتين ومحتوى حقيبة ثالثة ... سلمت أمري لله .. دفعت ما طلب مني من مبالغ الجمركة والرشوة على لا شيء .. فطلبت من أحد الحمالين بحمل حقائبي الى الخارج .. أخذت سيارة أجرة متهالكة الى أحد الفنادق .. وفي طريقي لاحظت بأم عيني ما آلت إليه عدن الحبيبة .. فقد أصبحت مدينة أشباح .. كل شيء فيها متهالك يحكي في جنباته آثار ماض مزدهر ينظر الى مستقبل مظلم .. فتذكرت كلام الموظفة العدنية أن مطار عدن تحول بقدرة قادر من مطار دولي الى مطار وطني لا يسمح للطائرات الأجنبية أن تنجس أرضه ... وتذكرت كلام صديقي ... حينا قال : أي وطن ... سترى بأم عينيك ...؟ فأغر ورقة عيني بالدموع على مصير مدينتي الجميلة ومصير وطني ... جنوبي الحبيب
     

مشاركة هذه الصفحة