شركات في باريس تنغص عيش الشباب

الكاتب : Nescafe   المشاهدات : 419   الردود : 0    ‏2004-12-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-12-11
  1. Nescafe

    Nescafe عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-12-05
    المشاركات:
    396
    الإعجاب :
    0
    كنت أشفق عليهم حين كنت أراهم ينتظرون أدوارهم في صفوف طويلة تصل إلى الرصيف أمام مكاتب السمسرة، أو أمام الشقق الصغيرة أو الغرف الفارغة التي برسم الإيجار..
    الشباب والشابات الذين أتوا من كل أنحاء العالم للدراسة في باريس. يصلون بالآلاف، في هذه الفترة من السنة، ويصبحون باريسيين، لمدة الدراسة، سنة أو سنتين. أراهم في شوارع باريس، خلال أيامهم الأولى فيها، متحمسين وفرحين، وأعرف أنهم سوف يقعون في مصيدة الشركات التجارية، كما وقعت بنفسي قبلهم، وغيري قبلي.

    لم أكن أعرف، حين اشتريت الهاتف الخلوي، أنني أقحم نفسي في دوامة من المفاجآت السيئة تلازمني منذ سنة من الآن. الزبون في باريس غالبًا ما يصبح ضحية ما يشتريه!! قالوا لي إن الأربع ساعات مكالمة في الشهر تكلف خمسين يورو، وأنهم يعطونني ساعتين مجانيتين هدية منهم. والهاتف الذي اخترته لم يكلفني إلا يورو واحدًا فقط. لا شيء أسهل ولا أرخص من الحصول على هاتف جوال؛ المشاكل تبدأ بعد شرائه، منذ فاتورة الشهر الأول. مئة يورو، أي ضعف ما اتفقنا عليه. وحين سألتهم عن السبب قالوا لي إن كل "نمرة" أطلبها لا يكون صاحبها مشترك في الشركة نفسها، لا تحتسب ضمن الساعات الست التي لي الحق فيها. فإن كنت أريد إلا أتعدى الخمسين يورو التي اتفقت عليها مع البائع يجب ألا أتصل إلا بالأشخاص الذين اختاروا الشركة التي اشتركت فيها. كأن ذلك وارد أو معقول! لذلك أدفع منذ سنة كاملة المئة يورو شهريًا، ويبقى لي من ساعاتي الست أكثر من ثلاث ساعات لا أستعملها كل شهر. ثلاث ساعات لا أستعملها، ولكنني أدفع ثمنها طبعًا.

    وجدت ذلك مبالغًا فيه، ومكلفًا، وقررت ألا أبقى زبونًا في الشركة هذه، كي لا أكون شريك السارقين في سرقتي. وفكرت في أنني إذا ألغيت عقدي معهم أكون كأنني ألقنهم درسًا، أو كأنني أعبر عن رأيي بسياستهم، بموقف صارم وبفعل. قالوا لي حين اتصلت بهم لإلغاء العقد: إنني يوم الاشتراك التزمت بالبقاء عندهم لمدة سنتين كاملتين، وأنني لا أستطيع أن ألغي العقد قبل انقضائهما. قلت لهم إن البائع لم يكلمني عن السنتين، وأنني لم أسمع عن ذلك إلا منها. فأجابتني أن البند موجود في العقد وأنني كان يجب أن أقرأه قبل أن أوقع!! جواب أوتوماتيكي عند موظفي الشركة، حاضر في ذهنهم، جاهز للاستعمال. جواب جعلني أحتار ولا أعرف ماذا أقول، كأنني بتُّ المذنب الوحيد، وكأنني فقدت حقي بأن أكون الضحية.

    العقد الذي قالت أنني كان يجب أن أقرأه، ما كنت لأفهم ما فيه ولو فعلت. فهو مكتوب بكلام المحامين الذي لا يفهمه غيرهم. وفي المكالمة هذه نفسها، قالت لي عاملة الشركة إن الطريقة الوحيدة للتخلص من اشتراكي هي بدفع ثمن الست ساعات الشهرية لمدة الأشهر الباقية. أي مبلغ يقارب الستمائة يورو، هكذا وجدت نفسي ملزمًا بالبقاء زبونًا عندهم، سجينهم، لا قوة لي ولا حول.

    كذلك الأمر مع شركة الإنترنت التي اخترتها والتي تملأ إعلاناتها شوارع باريس، وما نراه من الإعلان هذا حين نمر بقربه، هو الرقم عشرين مكتوب بخط عريض كي ينتبه إليه المارة، كلهم عشرون يورو، ثمنًا للاشتراك عندهم. فاتصلت بهم وبظرف خمس دقائق، ومن دون أن أوقع أي ورقة هذه المرة، وجدت نفسي زبونًا عندهم.. وبعد خمسة أيام وصل الجهاز بالبريد، ومعه أوراق العقد والفاتورة الأولى، التي تتخطى ضعفي العشرين يورو التي رأيتها بالخط العريض في شوارع المدينة.
    ووجدت نفسي مجبرًا على البقاء عندهم سنة كاملة هم أيضا. يسجنون الزبون ضمن لائحة زبائنهم، كي لا يستطيع الفرار، لأنهم يعرفون أنه سيفعل. أو أنهم يرفعون أسعارهم لأنهم يعرفون أن الزبون عالق لا يقدر على الهرب. وحين اكتشفت أن الجهاز الذي وصلني بالبريد هو جهاز متطور يعمل من دون شريط، وأنه أحد أسباب زيادة السعر، اتصلت بهم، وقلت لهم أنني لم أطلب هذا الجهاز، وأنني لم أكن أعرف أن جهازًا كهذا موجود أصلاً. فقالوا لي أنني لا بد أن أكون مخطئًا، لأنهم لا يمكن أن يكونوا مخطئين، وأنني كان يجب أن أتصل بهم فور حصولي على الجهاز، قبل أن أفتح علبته. غير أنني لو لم أفتحها لما كنت عرفت أن ما فيها ليس ما اتفقت معهم عليه. ومرة جديدة لم أستطع أن ألغي العقد الذي بت ملزمًا فيه، كما قالوا لي، حتى السنة المقبلة، على رغم الغضب الذي شعرت به يغمرني، والشعور بالظلم... والغباء!

    كثيرون يقعون مثلي في المصيدة التجارية هذه، وكل وقعة تدوم سنة، أو سنتين، وهي مدة الدراسة بالنسبة لهؤلاء الشباب الذين غالبًا ما يعودون إلى بلادهم، وعقدهم لم ينته بعد.
    التجارة باتت فنًا للاحتيال على الزبون، والإعلانات لعبًا على الكلمات، وعلى القانون. التجارة تقوم على الكذب في أيامنا هذه، فهناك دائمًا فارق شاسع بين ما تعرضه الإعلانات على الزبون وبين ما تقدمه له فعلاً. هناك دائمًا جملة ما في أسفل صفحة الإعلانات، مكتوبة كلماتها بخط رفيع وصغير كي لا نراها، تنفي بشكل أو بآخر ما يؤكده العنوان العريض. يستغلون القانون لمخالفته، يستغلون نقاط ضعفه، وتصبح التجارة سرقة مشروعة. هم يلتزمون بالقانون، ويخالفونه في الوقت نفسه.

    الشباب والشابات الأجانب هم الضحايا المفضلون لهذه الشركات. فما أصعب الحياة في باريس أحيانًا، وما أسهل أن يصبح المرء فيها سجين النظام وتفاصيله.
    هناك دائمًا شركة أفضل وأرخص في باريس.. هناك شركات للجميع، للجدد والقدامى، والنجوم السينمائيين، وعامة الشعب. ولكن الشركات التي تملأ الشوارع بإعلاناتها هي الشركات السيئة والكاذبة. هي التي تعرض نفسها باستمرار، كي نراها قبل غيرها. كأنها تضع المال الذي تسرقه في الإعلانات لتسرق أكثر. بينما الشركات الجيدة، لا تضع إعلانات ـ في الغالب ـ ولا تأخذ من زبائنها ثمن هذه الإعلانات. وزبائنها هم الباريسيون الذين طالما عاشوا في العاصمة الفرنسية، وباتوا يعرفون ألعاب الشركات، وأفخاخها، بعد أن وقعوا هم أنفسهم في شباكها، وانتظروا سنة أو سنتين حتى يخرجوا منها. وهم الآن يتجنبون الوقوع مرة أخرى في الخطأ نفسه، بينما أنا عالق، حتى انتهاء فترة دراستي، بين أنياب التجار هؤلاء كأنني اخترت سارقي بنفسي، وكأنني أعطيهم المال أقساطًا شهرية.

    وأكثر ما يدفع إلى الضيق في هذه القصة، هو أنني لا أستطيع فعل شيء؛ فالحق معهم، على رغم كل شيء، ولا أقدر حتى أن أغضب عليهم، فالنظام يمشي مع الفرد أو من دونه.
     

مشاركة هذه الصفحة