أبوي النبي

الكاتب : حليف القرآن   المشاهدات : 433   الردود : 0    ‏2004-12-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-12-06
  1. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    إيذائهم للنبى " صلى الله عليه وسلم "
    فى آبويه وادعائهم أنهما ليسا
    من أهل الجنة
    وللرد عليهم نورد هذا المبحث البسيط للدكتور / طه حبيشى من علماء الأزهر الشريف من كتابه " زهرة بنى زهره "
    وأعتذر لأخوانى عن طول المقال إلا أننى أردت أن أذكره كاملاً كما هو فارجوا من أخواني الانتباه للآتي عند القراءة:-
    1- كلامه عن أمهات الانبياء عليهم السلام.
    2- بحثه للأحاديث التى وردت وصحتها من حيث السند والمتن وقول العلماء فيها.
    3- الآيات القرآنية التي وردت وأعتمد عليها المتملسفه فى قولهم وهل هي مدنية أم مكية وهل نزلت في حق عمه r أو في حق أبوي النبي0


    لقد جاء عظيم الساحة الى الساحة على مقتضى الاسباب التى اقتضت سنة الله ان ياتى عليها الى الدنيا ككل حي ؛ لان هذه الاسباب هى سنة الله الجارية فى الخلق ؛ لم يخرج عنها الا احاد اقتضتها قضية الخلق وابراز قدرة الله بين الخالقين .
    ولقد جاء عظيم الساحة من ابوين هما : عبد الله بن عبد المطلب ، وآمنة بنت وهب.
    واذا كان المرء احيانا يشرف ابويه ؛ فأن الابوين يرتفع ذكرهما بذكر ابنائهما او بعضهم لو كان للابناء او بعضهم ذكر .
    فالله لم يشأ ان يقطع الاباء عن الابناء فخير الآباء الى الابناء نازل ولم يشأ ان يقطع الابناء عن الاباء فخير الابناء الى الاباء صاعد .
    فعندما تقرأ القرآن الكريم فتجد الاباء من الانبياء الصالحين ؛ لا يفتأ الواحد منهم يدعو لذريته ؛ من رأى منهم ومن لم ير .
    فإبراهيم وإسماعيل ينتهيان من اكبر عمل صالح ثم يسألان الله القبول منهما والدعاء لأنفسهما وذرياتهما ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك"
    البقرة أية 128 .
    وابراهيم من قبل قد دعا الدعوة نفسها لاسماعيل وبنيه " ربنا انى اسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" إبراهيم أية 37.
    وهذه امرأة عمران وضعت مريم ووهبتها لبيت الله خادمة له ؛" فلما وضعتها قالت رب انى وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثى وانى سميتها مريم وانى صاعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم" آل عمران اية 36.
    والصالح من البشر ان استقام على مقتضى فطرته تجده يقول فى ضراعته "رب اوزعنى ان اشكر تعمتك التى انعمت على وعلى والدى وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لى فى ذريتى انى تبت اليك وانى من المسلمين" الأحقاف أية 15.
    والله عز وجل يستجيب لهذه الضراعات فيقول "والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم عن عملهم من شىء" الطور أية 21.
    ويأتى رسول الله r من عبد الله وآمنة على رأس الاوفياء فما كان يوما يمر بقبر امه الا ويجلس الى هذا القبر منفردا يناجى ربه فى شأنها بما لا نعلمه من المناجاه.
    ثم ينصرف النبى عن قبر امه وآثار التاثر بادية عليه ؛ فهو يذكر لأمه احوالا وأياما قضتها معه .
    وهو يذكر لأمه شفقتها به ورحمتها له .
    وهو يذكر لأمه ان زوجها قد رحل عنها وما يزال وميض المسك يلمع فى مفرقة وخضاب العرس لم يغادر اطراف آمنة بعد .
    وهو يذكر لأمه ما قاسته بعد فراق زوجها من الوحدة تعانى فيها ومعها اوزار الترمل الثقال .
    ان النبى ينصرف عن قبر امه وقد ذكر ما ذكر من احوالها فيأخذ ما يأخذ الابن اذا ذكر أحد أبويه فتجيش به نفسه ؛ وتدمع على اثر هذا التأثر .
    عيناه ؛ ويبكى ما شاء الله له ان يبكى ؛ ويبكى صحابته لبكائه متأثرين بحال نبيهم وما يعتريه .
    ولا أظن ولا أحد غيري يظن أن النبي سيكون من بين العالمين ؛ هو الذى يتنكر لفضل أمه عليه لا يدعو لها بالرحمة ؛ ولا يخاطب ربه فى شانها على نحو ما قال ربنا فى خطاب عام : " وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا " .
    ونحن لا نلتفت الى ما التفت أليه بعض الناس حين قالوا :
    ان النبى قد نهى عن ان يستغفر لامه او يتحدث الى ربه فى شأنها .
    والذين قالوا : ان النبى قد نهى عن ان يستغفر لآمنة استندوا الى حديث يمكن ان نسميه بحديث الزيارة .
    واجمال هذا الحديث من جميع طرقة : أن رسول الله r قد ذهب ألي قبر آمنة زهرة بني زهرة وأم النبي يزورها ثم عاد متأثرا باكيا فلما سئل عن ذلك قال : انه قد استأذن ربه في زيارة قبر أمه فأذن الله له ثم سال ربه في الاستغفار لها فلم يأذن الله له ثم كانت هذه الزيارة وما ألم بها سببا في نزول آية براءة وهى قوله تعالى : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم انهم أصحاب الجحيم "التوبة أية 113 .
    وهذا الحديث بجميع طرقه لم يرد فى كتاب من الكتب الستة ؛ وانما هو قد اخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود ؛ واخرجه احمد من حديث بريده ؛ كما اخرجه الطبرانى من حديث ابن عباس ولقد نظر ابن حجر العسقلانى الى هذا الحديث نظرة عامة تشمل جميع طرقه ؛ ثم نبه الى قاعدة عامة وهى ان صحة السند لا تستلزم صحة المتن – وعليه فقد استنتج الرجل ان من صحح هذا الحديث فى احسن احواله انما ذهب الى تصحيح السند فقط اما المتن لا يصح لمعارضته للواقع .
    هذا كلام ابن حجر .
    وسوف نحاول ان نتبع الحديث من طرقه المختلفة لننتظر فى سنده بعد حكم ابن حجر على متنه .
    1 – فالحديث الذى ذكره ابن مسعود فد اخرجه الحاكم على هذا النحو ( حدثنا ابو العباس محمد بن يعقوب حدثنا بحر بن نصر حدثنا عبد الله بن وهب انبأ ابن جريح عن ايوب بن هانى عن مسروق بن الاجدع عن عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه قال : خرج رسول الله r وآله وسلم ينظر فى المقابر وخرجنا معه فامرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى الى قبر منها فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله r باكيا فبكينا لبكائه ثم اقبل الينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما الذى ابكاك فقد ابكانا وافزعنا فجاء فجلس الينا فقال : افزعكم بكائى ؟ فقلنا نعم يا رسول الله . فقال ان القبر الذى رأيتمونى اناجى فيه قبر امى آمنة بنت وهب ؛ وانى استاذنت ربى فى زيارتها فاذن لى فيه ؛ فأستأذنته فى الاستغفار لها فلم يأذن لى فيه ونزل على ما كان للنبى والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين … حتى ختم الاية . وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه .. فأخذنى ما يأخذ الولد لوالده من الرقة فذلك الذى ابكانى ) المستدرك على الصحيحين – للحاكم النيسابورى، وبذيله التخليص الذهبى – ط دار الكتاب العربى – بيروت – بدون حـ2-ص 336 السابق.
    وقد حكم الحاكم فى مستدركه على هذا الحديث من هذا الحديث من هذا الطريق بأنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
    وتعقبه الذهبى فى تلخيص المستدرك قال : ( قلت ) : ايوب ابن هانى ضعفه ابن معين )
    ونحن نعجب من الذهبى يأخذ على هنا هذا المأخحذ فيضعفه بضعف احد رواته ؛ ثم هو فى ميزان الاعتدال يصحح الحديث تبعا للحاكم .
    ولعله يكون قد وهم حين حكم على الحديث بالصحة فى الميزان ( ويغفر الله لنا وله).
    هذا وان كاتب هذه السطور لعلى يقين من ان هذا الحديث وان كان قد لاحقته العلة فى السند فان هناك عللا اخرى تلاحقه فى المتن .
    أ – اما احد هذه العلل فان ظاهر الرواية يوحى ان رسول الله r قد دخل المقابر يتخطاها ويتجاوزها يتفقد من بينها قبر امه ؛ وهذا امر يخالف الواقع ؛ فالمعروف ان ام النبى صلى الله عليه وسلم مدفونة بالابواء على الطريق بين مكة والمدينة على نحو ما عملناه سلفا ؛ وهذا الواقع يناقض ظاهر الحديث مما يستوجب رده.
    ب – وفى المتن علة اخرى او سبب اخر يستوجب رده ؛ ذلك ان رواية الحاكم على ما فيها تناقض مناقضة ظاهرة ما جاء فى البخارى من صحيح الحديث والذى يؤكد رفض ان تكون رواية ابن مسعود سببا لنزول اية التوبة .
    حدث البخارى فى صحيحه بالسند الى سعيد بن المسيب عن ابيه قال :
    ( لما حضرت ابا طالب الوفاة دخل عليه النبى r وعنده ابو جهل وعبد الله بن ابى اصمية ؛ فقال النبى r : اى عم قل لا اله الا الله احاج لك بها عند الله – فقال ابو جهل وعبد الله ابن ابى امية :
    يا ابا طالب ؛ اترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال النبى r لأستغفرن لك ما لم انه عنك ؛ فنزلت :
    " ما كان للنبى والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى من بعد ما تبين لهم انهم اصحاب الجحيم "
    والبخارى من خلال روايته تلك يفيد ان الاية مكية ؛ والكلام لا يستقيم مع رواية الحاكم عن ابن مسعود السالفة الذكر الا اذا قلنا : ان الاية مدنية .
    وهكذا يظهر لنا بوضوح ان رواية الحاكم ضعيفة لسبب يرجع الى المتن ؛ وهى ضعيفة من جهة اخرى لسبب يرجع الى السند ؛ فتامل ذلك جيدا يتضح لك المقام على وجه لاسترة به .
    2 – والحديث الذى ذكره بريده فى المعنى نفسه جاء بالفاظ مختلفة ومن طرق متعددة سنذكر بعضها بين يديك .
    في مسند احمد بالسند ألي ابن بريده عن أبيه قال : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى ركعتين ثم اقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام أليه عمر ابن الخطاب وفداه بالأب و ألام وقال : يا رسول الله مالك ؟ قال : " أني سألت ربى عز رجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار وأني كنت نهيتكم عن ثلاث … إلى أخر الحديث )
    وفى قراءتنا لهذا الحديث نجد السفر الوارد فيه مبهم .
    وقد يزول الإبهام لو اطلعنا على الحديث نفسه من رواية ابن جرير من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريده عن أبيه ( أن النبي صلى r لما قدم مكة آتى رسم قبر فجلس أليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول الله انا رأينا ما صنعت . قال أني استأذنت ربى في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فما رئي باكيا اكثر من يومئذ . )
    ولقد حكى السيوطى للحديث روايات متعددة وكلها لا يعمل بها
    اما اولا : فلأنها تخالف الواقع ففيها ان قبر امنة بمكة وهو خطأ صريح حيث يأباه الواقع والتاريخ .
    وفى المتن علة اخرى ظاهرة تحملنا على رفضه وهى : ان هذا الحديث قد سيق على انه سبب لنزول اية : ما كان للنبى والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين " الايتان ؛ وهو خطأ صريح لان سبب نزول هاتين الايتين هو : ان النبى كان يحاول ان يستغفر لعمه ابى طالب فنهى عن ذلك على ما هو صريح فى رواية الشيخين كما مر بك آنفا.
    3 – أما رواية ابن عباس للحديث فقد أخرجها الطبرانى وهى قريبة من لفظ ابن مسعود وغيره فلا نطيل بذكرها .
    فالرواية قد ذكرها ابن كثير وعزاها إلى الطبرانى ثم قال بعد ذكر الحديث : وهذا حديث غريب وسياق عجيب )
    وعبارة ابن كثير تشعر بضعف الحديث بل هى قاطعة بذلك ورواية ابن عباس كسابقتيها على هذا النحو مخالفة لرواية الشيخين .
    كما انها تحملنا على الاعتقاد بان ام النبى قد دفنت بمكة ففيها مخالفة للواقع والتاريخ.
    ولقد لاحظ ذلك الامام السيوطى فقال تعليقا على رواية ابن عباس الموجودة فى الطبرانى بعد أن ساق لفظها : ( له علتان : مخالفة الحديث الصحيح كما سبق . واسناده ضعيف ) .
    والشيىء العجيب ان حديث الزيارة كما رأيت بجميع رواياته وطرقه ومتابعاته وشواهده لا يقوى على الاستدلال به فى موضوعه وبابه .
    والذى يبقى محل اعتقاد والمسلمين هو ان النبى كان بارا بامه كما هو بار بأبيه لهما ويزور قبرهما دون ان يمنع من شىء من ذلك الا ما كان فى وهم اناس لا يساتندون الى حقيقة عقلية ؛ ولا الى نص من كتاب او سنة .
    وما كان لنا ولا لغيرنا ان نعتقد بان النبى اقل وفاء بابويه من احاد امته .
    وما كان لنا ولا لغيرنا ان نعتقد بغير نص شرعى بان الله عز وجل ارسل نبيه رحمة للعالمين ثم يسيئه فى ابويه ؛ ويؤلمه فيهما على رءوس الاشهاد دون ما سبب مقبول ؛ الا ما عسى ان يكون من هوى جامح لدى البعض الذين يريدون ان يجففوا منابع الحب فى القلوب ؛ وان يفرغوا سلوك الوفاء من معانيه بادئين من القمة يتربعها رسول r.

    ان الحديث عن آمنة ام النبي rلا يجوز ان يكون بمعزل عن الحديث عن أمهات المؤمنين ، كما أن الحديث عن النبي نفسه لا يجوز ان يكون بمعزل عن الحديث عن الانبياء ، لا في شخصياتهم و لا في رسالتهم فنحن نعلم جميعا ان الله قد امر نبيه ان يعلن في فم الزمان انه ليس بدعا من الرسل ، كي يعلم الناس جميعا ان سلسلة النبوة متصلة " قل ما كنت بدعا من الرسل و ما ادرى ما يفعل بي و لا بكم " الأحقاف أية 9
    و اذا كان الآمر علي هذا النحو فان الحديث عن آمنة أم النبي و زهرة بني زهرة لا يجوز ان يكون معبرا عن حالة فريدة ، مقطوعة الصلة بالأشباه و النظائر .
    و اشباه آمنه و نظائرها بالقطع هن أمهات الأنبياء الائي تكون كل واحدة منهن وعاء لنبي ، من جزء منها يتكون في بداية خلقه ، و في فترة بقائه وديعة عندها يأخذ كما يتخذ كل مخلوق غذاؤه منها ، كما يتم بينه و بينها نوع من العلاقة العاطفية و الوجدانية المتبادلة ، لا يجوز ان يحكم عليها احد بالانفصام أو القطع ، إلا ان يكون إنسانا لا بصر له بالواقع ، ولا خبرة له بالتكوين الحيوى و النفسي .
    و مثلي لا يكون مطالبا بان يؤكد قاعدة استقر عليها الناس و استقبلوها بالارتياح و القبول و هي : أن المكان يشرف بشرف المكين ، أي الحال فيه و طبقا لهذه القاعدة فان الإنسان لا يجرؤ بحال من الأحوال أن ينال من أم نبي من الأنبياء ، فينزل بها عن المستوى اللائق بهذا النبي r ، الذي أقام و تكون علي بعض منها .
    هذا حكم العقل المقطوع به يدركه كل من رزق قدرا من الوعي و لا يابي التسليم به إلا شانئ لا يتسع ان يحكم بالعدل ، و لا يتسع خلقه ان يعطي النصفة و لو من نفسه .
    و ليس حكم العقل وحده هو الفيصل في هذه القضية قضية شرف أمهات الانبياء ،
    وانما يجاور حكم العقل حكم النص و حكم التاريخ معا .
    فالواقع والتاريخ الخاصان بالانبياء يعضدهما النص الشرعي امور تتعاضد و تتكافىء و تتعاون فتؤكد ما انتهي اليه العقل من حكم في هذه القضية الهامة .
    فلو اننا تتبعنا تاريخ الانبياء ، و ذكرنا منهم ما نعرفه عنهم ، لم نجد نبيا واحدا حكم علي امه بانها كافرة .
    وأمهات الأنبياء من أبينا آدم من صلبه و هي حواء عليها السلام لم يحكم احد من الناس بان آي منهم مستبعدة من رحمة الله.
    ومن نوح الي ادم في شجرة الانبياء الباسقة اخبر ابن عباس عنهم انه لا يوجد واحد منهم قد انحدر من ام او اب يميلان الي شيء من الشرك .
    حكي الكرماني عن ابن عباس قال : " لم يكفر لنوح والد بينه و بين ادم " .
    و هذا الاثر اخرجه ابن سعد عن ابن عباس قال : " ما بين نوح الي ادم كانوا علي الاسلام " .
    و أنت خبير و لا شك ان نوحا u استغفر لأبويه و لم يمنع من ذلك بنص القرآن نفسه ، حيث حكي عنه قوله : " رب اغفر لي و لوالدي و لمن دخل بيتي مؤمنا و للمؤمنين و للمؤمنات و لا تزد الظالمين إلا تبارا " نوح أية 28.
    و إسحاق بن إبراهيم u أمه ( سارة ) و هي ما هي من منازل الشرف و الرفعة .
    أما أم اسماعيل " هاجر " فقد بلغت شهرتها في وسط المتدينين مبلغا لا يكابر فيه مكابر.
    و لقد حكي السيوطي عن ام يعقوب و أمهات آبائه بان الآثار قد وردت بانهن مؤمنات .
    و أما أم موسى و هارون عليهما السلام فإنها قد ذكرت في القرآن في نحو قوله تعالي : " وأوحينا إلى أم موسى … " القصص أية 7 الامر الذى حمل بعض الظاهرية كابن حزم علي أن يرفعها إلى مرتبة النبوة .
    و سواء خالفنا الظاهرية او وافقناهم فيما ذهبوا اليه من ادعاء النبوة ، فان مرتبة المؤمنات او المؤمنين هي أدنى بالقطع من مرتبة النبوة و لم ينكرها علي أم موسي
    وهارون أحد من الناس .
    ثم حكي السيوطي صحة إيمان أمهات داود ، و سليمان ، و زكريا ، و يحي ، و شمويل ، و شمعون ، و ذى الكفل .
    أما مريم عليها السلام أم عيسى النبي فقصتها في القرآن مدونة ، حيث إن آيات القرآن قد خلعت عليها من الاوصاف ما لا يستطيع أحد أن ينكر بعضها فهي : البتول التي اصطفاها ربها و طهرها و اصطفاها علي نساء العالمين و هي التي أمرها ربها ان تقنط له و تتبتل و تركع مع الراكعين ، و هي التي انتدبت منذ أول أمرها للعمل في معبد ربها ، و هي التي كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا .
    و هي التي نظر الظاهرية كابن حزم في سيرتها ، فوجدوا ان الله قد أوحي اليها ، فظنوا ان الوحي قرين النبوة ، و قطعوا بنبوتها .
    و كما قلت من قبل إنه ليس من مهماتنا الان : البحث في ان تكون النبوة في النساء ، و إنما قد عرضنا لرأى الظاهرية لنبين ان قضية امهات الانبياء لم يتوقف طرحها عند حد ايمانهن ، و إنما ارتقي بهذا الطرح بعض العلماء متجاوزا حد الايمان العادى الي محاولة إدخالهن في دائرة الانبياء.
    و اذا كان هناك من الانبياء من وردت النصوص بايمان امهاتهم فان الاجماع قائم علي ان باقي امهات الانبياء محكوم لهن بالايمان حيث إنه الاصل المقبول ، و ليس له معارض من دليل صحيح أو غير صحيح.
    و هذا الذى ذكرته لك مفصلا قد عرض علي السيوطي علي وجه الإجمال فقال : [ و أما الإجمال : فأخرج الحاكم في المستدرك ، و صححه عنه ابن عباس قال
    " كانت الانبياء من بني اسرائيل إلا عشرة : نوح ، و هود ، و صالح ، و لوط ،
    وشعيب ، و إبراهيم ، و إسماعيل ، و إسحاق ، و يعقوب ، و محمد عليه السلام "
    و بنو اسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعث الله عيسي فكفر به من كفر ، فامهات الانبياء الذين من بني إسرائيل كن مؤمنات و لم يبعث بعد عيسي احد في الأشهر .
    و أما العشرة : فقد ثبت ايمان أم اسماعيل ، و اسحاق ، و يعقوب ، و ذكر ايمان أم نوح و ابراهيم و بقي أم هود و صالح و لوط و شعيب يحتاج الي نقل او دليل .
    و الظاهر إن شاء الله تعالي ايمانهن ، فثبت بهذا الاستدلال ايمان الجميع و كان السر في ذلك ما يرينه من النور لما ورد في الحديث " و كذلك امهات النبيين يرين " !! ]
    و اذا كان هذا الامر علي هذا النحو الذى استوجب الحكم العام علي ان امهات الانبياء في جنات النعيم .
    و اذا كان هذا هو حكم العقل ، كما هو حكم القرآن الكريم و الاثار و اجماع العلماء .
    اذا كان الامر علي هذا النحو الذى رايت فانه يكون من باب الفصام النكد في شخصية اناس رأوا ان تنفرد أم النبي بحالة وحدها من دون امهات الانبياء ، علي غير دليل محقق يحكم به العقل أو ياتي به النص .
    و الصحيح الذي تقتضيه الأدلة ، و الذي يقضي به المنطق السليم آن – زهرة بني زهرة " آمنة بنت وهب " – لا تختلف كثيرا و لا قليلا عن أمهات الأنبياء السابقات عليها إن لم تتفوق عليهن ، باعتبارها أما لعظيم الساحة في دنيا التاريخ ، و آخر نبي يشهده الوجود في صرح الأنبياء عليه من الله افضل و أتم السلام .

    آمنة و أهل الفترة
    " و ما كنا معذبين حتي نبعث رسولا "
    للعلماء حديث مطول عن اناس خلقهم الله في فترة بين نبيين ، و تساءلوا عن هؤلاء الناس : هل هم مكلفون أم . لا ؟
    و لقد كثر القيل و القال مع شدة وضوح المسألة ، و مع عدم احتياجها لإطالة الوقوف حولها .
    فالعقل السليم قاض في كل العصور بانه لا جريمة إلا بنص ، و لا عقوبة إلا بمخالفة لهذا النص .
    و المكلفون من الناس إما ان يكلفوا بمعرفة الله عز و جل ، و إما ان يكلفوا بما يطالبهم الله بفعله ، أو بما ينهاهم الله عنه .
    و قصارى القول في مسألة معرفة وجود الله ، أن العقل قادر بنفسه علي ادراك هذا الوجود .
    و مع التسليم بان العقل قادر علي ادراك وجود الله ، فانه تبقي عندنا قضية هامة ، و هي تكليف هذا العقل بالقيام بهذه المهمة التي يستطيعها ، لأن هذا التكليف نفسه هو الذى سيتوقف عليه الثواب و العقاب ، فليس كل قادر علي شئ يكون مكلفا بادائه ، من غير ان يكون هناك تكليف يحمله علي ذلك بمقتضي نص ملزم .
    و علي هذا فان العقل القادر علي ان يقيم الدليل لنفسه الذى يتوصل به الي معرفة ان الله موجود ، لا يكون في موضع المساءلة ما لم يكن هناك نص معتمد قطعي الثبوت و الادلة حمله علي القيام بهذه المهمة .
    و اذا وضح هذا الامر هنا ، فان المساله فيما يتعلق بمعرفة الله علي التفصيل ، وما يتصل به من أحكام و اسماء و صفات ، و ما يختص به من حق التشريع الدائر علي مطلوبات الله من أمر و نهي ، الي غير ذلك من تفصيلات لها اتصال بكليات و جزئيات ليس للعقل قدرة علي ان يستقل بادراكها .
    أقول : إن المسالة حين تتعلق بإخبار الله عن نفسه ، او إخباره عما يريده من العباد مما تتضمنه الاوامر و النواهي ، تكون قد خرجت عن نطاق العقل و قدرته عن ان يدركها بالاستقلال ، او يفهمها بغير توجية و تشريع .
    و المسالة عند هذا الحد تكون واضحة الدلالة علي ان كل من لم تبلغه الدعوة و كل من كان وجوده بين نبيين ، نبي قد مضي و شوهت رسالته ، و نبي لم يات بعد حتي يعلمنا ما الذى يريده الله منا ، و امثالهما من الصبيان الذين ماتوا قبل التكليف ، او المجانين الذين لا يملكون جوهرة العقل التي هي اساس التكليف ..
    إن هؤلاء جميعا اذا مات الواحد منهم علي حالته ، يكون معذورا غير مسئول عن العقيدة و الشريعة اللتين يسئل عنهما غيره ممن لا يكونون علي مثل حاله .
    هذا حكم العقل المقطوع به .
    و حكم العقل المقطوع به هنا تؤازره مجموعة من النصوص الشرعية الواردة عن الله عز و جل ، و المقطوع بصحتها و دلالتها ، و التي منها قوله تعالي :
    " من أهتدى فإنما يهتدى لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها و لا تزر وازرة وزر أخرى و ما كنا معذبين ختي نبعث رسولا ". الإسراء أية 15
    و قوله : " و سيق الذين كفروا الي جهنم زمرا حتي اذا جاءوها فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلي و لكن حقت كلمة العذاب علي الكافرين " الزمر أية 71 .
    و قوله : " كلما ألق فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلي قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير " الملك آيات 8 ، 9
    و قوله : " و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من يتذكر و جاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " فاطر اية 37
    و في القرآن آيات كثيرة تدل بلفظها و معناها علي المقصود منها دلالة لا تحتمل تأويل او الصرف عن ظاهرها .
    و علماء الآمة المعتمدون في العلم ذاهبون الي ما ذهبت اليه هذه الآيات المعضدة لحكم العقل في هذه المسالة .
    قال القرطبي في تفسيره لآية سورة الاسراء بعد ان ذكرها [ قوله تعالي : و ما كنا معذبين حتي نبعث رسولا " ] اى لم نترك الخلق سدى ، بل ارسلنا الرسل . و في هذا دليل علي ان الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافا للمعتزلة القائلين بان العقل يقبح
    ويحسن و يبيح و يحظر ……
    و الجمهور علي ان هذا في حكم دنيوى ، أى ان الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم و الانذار .
    و قالت فرقة : " هذا عام في الدنيا و الآخرة ، لقوله تعالي : " كلما ألقي فيها فوج سالهم خزنتها ألم يأتكم نذير . قالوا بلي قد جاءنا " .
    قال ابن عطية : والذى يعطيه النظر أن بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد وبث المعتقدات فى بنيه مع نصب الادلة على الصانع مع سلامة الفطرة توجب على كل احد من العالم الايمان واتباع شريعة الله ؛ ثم تجدد ذلك فى زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار .
    وهذه الاية ايضا يعطى احتمال الفاظها نحو هذا فى الذين لم تصلهم رسالة وهم اهل الفترات الذين قدر وجودهم بعض اهل العلم .
    واما ما روى من ان الله تعالى يبعث اليهم يوم القيامة والى المجانين والاطفال فحديث لم يصح ؛ ولا يقضى ما تعطيه الشريعة من ان الاخرة ليست دار تكليف .
    قال المهدوى : روى عن ابى هريرة ان الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا الى اهل الفترة والابكم والاخرس والاصم ؛ فيطيعه منهم من كان يريد ان يطيعه فى الدنيا ؛ وتلا الاية ؛ رواه معمر ابن طاوس عن ابيه عن ابى هريرة ذكره النحاس .
    قلت هذا موقوف . .
    ولا يصح .
    وقد استدل قوم فى ان اهل الجزائر اذا سمعوا بالاسلام وامنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى .
    وهذا صحيح .
    ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل .
    والله اعلم .
    وليس القرطبى فى هذا المجال نسيج وحده ؛ ولا هو الذى انفرد براى ارتاه ولكنه حكم العقل ومقتضى النص لم يستطيع ان يجافيه ؛ لا هو ولا غيره من علماء الامة.
    وانما لا اريد ان ارشدك الى العلماء الذين ساروا مع القرطبى وتابعوه فى منهجه ؛ لان مجرد الإشارة إلى بعض هؤلاء العلماء ظلم لاخوانهم الذين لم نتمكن من ذكر اسمائهم .
    لكن الذى نحب ان نرشدك اليه ولا شك هو ان بعض بنى الانسان فى مواقف كثيرة ؛ تضيق بهم دائرة الجد فلا يسمعهم الا قضاء الهزل ينطلقون فيه بغير حدود .
    فهم يقولون هنا مثلا : ان اهل الفترة ومن شابهم من الصبيان والمجانين ؛ ومن لم تبلغهم الدعوة يعذبون فى نار جهنم ولا عذر لهم بشىء من احوالهم .
    فلا عذر لاهل الفترة انهم ما اتاهم من نذير ؛ ولا عذر للمجانين فى انهم فقدوا العقل الذى هو اساس التكليف ؛ ولا عذر لاهل الجزر النائية او البوادى البعيدة ؛ او الادغال المعزولة فى انهم لم تبلغهم الدعوة .
    اى والله . لقد وجدنا من بعض الناس هذه المواقف قد كتبت على ورق مع انها فى قيمتها الحقيقية لا تساوى هذا المداد الذى اريق على الاوراق لكى تسطر به هذه الكلمات .
    فاذا قلت للواحد منهم ما حكم الانسان ياتى بين يدى النبى ؛ يدعوه النبى الى الاسلام فيسلم ؛ هل يحاسبه الله عز وجل على ما مضى من عمره مكلفا قبل ان يدخل فى الاسلام ؟ نظر اليك فاغرافاه ؛ ساكنا لا يتكلم ؛ فلو سالته عن حقيقة ما قال النبى r
    ( الاسلام يجب ما قبله ) وقف امامك ساكنا لا يحير جوابا ؛ واذا سألت الواحد منهم عن حقيقة ما جاء فى القرآن عقب بعض الاحكام التشريعية وحكمه عام فى سائرها من نحو قوله تعالى
    "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الا ما قد سلف " وقوله تعالى .
    وان تجمعوا بين الاختين الا ما قد سلف" النساء
    لوجدته يجمع بين يديه ويضعها على فمه وعينيه حتى لا تقرأ فى عينيه ملامح الخجل لشدة ما فأجاه من النصوص .
    اننا لابد ان نعلم ان الحق الأبلج لا ينال منه سلطان الباطل الاجوف مهما حاول مصطنعوه ان يظهروا بمظهر الجد ؛ او يتكايسوا بمصطلحات العلم .
    ويبقى فى النهاية للنص القرآنى سلطانه : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .
    إذا تقرر هذا فنقول : أن آمنة بنت وهب لم تشهد بعثة النبي r قطعا ؛ ولم يكن في زمانها دين صحيح لم يدخله التحريف بيقين ؛ وهى بالإضافة إلى ذلك لم يثبت أنها كانت تسجد لصنم وانما كانت كسائر افراد قومها تعرف ان للبيت الحرام ربا يخالف ما تراه او تسمع به من الاصنام من نحو : هبل واللات ؛ والعزى ؛ ومناة ؛ فلو اضفنا الى ذلك انها منذ حداثة سنها كانت مشغولة بما شغل به فتيات مكة ونساؤها بما تردد . فى جنبات مكة وجزيرة العرب على العموم من ان هناك نبيا قد استظل زمانه واصبح ظهوره وشيكا وان امة ستكون من بنى زهرة .
    لو انا ادركنا هذه الامور جميعها وكثيرا غيرها لعلمنا :
    اولاً : ان آمنة لم تكن مشركة .
    وثانياً : ان امنة لم يكن فى زمانها دين صحيح على الارض خال من التحريف والعبث بنصوصه .
    وثالثاً : ان سنها الصغيرة لم تكن تمكنها من البحث عن الاديان وفحصها كما فعل الشكاك فى زمانها من نحو : زيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة الايادى ؛ وورقة بن نوفل ؛ مع العلم انها ليست مكلفة بذلك ولا هؤلاء الرجال من الشكاك والمتحنفين قد رجعوا من بحثهم بطائل .
    ورابعاً : ان آمنة بنت وهب بحكم انها من بنى زهرة كان يستهويها ما يستهوى الكثيرات ؛ وتخضع مثلهن لرغبة جامحة فى ان تكون اما للنبى المنتظر .
    وامر كهذه فى آمنة بنت وهب لكفيلة بان تجعل اصحاب العقول يجزمون بان آمنة هى من اهل الفترة ؛ ولا خوف عليها ولا على مستقبلها يوم يقوم الناس لرب العالمين .
    يقول الامام السيوطى رحمه الله بعد كلام كثير : ( .. قد عرف مما ذكرناه دليلان على ان ام النبى r ليست فى النار :
    كونها متحنفة .
    واحياؤها حتى آمنت .
    وينضم الى ذلك دليل ثالث وهو كونها من اهل الفترة ؛ والاحاديث فى اهل الفترة معروفة مشهورة ؛ وقال تعالى " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "
    وقد اورد صاحب " مرآة الزمان " كلام جده " ابن الجوزى " على الحديث السابق ؛ ثم قال عقبة : قال قوم : قد قال الله تعالى : " وما كنا معذبين نبعث رسولا " والدعوة لم تبلغ اباه وامه فما ذنبهما ؟
    والذين خالفوا الجمهور فحكموا بان اهل الفترة فى النار كالمعتزلة وغيرهم قد اشتبه عليهم امر من الامور ظنوه اصلا سليما وفرعوا عليه .
    وهذا الامر الذى اشتبه عليهم كائن فى مسألة شكر المنعم ؛ هل هو واجب بحكم العقل ؛ ام هو واجب بحكم الشرع ؟
    ولا شك عند جمهور المسلمين ان شكر المنعم واجب شرعا ؛ اذ الشكر تكليف ؛ ولا تكليف الا بنص ؛ ولا عقوبة الا بمخالفة للنص الوارد
    هذا حكم قد سبق ان حدثناك عنه وهو مقتضى العقل ومقتضى النص
    دلت الاية على ان العرب لم يكونوا مخاطبين بها ؛ ولا مكلفين باتباعها ؛ ولهذا وردت الاحاديث فى الهالك فى الفترة " صريحة ولم يعول على ذلك .
    وقد يبقى هنا أن نقول تصريحاً ما سبق أن ذكرناه لك بالتلميح ، إن هناك بعض الناس يعترضون فيقولون: إن أهل الفترة محاسبون يوم القيامة على أساس ما جاءهم من الرسل السابقين عليهم ، وأهل مكة وجزيرة العرب فيما قبل رسول الله صلى كانوا قد سمعوا بموسى وعيسى بن مريم، فهم مكلفون بمقتضى هاتين الرسالتين وغيرهما.
    وكثير من العلماء قد ازوروا عن هذا الاعتراض انتقاصاً من قدره وقيمته. غير أن بعضهم قد رأى أن الازورار عن الجواب فى هذا الموطن ربما لا يكون مفيداً ، فتصدوا للجواب على هذا الاعتراض.
    ومن هؤلاء العلماء الإمام السيوطى حيث قال بعد أن ساق الاعتراض السابق الذكر.
    (.. دلت الأدلة على أن العرب لم يكونوا مخاطبين بها ، و لا مكلفين باتباعها، ولهذا وردت الاحاديث فى الهالك فى " الفترة" صريحة ، ولم يعول على ذلك.
    ولو كان المراد بما قبل البعثة : ان لا يكون بعث رسول الله فى الدنيا اصلا لاستحال وجود ذلك اذ ما من فترة الا قبلها نبى الى ادم وهو اول الانبياء وليس قبل ادم بشر .
    والقرآن ايضا ناطق بذلك قال تعالى : "وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون . وان تقولوا انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم الغافلين" .
    اخرج ابن ابى حاتم وابن المنذر ابو الشيخ عن مجاهد فى قوله " ان تقولوا انما انزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وان كنا عن دراستهم لغافلين "
    قال اليهودى والنصارى : ( خاف ان تقوله قريش ) .

    ولعلنا ننتهى من هذه القضية كلها مع القوم إلى آخر ما وقفوا عنده.وآخر ما وقفوا عنده ذكره المفسرون عنمد قوله تعالى :
    " إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسئل عن أصحاب الجحيم" البقرة اية 119
    وهذه الآية لا تفيد من لا يقولون بنجاة أم النبى " آمنه بنت وهب " شيئاً .
    ذلك أن الجمهور يقرأون هذه الآية بضم التاء فى قوله تعالى " ولا تسئل" على أن الفعل مبنى للمجهول.
    والمعنى على قراءة الجمهور أن الله أراد أن يخبر النبى أولاً والأمة على وجه العموم بأنه لا مسئولية للنبى تلزمه مترتبة على إعراض للمعرضين ، ذلك أن الله قد أرسل للنبى مبشراً ونذيراً، فمن أطاع فلنفسه ون أعرض فعليها، وهو لا يسئل عن أصحاب الجحيم.
    والقراءة على هذا النحو واضحة للدلالة ليس فيها ما يستوقف النظر ويستوجب الفكر خارج نطاق النظرة الاخلاقية.
    وقد ورد عند الأقلين قراءة " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " بفتح التاء.
    وهذه القراءة على هذا النحو فيها أن الله عز وجل قد نهى النبى r عن أن يسأل عن أصحاب الجحيم .
    والقراءة بهذا الشكل تثير سؤلاً فى النفس مؤداه : أن يكون النبى قد سأل عن بعض الناس الذين ترآءى له أنهم فى الجحيم.
    وهنا يتطوع البعض فيقدم لنا نماذج من مواقف يرونها تؤيد رأيهم فى أن أبوى النبى فى النار.
    ومما ذكروه: قول عبد الرازق ( أخبرنا الثورى عن موسى بن عبيده بن محمد بن كعب القرظى قال ، قال رسول الله r " ليت شعرى ما فعل أبواى ليت شعرى ما فعل أبواى ليت شعرى ما فعل أبواى؟ " فنزلت " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم" فما ذكرهما حتى توفاه الله عزوجل).
    قال بن كثير ( ورواه ابن جرير عن أبى كريب عن وكيع عن موسى بن عبيده – وقد تكلموا فيه – عن محمد بن كعب بمثله)(1).
    وهذه الآثار لا تصح فى نفسها ، ولا يقوى سندها أن يبلغ بها إلى رسول الله r.
    كما أنها من جهة أخرى لا تقوى على حملنا على أن نفهم هذه الآية على نحو ما قرئت عند الأقلين كما يريدون لنا أن نفهمها ، خاصة وأن القراءة بالضم – وهى قراءة الأكثرين تبين لنا أن الآية قد جاءت فى سياقها الأخلاقى لتبين أن المسئولية الخاصة بانحراف البعض عن رسالة النبى بعد مجيئها إليهم إنما تقع على عاتق أصحابها.
    وعلى فرض أننا سنحاول فهم الآية على أنها نهى للنبى عن أن يسأل عن أصحاب الجحيم فى إطار انشغاله على أبويه ( على فرض صحة الأثر) فإنه يمكن أن تفهم الآية على هذا النحو:
    ما لأبويك وأصحاب الجحيم ، إنك إن سألت عنهما فإنه لا يجوز أن يخطر ببالك أنها من أصحاب الجحيم ، فقد نجاهما الله عز وجل كما نجى أهل الفترة ، وأنه قد رفع مكانتهما من أجلك حتى أصبحا فى مكانة لم تكن لتخطر لك على بال ، من باب " ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم"
    وللإمام القرطبى فهم فى الإية على هذه القراءة قريب من هذا الفهم الذى حدثناك عنه قال: ( وهذا كما لا تسأل عن فلان أى قد بلغ فوق ما تحسب )
    هذا وإن فى مسند الإمام أحمد هذا النص : حدثنى أبى بالسند عن ( وكيع بن حدس عن أبى رزين عمه قال : قلت يا رسول الله r: أين أمى قال : أمك فى النار قال : قلت فأين من مضى من أهلك ، قال أما ترض أن تكون أمك مع أمى ))))))((
    ولم يكن من بد لنا من أن نتناول هذه الرواية بكلمة تخصها لما لها من أهمية هنا وفى مجال الحديث عن "آمنه" أم الرسول r بالذات.
    والناظر لأول وهلة فى هذا الحديث سيتفق معى بأنه غير موجود فى الكتب الستة ، فهو ليس عند البخارى و لا مسلم، كما أنه لا يوجد عند أبى داود أو النسائى أو الترمذى أو ابن ماجه.
    وأنا لم أجد له وجوداً إلا فى مسند الامام أحمد ، وهو من الكتب التى لا يلتزم اصحابها الصحة فى مروياتهم ، ومن المقطوع به أن الأمة لم تتلق مرويات هذا المسند كلها بالقبول.
    ولنفترض أن هذا الحديث صحيح ، فإن هذه الصحة المفترضة إنما هى صحة الإسناد.
    وصحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن قطعاً حتى ولو كان الإسناد فى أعلى درجات الصحة ، ولذا فإن العلماء قد نصوا على أن البخارى ومسلم حين التزما الصحة فى مروياتهما التزموها فى الاسناد ومقاصد الكتاب الذى وضعه كل منهما.
    أما صحة لمتن عند البخارى ومسلم فله طريق آخر ، وهو أن الامة قد تلقت مروياتهما بالقبول على مر العصور.
    هذا هو حال الحكم بالصحة على أحاديث البخارى ومسلم .
    أما فى غير البخارى وسلم فإن الحكم بالصحة راجع للعلماء الذين عهدت إليهم الأمة لتميزهم فى تخصصهم أن يقوموا بهذه المهمة الصعبة.
    وقد أختط العلماء لآنفسهم طريقين للحكم على الحديث بالصحة أو غيره.
    أحدهم : طريق الاسناد والحكم على الرجال.
    وثانيها : طريق المتن وفحصه على قواعد فحص المتون.
    وبعد هذا البيان الذى سبقت الاشارة إليه نقول:
    أن هذا الحديث على فرض صحة أسناده ، يخالف القرآن ويخالف العقل جميعاً.
    أما مخالفته للعقل فهو واضح لاستره به ، إذ إننا عملا بمقتضاه للزم على ذلك أن الله يآخذ عباده على مخالفات لم يرد لهم نص صحيح يأمرهم بتجنبها.
    وهذا تكليف بما لا يطاق قطعاً، ولم يقل به أحد الا المعتزلة وغيرهم ممن شابههم ، بناء على أصلهم الفاسد القائل: بأن الحسن والقبيح والتحسين والتقبيح أمور يمكن للعقل أن يدركها.
    ثم فراعوا على ذلك أن الإنسان مكلف بمقتضى العقل لا بمقتضى الشرع.
    ومن هذا الأصل العام وضعوا أصلاً آخر ، وهو أن وجوب شكر النعمة أمر عقلى ، وليس بأمر شرعى.
    وما ذهب إليه المعتزلة ومن وافقوهم ليس ملزماً لأحد ولا حتى من غير المتدينين.
    أما مخالفة هذا الحديث للقرآن ، فإن القرآن فيه أيات كثيرة يخالفها متن هذا الحديث مخالفة تامة ، تتأبى على التأويل ، وترتفع فوق الجمع بين الحديث وآيات القرآن.
    وسأحاول أن أزيدك هنا بياناً من آيات القرآن الكريم سوى ما ذكرت لك من قبل.
    ففيه أن الله قال : " ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب " النحل أية 113"ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا" الفرقان اية 27
    وقال الرسول يا رب أن قومى إتخذوا هذا القرآن مهجورا " الفرقان اية 30" أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين " الدخان اية 13 " وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا " محمد أية 32" وما لكم لا تؤمنون بالله والسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم " الحديد اية 8" فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية " الحاقة اية 10 " فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذاً وبيلاً " المزمل اية 16 " يقولون يل ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا " الأحزاب أية 66 " لقالوا لولا أرسلت إلينا رسولا فتتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى " طه اية 134" وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا" القصص اية 59" وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله" ال عمران أية 101 " رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " النساء أية 165 " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم المائدة اية 109 ويا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم الأنعام اية 130 قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا الأعراف اية 53" قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جائنا من بشير و لا نذير " المائدة اية 19 " لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون " القصص أية 46" وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير " سبأ أية 44 " وأن من أمة إلا خلا فيها نذير فاطر أية 34 " تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير* قالوا بلى لقد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا فى ضلال كبير الملك أية 8 ، 9
    هذه نماذج معبرة عن المقصود ، وفى القرآن كثير من نظائرها وأشباهها ، لا يصلح مع كثرة ورودها إلا أن نقول لك : إن الذى ذكرناه هنا لا يزيد على أن يكون أمثلة لبيان المقصود ، وربما يكون ما تركناه منها أوضح فى الدلالة على ما قصدناه مما ذكرناه ، وعلى القارئ المنشغل بهذه القضية أن يعيد النظر فى القرآن الكريم ، وسوف يعود بالفائدة كاملة إن شاء الله تعالى.
    ويتضح هذا الذى ذكرناه أن هذا الحديث لا يقوى على الاستدلال بوجوب مآخذة أم النبى على مخالفة أمر لم تتمكن من معرفته ، فقد توفيت وعظيم الساحة فى السادسة من عمره، ولو أنها قد أتيح لها أن تعيش إلى أن يصير عظيم الساحة نبياً فى واقع التاريخ ، لما كان هناك أسرع منها إلى تلبية دعوة أبنها ، وإجابته إلى ما يدعو إليه من عبادة ربه.
    وما قلنا فى هذا الحديث هو نفسه الذى يجب أن يقال فى حديث " أبى وأبوك فى النار"
    فهذا الحديث الذى ينص على أن أبا النبى فى النار ، وإن كان قد صح سنده على منهج المحدثين ، فإن متنه مخالف مخالفة تامة للقرآن والعقل للأحاديث الصحيحة التى وردت فى نجاة أهل الفترة ومن ماتوا قبل التكليف من الصبيان ، ومن فقدوا نعمة العقل التى هى جوهرة الإنسان والتى هى الأصل الذى يقوم عليه كل تكليف.
    حديثان وموقف:
    ودعنى أزيدك الأن شيئاُ من البيان حول بعض الاحاديث التى قد تشغل بالك وبال غيرك ممن لهم اهتمامات ببعض القضايا التى تتصل بالنبى صلى الله عليه وسلم.
    وأنا فى هذه المرة سأحاول أن أطلعك على آراء بعض المحدثين الكبار ، لكى أزيدك اطمئنانا على اطمئنانك.
    ولنبدأ معاً بهذا الحديث الذى أوردته بعض كتب الصحاح:
    أخرج الإمام مسلم فى صحيحه قال :
    ( حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة . حدثنا عفان . حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ، أن رجلاً قال : يار رسول الله أين أبى ؟ قال " فى النار" فلما قفى ()() دعاه فقال : " إن أبى وأباك فى النار").
    وهذا الحديث عليه ملاحظات عامة تتصل بالسند .
    فالحديث من طريق " حماد بن سلمة".
    و " حماد بن سلمة " قد ازور عنه البخارى فلم يخرج له فى صحيحه لرأيه فيه و لم يجبره على ذلك لوم اللائمين للإمام البخارى بسبب عدوله عن حماد.
    ومسلم بن الحجاج وإن كان فيما يظهر أن تدارك الأمر وأخرج أحاديث حماد فى صحيحه فإن معظم ما أخرجه لحماد كان فى الشواهد ولم يعتمده فى الأصول على ما يبدو إلا فى نطاق محدود.
    ومع هذا كله فإن مسلم بن الحجاج قد تعرض للوم أحياناً بالنسبة للأحاديث التى أنفرد بها عن البخارى.
    "وحماد بن سلمة " لم يتكلم أحد فيه من حيث تدينه وصلاحه ، وغيرته على دينه و سنة نبيه، ولكنه فى آخر أيامه ربما يكن قد ساء حفظه ، فكان يعتمد على التحديث من كتبه.
    ولقد زعم بعضهم بأن حماد كان له ربيب ( ابن زوجته من غيره ) قد عمد إلى بعض كتبه ودس فيها ما ليس منها.
    وقد نص عليه فى الميزان بأنه هو: - ابن البرجا –
    وذكره فى التهذيب بأسم – ابن أبى العوجاء –
    ونظراً إلى أن حماد فى آخر عمره قد ساء حفظه واعتمد على الكتاب يحدث منه ، فإنه لم يكن ليكتشف ما دسه عليه ربيبه.
    وأصحاب هذه المقولة فى حماد يحاولون تأكيد ذلك بموقفى حماد من رواية أحاديث الصفات ، فإنه كان بالقطع فى أول أمره يحجم عن أحاديث الصفات لا يحدث بها، ولكنه قد حدث بها فى آخر حياته على ما يقولون من كتابه مما يجعل البعض يحتمل أن تكون أحاديث الصفات قد دست عليه.
    والواضح أن بعض هذه الاحاديث تصف الله بأوصاف ما كان لحماد من أول أمره أن يتحمل الاعتقاد بها ، ولا أن يجازف بنفسه فيرويها، مما جعل رجالاً من المشاهير فى مجال الحديث يأخذونها على حماد ، ويعتبرونها مما دس عليه اعتذارا عنه ، وليس تبريراً له.
    ومن هذا أنتهى بعضهم كالإمام السيوطى مثلاً إلى أن هذا الحديث الموجود فى مسلم والقائل بأن " أبا النبى فى النار " هو من باب ما دس على حماد على أحسن الظروف ، فما كان لحماد قبل أن يسوء حفظه أن يقبل التحديث بمثل هذا الحديث المخالف للعقل وللقرآن الكريم على السواء(()).
    وسأنقل بين يديك عبارة السيوطى فى هذا الصدد قال :
    ( هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخارى ، وفى إفراد مسلم أحاديث متكلم فيها، ويوشك أن يكون هذا منها ..)
    إلى أن قال : وأما ( حماد بن سلمه وإن كان إماماً عالما عابداً فقد تكلم جماعة فى روايته ، وتنكب البخارى عنه، فلم يخرج له شيئا فى صحيحه.
    وقال الحاكم فى المدخل : ما خرج مسلم " فى الأصول إلا حديثه عن ثابت "
    وقد خرج له فى الشواهد عن طائفة.
    وقال الذهبى: حماد ثقة له أوهام ، وله مناكير كثيرة، وكان لا يحفظ ، فكانوا يقولون : إنها دست فى كتبه!
    وفد قيل: إن ابن البرجا كان ربيبه ، فكان يدس فى كتبه.
    ومن مناكيره ما رواه عن ثابت عن أنس : أن النبى r قرأ : "فلما تجلى ربه للجبل" الأعراف اية 143
    قال : " أخرج طرف خنصره وضرب على إبهامه فساح الجبل"
    هذا الحديث أخرجه أحمد والترمذى والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم.
    وأورده ابن الجوزى فى "الموضوعات" وقال : " إنه لا يثبت ، وأنه مما دسه ربيبه عليه"
    والمناكير فى رواية حماد كثيرة ، وأنما أوردت هذا لأنه يسند الحديث الذى نحن فى تعليله).
    وأما " ثابت" الذى روى عنه حماد فقد ذكره ابن عدى فى " الكامل" على أنه من الضعفاء وقال : إنه وقع فى أحاديثه نكارة ، وذلك من الرواة عنه، فإنه روى عنه ضعفاء.
    ولقد أحتاط بعض كتب التراجم فقال : إن أفضل المرويات عن " ثابت " " ما رواه حماد عنه.
    ونحن قد حدثناك عن طرف من أحوال حماد.
    ومن جملة ما ذكرناه في السند نستطيع أن نقول : أننا أمام علة ربما تكون موجودة فى الحديث الذى نحن بصدده تجعلنا نتوقف ، فى الأخذ به خاصة إذا كان الأمر أمر أعتقاد.
    والحديث على كل حال قد روى من طرق أخرى يكون من المفيد أن نذكر بعضها هنا:
    أخرج البزار فى "مسنده" والطبرانى فى المعجم الكبير بسند رجاله رجال الصحيح عن " سعد بن أبى وقاص " أعرابياً أتى النبى r فقال : يا رسول الله أين أبى ؟ قال : فى النار قال فأين (1)؟ قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار"
    وهذه الروايات لهذا الحديث تفيد أن النبى لم يجزم ، بل لم يتناول الأب الشريف بالحكم عليه بأنه فى النار ، وإنما سكت عنه ولجأ إلى التعميد حفاظاً على قلب الأعرابى وعقيدته.
    والذى ينبغى أن نفهمه من رواية مسلم هو كما يقول السيوطى:
    ( والذى عندى فى هذا الحديث أن لفظة " " إن أبى وأباك فى النار " ليست مروية باللفظ بل رواها الراوى بالمعنى ، فوهم فى ذلك، ولإنما تكلم عن النبى r بكلام مروى ، ففهم منه السامع ذلك خطأ)
    وعلماء الحديث لكىيفهموا المعنى على وجهه الصحيح ، قرروا أن يتتبعوا الحديث بجميع روايته حتى قال قائلهم : لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه ، يعنى لأختلاف الرواه فى أسناده وألفاظه ، وقد وقع فى الصحيحين أحاديث كثيرة من هذا النمط، وهم فيها الرواة فى بعض الالفاظ وبينها النقاد.
    منها: حديث مسلم فى " نفى قراءة البسملة" وقد أعله الشافعى بذلك وقال: إن الثابت من طريق آخر نفى " سماعها. ففهم منه الراوى نفى" قراءتها " فرواه بالمعنى على ما فهمه.
    ولعله قد تبين لنا من كل ما ذكرناه أن الجزم بأن " أبا النبى فى النار" جزء لا يقوم عليه دليل.والقول فى أم النبى الذى هو أصل موضوعنا قد تبين مما ذكرناه بياناً شافياً لا نحتاج بعده إلى مزيد.
    وللعلم أخواني فأن للأمام السيوطي وغيره رسائل في هذا الموضوع سوف أحاول عرضها فيما بعد حتى نستوفي هذا الموضوع وأعتذر عن طول المقال
     

مشاركة هذه الصفحة