أسس التشبيه و طريقة علاجه

الكاتب : حليف القرآن   المشاهدات : 522   الردود : 0    ‏2004-12-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-12-06
  1. حليف القرآن

    حليف القرآن عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-08-23
    المشاركات:
    815
    الإعجاب :
    0
    [align=right]إن من الأسباب المهمة التي أدت إلى أن طائفة من الموحدين إنحرفت عن الجادة و قالت بالتجسيم و التشبيه هي أنهم خلطوا بين الصفات الثبوتية التي يجب أن تثبت للباري عزوجل و بين الصفات السلبية التي يجب أن تسلب عنه و إن شاء الله نبين الفرق بينهما

    و نقدم مقدمة فيها تعاريف للصفات بأنواعها و تسلسلها حتى يتمكن القارئ من معرفة التسلسل المنطقي لكل صفة و من أين مصدرها و ما هو موقعها من حيث الصفات الأخرى.

    و نشرع في تعريف الصفات الثبوتية و السلبية و نتدرج إلى باقي الصفات و نبينها، حتى يتسنى لنا وضع أيدينا على جرح التشبيه و التجسيم.

    الصفات الثبوتية: التي تعني ثبوت كل مقتضيات وجود الكمال له تعالى كالحياة والعلم والقدرة.. والخ.
    وسموها بالصفات الثبوتية في مقابل قسيمتها الصفات السلبية، ولانها أيضاً وجودية، والثبوت يعني الوجود.
    وتعرف أيضاً بالصفات الجمالية، وصفات الجمال، وذلك لثبوتها وعدم تغيرها، لان الجمال في أحد معانيه صفة قائمة في طبيعة الاشياء ثابتة لا تتغير.. وربما كان الاسم مأخوذاً من قول الامام أمير المؤمنين: (اللهم أنت أهل الوصف الجميل).

    الصفات السلبية: التي تعني انتفاء جميع النقوص أو كل مقتضيات عدم كماله تعالى. وسموها بالسلبية في مقابل قسيمتها الثبوتية.. ولانها ايضاً عدمية، والسلب يعني العدم. وتعرف أيضاً بالصفات الجلالية، وصفات الجلال، لانها تجلّ اللّه تعالى وتنزهه عن النقص
    بعد هذه التعاريف للصفات الثبوتية و الصفات السلبية، يجب علينا أن نعرف بأن الصفات السلبية و الثبوتية تندرجان تحت مسمى الصفات الذاتية، و أيضاً للصفة الذاتية مقابل تسمى بالصفة الفعلية و هما أيضاً يندرجات تحت مسمى الصفة الإلاهية.

    إذاً توصلنا الآن إلى أن الصفة الإلاهية تنقسم إلى :
    o صفة فعلية : تلك الصفة التي لا يكفي في ثبوت تحقق الاتصاف بها ثبوت الذات، بل لا بد مع ذلك من فرض أمر خارج عن الذات، وهي مثل: الخالق والرازق.

    o صفة ذاتية : تلك الصفة التي يكفي في ثبوت تحقق الاتصاف بها ثبوت الذات.

    و الصفة الذاتية تنقسم إلى :

     صفات سلبية : سلب الاتصاف بما يستحيل على الذات الالهية، امثال: انه تعالى بجوهر وليس بعرض وليس بمركب، ولا شريك له.

     صفات ثبوتية : تعني الاتصاف بالوصف الوجودي، نحو: القادر والعالم.




    • الصفات الثبوتية:
    و نتعرض للصفات الثبوتية على عجالة لأنها ليست موضع البحث و لكن أحببت أن يكون البحث مشتملاً على ما يجول بخاطر القارئ.

    الصفات الثبوتية هي خمسة صفات و هي :
    1. الوحدانية.
    2. الحياة.
    3. العلم.
    4. القدرة.
    5. العدل.



    وهناك صفات اخرى عدّت من الصفات الثبوتية، وهي كذلك، إلا أنه يمكننا ادراجها منهجياً وفي مجال دراستها والبحث فيها ضمن ما ينطبق عليها من عناوين الصفات الخمس المذكورة، وهي أمثال:
    - القدم، فانه يندرج تحت الحياة.
    - الادراك، فانه يندرج تحت عنوان العلم.
    - السمع والبصر، فانهما يندرجان تحت عنوان العلم أيضاً لانهما من الادراك.
    - الارادة: فانها تندرج تحت عنوان (العلم) أيضاً لانها العلم بما في الفعل من المصلحة الداعي لايجاده.

    لن نفصل في مسألة الصفات الثبوتية كما سبق و أشرنا بالسابق لأنها ليست موضع البحث و لكن أحببنا أن نشير إليها إشارة فقط حتى تُعرف ما هي.




    • الصفات السلبية: واقعاً الصفات السلبية و كما عرفنها سابقاً هي موضع البحث بحيث يقع الإختلاف فيها، و هنا علينا أن نتعرض إلى نقطة هامة و هما : نفي التجسيم
     نفي التجسيم: و يقصد بالتجسيم هنا
     التشبيه: وهو الاعتقاد بان اللّه تعالى صورة تشبه صورة الانسان
     التجسيم: وهو الاعتقاد بان اللّه جسم.
     التحيز : وهو الاعتقاد بان اللّه متحيز، أي في مكان.
     التركيب : و هو الإعتقاد بأن الله يتركب من عدة أجزاء أو أنه يبعض

    بنظرة فاحصة إلى من إنتهج هذا المنهج و هو منهج التجسيم، نجده وقع في شبهة، و ذلك بإعتماده على متشابه القرآن، و هذا خطأ يقع فيه الكثير من المفسرين حين يأخذون الآيات القرآنية الكريمة على ظاهرها، و هذه تعتبر من المتشابهات التي لا تحكم إلا بردها إلى محكم لقرآن ، و مثال على هذه الآيات التي أوقعت البعض في هذه الشبهة:
    - (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) سورة ص 75
    - (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) سورة الزمر 67
    - (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) سورة الفجر 22
    - (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) سورة النساء 164
    - (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) سورة طه 5
    - (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) سورة فاطر 10

    طبعاً هذه الآيات تقريباً التي أحصيتها و هناك غيرها تطابقها في المعنى و لو إختلفت في اللفظ كأن تشير إلى أعضاء (جوارح كاليد و الساق) أو تشير إلى حركة أو غيرها تركتها على سبيل الإختصار و عدم التطويل.
    في الحقيقة لم تعتمد الفرقة التي إنتهجت التجسيم منهجاً على متشابه القرآن الكريم و إنما أيضاً أخذت ما وجدته في السنة النبوية أو بالأحرى ما ينسب إلى النبي الأعظم محمد صلوات الله و سلامه عليه و آله و نستعرض بعض هذه الآحاديث على سبيل المثال لا الحصر:

    - ‏‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ الرَّزَّاقِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَعْمَرٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏هَمَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ: ‏
    ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏خَلَقَ اللَّهُ ‏‏ آدَمَ ‏‏ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ ‏ ‏آدَمَ ‏ ‏فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ. صحيح البخاري ج4 ص 1959 ط المكتبة العصرية بيروت حديث رقم 6227 و أيضاً موجود الحديث في صحيح البخاري على الشبكة برقم 5759 كتاب الإستئذان باب بدء السلام

    - ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏قَتَادَةَ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَنَسٍ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏
    ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏يُلْقَى فِي النَّارِ (وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) ‏‏حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ. صحيح البخاري ج3 ص 1539 ط المكتبة العصرية بيروت حديث رقم 4848 ، و على الشبكة برقم 4470 كتاب تفسير القرآن باب قوله (وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ)

    - ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو كَامِلٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏عَنِ ‏ ‏الْأَغَرِّ ‏ ‏وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏قَالَ ‏
    ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ ‏ ‏يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ ‏ ‏مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ‏ ‏فَأَغْفِرَ لَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَلِذَلِكَ كَانُوا يُفَضِّلُونَ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى صَلَاةِ أَوَّلِهِ. مسند أحمد بن حنبل ،باقي مسند المكثرين، مسند أبوهريرة حديث رقم 7275

    - ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏عَبْد اللَّهِ ‏ ‏حَدَّثَنِي ‏ ‏أَبِي ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏أَبُو سَعِيدٍ ‏ ‏مَوْلَى ‏ ‏بَنِي هَاشِمٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏جَهْضَمٌ يَعْنِي الْيَمَامِيَّ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي سَلَّامٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي سَلَّامٍ وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ ‏ ‏نَسَبُهُ إِلَى جَدِّهِ ‏ ‏أَنَّهُ حَدَّثَهُ ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَائِشٍ الْحَضْرَمِيُّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِكِ بْنِ يَخَامِرَ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ‏ ‏قَالَ ‏
    ‏احْتَبَسَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى أن قال - فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ ‏ ‏يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏أَتَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قُلْتُ لَا أَدْرِي يَا رَبِّ قَالَ يَا ‏ ‏مُحَمَّدُ ‏ ‏فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قُلْتُ لَا أَدْرِي رَبِّ فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ ‏‏ بَرْدَ ‏‏ أَنَامِلِهِ ‏ ‏بَيْنَ صَدْرِي فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ. إلى نهاية الحديث، مسند أحمد ،مسند الأنصار، مسند معاذ بن جبل ، حديث رقم 21093.

    و من هنا نجد بأن هذه الأحاديث التي نسبت زوراً و بهتاناً إلى رسول الله أخذ بها البعضـ إعتقاداً منهم بأنها صادرة عن رسول الله صلى الله عليه و آله، و من خلال هذه الآيات و الروايات نستخلص: إن الأخذ بظواهر الآيات من غير تأويل ، و الآخذ بالروايات دونما تحقيق، فقط لأأنها وردت في بعض الكتب المعتبرة كالصحاح.

    و لو بحثنا في بعض هذه الآيات لوجدنا تأويلاتها معروفة، و نستعرض هنا بعض الآيات مع تأويلاتها:
    وتأويل قوله تعالى : (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) الملك 16 - ان في السماء نقماته وضروب عقابه، لأن عادته أن ينزلها من هناك، ولهذا قال : (أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ) فنبه به على ذلك.
    وتأويل قوله : (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ) أنه عالم بهما، حافظ عليهما عن التغير والزوال، مدبر لهما، ولهذا قال : (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ).
    وتأويل قوله : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أنه يرتفع الى حيث لا حاكم سواه، كما يقال في الحادثة (ارتفع امرها الى الأمير) اذا صار لا يحكم فيها سواه.
    وتأويل قوله : (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) خلقته أنا، فأكد ذلك بذكر اليدين، كما يقال للملوم : (هذا ما جنته يداك)، وكما قال : (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) - الأنفال 51 - و(بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) - الأعراف 57 -.
    وقيل : ان فائدة ذلك أنه تعالى خلقه ابتداء، لا تدريجاً، على حسب ما خلق ذريته من نطفة ثم درجه حالاً بعد حال.
    وتأويل قوله تعالى (يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) - في ذات اللّه وفي طاعة اللّه، كما يقال : (ملك فلان في جنب فلان مالاً فاكتسب جاهاً).
    وتأويل قوله : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ) - القلم 42 - يعني شدة أهوال يوم القيامة، كما يقال: (كشفت الحرب لنا عن ساقها).
    وتأويل قوله : (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) يعني نفسه، وهو كقوله : (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) - القصص 88 - وقد عبر عن نفسه بذكر الوجه، يقال : (هذا وجه الرأي) و(وجه الأمر) و(وجه الطريق)، وهذا ظاهر.
    وتأويل قوله تعالى : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) - المطففين 15 - أي لممنوعون من رحمته، لأن الحجاب منع، ولهذا يقال لمن يمنع الوصول الى الأمير إنه حاجب، وقال اصحاب الفرائض : إن الولد يحجب الأم عن الثلث الى السدس.
    وتأويل قوله تعالى : (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) - الفجر 23 - يعني أمر ربك كما يقال عند الاختلاف في مسألة نحو : (هذا سيبويه قد جاءنا) يعني كتابه ودلائله.
    وتأويل قوله تعالى : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) - المائدة 64 - نعمتاه، كما يقال : (لفلان عندي يد) و(يدان) و(أياد)، وأراد اللّه تعالى بذلك نعم الدنيا والدين،إبطالاً لقول اليهود : ان يده مغلولة، لأنهم أرادوا أنه بخيل يقتر الأرزاق على خلقه، ويبين ذلك قوله تعالى : (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًاً)، أراد أن انفق قصداً، لا إسرافاً ولا إقتاراً.
    وتأويل قوله تعالى : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) - القمر 14 - انها تجري ونحن بحالها عالمون، فكنّى بالأعين عن علمه بأحوالها، كما يقال : (هذا بمرأى من فلان ومسمع)، ويقال : (لفلان عين) اذا تجسس الخبر ليعرف، ويقال : (لا تفعل ذلك الا بعيني) أي بعلمي. إلى غير ذلك. وحمله على ظاهره يمتنع لأنه يوجب أن للّه عيوناً كثيرة، لا عينين - كما يزعمون.

    و بعد إستعراض الآيات مع تأويلاتها سنعرج على بعض النقاط بشكل سريع مدعمين أقوالنا بأدلة :

    أولاً: إن القول بالتجسيم و بالتشبيه ينافي الحقيقة القرآنية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
    ثانياً إن القول في الحيز ينافي أيضاً القرآن الكريم عوضاً عن مخالفته للعقل، فلو قيل بأن الله في السماء، فالسؤال الذي يطرح نفسه من الأكبر الله أم السماء ؟؟؟
    و على هذا المنوال، لو قيل بأن الله فوق أي فوق السماء السابعة كما يقول البعض فنقول له، هل هذا الفوق أكبر أم الله ؟؟؟ و أيضاً هناك سؤال يطرح نفسه هل هذا المكان قديم مع الله أم أن الله خلقه ثم إحتاج إليه ليستقر فيه. فمثل هذه الإستدلالات تسقط كل الحجج التي يقول بها أصحاب الحيزية على الله عزوجل.

    ثالثاً إن القول في مسألة الصفات ( و أقصد هنا الجوارح التي يطلقون عليها صفات كصفة اليد و الرجل و الساق، و ما إلى ذلك) و لو أنهم قالوا بأن له يد بلا كيف أو بلا تشبيه فإنهم يثبتون له اليد. و هنا علينا أولاً أن نتمعن في سورة عظيمة في القرآن الكريم ، ألا و هي سورة الإخلاص فقال فيها تبارك و تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقوله (أَحَدٌ) تعني مبالغة في الوحدة، و هذا يعني أنه تعالى واحد من جميع الوجوه لذاته، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن إلهاً، لأن كل ما هو مركب فهو مفتقر إلى أجزائه ، و أجزاؤه غيره، فيكون مفتقراً إلى غيره، فلم يكن واجب الوجود، و لا مبدء الكل ، و الأحدية التامة الخالصة عن ثوب الكثرة، كما توجب التنزه هن الجنس و الفصل و المادة و الصورة، و عن الجسمية و المقدارية و الأبعاض و الأعضاء و الألوان و سائر الكيفيات الحسية و الإنفعالية.
    و في النهاية نقول إن جازت الأعضاء على اللّه تعالى، على ما تعلقتم به، فيجب ان يكون بمنزلة الواحد منا، وأن يكون ذكراً أو أنثى، وأن يكون محتاجاً، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

    و يجب علينا أن نقارن بين بعض الأحاديث الواردة في التجسيم و بين روايات اليهود في هذا الأمر :
    جاء في العهد القديم (التوراة) :
    جاء في سفر التكوين، الاصحاح الاول: (وقال اللّه: نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا... فخلق اللّه الانسان على صورته، على صورة اللّه خلقه، ذكراً وانثى خلقهم).
    ونحن اذا رجعنا الى حديث ابي هريرة (خلق اللّه آدم على صورته)، نراه -وبوضوح - صدى للنص المذكور.
    وجاء في سفر التكوين، الاصحاح الثالث: (وسمعنا صوت الرب الاله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الاله آدم وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبأت).
    والنص واضح في دلالته على أن اللّه تعالى جسم له لوازم الجسم الانساني من المشي والصوت.

    وأيضاً في سفر التكوين، الاصحاح الحادي عشر: (وقالوا: هلم نبنِ لانفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء ونصنع لانفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر الى المدينة والبرج اللذين بنو آدم يبنونهما).

    ومثله في سفر الخروج ، الاصحاح التاسع عشر: (لانه في اليوم الثالث ينزل الرب امام عيون جميع الشعب على جبل سيناء... وكان جبل سيناء كله يدخن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار).

    وهنا أيضاً رجعنا الى حديث ابي هريرة (ان اللّه ينزل كل ليلة) وتمثيل ابن تيمية نزول الباري تعالى بنزوله من أعلى درج المنبر الى ما دونها نجد قول الاول وفعل الثاني صدىً بيّناً لهذين النصين.

    وفي سفر الخروج، الاصحاح الثالث عشر: (وقال لموسى: اصعد الى الرب أنت وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل. واسجدوا من بعيد، ويقترب موسى وحده الى الرب، وهم لا يقتربون، وأما الشعب فلا يصعد معه، ... ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل ورأوا إله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده الى اشراف بني اسرائيل فرأوا اللّه وأكلوا وشربوا).

    وفي السفر نفسه، الاصحاح الثالث والثلاثون: (فقال: أرني مجدك... وقال: لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الانسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى اجاز مجدي ان اضعك في نقرة من الصخرة وأَسْتُرُكَ بيدي حتى أَجتازُ، ثم ارفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يُرى).
    وهما - كما ترى - ناطقان بالرؤية وبوضوح.


    ويرجع تاريخ الوقوف في وجه هؤلاء المشبهة والاشارة الى تأثرهم بالفكر اليهودي الى عهد مبكر من تاريخ الفكر الاسلامي.
    و نهاية نستعرض كلمة الإمام الحسين (ع): (ايها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبّهون الله بانفسهم، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو اللّه ليس كمثله شيء، وهو السميع الخبير، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير).
    فما خاب من تمسك بهم و هم أهل القرآن و ترجمانه، و هو القرآن الناطق الذي يمشي على الأرض، فسلام الله عليهم حين ولدوا و سلام عليهم حين إستشهدوا و سلام عليهم حين يبعثون أحياءاً ، و صلى الله على خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين.

    تم بحمد لله و نعمته
     

مشاركة هذه الصفحة