التلذذ بمناجاة الحق عند القوم

الكاتب : الميزان العادل   المشاهدات : 1,685   الردود : 30    ‏2001-12-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-12-06
  1. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وحلاوة محامده تزداد مع التكرار، والشكر لله وفضله على من شكر مدرار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وآله وصحبه أقطاب الأقطار، ومن والاهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار، وبعد:

    "(أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يكون معظم قصدنا من قيام رمضان وغيره امتثال أمر الله عز وجل والتلذذ بمناجاة الحق لا طلب أجر أخروي ونحو ذلك هروبا من دناءة الهمة، فإن من قام رمضان لأجل حصول الثواب فهو عبد الثواب لا عبد الله تعالى، كما أشار إليه حديث: تعس عبد الدينار والدرهم والخميصة. اللهم إلا أن يطلب العبد الثواب إظهار الفاقة ليميز ربه بالغنى المطلق ويتميز هو بالفقر المطلق، فهذا لا حرج عليه، لكن هذا لا يصح له إلا بعد رسوخه في معرفة الله عز وجل بحيث يصير يجل الله تعالى أن يعبده خوفا من ناره أو رجاء لثوابه.

    فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حتى يدخله حضرة التوحيد فيرى أن الله تعالى هو الفاعل لكل ما برز في الوجود وحده، والعبد مظهر لظهور الأعمال إذ الأعمال أعراض وهي لا تظهر إلا في جسم، فلولا جوارح العبد ما ظهر له فعل في الكون ولا كانت الحدود أقيمت على أحد، فافهم.

    ومن لم يسلك على يد شيخ فهو عبد الثواب حتى يموت لا يتخلص منه أبدا، فهو كالأجير السوء الذي لا يعمل شيء حتى يقول لك قل لي إيش تعطيني قبل أن أتعب فأين هو ممن تقول له افعل كذا وأنا أعطيك كذا وكذا فيقول والله ما قصدي إلا أن أكون من جملة عبيدك، أو أن أكون تحت نظرك أو أن أكون في خدمك لا غير، أليس إذا اطلعت على صدقه أنك تقربه وتعطيه فوق ما كان يؤمل لشرف همته، بخلاف من شارطك فإنه يثقل عليك وتعرف أنت بذلك خسة أصله وقلة مروءته، ثم بعد ذلك تعطيه أجرته وتصرفه عن حضرتك، وربما انصرف هو قبل أن تصرفه أنت لعدم رابطة المحبة التي بينك وبينه، فما أقبل عليك إلا لأجرته، فلما وصلت إليه ونسيك ولا هكذا من يخدمك محبة فيك فاعلم ذلك.

    وسمعت سيدي عليا الخواص إذا صلى نفلا يقول أصلي ركعتين من نعم الله علي في هذا الوقت، فكان رضي الله عنه يرى نفس الركعتين من عين النعمة لا شكر النعمة أخرى فقلت له في ذلك فقال ومن أين يكون لمثلي أن يقف بين يدي الله عز وجل والله إني لأكاد أذوب خجلا وحياء من الله لما أتعاطاه من سوء الأدب معه حال خطابه في الصلاة، فإن أمهات آداب خطاب تعالى مائة ألف أدب، ما أظن أنني عملت منها بعشرة آداب، فأنا إذا وقفت بين يديه في صلاة أو غيرها من العبادات إلى العقوبة أقرب فكيف أطلب الثواب. وسمعته مرة أخرى يقول: يجب على العبد أن يستقل عبادته في جانب الربوبية ولو عبد ربه عبادة الثقلين بل ولو عبده هذه العبادة على الجمر من ابتداء الدنيا إلى انتهائها ما أدى شكر نعمة إذنه له بالوقوف بين يديه في الصلاة لحظة ولو غافلا، وكذلك ينبغي له إذا قلت طاعاته أن يرى أن مثله لا يستحق ذلك القليل، ومن شهد هذا المشهد حفظ من العجب في أعماله وحفظ من القنوط من رحمة الله تعالى. وقال له مرة شخص يا سيدي ادع لي، فقال يا ولدي ما أتجرأ أسأل الله في حاجة وحدي لا لنفسي ولا لغيري، اصبر حتى تجتمع مع الناس في صلاة العصر وندعو لك معهم في غمارهم.

    وسمعت أخي أفضل الدين يقول: والله إني لأقوم أصلي بالليل فأرى نفسي بين يدي الله كالمجرم الذي قتل النفس وفعل سائر الفواحش وأتوا به إلى الوالي يتلفه، وأرى الجميلة لله تعالى الذي أذن لي في الوقوف بين يديه ولم يطردني في جملة واحدة كما طرد التاركين للصلاة. وسمعته مرة أخرى يقول: من شرط الكامل في الطريق أنه يكاد يذوب حياء من الله تعالى إذا تلا كلامه وإن كان الله تعالى قد أذن في تلاوة كلامه للكبير والصغير ولكن من شرط العارف أن لا يتلو كلامه إلا بالحضور معه تعالى، لأن قراءة كلامه مناجاة له تعالى وكيف حال من يناجي رب الأرباب وهو غافل، فوالله لو رفع الحجاب لذاب كل تال للقرآن كما أشار إليه قوله تعالى: {إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا}. وقوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}. وهنا أسرار يذوقها أهل الله تعالى لا تذكر إلا مشافهة لأهلها. وسمعت أخي الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يقول أيضا: من شرط الفقير أن يرى نفسه كصاحب الكتبة من الحشيش واللواط والزنا وغير ذلك، فإذا قال له شخص من المسلمين ادع لي يكاد يذوب حياء وخجلا لأن معاصيه مشهودة له على الدوام.

    ورأيته مرة في وليمة فقال له شخص من العلماء، ادع الله لي فصار يعرق جبينه ولم يقدر ينطق من البكاء وقال لي ما كان إلا قتلني هذا. ولما أراد التزوج عرض عليه الناس بناتهم فكان كل من خطبه لابنته يقول يا أخي بنتك خسارة في مثلي فلم ير نفسه أهلا لواحدة يتزوجها، ثم قال لي: ما رأيت يقارب شكلي ورذالتي إلا عرب الهيتم الذين يطوفون على أبواب الناس يأكلون الطعام الذي يصبه الناس على المزابل في أقنية بيوتهم رضي الله عنه. وقد قلت مرة لصاحب كتبة ادع لي فاستحيى وعرق جبينه وقال يا سيدي لا تعد من فضلك تقول لي ذلك تؤذيني، فإني والله لما قلت لي ادع لي رأيت نفسي كيهودي قال له شيخ الإسلام ادع لي.

    وكان سيدي أبو المواهب الشاذلي يقول حكم الملك القدوس أن لا يدخل حضرته أحد من أهل النفوس. وكان سيدي إبراهيم الدسوقي يقول: لا تبرز ليلى لمن يطلب على الوقوف بين يديها عوضا منها وإنما تبرز لمن يرى الفضل والمنة لها التي أذنت له في الوقوف بين يديها. وكان يقوم من كان الباعث له على حب القيام بين يدي الله تعالى في الظلام لذته بمناجاته فهو في حظ نفسه ما برح، لأنه لولا الأنس الذي يجده في مناجاته ما ترك فراشه وقام بين يديه، فكأن هذا قام محبة في سواه وهو لا يحب من أحب سواه إلا بإذنه، فإن الأنس الذي يجده في قلبه سواه بيقين. وكان يقول: ما أنس أحد بالله قط لعدم المجانسة بينه وبين عبده بوجه من الوجوه، وما أنس من أنس إلا بما من الله تعالى من التقريب الإلهي، لا بالله تعالى.

    ومن هنا قامت الأكابر حتى تورمت منهم الأقدام لعدم اللذة التي يجدونها في عباداتهم، فإن اللذة تدفع الألم فلا يتورم لهم أقدام، فاعلم أن عبادتهم لله تعالى محض تكليف لا يدخلها اللذة، ولو دخلها لذة لكانوا عبيدها وهو مطهرون مقدسون عن العبودية لغير الله تعالى.

    فاسلك يا أخي الطريق على يد شيخ حتى يخرجك من العلل وتصير تأتي العبادات امتثالا لأمر ربك لا غير ولا تريد بذلك جزاء ولا شكورا.

    وقد سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: إذا وقع لأحدكم تقريب في المواكب الإلهية فلا يقتصر على الدعاء في حق نفسه فيكون دنئ الهمة وإنما يجعل معظم الدعاء لإخوانه المسلمين. وقد من الله تعالى علي بذلك ليلة من الليالي لما حججت في سبع وأربعين وتسعمائة، فمكثت في الحجر أدعو لإخواني إلى قريب الصباح، فأعطاني الله تعالى ببركة دعائي لهم نظير جميع ما دعوته لهم بسهولة، ولو أني دعوت ذلك الدعاء لنفسي لربما لم يحصل لي ذلك، فالحمد لله رب العالمين.

    وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله يقول: لا تقتصروا في قيام رمضان على العشر الأواخر من رمضان، بل قوموه كله واهجروا نساءكم فيه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فإني رأيت ليلة القدر في ليلة السابع عشر منه قال: وقد أجمع أهل الكشف على أنها تدور في ليالي رمضان وغيره ليحصل لجميع الليالي الشرف، وبه قال بعض الأئمة أي إنها تدور في جميع ليالي السنة فإذا تمت الدورة افتتحت دورة ثانية، هكذا سمعته يقول: وظواهر الأدلة كلها يعطي تخصيصها بشهر رمضان وهو المعتمد فاعلم ذلك. {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}. (العهود المحمدية ج1 ص15-16)

    نسأل الله العلي القدير أن يبلغّنا وإياكم وجميع المسلمين، ليلة القدر وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الفضيل...اللهم آمين بجاه حبيبك سيدّ الأنبياء والمرسلين..

    خادمكم/ الميزان العادل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-12-06
  3. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    الله يبارك فيك على هذا الدرس القيم

    الله يرزقنا واياك هذا التلذذ
    ذكرتنا اسيادنا ايها الميزان ارجوك الاكثار من هذا.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-12-07
  5. الرياحى

    الرياحى عضو

    التسجيل :
    ‏2001-10-18
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    شرك الأغراض

    شكرا اخي الميزان العادل على هذا الموضوع القيم ...
    فليعلم الجميع أن هذا الكلام ليس للعامة وأنما هو للخاصة ..الذين يرون أن الله تعالى هو الفاعل لكل ما برز في الوجود وحده، والعبد مظهر لظهور الأعمال إذ الأعمال أعراض وهي لا تظهر إلا في جسم، فلولا جوارح العبد ما ظهر له فعل في الكون ولا كانت الحدود أقيمت على أحد، فافهم.
    وأقصد هنا بشرك الأغراض ..أي أنك تطلبه وتناجيه لغرض في نفسك أيا" كان ..دنيوي أو أخروي وهذا
    الشرك دقيق الملاحظة لايعرفه العوام وأنما يعرفه الرجال.. اللهم أجعلنا من الذين يناجونك ويذكرونك
    أبتغاء وجهك الكريم.اللهم أني أعوذ بك من أشرك بك شيئا وأنا أعلم...
    وشكرا جزيلا أيها الميزان العادل على هذا الموضوع العالي الرباني .!
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-12-08
  7. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    لبيّك يا أخوتي الأحباء...يا أهل الذوق والصفاء

    بـيان الأسباب التي بها يتيسر قيام الليل:

    اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً.

    فأما الظاهرة فأربعة أمور:

    الأول: أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام. كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فترقدوا كثيراً فتتحسروا عند الموت كثيراً. وهذا هو الأصل الكبـير وهو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام.

    الثاني: أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب فإن ذلك أيضاً مجلبة للنوم.

    الثالث: أن لا يترك القيلولة بالنهار فإنها سنَّة للاستعانة على قيام الليل .

    الرابع: أن لا يحتقب الأوزار بالنهار، فإن ذلك مما يقسي القلب ويحول بـينه وبـين أسباب الرحمة. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد إني أبـيت معافى وأحب قيام الليل وأعدّ طهوري فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتك.

    وكان الحسن رحمه الله إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون.

    وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل وما ذاك الذنب؟ قال: رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي هذا مراء.

    وقال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة وهو يبكي فقلت أتاك نعي بعض أهلك؟ فقال: أشد؛ فقلت: وجع يؤلمك؟ قال: أشد؛ قلت: فما ذاك؟ قال: بابــي مغلق وستري مسبل ولم أقرأ حزبـي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته. وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر والقليل من كل واحد منهما يجرّ إلى الكثير.

    ولذلك قال أبو سليمان الداراني: لا تفوت أحداً صلاة الجماعة إلا بذنب. وكان يقول الاحتلام بالليل عقوبة والجنابة بعد. وقال بعض العلماء: إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر وعلى أي شيء تفطر، فإن العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه ولا يعود إلى حالته الأولى.

    فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل، وأخصها بالتأثير تناول الحرام. وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له.

    ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة؟ وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة. وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات. وقال بعض السجانين: كنت سجاناً نيفاً وثلاثين سنة أسأل مأخوذ بالليل إنه هل صلى العشاء في جماعة فكانوا يقولون: لا؟ وهذا تنبـيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطي الفحشاء والمنكر.

    وأما الميسرات الباطنة فأربعة أمور:

    الأول: سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع وعن فضول هموم الدنيا فالمستغرق الهم بتدبـير الدنيا لا يتيسر له القيام، وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته ولا يجول إلا في وساوسه وفي مثل ذلك يقال:

    يخبرني البوّاب أنك نائمُ *** وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائمُ

    خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل، فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره كما قال طاوس: إنّ ذكر جهنم طير نوم العابدين. وكما حكي أن غلاماً بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله فقالت له سيدته: إنّ قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار، فقال: إنّ صهيباً إذا ذكر النار لا يأتيه النوم. وقيل لغلام آخر وهو يقوم كل الليل فقال: إذا ذكرت النار اشتدّ خوفي وإذا ذكرت الجنة اشتدّ شوقي فلا أقدر أن أنام.

    وقال ذو النون المصري رحمه الله:

    منع القران بوعده ووعيده *** مقل العيون بليلها أن تهجعا
    فهموا عن الملك الجليل كلامه *** فرقابهم ذلت إليه تَخَضُّعا

    وأنشدوا أيضاً:

    يا طويلَ الرقادِ والغفلات *** كثرةُ النّوم تورث الحسراتِ
    إن في القبرِ إنْ نزلت إليه *** لرقاداً يطول بعد المماتِ
    ومهاداً ممهداً لك فيه *** بذنوب عملت أو حسناتِ
    أأمنت البـيات من ملك الموت *** وكم نال آمناً ببـياتِ

    وقال ابن المبارك:

    إذا ما اللَّيلُ أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وَهُمُ ركوعُ
    أطار الخوف نومهم فقاموا *** وأهل الأمنِ في الدنيا هجوعُ

    (إحياء علوم الدين للغزالي ج1 ص319)

    يتبع إن شاء الله....

    خادمكم / الميزان العادل
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-12-08
  9. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    تكملة ما سبق...

    الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة من درجات الجنان؛ كما حكي أن بعض الصالحين رجع من غزوته فمهدت امرأته فراشها وجلست تنتظره، فدخل المسجد ولم يزل يصلي حتى أصبح فقالت له زوجته: كنا ننتظرك مدة فلما قدمت صليت إلى الصبح؟ قال: والله إني كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة طول الليل، فنسيت الزوجة والمنزل فقمت طول ليلتي شوقاً إليها.

    الرابع: وهو أشرف البواعث؛ الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج ربه وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه، وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه، فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به وتلذذ بالمناجاة فتحمله لذة المناجاة بالحبـيب على طول القيام. ولا ينبغي أن يستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل.

    فأما العقل: فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أن كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته حتى لا يأتيه النوم طول ليله.

    فإن قلت: إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه وإن الله تعالى لا يرى؟ فاعلم أنه لو كان الجميل المحب وراء ستر أو كان في بـيت مظلم لكان المحب يتلذذ بمجاورته المجردة دون النظر ودون الطمع في أمر آخر سواه. وكان يتنعم بإظهار حبه عليه وذكره بلسانه بمسمع منه، وإن كان ذلك أيضاً معلوماً عنده.

    فإن قلت: إنه ينتظر جوابه فيتلذذ بسماع جوابه وليس يسمع كلام الله تعالى؟ فاعلم أنه إن كان يعلم أنه لا يجيبه ويسكت عنه فقد بقيت له أيضاً لذة في عرض أحواله عليه ورفع سريرته إليه. كيف والموقن يسمع من الله تعالى ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته فيتلذذ به؟ وكذا الذي يخلو بالملك ويعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه. والرجاء في حق الله تعالى أصدق وما عند الله خير وأبقى وأنفع مما عند غيره، فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات؟

    وأما النقل: فيشهد له أحوال قوّام الليل في تلذذهم بقيام الليل واستقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبـيب حتى قيل لبعضهم: كيف أنت والليل؟ قال: ما راعيته قط يريني وجهه ثم ينصرف وما تأملته بعد.

    وقال آخر: أنا والليل فرسا رهان مرة يسبقني إلى الفجر ومرة يقطعني عن الفكر. وقيل لبعضهم: كيف الليل عليك؟ فقال: ساعة أنا فيها بـين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء وأغتم بفجره إذا طلع، ما تم فرحي به قط.

    وقال علي بن بكار: منذ أربعين سنة ما أحزنني شيء سوى طلوع الفجر. وقال الفضيل بن عياض: إذا غربت الشمس فرحت بالظلام لخلوتي بربـي، وإذا طلعت حزنت لدخول الناس عليَّ. وقال أبو سليمان: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال أيضاً: لو عوض الله أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم.

    وقال بعض العلماء: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة. وقال بعضهم: لذة المناجاة ليست من الدنيا إنما هي من الجنة أظهرها الله تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم، وقال ابن المنكدر: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث. قيام الليل ولقاء الإخوان والصلاة في الجماعة.

    وقال بعض العارفين: إن الله تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنواراً فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين.

    وقال بعض العلماء من القدماء: إن الله تعالى أوحى إلى بعض الصدّيقين إن لي عباداً أحبهم ويحبونني، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ويذكرونني وأذكرهم، وينظرون إليَّ وأنظر إليهم فإن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك، قال يا رب وما علامتهم؟ قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جهنم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبـيب بحبـيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوا إليَّ بإنعامي، فبـين صارخ وباكي وبـين متأوّه وشاكي بعيني ما يتحلمون من أجلي وبسمعي ما يشتكون من حبـي. أوّل ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم. والثانية: لو كانت السموات السبع والأرضون السبع وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم. والثالثة: أقبل بوجهي عليهم أفترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟

    وقال مالك بن دينار رحمه الله: إذا قام العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز وجل. وكانوا يرون لا يجدون من الرقة والحلاوة في قلوبهم والأنوار من قرب الرب تعالى من القلب وهذا له سر وتحقيق ستأتي الإشارة إليه في كتاب المحبة.

    وفي الأخبار عن الله عز وجل: «أي عبدي أنا الله الذي اقتربت من قلبك وبالغيب رأيت نوري» وشكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهر الليل وطلب حيلة يجلب بها النوم فقال أستاذه: يا بني إن لله نفحات في الليل والنهار تصيب القلوب المتيقظة وتخطىء القلوب النائمة فتعرّض لتلك النفحات؛ فقال: يا سيدي تركتني لا أنام بالليل ولا بالنهار.

    واعلم أن هذه النفحات بالليل أرجى لما في قيام الليل صفاء القلب واندفاع الشواغل. وفي الخبر الصحيح عن جابر بن عبد الله عن رسول الله أنه قال: «إِنَّ مِنَ اللَّيْل سَاعَةً لاَ يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى خَيْراً إِلاَّ أَعْطاهُ إِيَّاهُ» . وفي رواية أخرى: «يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه وذلك كل ليلة». ومطلوب القائمين تلك الساعة وهي مبهمة في جملة الليل كليلة القدر في شهر رمضان، وكساعة يوم الجمعة وهي ساعة النفحات المذكورة والله أعلم.

    (إحياء علوم الدين للغزالي ج1 ص319)

    خادمكم / الميزان العادل
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-12-09
  11. الجزري

    الجزري عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-11-01
    المشاركات:
    320
    الإعجاب :
    0
    الله يبارك فيك على هذا الدرس القيم

    الله الله الله أتحفنا ايها الميزان العادل والله انا بشوق لاتعرف عليكم عن قرب لا اراك الا تصاحب العارفين.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2001-12-09
  13. الرياحى

    الرياحى عضو

    التسجيل :
    ‏2001-10-18
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    نحسبه أنه من العارفين بالله

    ولانزكي على الله احدا ولكن قلبي يقول أن الميزان العادل من العارفين بالله وأشك أيضا أنه من((بيت النبوة )) والله أعلم .
    أستمر بارك الله فيك وأيدك بالحق وأيد الحق بك.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2001-12-10
  15. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    اللهم إجعلني عند حسن ظنّهما بي.....

    أخي الحبيب / الجزري

    لقد أصبت في فراستك، فمن نعم الله الكثيرة عليّ ، أن منّ وأفضل وتكرّم عليّ بمعرفة بعض من أوليائه المقرّبين، سادتي وتيجان رأسي..الذين تشرّفت بخدمتهم والحضورعند عتبات مجالسهم للإقتباس من أنوارهم وإمدادهم، وأحمد الله العلّي القدير على تلكم النعم والعطايا بجميع محامده ما علمنا منها وما لم نعلم، وأسأله أن يديمها ويمددنا بمددهم وينفعنا ببركاتهم وأسرارهم في الدنيا والآخرة، وإياكم وجميع المسلمين والمسلمات، اللهم آمين بجاه سيّد المرسلين صلّى الله عليه وآله وسلم.

    ورحم الله من قال:

    صحبة الصالحين بلسم قلبي *** إنها للنفوس أعظم راقي

    ورحم الله الآخر:

    إذا لم أجد خلاّ تقيّا في وحدتي *** فوحدتي ألذّ وأشهى من غويّ أعاشره
    وأجلس وحدي للعبادة آمنا *** أقرّ لعيني من جليس أحاذره

    وفي هذا الكفاية... فالظهور يقصم الظهور !!!



    أمّا أخي الحبيب / الرياحي

    أسأل الله العلي القدير أن يجعل الفقير عند حسن ظنّك به، والناس مؤتمنون على أنسابهم فالفقير لم ينل شرف الإنتساب إلى بيت النبوة الطاهر تناسلا، ولكن في آفاق "أنت مع من تحب" أنتسب هياما ووجدانا للحبيب الأعظم الذي إليه(سبحانه تبارك وتعالى) دعانا....، اللهم إنّا نسألك إيمانا لا يرتد ونعيما لا ينفذ ومرافقة نبيك محمد صلّى الله عليه وسلّم في أعلى درج الجنة...جنة الخلد، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وافعل كذلك بمن أحببناهم فيك ومن أحبّنا فيك وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات...

    إلهي لست لمعرفتك أهلا *** ولا أقوى على نار الإنتظار
    فهب لي من بركاتك فتحا *** أصل به إليك دون إنتظار

    وأستغفر الله العظيم ممّا لا تعلمونه عنّي، اللهم استرنا بسترك الجميل في الدنيا والآخرة

    خادمكم / الميزان العادل
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2001-12-10
  17. الادريسي

    الادريسي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-11-21
    المشاركات:
    50
    الإعجاب :
    0
    أخي الحبيب الميزان العادل

    أن الانتساب لأهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام يكون بالنسب والمحبة كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور ( لسلمان الفارسي )
    سلمان منا أهل البيت
    وجزاك الله خير على محبتك لاهل بيت رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2001-12-14
  19. الميزان العادل

    الميزان العادل عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-09-04
    المشاركات:
    336
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا يا سيدّي الفاضل الإدريسي...

    ولا يقول ما قلته إلا أهل الكرم والجود...أهل بيت النبي صلّى الله عليه وسلّم، تشرّفنا بكم يا سادة بررة...

    حبّ أهل البيت فرض عندنا *** وبهذا الحب لا نخشى الفتنا

    خادمكم المحبّ / الميزان العادل
     

مشاركة هذه الصفحة