صـفـحات مـن التاريخ اليمني... الـعـمـيد يـحـيـى الـمتـوكـل قـصـة كـفـاح اسـتثنـائـيـة

الكاتب : Time   المشاهدات : 8,106   الردود : 26    ‏2004-11-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-30
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004

    المتوكل .. قصة كفاح إستثنائية
    [​IMG]
    نقلا عن موقع الفقيد يحيى المتوكل
    -المقدمة-
    بقلم: صادق ناشر
    المشرف على موقع المتوكل
    [align=right]
    قبل أكثر من عامين اتصلت بالراحل العزيز يحيى المتوكل ، كان الهدف من الاتصال إجراء حوار صحافي، وكان يعتقد ، كما عرفت بعد وصولي إلى منزله العامر ، أن اللقاء سيكون ككل اللقاءات السياسية التي أجريتها معه في فترة سابقة ويجريها معه آخرون ، لكنه لم يكن يعلم أنني جئت غازياً وطامعاً على غير كل مرة .

    قلت له حينها إنني أريد نبش دفاتره القديمة وذاكرته التي كانت لا تزال حية تختزن مئات ، بل آلاف الأسرار ، وأريد منه حواراً مختلفاً هذه المرة ، ابتسم كعادته ، وقال لي إنه مستعد لأي حوار ، يومها مهدت لغزوتي بحديث مطول عن حوارين كنت قد أجريتهما مع الشيخ سنان أبو لحوم وعبدالسلام صبرة ونشرا في " الخليج " تحت عنوان " شهادات القرن " ، ولم يكن الراحل بحاجة إلى مزيد من الشرح ، فقد كان مستوعباً المهمة التي جئت من أجلها .

    الذين اقتربوا من يحيى المتوكل يعلمون جيداً كيف كان يتعامل مع ضيوفه ، وأنا هنا لن أضيف شيئاً جديداً إلى ما يعرفه الكثيرون عن يحيى المتوكل ، الإنسان المتواضع أشد التواضع ، المحب لغيره أشد الحب ، الرقيق في تعامله مع الناس أشد الرقة ، فقد كان رحمه الله شديد الإقتراب من مشاعر الناس ، ولم يحدث أن أشعر ضيفه بغير مشاعره الحقيقية ، لأنه في الحقيقة لم يكن يتصنعها .

    تحت هذه المشاعر والضيافة الكريمة احتضننا ركن منزو من منزله في لقاءات دامت لمدة سبع ساعات تقريباً في أربع جلسات ولأيام مختلفة شعرت خلالها أنني أعيش الثورة اليمنية بتفاصيلها لحظة لحظة ، وأتعرف على الإنسان والقرية والمدينة والشوارع والشخصيات التي كان لها إسهام كبير في تفجير ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة .

    كان يحيى المتوكل في الحوار بمثابة كتاب مفتوح ، قلبت أوراقه من مختلف الزوايا ، وأعترف هنا أنني تجاوزت قراءة بعض الصفحات ، لأنني لم أكن أعلم أن لحظة رحيله ستكون قريبة .

    وبعدما أفرغت ما بجوف الأشرطة من حديث وقمت بطباعته أعدته إليه ليقوم بمراجعته ، وأشه هنا أن المتوكل لم يغير شيئاً مما قاله في الأشرطة ، لكنه أضاف أسماء شخصيات نساها في الحديث وكان حريصاً على إعطائها حقها من الوفاء .

    وعندما عدت إليه بعد أشهر من نشر الحوار في " الخليج " وإعادة نشره في " الأيام " قلت له إن الحوار أثار الكثير من الإرتياح في أوساط السياسيين وعامة الناس ، وأن لدي الرغبة في إصداره في كتاب ، قال لي بحنان الأب إنه شعر بهذا الإرتياح ، وقد قرر قبل مجيئي إليه الحديث معي حول نفس الفكرة ، لكنه قال إن علي الإنتظار قليلاً ليجهز نفسه ونعيد قراءة الأوراق التي تجاوزناها في كتاب حياته المليئة بالأحداث المتلاحقة .

    وتتابعت الأحداث وجاءت محنة رحيل نجله الأكبر أحمد لتعيق مشروعي ، فقد كنت أشعر بالحزن في عينيه وفي نبرات صوته ، على الرغم من أنه كان حريصاً على عدم إظهار ذلك أمام الناس ، ثم جاءت النكبة الأخرى التي هزت الراحل ، وتمثلت في رحيل الأمين العام المساعد للحزب الإشتراكي اليمني جارالله عمر ، والذي كان له بمثابة التوأم السياسي .

    وفي آخر اتصال لي به عندما كان في تعز قبل حادثة رحيله بأيام قليلة لم يكن هناك من قضية في حديثنا القصير سوى قضية مقتل جارالله عمر .

    وفي صباح ذات يوم الثالث عشر من شهر يناير الماضي والذي صادف يوم الإثنين الأسود ، وهو اليوم نفسه الذي شهد أحداث الثالث عشر من شهر يناير من العام 1986 في مدينة عدن حمل لي الأستاذ محمد غالب أحمد خبر رحيل المتوكل المفاجئ فدارت بي الدنيا وبكيت .

    لم استوعب الصدمة يومها ، وأعدت شريط العلاقة الجميلة التي حظيت بها مع الراحل الأحب طوال علاقة امتدت لأكثر من 12 عاماً ؛ فقد كان أول سياسي من العيار الثقيل أتعرف عليه بعد قيام دولة الوحدة وأقترب منها كل هذا الإقتراب ، شريط من الذكريات واللقاءات لا يمكن أن يمحى من الذاكرة مهما مرت عليه السنوات .

    اليوم رحل المتوكل ، هذه حقيقة لا يمكن نكرانها أو القفز عليها ، لكن المتوكل الشهم لا يزال يعيش بين جوانحي وفي كل مشاعري ، عندما رحل المتوكل شعرت أنني فقدت شيئاً غالياً في حياتي ، فلم تكن علاقتي بالمتوكل مجرد علاقة صحافي بسياسي كبير ، بقدر ما كانت علاقة أب بإبنه ، فأنا لن أنسى مواقفه الداعمة لي لترتيب أمور حياتي ، فقد كان ، كما كان جارالله عمر رحمه الله كثير السؤال عن أخباري وأخبار أسرتي بين وقت وآخر .

    رحل المتوكل وترك في قلوبنا غصة ، فيما تحجرت الدموع في مآقيها ، صحيح أن الناس يرحلون ، إلا أن رحيل المتوكل فاق كل الصدمات التي تعرضت لها في حياتي ، لا زلت أتذكر الساعات الطويلة التي قضيناها في الحوار وخارج الحوار ، لا زلت أتذكر ضحكته المجلجلة البريئة التي كانت تعبر عن صدق في المشاعر وحب الحياة .

    اليوم أعيش هذه الذكريات وفي أغلب الأحيان أبكي ، فقد خسرت واحداً من أحب الناس إلى قلبي وأصدقهم إلى نفسي ، كان أكثر الناس نبلاً في المشاعر وصدقاً في التعامل ، فلم يكن ينظر إلى اللون السياسي للذي يقف أمامه ، لم يكن يضع أصدقائه وخصومه معاً في المربع السياسي كما كان يعمل البعض .

    كان الإشتراكي لديه ، كما هو حال المؤتمري أو الإصلاحي أو الناصري والبعثي ، لذلك عندما رحل بكاه الجميع أحزاباً وأفراداً ، فما أن يذكر يحيى المتوكل حتى يبدأ الجميع بسرد ذكرياتهم معه ، يتذكرون الذكريات الجميلة التي جمعتهم به ولحظات الصدق التي تعامل بها معهم .

    الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ هو خلاصة لمسيرة كفاح لحياة المتوكل تمتد من الأربعينات إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي ، فيها الكثير من المحطات الهامة التي تعكس حالة البؤس التي عاشتها اليمن في فترة ما قبل الثورة وما بعدها .

    في الحوار نجد يحيى المتوكل شاهداً حياً ومشاركاً في قلب الأحداث ، بدءاً من دخوله كلية الطيران ، مروراً بإلتحاقه بتنظيم الضباط الأحرار ومساهمته في قيام الثورة وصولاً إلى التحديات الكبيرة التي عاشتها الثورة في أحلك ظروف اليمن ، فقد كان المتوكل في قلب الأحداث والمعارك في مختلف الجبهات للذود عن الثورة ، الصمود في وجه الملكيين أثناء حصار صنعاء ، وفي السلم كان المتوكل رجل سلم ، قاد مع محسن العيني لواء المصالحة الوطنية لعودة اللحمة اليمنية التي تمزقت أوصالها في الحرب اللعينة وفي الحرب الأهلية الأخيرة كان المتوكل صاحب رؤية ناضجة تسعى إلى الحل وتجنب الحرب .

    في الحوار قدم شهادات لا يمكن أن يقدمها إلا يحيى المتوكل ، وتبقى شهاداته عن مرحلة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي واحدة من الشهادات القليلة جداً التي تنشر عن هذه المرحلة الهامة من تأريخ اليمن .

    عندما كان يصل مع أصدقائه إلى طريق مسدود كان يفضل الإنسحاب إلى الخارج حتى لا يخسرهم ويخسروه ، حدث ذلك أكثر من مرة ، بخاصة مع صديقه إبراهيم الحمدي وفي أكثر من مرحلة ، وعمل سفيراً في القاهرة ، باريس وواشنطن وغيرها ، وفي كل مرة كان المتوكل صاحب النظرة الثاقبة للأحداث .

    كان المتوكل في الحوار صادقاً مع نفسه ومع محاوره ومع التأريخ ، وعندما نشرت المقابلة في " الخليج " ومن ثم " الأيام " شعرت كم كان الرجل عظيماً ، وكم كانت ردود الأفعال عليها مبهجة ، كان ربما ذلك مصدر سرور لي أكثر ، لأن هذه المقابلة أو " الشهادة الإستثنائية " كما أسميتها في الحوار ، منحتني مزيداً من الثقة في التعامل مع الحوارات التي أجريتها مع آخرين .

    ومن الصدف الغريبة التي حركتها حادثتا إغتيال جارالله عمر ورحيل يحيى المتوكل أنني أجريت الحوارين معهما في وقت واحد ، لم يفصل بينهما سوى أيام قليلة فقط ، لكن نشر المقابلتين تمتا بزمنين مختلفين ، فقد شاءت الصدف أن تنشر " الخليج " حوار المتوكل بعد إرساله بثلاثة أسابيع ، لكنها أجلت حوار جارالله عمر إلى ما بعد يوم من إغتياله ، وحتى اللحظة لم أعرف السبب وراء هذا التأجيل .

    في مثل هذا الوقت الفاجع بعد رحيل المتوكل أشعر وكأن شيئاً ما انتزع من حياتي ، صحيح أن الأعمار بيد الله ، لكن القدر كان أسرع هذه المرة وخطف الأحبة واحداً تلو الآخر .

    صحيح أن الموت حق ، إلا أنه خطف منا أجمل الناس الذين كانوا يضيفون إلى حياتنا شيئاً من البهجة .

    رحل المتوكل هامة شامخة يسبقها حب الناس وودهم ، رحل في وقت كنا في أشد الحاجة إليه ، لكن عزاؤنا في نجليه محمد وعلي الذين سيرثان المتوكل السياسي ، المتوكل الحكيم ، وعزاؤنا في الأفكار التي أبقاها الرجل مغروسة في حياتنا ، وفي الجيل الجديد الذي لم يتعرف على الثورة أكثر من تعرفه عليها من المتوكل .

    أيها الراحل الخالد ، ها أنت قد رحلت وتركت لنا حسرة وألماً ودموعاً وذكرى ، يوم ما سنلقاك ونعيد الذكريات ونروي لك صور الوفاء التي عبر عنها الناس يوم ووري جثمانك الطاهر الثرى في مقبرة الشهداء .

    الوفاء لك أن نتمثل أفكارك ونستلهم من سفر نضالك الطويل زاداً لمواصلة النضال من أجل غد لليمن واليمنيين ، كما كنت تتمناه .

    أيها الغالي ، أيها الحبيب الأعز ، رحلت دون وداع وتركت لنا الدموع ، لكنك باق حياً في القلوب ، فلك الرحمة كل الرحمة ولنا الصبر كل الصبر على تحمل هذا الرحيل الفاجع .

    28 فبراير 2003
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-30
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    تــقــديــم
    المتوكل .. الإنسان النموذج
    عبدالله سلام الحكيمي
    عندما اتصل بي أخي الحبيب وأستاذنا الكبير صادق ناشر يخصني بشرف كبير أعتز به كثيراً ، وهو كتابة مقدمة لكتاب يعده للنشر حول الراحل الكبير يحي محمد المتوكل رحمة الله الواسعة تغشاه وجدت نفسي وسط حالة من الحيرة المستبدة والاضطراب والتشتت النفسي والفكري ليومين متتاليين عاجزاً عن الكتابة ، لا أعرف ماذا وكيف أكتب ولا أين أبدأ وإلى أين أنتهي وماذا آخذ وماذا أدع ، وهو ما اضطرني , على غير إرادة مني , إلى عدم التمكن من الوفاء بالوعد الزمني الذي التزمت به لأستاذي الفاضل صادق ناشر ، الذي آمل أن يعذرني عليه .

    لقد وجدت نفسي أمام رجل لا ككل الرجال وشخصية فذة ومتميزة بل تكاد تكون متفردة في جوانبها المتعددة وطبيعتها ومزاياها وصفاتها المتكاملة والمتناغمة في سياق ونسيج واحد من السمو والنبل والخلق الرفيع , مقترناً بقدرة وكفاءة عالية ومتميزة تثير الإعجاب والدهشة في آن معاً من حيث منهجها الأدائي المبدع والخلاق والمقتدر , جعلت منه نموذجاً للقائد والزعيم المثالي .

    يحي المتوكل الإنسان ويحي المتوكل المناضل الجسور ، يحي المتوكل القائد العسكري ، ويحي المتوكل القائد السياسي ، يحي المتوكل القائد الوطني ذو المنطلقات القومية والأفاق الإنسانية ، يحي المتوكل القدوة المثلى في الحب والتسامح والآلفة , الماقت للعنف والتطرف والقتل وسفك الدماء والكراهية ، يحي المتوكل التواضع الجم والبساطة العظيمة ، يحي المتوكل الوفاء والصفاء والنقاء ، يحي المتوكل الأمانة والصدق والنزاهة والمسؤولية .

    يحي المتوكل ، هذا العلم الشامخ تجسدت واختلطت وامتزجت فيه أشواق وتطلعات وخصائص وآمال شعب بكامله , حتى لكأنه أصبح الفرد شعباً والشعب فرداً , إذا ذكر الفرد أو حضر ذكر الشعب أو حضر , وإذا ذكر الشعب أو حضر اتجهت الأنظار تلقائياً إلى الفرد .

    إن سر عظمة الراحل يحي المتوكل يكمن في حقيقة أنه كان قد تبلور , على نحو واضح , من حيث علم أم لم يعلم , كرمز وطني عام , هكذا اعتبرته كل القوى السياسية في الساحة تقريباً على اختلاف وتباين توجهاتها ومواقعها وخياراتها السياسية والفكرية , وتعاملت معه وتجاهه وفقاً لتلك القناعة كرمز وطني عام , وأعتبر على نحو أو آخر , مرجعية سياسية مرشدة لها جميعاً .

    حتى وهو قيادي بارز في تنظيم سياسي حاكم , إلا أنه ومن خلال مواقفه ونهجه وتعاملاته المبدئية الثابتة ومصداقيته استطاع أن يكسب ثقة واحترام وتقدير القوى السياسية العاملة في الساحة , حيث كانت كل واحدة منها تتعامل معه في ظل شعور مبهم وغير مباشر وكأنه جزء منها أو معبر عنها , ونظرت إليه جميعها باعتباره ضمانة وصمام أمان لها عندما تثور العواصف والزوابع السياسية الهوجاء والمجنونة .

    ولعل هذه الحالة النادرة التي لا ينالها سوى قلة قليلة من الزعماء والقادة التاريخيين قد عكست تأثيراتها على جماهير الشعب اليمني على امتداد أرض وطنه , من خلال الشعبية الواسعة التي حظي بها المتوكل , فتجده محبوباً ومحل كل الاحترام والتقدير لدى المواطنين في عدن وحضرموت ، كما هو أو أكثر في صنعاء وذمار , وفي لحج وأبين وشبوه كما هو أو أكثر في صعدة والجوف والمحويت , وفي تعز وإب والحديدة كما هو أو أكثر في حجة والمهرة , حتى بدا الأمر وكأن مناطق بلادنا تتسابق وتتنافس فيما بينها للتعبير عن حبها الأكبر والأوسع !

    وبإمكاننا القول , بأمانة وتجرد , إن مثل ذلك الإجماع السياسي ومشاعر الحب والاحترام الجماهيري واسع النطاق , لم ينله قبل الراحل العظيم يحي المتوكل , سوى قلة قليلة جداً من زعمائنا وقادتنا الوطنين يعتدون بأصابع اليد الواحدة .

    والمدهش , حقاً , لم يحتل مثل تلك المكانة الرفيعة والمرموقة على الصعيدين السياسي والشعبي , من خلال موقعه وإنجازاته كحاكم أو مسئول أول في رأس الدولة , إذ أنه لم يكن كذلك , بل من خلال مواقفه ومبادئه وسلوكه وأدواره ومصداقيته وكنموذج وقدوة أكمل وأمثل للقائد الذي يتطلع الشعب إليه ويتمناه لقيادته ومسيرته الوطنية .

    ومهما تحدثنا وأطلنا الحديث عن يحي المتوكل فإننا لن نستطيع أن نوفيه حقه وما يستحقه , فكلما مرت الأيام وما فيها من أحاديث الذكريات تكشف أمامنا المزيد والمزيد من الجوانب الخفية عنه وهي كثيرة , غير أن المقابلة الصحفية التاريخية والضافية والشاملة التي أجراها أستاذنا القدير صادق ناشر , ونشرتها صحيفة " الخليج " الإماراتية في ست حلقات متتالية وموسعة بدءأً من تاريخ 7 ديسمبر عام 2000 تحت عنوان " يحي المتوكل في شهادة يمنية استثنائية " وأعادت نشرها محلياً صحيفة " الأيام " و " الجمهورية " ، هذه المقابلة بالغة الأهمية هي أفضل من يقدم لنا إطاراً عاماً لشخصية يحي المتوكل وما تتصف وتتحلى به من سجايا وسمات وصفات وخصائص فريدة ومتميزة لا تجتمع إلا في قائد فذ , وهي التي كونت وصنعت ذلك المجد السياسي والشعبي واسع النطاق وعميق الجذور وقوي الأسس , والذي سيبقيه حاضراً وخالداً لأجيال عديدة قادمة .

    في تلك المقابلة الشاملة والتي تضمنت شهادة يحي المتوكل على قضايا وأحداث ومجريات تاريخية , تعد من اكثر مراحل تاريخنا الوطني أهمية ودقة وحساسية وخطورة , وهي الفترة الممتدة من نهاية عقد الأربعينيات من القرن العشرين المنصرم وحتى مطلع القرن الواحد والعشرين يوم إجراء المقابلة نهاية العام 2000 , وهي فترة كان يحي المتوكل فيها , شاهداً ومعاصراً ومشاركاً وفاعلاً في دوامة أحداثها وأعاصيرها ورياحها العاصفة الهوجاء ومؤثراً في مسارها وتطوراتها .

    في هذه المقابلة , الشهادة التاريخية ، تجلت شخصية يحي المتوكل كأروع وانصع التجلي وأصدقه ، ولأن الحديث فيها كان تلقائياً ومباشراً وشفوياً وعفوياً , فقد ظهر فيها بدون أية رتوش أو محسنات أو اعتبارات مفتعلة , وبدت لنا شخصيته على طبيعتها وعرفنا من خلالها يحي المتوكل أنه شاهد يحرص على أقصى درجات الأمانة والدقة والصدق , متجرداً إلى أقصى الحدود عن عواطفه وقناعاته وآرائه الشخصية في روايته للأحداث ومسارها وملابساتها وأسبابها وعواملها , بعيداً عن أساليب العسف ولي عنق الحقائق وتطويعها لتلائم الأحكام المسبقة .

    منصف في ذكر وإبراز أدوار ومساهمات وجهود غيره من الذين صنعوا الأحداث وأداروها , خلال تلك المرحلة التاريخية بالغة الدقة والحساسية , وخاصة فترة الإعداد والتحضير لقيام ثورة 26 سبتمبر 1962 الخالدة , وما تلاها من أوضاع وظروف وملابسات واختلافات وانشقاقات .

    لقد وجدنا الراحل في المقابلة ، كما كانت حياته ، حريصاً على تفادي النهج الغالب على حياتنا العامة في نكران أدوار الآخرين وتضحياتهم ومساهماتهم أو إهمالها والتقليل من شأنها تحت تأثير عواطف أو قناعات مسبقة أو حساسيات وخلافات شخصية أو اعتبارات وأهواء مناطقية أو سياسية أو طبقية .

    مترفع عن كل أساليب السباب والتجريح والإساءات تجاه الآخرين , والحديث عن الجميع بلغة أخلاقية راقية ورفيعة حتى تجاه من اختلف معهم أو من يمكن اعتبارهم خصوماً أو أعداء سياسيين ، بل أن اكثر ما يلفت النظر أن حديثه وشهادته عنهم آتت بقدر ملحوظ من الاحترام والتقدير بل والحب والتسامح , وتلك صفة لا يقوى عليها سوى العظماء .

    وطني غيور وشديد الشعور والإحساس بحجم الواجب والمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقه , وهو شعور وإحساس يصل أحياناً إلى حد الإدمان أو الإفراط , إن جاز التعبير , والتزامه الوطني بات مختلطاً بدمه ولحمه ونخاع عظمه , ولهذا فانك تجده وتراه دائماً يتعامل ويعالج القضايا والمشكلات والأزمات الكبيرة والخطيرة بمواقف وآراء مبدئية ثابتة وحاسمة تتأسس وتبنى وتتجه صوب تغليب المصالح الوطنية دون اعتبار للاعتبارات والمصالح السياسية والحزبية والشخصية الضيقة , وبسعي دؤوب وإيمان صادق بأهمية وضرورة إسهام ومشاركة الشعب , بقواه ومنظماته السياسية والحزبية والاجتماعية والمدنية , دون إبعاد أو إقصاء أو تهميش , في أعباء ومسؤوليات ومهام العمل الوطني العام بكافة مجالاته ومستوياته انطلاقاً من إيمانه الراسخ بان الوطن حق للجميع ومسؤولية بنائه ونهضته يجب أن يتحملها الجميع .

    كان يحيى المتوكل رافضاً لكلما من شأنه جر العمل الوطني العام والقوى الوطنية الفاعلة والانحراف بها إلى دروب فرعية وهامشية تشغل تفكيرها وتهدر قواها وطاقاتها وتبدد جهودها في مهاترات وصراعات ومكايدات ومزايدات ومناكفات سياسية تافهة وسطحية وغير مجدية , وعمل بكل جهده وطاقته على دعوة الجميع وحثهم على الارتقاء والارتفاع إلى مستوى المسئولية الوطنية وتوجيه وتوظيف كل القوى والطاقات لتفعيل وتقوية وتوسيع نطاق دورهم وتأثيرهم في مجرى ومسيرة العمل الوطني السياسي العام بلوغاً بها إلى تحقيق الأهداف والتطلعات والآمال الشعبية في التقدم والرقي والنهوض الشامل , وعدم الانجرار إلى سفائف الأمور والدروب الفرعية الهامشية التي تهدر الطاقات وتشتت القوى وإضعاف الدور في ما هو غير مجد ولا يفيد .

    تلك هي أهم وأبرز معالم شخصية يحي المتوكل الفذ والمتميز , كما أبرزتها المقابلة الصحفية , وقد تناغمت وتكاملت مع معلم آخر مهم من معالم شخصيته والمتمثل في قوة وصلابة موقفه ورأيه حين يتعلق الأمر بالمبادئ والمصلحة الوطنية فهو حينها لا يساوم ولا يهادن ولا يتراجع , بل يتمسك بموقفه ويعمل بكل قواه من أجل تحقيقه ببراعة وحنكة سياسية مقتدرة وعالية المستوى .

    ذلك هو يحي المتوكل كما عرفته وخبرته الساحة السياسية , وكما رأته وأحببته وتعلقت الجماهير به ، رحل عن دنيانا وغاب بكيانه المادي ليبقى حياً وخالداً فينا بقيمه وأخلاقياته ومبادئه قدوة أمثل يترسم خطاها قادة المستقبل وبنائه .

    وجميلاً صنع أستاذنا الفاضل صادق ناشر بمبادرته إلى إصدار هذا الكتاب وفي هذا الوقت بالذات عن يحي المتوكل , تلك لفتة وفاء وعرفان مليئة بالدلالات والمعاني والأبعاد .

    إنها ترجمة عملية لعمق مشاعر حب الجماهير وتعلقها برمزها المتألق الذي رحل .

    لقد توارى ولكن ليظهر ..

    وأبتعد ولكن ليقترب ..

    ومات ولكن ليحيا ..


    فرحمة الله ورضوانه تغشاه في عالم الخلود
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-11-30
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل الاول

    من شهارة إلى صنعاء


    * لو أردنا التعرف على يحي المتوكل ، النشأة الأولى والبيئة التي جاء منها ، فماذا يمكن أن يقول عنها؟

    ـ ولدت في مدينة شهارة بمحافظة حجة العام 1943 ، وكان والدي يومها يعمل كحاكم شرعي ، وقد نشأت في بيئة غريبة ، إذ كان معظم الرجال من سكان المدينة يعملون في مدن أخرى ، إما جنوداً أو موظفين أو عمالاً ، ولم يكن يسكن هذه المدينة إلا الأطفال والنساء والشيوخ .

    في هذه الأجواء كان المجتمع منغلقاً والحياة كانت محدودة ، وقد تعلمت في السنوات الأولى من حياتي الكثير من خلال احتكاكي بحياة القرية خارج مجتمعي ، خاصة عندما كنت أذهب إلى المنطقة الريفية الزراعية المحيطة بشهارة ؛ ففيها كانت البدايات الأولى لتعرفي واحتكاكي بعالم الرجال والأخبار حيث كان المجتمع منفتحاً وبسيطاً بعكس مجتمع شهارة المتزمت المتقوقع .

    تعليمي الأولي أخذته في مكتب ( مدرسة ) شهارة ، واقتصر على تعليم القرآن الكريم ومبادئ الدين ، وعند ما بلغت السابعة أو الثامنة ، انتقلت إلى حيث كان يعمل والدي في مدينة المحابشة بمحافظة حجة ، وهناك وجدت بيئة أخرى أكثر انفتاحاً وأقل انغلاقاً من شهارة ، حيث السكان ينعمون بمستوى أفضل من المعيشة والعمل والخضرة تعم البلاد وأثر ذلك إيجاباً على حياتي وعلى تفكيري .

    بوجه عام كان الفقر المدقع هو الحالة السائدة في مجتمعنا ، وكان الناس يناضلون من أجل هدف واحد ، هو الكد من أجل لقمة العيش ، لكن البيئة التي اكتشفتها في المحابشة تختلف عن شهارة فمجتمع المحابشة منفتح وله عادات وتقاليد مختلفة ولهجة وملابس أخرى ، وذلك على الرغم من أن البعد الجغرافي بين المدينتين ، لم يكن يتجاوز 30 كيلومتراً ، لكن هذه المسافة كانت تأخذ حينها نهاراً كاملاً وأحياناً نهارين للمسافرين بين المدينتين ، كما كانت أنماط الحياة وتقاليد المجتمع تختلف من منطقة إلى أخرى نتيجة للانغلاق الذي كان سائداً ومتغلغلاً في حياة اليمنيين قبل الثورة .

    في المحابشة كان المجتمع يضم كافة الطبقات ، خاصة طبقة التجار ، ولأنها كانت تقع وسط مناطق زراعية خصبة ؛ فقد كانت بمثابة وعاء لحركة واسعة تجارية وزراعية وحكومية .

    وفي المحابشة تعلمت الكثير ، ففيها عرفت لأول مرة بوجود عالم خارجي أو عالم أعظم وأكبر من العالم الذي كنا نعيش فيه ، وقد كان ذلك عن طريق الاستماع إلى الراديو والذي لم يكن منتشراً وكنا كأطفال ، نجتمع ونسترق السمع إليه في منزل أحد التجار الذين كانوا يجلبون البضائع من عدن .



    * كيف تعاملتم مع الراديو لأول مرة .. ما الذي أحدثه فيكم ؟

    ـ لقد أتيح لي سماع الراديو لأول مرة عند أحد التجار في مدينة المحابشة الذي كان يملك جهاز راديو وقد كان الاستماع إليه يتم عبر استراق السمع من خلف النوافذ أو دفع مبلغ يصل إلى ثلاث بقش على ما أتذكر لمن يريد الاستماع إلى الراديو داخل المنزل ، حيث كان يسمح بالدخول إلى الديوان الذي كان جهاز الراديو موضوعاً فيه بعد دفع المبلغ .

    كان الهدف لدى التاجر هو الكسب المادي فيما كان هدفنا نحن هو إشباع الفضول بالاستماع إلى الجهاز المعجزة ( الراديو ) الذي كان بالنسبة لنا نوعاً من الخيال ، وكنا نتساءل كيف يتكلم الجماد وتصدر منه أصوات وموسيقى ؟.

    من خلال الاستمرار في الاستماع إلى جهاز الراديو بدأت أتطلع إلى هذا العالم البعيد الذي كنت أسمع عنه الكثير ، وكان الراديو بمثابة وتر يشدني إليه ، والأمر لم يكن ينطبق علي وحدي بل على كل الأطفال والكبار على السواء .

    وعندما أكملت ( ختمت ) القرآن دراسة وقراءة التحقت بمدرسة الجامع وهي في الحقيقة مدرسة دينية كنت أحرص على مساءلة معلمنا رجل الدين عن هذا العالم البعيد الذي نسمع عنه بواسطة الراديو .

    لم يكن الشيخ المتزمت يرتاح لمثل هذه الاستفسارات ، وكانت إجاباته تحثنا على الامتناع عن سماع الراديو ، لأن ذلك حرام ، وكان يقول إن هذا الذي نسمعه في الراديو هو نوع من السحر ، الذي يفترض من الدولة أن تمنعه .

    كان هذا المنطق هو السائد في أوساط المجتمع في مطلع الخمسينات ، وهو يعكس حالة الانغلاق الذي كانت تعيشه اليمن ، وخاصة في المناطق الشمالية النائية على عكس صنعاء وتعز مثلاً التي كان لها بعض الصلة بمدينة عدن وشرق أفريقيا ؛ ففي المناطق الشمالية كانت الأبواب مغلقة ولم يكن سكانها يخرجون للتعرف على العالم إلا عند الحج ، ولهذا كان دخول الراديو إلى مجتمعنا بمثابة زلزال أحدث تأثيرات كبيرة جعلت الناس يقفون منها بين مندهش ومعجب وبين مستنكر ومكفر .

    أما على الصعيد السياسي فقد كانت طلائع الشباب والمثقفين في المدن الكبيرة تعيش أحزان فشل ثورة 1948 ، وسقوط قادتها بين شهيد وسجين ، لكن عامة الناس في بعض المناطق وخاصة الشمالية كانت لا تدرك معنى الثورة ولا تخفي رضاها لأن الإمام أحمد يومها انتصر على الدستوريين وأعدم من أعدم ، وهي حالة لا تستطيع أن تلوم أحداً عليها ، لأن الأوضاع طبعت الناس بذلك الطابع الذي كانت تسود فيه عوامل الجهل والتخلف والاعتقاد الشعبي الراسخ بعدالة الإمام ووجوب طاعته .



    * كيف جئتم إلى صنعاء لأول مرة ؟
    ـ في بداية عام 54 ذهب أخي أحمد ( سفير اليمن الحالي في البحرين ) إلى صنعاء لغرض الدراسة ، وفي بداية 1956 جاء من صنعاء لزيارتنا ، وأصررت على أن أذهب معه إلى صنعاء للدراسة ، وقد شجعني والدي الذي كان يتبع أسلوباً حازماً في تربيتنا ؛ فقد كان على كل واحد من أخوتي عند بلوغه سن السادسة عشرة أن يغادر الأسرة ليتدبر أموره بنفسه للعمل أو للدراسة ، ولهذا فقد شجعني والدي على السفر ، على الرغم من أن سني حينها لم يتجاوز الرابعة عشرة .

    وصلت إلى صنعاء بعد سفر شاق دام أربعة أيام ركوباً على حمار ومشياً على الأقدام ، وقد وجدتها أقل مما كنا نتصورها أو نسمع عنها ؛ فالمدينة كانت خالية من السيارات ومن المارة باستثناء سكانها المحدودين كما لم تكن هناك أية حركة تجارية أو ثقافية بما يتناسب مع عاصمة البلاد ، وكان المبرر لهذا الجمود أنه بعد أن انتقل الإمام أحمد إلى تعز انتقلت معه الحياة التجارية والسياسية إليها .

    المكان الوحيد الذي تميز بالنشاط والحركة وبحضور يمني من مختلف مناطق اليمن هو المدارس التي نشأت في مطلع الخمسينات ، والتي كان يشرف ويدرس فيها مدرسون مصريون وهذه المدارس هي : المدرسة المتوسطة ، المدرسة التحضيرية ، المدرسة الثانوية والمدرسة العلمية ، وهذه المدارس كانت في الحقيقة تسير على منهج علمي حديث يشرف عليه المدرسون المصريون ما عدا المدرسة العلمية التي كانت تعتمد المنهج الديني .

    وبرغم حداثة المنهج وعدم تكامله ، إلا أنها كانت الخطوة الأولى على طريق التعليم الحديث ، كما أن الألعاب الرياضية صارت ضمن قرارات المدارس الجيدة ، ودخلت إلى الحياة اليمنية لأول مرة عبر بعثة الجامعة العربية التي أحضرت وسائل رياضية ومدربين ، وكان ذلك أول نشاط ملموس للجامعة العربية ربما ظل أفضل ما قدمته الجامعة حتى اليوم.

    كان خريجو مدرسة الأيتام يذهبون إلى المدرسة المتوسطة ومن المتوسطة كان يذهب الطلاب إلى المدرسة التحضيرية أو إلى الثانوية ، وقد أنشئت المدرستان في تلك الفترة كمدارس داخلية لتستقبل الطلاب خريجي المتوسطة أو الطلاب الذي يأتون من الريف والذين يجري إعدادهم وتأهيلهم قبل انضوائهم في الفصول الدراسية .



    * بالنسبة لكم .. أين وجدتم أنفسكم ؟

    ـ التحقت مباشرة بالمدرسة التحضيرية وكان تحصيلي العلمي يؤهلني لأن أكون فيها على إعتبار إجادتي اللغة العربية وعلوم الدين ، وقبل انتسابي إلى المدرسة التحضيرية كنت مخيراً بين الذهاب إلى المدرسة التحضيرية أو المدرسة العلمية ( مدرسة دينية ) ، التي كان يستمر المنهج فيها بين سبع وعشر سنوات ؛ ففضلت المدرسة التحضيرية على العلمية بدافع التطلع إلى المعارف الجديدة والعلوم الحديثة .

    في المدرسة التحضيرية وجدت في الدروس والمناقشات التي كنا نجريها مع المدرسين المصريين ضالتي التي كنت أنشدها في البحث عن العلوم الحديثة ، مثل علوم الفيزياء والرياضيات والعلوم الحديثة ، إضافة إلى اللغة الإنجليزية والبرامج الرياضية وصرت أقضي النهار والليل في الدراسة ، حيث مكنني ذلك من استيعاب تلك العلوم بصورة سريعة ، وأصبحت الأول في صفي الدراسي وهو ما ساعدني في المراحل اللاحقة على مواصلة التعليم الثانوي بتفوق .

    من جهة أخرى فإن المدرسة التحضيرية ، وهي داخلية كونت لدينا نحن الطلاب الذين جئنا من مختلف مناطق اليمن وخاصة الشمالية ، رابطة متينة وقوية كرسناها في التعاون على اكتساب العلم والتمرد على التقاليد البالية وعلى كل شيء يقيدنا أو يحد من حريتنا والتعاضد في مواجهة السلطات .

    وكان إعجابنا شديداً بالمدرسين المصريين ولهم يعود الفضل في إندفاعنا للقراءة ومتابعة الأحداث والتفاعل معها ، وتعلم تاريخ نضال الشعب اليمني خاصة ثورة 1948 الدستورية وتاريخ حركة التحرر العربية والإستعمار ، كما أن زملاءنا المتقدمين بالدراسة لم يكونوا زملاء فحسب ، بل كانوا المعلمين الحقيقيين ؛ فقد كانوا يقومون بتعليمنا الرياضيات واللغة والفيزياء والعلوم المختلفة ، وأثناءها كان يتم جرنا بهدوء لتعليمنا أبجديات السياسة وإشكالية القضية اليمنية ، خاصة وأننا جميعاً جئنا من الريف ، حيث ساد الجمود والتخلف والولاء الأعمى للإمام ، وحيث يوصف بالجنون والزندقة من يقول علناً إن الإمام ظالم أو أن الحكم متخلف أو غير ذلك .

    وأمام أطروحات هؤلاء الزملاء الذين يكبروننا بسنوات كنا نقبلها ونتحمس لها سواء من منطلق الحقائق التي نراها تتجسد أمامنا أو من منطلق المقارنة الذي كانت تدور في أذهاننا بين الوضع الذي كنا نراه في صنعاء حينها والحالة التي كنا نسمع أو نقرأ عنها سواء مصر أو بلدان العالم المتقدمة .

    في نهاية 1957 أغلقت المدرسة التحضيرية وانتقلنا إلى المدرسة الثانوية ، وكنت حينها في الصف الثالث ، واكتشفت أنه لا فرق بين الدراسة في الثانوية والتحضيرية ، وجاءت امتحانات نهاية السنة فاحتفظت بالمركز الأول في الفصل ، ونمت علاقات ترابط وثيقة مع زملائنا الجدد في الثانوية بإعتبارنا طليعة شبابية واعدة ، وكان للرواد الأوائل فضل في إرشادنا وتوثيق علاقاتنا النضالية والدراسية ، رغم أن السلطة كانت تهدف إلى إثارة الخلافات بين طلاب المدرستين .



    * هل تتذكرون بعضاً من هؤلاء ؟
    ـ أذكر من هؤلاء العميد علي قاسم المؤيد ، عبدالله الأبيض ، محمد مهدي العلفي ، عبدالله عجلان ، الأستاذ عبدالوهاب جحاف ، عبدالرحمن المؤيد ، المرحوم الشهيد علي عبدالمغني ، الشهيد محمد مطهر وآخرون .



    * كيف كان شكل التواصل بينكم ؟
    ـ كانت الدروس الإضافية على يد زملائنا المتقدمين في المدرستين والألعاب الرياضية خير وسيلة للتواصل فيما بيننا ، وقد أثمر هذا التواصل وقوفنا صفاً واحداً في رفض ومقاومة محاولة سلطات الأمن اعتقال زميلنا علي عبدالمغني بعد تنظيم اجتماع لطلاب الثانوية والتحضيرية في ميدان المدرسة الثانوية للتعبير عن مناصرتنا لمصر بعد العدوان الثلاثي عليها العام 1956 ، حيث أرادت السلطات اعتقال عبدالمغني فخرجنا جميع طلاب المدرستين في مظاهرة احتجاج عارمة انتهت بنا إلى الإعتصام خلف سور المدينة من جهة ( باب الروم ) ، وتم الاعتصام في منطقة زراعية خالية جوار الإذاعة وبقينا معتصمين ثلاثة أيام .

    وبعد أخذ ورد مع الحكومة أوقفت ثمانية طلاب منهم علي عبدالمغني ، وعدنا إلى المدارس بعد أن قمنا بأول تظاهرة واعتصام سياسي مناهض للنظام في ذلك الوقت .

    وكانت هذه المظاهرة واحدة من البدايات الأولى لمناهضة النظام الإمامي ، وكانت أول تحرك سياسي للطلاب وكان له صدى كبير لدى المواطنين ، ناهيك عما أثاره من انزعاج وقلق لدى سلطات الإمام .



    * ماذا كانت مطالب الطلاب في هذه المظاهرة ؟
    ـ في البداية كانت احتجاجاً على محاولة اعتقال علي عبدالمغني بحجة قيامه بتنظيم الإحتفال الطلابي لمناصرة مصر خلال عدوان عام 1956 ، ثم تحولت إلى المطالبة بتحسين مستوى المعيشة في المدارس والأوضاع السياسية في البلاد .

    وكانت هذه المظاهرة الخطوة الجريئة الأولى في التعبير عن السخط العام من قبل طلاب المدرستين على النظام قبل أن يلتحق زملاؤنا في الصفين الثالث والرابع من المدرسة الثانوية والتحضيرية بالكلية الحربية ( الدفعة الأولى ) .



    * هل بدأتم يومها الإنتظام في حلقات حزبية مثلاً ؟
    ـ لا ، لم نكن في فترة الالتحاق في الكلية الحربية قد وصلنا إلى مستوى تكوين حلقات حزبية ، ولكن وضعنا ثقتنا في زملائنا الرواد الذين كانوا قيادتنا الحقيقية في المدرسة الثانوية والمدرسة التحضيرية ، والذين انتقلوا بدورهم إلى الكلية الحربية ، وكانت الخميرة الأولى للعمل المنظم وللثورة وقد بدأت خلال تلك الفترة ، لكنها لم تكن قد تبلورت لتصبح عملاً حزبياً منظماً.



    * وماذا عملتم بعد إكمالكم المرحلة الثانوية ؟
    ـ بعد إكمالي للدراسة الثانوية العام 1958 ، وجدت نفسي كمن وصل إلى المحطة الأخيرة في رحلة قصيرة على القطار ، حيث اكتشفت أن هذه المحطة ليست الهدف الذي كنت أطمح للوصول إليه ، وبدأت أتساءل : إلى أين أذهب ؟ ؛ إذ لم تكن توجد جامعة في ذلك الوقت ولا معاهد ولا فرص عمل ، والفرصة الوحيدة التي أتيحت لي بعد التخرج هي الذهاب إلى الصين لدراسة الطب ، ولكني لم أكن أمتلك المال الكافي لإعداد نفسي للسفر ، ولا الحماس لدراسة الطب ، وبالتالي اضطررت للعودة إلى قريتي لزيارة الأسرة ثم العودة إلى صنعاء من جديد للبحث عن فرصة أخرى للخروج إلى الخارج أو الالتحاق بزملائي في الكلية الحربية .

    بعد عودتي إلى صنعاء وجدت زملائي ممن تخرجوا من الثانوية أو من طلاب السنة الثانية والثالثة قد اختيروا أثناء غيابي للالتحاق بالدفعة الأولى لكلية الشرطة والدفعة الأولى لكلية الطيران وخلت مدرستي من الطلاب ما عدا طلاب الصفين الأول والثاني ثانوي ، وأحسست بالضياع وخيبة الأمل .

    بعد تفكير قررت الذهاب إلى المشير عبدالله السلال ، رحمه الله ، الذي كان يومها مديراً لكلية الطيران التي تم إنشاؤها لتدريب طيارين عسكريين يمنيين لقيادة وتشغيل الطائرات التشيكية الثلاثين من ذات المحرك الواحد والتي جاءت ضمن الصفقة التشيكية لليمن .

    كتبت رسالة إلى السلال أشرح له ظروف غيابي في الإجازة السنوية ، وطلبت منه قبولي في كلية الطيران وكان السلال كريماً معي ، ووافق على التحاقي بالكلية ، على الرغم من مرور شهر أو شهر ونصف على بدء التدريب ، وكان قبولي مشروطاً بإجراء اختبار لي مع سبعة من المستجدين من قبل المدربين المصريين الذين كانوا على مستوى عال من الكفاءة ، وأتذكر منهم العقيد طيار حسن إبراهيم ، ولحسن حظي نجحت في امتحان القبول وانضممت إلى الكلية فوراً .

    وكانت رؤية الطائرات وهي جاثمة في المطار الجنوبي حينها ( ميدان السبعين حالياً ) ، بالإضافة إلى روح الحماس البادي على المدربين المصريين يشعل فينا روح التحدي والإصرار على تعلم الطيران ، وعلى الرغم من صغر أعمارنا وضعف ونحالة أجسادنا من سوء التغذية ؛ فقد باشرنا التدريب على الطيران بحماس وهمة أثارت دهشة وإعجاب المدرسين والطيارين المصريين .



    * لماذا وقع اختياركم على الرئيس السلال وليس على غيره لحل مشكلتكم ؟
    ـ اخترت السلال ، لأنه كان مديراً لكلية الطيران ، وبدون ذلك كان علي أن آتي بأمر من البدر بصفته المسؤول الأول في صنعاء ، ويومها كنا جميعاً كطلاب ننأى بأنفسنا عن اللجوء إلى الإمام أو إلى أبنائه ، كما أن السلال كان حينها من القيادات العسكرية العليا التي تحظى بالإحترام ومن ثوار 1948 ، وكان يتمتع بسمعة حسنة في أوساط الضباط .



    * كيف سارت الأمور في الكلية .. فقد حدثت لكم انتكاسات ؟
    ـ كان التحاقي بكلية الطيران أواخر العام 1958 ، وفي عام 1959 بعد أن قطعنا شوطاً لابأس به في التدريب على الطائرات ، جاء قرار الإمام المفاجئ بطرد المدربين والمدرسين المصريين من كلية الطيران ومن الكلية الحربية ؛ فإذا بنا نجد أنفسنا فجأة بلا حاضر ولا مستقبل ؛ فبعد أن كنا على وشك بدء الطيران الفعلي ، إذا بنا نخسر كل شيء مرة واحدة وتضيع جهودنا التي بذلناها في دراسة الطيران والتدريب العسكري هباءً ويضيع معها أملنا في المستقبل ، وكان قرار الإمام رد فعل على ما أشيع عن دور المصريين في أحداث صنعاء عند وجوده فيها .

    لكنني لا أنسى أن المشير عبدالله السلال كان له الفضل في بقاء هذه المجموعة في كلية الطيران التي لم يكن عدد أفرادها يتجاوز الستين طالباً ؛ فبرغم طرد المدربين المصريين وقرار إغلاق الكلية ، إلا أن السلال قرر إبقاءنا في الكلية ، حتى يتمكن من إقناع الإمام بإعادة فتحها ، ولتغطية تكاليف معيشتنا وجه ببيع براميل الوقود الفارغة التي كانت موجودة في المطار والخاصة بالطائرات ، على أن تصرف عائداتها لتوفير الغذاء لطلاب الكلية .

    مع ذهاب المصريين انقطعت مرتباتنا ، وكانت معيشتنا تزداد سوءاً ، وكان السلال شجاعاً عند اتخاذه لهذا القرار الجريء ، واعتقد أنه أقنع البدر بذلك القرار حتى تهدأ ثائرة أبيه واستمر هذا الوضع نحو 6 أو 7 أشهر ، وبعد طول انتظار للفرج بدون نتيجة قمنا بمسيرة إلى البدر لكي نقدم له رسالة احتجاج ونطالبه فيها بإعادة فتح الكلية وتزويدنا بالمدرسين أو إحالتنا إلى أي مجال للعمل .

    يوم المسيرة تحركنا من ميدان السبعين الذي كان مقراً للكلية إلى منزل البدر الصيفي بالروضة مرددين الأناشيد والهتافات الحماسية ، وعندما وصلنا إلى قصر الروضة استقبلنا مستشار ولي العهد البدر ، وكان يومها العميد عبدالله الضبي والذي كان يعتبر من أفضل الضباط إلى جانب السلال .

    أدخل الضبي رسالتنا إلى البدر في الوقت الذي كنا لا نزال ننشد فيه الأناشيد الحماسية في حوش القصر ، وعندما عاد الضبي بجواب البدر ، قال لنا إذهبوا وأقرأوا الجواب في مكان آخر ، لأنه كان على علم بمحتوى الجواب وبأنه سيتسبب في استيائنا وربما إقدامنا على ارتكاب حماقات قد تجر علينا وبالاً .



    * وهل كان الجواب مزعجاً فعلاً لكم ؟

    ـ نعم فقد جاء في رسالتنا إلى البدر أنه إذا كنتم لا تريدون لأبنائكم أن يتعلموا وتخافوا أن يصبحوا طيارين فيمكن أن تحولونا للعمل في الإنشاءات أو في أي مجال آخر نكسب منه عيشنا .

    وقد كتب البدر في الرسالة ما يلي : " الأخ مدير الإنشاءات لا مانع من إلحاقهم للعمل بطريق صنعاء الحديدة " ، وعندما قرأنا الرسالة جن جنوننا ، وقررنا العودة من جديد إلى القصر في حالة هياج شديد ، لكننا منعنا من الدخول ، وقالوا لنا إن البدر قد غادر إلى صنعاء ، وعدنا نجر ذيول الخيبة ، وشعرنا أن الدنيا قد أظلمت فعلاً وأن الأمل انتهى بالنسبة لنا.



    * وكيف تصرفتم أمام هذا الموقف ؟
    ـ انقسمنا حينها إلى قسمين : الأول كان لا يريد مواصلة الدراسة ويريد العودة إلى قريته وأهله ، والقسم الثاني كان مصراً على العودة إلى كلية الطيران لمواصلة الدراسة ، وكانت الأغلبية مع الخيار الثاني ، الذي لم يعد متاحاً ، ولكنه كان مجرد أمل ، كما أن المبنى الذي يسمى " كلية الطيران " كان مجرد عنابر صغيرة نعتبرها المأوى الذي لا مكان لنا غيره خاصة للطلاب القادمين من الريف .



    * إلى أي قسم انضم يحي المتوكل ؟
    ـ أنا وعدد كبير من الزملاء فضلنا العودة إلى كلية الطيران ؛ فلم يكن لنا مكان نأوي إليه في صنعاء وعاد بعدنا عدد آخر من الفريق الأول ، واستمر وضعنا على هذه الحالة مدة شهر ، وبعدها فوجئنا بمجيء عدد من المدربين الروس الذين كانوا متخصصين في مجال المظلات وليس الطيران ، ولم يكن لدينا خيار آخر سوى القبول بالمنهج الجديد لتعليم فن القفز بالمضلات ؛ فذلك كان الوسيلة الوحيدة للاستمرار في السلك العسكري .

    وسررنا بإعادة فتح الكلية وجاء القرار مصحوباً بتعيين العميد محمد صالح العلفي محل المشير عبد الله السلال كمدير لكلية الطيران ، وكان العلفي يتمتع بثقة الإمام أكثر من السلال ، وهو عسكري محترف من الدرجة الأولى ، لكنه لم يكن مقبولاً لدينا بمستوى قبولنا للمشير السلال على الأقل من الوهلة الأولى ، حيث كان المشير السلال يتمتع بحبنا بفضل وقوفه في صفنا عندما قرر الإمام إغلاق الكلية .

    ومع مجيء العلفي بعثوا إلينا بأربعة ضباط من زملائنا السابقين ، الذين تخرجوا من الكلية الحربية ( الدفعة الأولى ) ، وهم العميد علي قاسم المؤيد والعميد أحمد نصر ، الشهيد قاسم الأمير والشهيد طيار محمد الديلمي للالتحاق بإدارة الكلية وللمشاركة في التدريب الجديد .

    وبقدر ما كانت خيبتنا شديدة لغياب السلال وإلغاء التدريب على الطيران ، بقدر ما كانت المفاجأة سعيدة وطيبة عندما جاء المدربون الروس لتدريبنا ؛ فقد كانت مستويات التدريب والتعليم عالية ساعدتنا على التغلب على حالتنا السيئة ، خاصة بعد أن أكدوا لنا أننا سنتخرج كضباط في المظلات والمستويات تؤهلنا للتدريب والقيادة ، واستطاع كبير المدربين إقناع السلطات بتحسين تغذيتنا لرفع مستوى لياقتنا البدنية استعداداً للتدريب على المظلات وحصلنا على مستوى متميز في التغذية والملابس ، مقارنة بالكلية الحربية .

    وفتح لنا هذا الوضع آفاقاً أخرى سياسية وثقافية ، حيث أتيحت لنا عن طريق الحوارات مع الضباط الروس فرصة أكبر لمعرفة شؤون العالم ، وبالذات تاريخ الحرب العالمية الثانية ، بالإضافة إلى الوضع العالمي والشيوعية والإمبريالية والاستعمار ، وكانت هذه الحوارات بمثابة توعية سياسية كان الإمام بطرده المصريين يظن أنه قد أغلق الباب لنا ، ولكنه بمجيء الروس فتح بابا أوسع وأشمل للثقافة العالمية في تلك المرحلة .

    وبإرشاد وتعاون الإخوة الزملاء خريجي الكلية الحربية الذين كانوا يشاركون في تعلمنا الفنون العسكرية بدأت صلاتنا بإخواننا في الكلية الحربية تتعمق ، ولقاءاتنا أثناء نشاطاتنا المشتركة تزداد وذلك في الوقت الذي بدأ الأخوان الخطوات الأولى لتكوين الخلايا الحزبية لتنظيم الضباط وتكوين منظومات صغيرة بين أوساط الكلية الحربية ، وخاصة المتعلمين والمعروفين بمواقفهم الوطنية وانضممت إلى خلية تنظيمية كان رئيسها الأخ المناضل صالح الأشول ، وضمت الخلية زملاء آخرين لا يزال بعضهم موجوداً حتى الآن ، مثل العميد أحمد الفقيه والعميد محمد الطشي ، بالإضافة إلى المرحوم أحمد مطهر .

    كانت المهمة الأولى لخليتنا التنظيمية هي جمع وتقديم المساهمات المالية إلى صندوق التنظيم وتكوين خلايا جديدة من طلاب الكلية ، وكانت مهمتي كعريف أول في الكلية جمع المساهمات المالية من زملائي الطلاب ، وتحت مبررات مختلفة بدأت خصم نصف ريال على كل طالب وتجميعها وتسليمها للصندوق وإلى جانب ذلك كنا نقوم بجمع ما يتوفر لدينا من الذخيرة بعد إنتهاء التدريب وتسليمها لقيادتنا في الكلية الحربية.

    تلك كانت البدايات الأولى لنشوء التنظيم الذي يسمى ( تنظيم الضباط الأحرار ) وكان عام 1960 هو تاريخ إنشاء الجبهة التي انضممت إليها ، ولم يكن هناك إحتياطات كافية ، وأتذكر أن عدداً من الضباط كانوا يتساءلون عن نقص مرتباتهم ، فنرد عليهم أن ذلك يمثل مساهمتنا في صندوق مشترك مع الكلية ، ولم يكن أحد منهم يناقش الموضوع ؛ فقد كانت هناك ثقة مطلقة بما نعمله نيابة عنهم .



    * ألم يكن هناك خوف من اكتشاف الأمر ؟
    ـ لم يكن لدينا خوف فالثقة بيننا كانت عالية ، كما أن السخط ضد الإمام والوضع القائم كان شاملاً وتاماً ، وخاصة وأن الدولة غائبة ، أو بالأصح لم تكن هناك دولة بالمفهوم الصحيح ، ولهذا كان رفض الناس لهذا النظام يكاد يكون من المسلمات ولا أحد كان يأبه من أن يؤخذ عليه هذا الموقف أو ذاك وخاصة في أوساط الطلاب العسكريين والمدنيين وعن جمع المساهمات وتحريض الطلاب ضد النظام ، إذ كان ذلك يتم بقدر من الهدوء الحذر ولكن بلا خوف .



    * وعيون الإمام .. ألم تكن تلاحقكم ؟
    ـ يبدو أن الإمام وأنصاره كانوا مهتمين بالسياسيين المعروفين ومراقبتهم ولم يكن الضباط والطلاب العسكريون يمثلون هاجساً للشرطة ، لكن حادثة محاولة اغتيال الإمام أحمد في الحديدة جعلت الإمام يعيد النظر في المؤسسات التعليمية العسكرية ؛ فأمر من جديد بإغلاق الكليات وعدم قبول دفع جديدة فيها .

    قبل ذلك كنا أكملنا دراستنا في الكلية ووافق الإمام على إجراء القفز بالمظلات في مدينة الحديدة وقد أراد على ما يبدو أن يظهر بعض القوة أمام السعودية التي كانت تقوم بتدريبات عسكرية واسعة ؛ فأمر بأن يتم القفز بالمظلات وسط احتفالات رسمية بحضوره .

    وعند وصولنا إلى الحديدة بعد رحلة شاقة استمرت ثلاثة أيام عن طريق ذمار - آنس - باجل - الحديدة ؛ فوجئنا بعد وصولنا بأيام بمحاولة اللقية والعلفي القضاء على الإمام بإطلاق النار عليه في المستشفى ، وصدرت أوامر مشددة ببقائنا في الثكنة التي كنا نقيم فيها ومنعنا من الخروج إلى المدينة ، وتم اتخاذ إجراءات التفتيش لمقر إقامتنا بعد أن شاع أن الضباط الذين قاموا بالمحاولة البطولية لاغتيال الإمام كانوا على صلة معنا .

    وعلى إثر ذلك دارت الشكوك حولنا واستدعي مديرنا محمد العلفي ( رحمه الله ) ومساعدوه من الضباط ليتم استجوابهم لمعرفة دور الضباط المظليين في المحاولة وعلاقاتهم بمحاولة الاغتيال ، لكن العقيد العلفي تصدى لهذه الإتهامات ، وقال لهم إن هؤلاء الضباط ( المظليين ) لا علاقة لهم بما حدث ولا صلة لهم بأي تآمر ، ولذا فقد أقتصر الأمر على إيقافنا ومراقبتا طوال 24 ساعة .

    بعد اتضاح الصورة من خلال اعتراف اللقية والهندوانة بتفاصيل المحاولة برئت ساحتنا ، و كان المتوقع أننا سنحرم من القفز بالمظلات كما حرمنا من قبل من الطيران ، غير أننا فوجئنا بعد يومين من الحادثة بتعليمات الإمام التي تقضي بقيامنا بعملية الإنزال بالمظلات ، وفوراً استأنفنا التدريبات لتنفيذ القفز المظلي ، وأعددنا أنفسنا ومنطقة القفز كما ينبغي ، وتم إجراء القفز خارج مدينة الحديدة وسط حضور جماهيري كبير من المواطنين ، لأن القفز بالمظلات كان التدريب العسكري الأول من نوعه في اليمن في تلك المرحلة .

    وقد أراد الإمام من تنفيذ عملية الإنزال من الطائرة أن يعطي رسالة إلى السعودية وخصومه في الداخل أنه لا يزال حاكماً قوياً ، لكنه في الحقيقة كان معاقاً ومشلولاً جراء الجراح والصدمة التي لحقت به من رصاصات محاولة الاغتيال البطولية التي قام بها اللقية والعلفي في مستشفى الحديدة .



    * بعد ذلك عدتم إلى صنعاء ما كانت الخطوة التالية لكم ؟
    ـ عدنا إلى الكلية ( كلية الطيران ) لنفاجأ بأنه لم يصدر مرسوم ملكي بترقيتنا إلى ضباط ولا بتخرجنا ، وقد استمر بنا الحال هكذا حتى منتصف العام 1961 ، وأصبنا بحالة إحباط شديدة من الوضع الذي صرنا إليه ، لكن هذا الغضب والمراوحة في انتظار تقرير مصيرنا كان حافزاً للطلاب الباقين للإنخراط في تنظيم الضباط الأحرار ، كما أصبح التواصل بيننا وبين زملائنا في الكلية الحربية أوثق وأكثر إنتظاماً .

    في هذه الفترة كلفني زملائي الضباط بالنزول إلى تعز لمراجعة الإمام وحل مشكلة ترقيتنا وذلك بصفتي عريف الكلية ، وفعلاً سافرت إلى تعز وبقيت هناك لعدة أشهر في دار الضيافة انتظر الفرصة لمقابلة الإمام أحمد ، وكنت أذهب كل يوم إلى مقر إقامة الإمام بانتظار مقابلته دون جدوى .

    حينها حدثت مؤامرة الإنفصال على الوحدة بين مصر وسوريا ، وكنت حينها في دار الضيافة ومعي زميلي الأخ محمد الإرياني ، إضافة إلى الأخ القاضي علي أبو الرجال ، الذي كان يراجع الإمام للسفر إلى روما للعلاج ، وجاء خبر الإنفصال بمثابة الصاعقة علينا ، فأحدثنا ضجيجاً داخل دار الضيافة معبرين عن استنكارنا لهذه الجريمة الانفصالية وتأييدنا لعبدالناصر أمام نزلاء دار الضيافة الذين كان معظمهم من رجالات الدولة والكارهين لعبدالناصر .

    في اليوم التالي جاء إلينا العميد الآنسي ( يرحمه الله ) ، كان يومها قائداً للجيش في تعز ، وقال إن هناك أمراً بإخراجنا من دار الضيافة على أن نذهب إلى العرضي ( ثكنة عسكرية ) ، قلت له يومها إنني مبعوث من عدد كبير من الضباط ولا أريد البقاء ، بل أريد حلاً للمشكلة ، فقال لي : لابد أن تذهب إلى العرضي ، ولم يكن لي من خيار .

    ذهبت إلى العرضي ولم أجد مكاناً صالحاً للإقامة هناك ، فذهبت إلى زملائي العميد أحمد دروش وأحمد بيدر وعبدالملك الطيب الذين تخصصوا في مجال االأرصاد الجوية على يد الروس ، وبعد تخرجهم عينوا في مطار تعز ، وبقيت معهم لثلاثة أشهر مواصلاً مراجعة الإمام ليأمر لنا بالترقية دون فائدة .

    وبرغم الإحباط ، إلا أنني التقيت في تعز ببعض الوطنيين وبزملاء من الكلية الحربية الذين كانوا أعضاء في التنظيم ومنهم على الضبعي وعزالدين المؤذن ، حيث تناقشنا عن الأوضاع المتردية والتنظيم وكانوا مستعدين لتفجير الثورة في تعز عندما تصدر لهم التعليمات من التنظيم .

    في نهاية 1961 عاد البدر من رحلة خارجية ووصل إلى تعز ، وبعثت إليه رسالة تناشده التدخل لدى والده للأمر بالترقية لنا ، وقلت له فيها إنه هو الذي تبنى هذه الكلية وغيرها ، وعلى ما يبدو أقنع البدر أباه بترقيتنا وقرر رعاية حفل التخرج لضباط كلية الطيران .

    وفعلاً أقيم احتفال كبير في ميدان كلية الطيران حضره البدر الذي قام بتوزيع الشهادات على الخريجين ويومها منحنا رتبة الملازم مظلي وكانت فرحة لا تنسى بعد مرحلة طويلة من اليأس والقنوط .

    كانت قضية التخرج والحصول على رتبة في الجيش تمثل قفزة كبيرة في حياتنا ليس فقط في مجال إتقان العلوم العسكرية والمعارف الشخصية ، بل وفي المجال السياسي والعسكري ، حيث أصبحنا أكثر ضيقاً بأوضاعنا المتردية والتخلف الذي يعم البلاد ، وأصبحت لدينا ثقة كاملة بأنفسنا وأننا قادرون على التغيير .

    وبرغم فرص العمل التي كانت أمامنا ؛ فإنه لم تراود ذهني وغيري من الضباط فكرة العمل في الجيش الدفاعي أو المفارز العسكرية المتخلفة والبعيدة ، فقد كان الاقتناع سائداً من أن ساعة الصفر قريبة ، وعلينا الإعداد لها الإعداد الكامل في العاصمة صنعاء .



    * ما هي الخطوة التالية التي خطيتموها بعد التخرج من كلية الطيران ؟
    ـ بعد التخرج عدنا لنجد أنفسنا من جديد أمام مستقبل مجهول ؛ ففي ذلك الوقت لم يكن في البلاد سلاح المظلات ، ولم يكن لدينا طيارين عسكريين ، ولهذا لم يكن لدينا من مخرج إلا الإنضمام إلى الإخوة في الكلية الحربية لنأخذ دورات في الأسلحة كان ينظمها الضباط المتخرجون الأوائل من الكلية الحربية والتي تحولت إلى مدرسة للأسلحة ، بعد أن أغلقها الإمام ومنع السماح بقبول دفعة جديدة .

    وقد تفاهمنا معهم ومع قيادة الكلية الحربية على الإنتقال إلى الكلية وترتيب عدة دورات لطلاب كلية الطيران ، في المدفعية ، الدبابات ، الإشارة ، وكان ذلك الأمر هو المخرج لنا من الضياع ، حيث وجدنا ما نشغل به أنفسنا؛ فقد كنا نخشى من مصير مشابه لمصير زملائنا السابقين ، الذين كانوا يرسلون بعد تخرجهم للعمل في وحدات الدفاعي والمفارز المرابطة في المديريات ، والتي تتولى أعمال الضبط والإنفاذ ، بمعنى آخر كانت تقوم بأعمال الضبط والجباية .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-11-30
  7. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل الثاني
    قصة التنظيم

    * نريد أن نسألكم أستاذ يحي عن واحدة من القضايا الهامة في تاريخ الثورة اليمنية ، وتتعلق بتنظيم الضباط الأحرار في اليمن ، خاصة وان هناك جدلاً كبيراً حوله .. ما هي الحقيقة بالضبط ؟

    ـ عندما انتقلنا إلى الكلية الحربية أصبح نشاطنا التنظيمي أوسع وأكثر انضباطاً ؛ فقد أصبحت اجتماعاتنا منتظمة في خلايا التنظيم ، وكانت قيادات هذه الخلايا تجتمع مع قيادة التنظيم وتتدارس الوضع السياسي ، وأحوال التنظيم ، وتتلقى التعليمات وكان إهتمامنا منصباً على الدراسة من جهة وعلى الاستعدادات والتجهيزات المكرسة لتفجير الثورة ، وإعلان النظام الجمهوري.



    * من كان يضبط حركات التنظيم الجديد وضباطه ؟
    ـ كان علي عبد المغني ومحمد مطهر ومعهما صالح الأشول وعبد الله جزيلان وأحمد الرحومي والرحبي وآخرون المحور الأساس ، فيما أعلم لكل حركات الضباط الأحرار ، فهما اللذان تحركا إلى تعز للالتقاء بالزملاء الذين عينوا في الجيش في تعز وذلك لتنظيمهم وإعدادهم لتفجير الثورة في تعز ، كما التقوا بالمدنيين الوطنيين والذين كانت لهم اتصالات مع مصر ، كما ذهبا إلى الحديدة ، للقيام بعملية التواصل والتوعية للضباط العاملين في الحديدة بأهمية الثورة ، أما في صنعاء فقد واصلا التحرك في جميع الإتجاهات سواءً في التنسيق مع الشخصيات الوطنية مثل القاضي عبد السلام صبرة والفريق حسن العمري أو مع الضباط والمدنيين من خارج التنظيم.



    * هل كانت لدى التنظيم رؤية حول ماهية وشكل الثورة ؟

    ـ خلال العام 1962 ، بدأ الحديث يدور بشكل جاد عن استعداد التنظيم وقدرته على القيام بالثورة ، وكان هناك في بداية الأمر تفكير أن يتم تفجير الثورة في تعز ، وبعدها يتم السيطرة على صنعاء ، ولم نصل إلى رؤية موحدة حول هذه المسألة ، وكان موت الإمام أحمد المفاجئ سبباً في إتخاذ قرار حاسم بتفجير الثورة في صنعاء وبدون تأخير .

    كنا جاهزين 100% للتحرك العسكري ، لكننا لا شك لم نكن جاهزين لمرحلة ما بعد الثورة ، حيث لم نكن نملك برنامجاً كاملاً للنظام الجمهوري الذي كان خيارنا ، ولا التصور الكامل لما ينبغي أن نعمله من خطط لمواجهة الاحتمالات المختلفة ، فما كان لدينا هو الإرادة ومبادئ وأهداف عامة للثورة وبعض التصورات لما ينبغي عمله بعد الثورة والتي لم تكتمل بسبب موت الإمام أحمد المفاجئ الذي حال دون إكمال هذه التصورات ، وأرغمنا على التعجيل بالثورة قبل اكتمال برامجها وخططها ، ولم يكن بإمكان القيادة غير المبادرة إلى انتهاز الفرصة والانقضاض على نظام البدر الذي كان لا يزال هزيلاً وهشاً.



    * هناك من يشير إلى أن تنظيم الضباط الأحرار في اليمن لم يكن له زعيم ، بمعنى آخر ، لم يكن أحد يعرف من يقوده ؟

    ـ هناك ادعاءات كثيرة من هذا النوع ، الكثير يقول إن التنظيم ضم فصائل وطنية عديدة ، وهذا ليس صحيحاً ، فالتنظيم ضم مجموعة لا يتجاوز عدد أفرادها المائة وخمسين فرداً ، وهم ضباط الكلية الحربية ( الدفعة الأولى والثانية ) وضباط كلية الطيران ، بالإضافة إلى عدد من الضباط الذين تخرجوا من جمهورية مصر العربية ، مثل عبد الله جزيلان ، وعبد اللطيف ضيف الله وبعض الضباط من دفعات سابقة ، مثل صالح الأشول ، أحمد الرحومي ، الرحبي ، محمد المطري ، محمد مرغم وعدد آخر من الضباط وصف الضباط من وحدات الجيش المختلفة ، مثل العميد حسين السكري وعبد الكريم السكري وحسين الدفعي ، كل هؤلاء كانوا متفاعلين ومشاركين في التنظيم وخاصة عبد الله جزيلان ( مدير الكلية الحربية آنذاك ) والعميد صالح الأشول مدرب الدبابات .

    وكان علي عبدالمغني ومحمد مطهر محور التنظيم ، وكان التخطيط والتفكير في نشاط التنظيم منذ بدايته يتم بقيادتهما ومشاركة زملائهما في القيادة ، ولكن بسبب موت الإمام المفاجئ لم يسعفنا الوقت لكي نقنع علي عبد المغني ، الذي كان محل إجماع الضباط ، بأن يتحمل مسؤولية قيادة الثورة وقيادة الدولة ، لأننا لم نكن قد وصلنا إلى مرحلة اختيار وتحديد الزعيم القادم للبلاد قبل موت الإمام أحمد ، وفي رأيي إن ذلك عائد إلى المثالية التي كانت تسود أوساطنا كضباط ، والتجرد من الأنانية في طبيعة وسلوك علي عبد المغني ، وكانت هذه في نظري نقطة الضعف الكبيرة التي أضعفت التنظيم وقلصت دوره في صنع القرار السياسي والعسكري في فترة ما بعد الثورة .

    ولا شك أن اختيار المشير عبد الله السلال في آخر لحظة قبل قيام الثورة ليكون قائداً لها كان القرار الأفضل المتاح بعد اعتذار اللواء حمود الجائفي عن تحمل المسؤولية التاريخية التي عرضها التنظيم عليه لقيادة الثورة ، خاصة وأنه كان متابعاً لما يجري ومباركاً له ، كما أنه كان على صلة طيبة بالمناضل القاضي عبدالسلام صبره ، الذي كان ضالعاً في نشاط التنظيم وراعياً له وكذلك الفريق المرحوم حسن العمري الذي كان من دعائم التنظيم والممولين له.



    * كيف واجهتم الموقف عند موت الإمام ؟
    ـ اجتمعت كافة الخلايا أو بالأحرى قيادة وأعضاء التنظيم ككل ، في اليوم الثاني لموت الإمام ، وضم الإجتماع أكثر من 100 ضابط ، وقررنا يوم الثلاثاء موعداً للتحرك وتفجير الثورة واستمرت اللقاءات والمشاورات طوال الأيام التالية ، سواءً مع الضباط أو مع مؤيديه من المدنيين والمشائخ وتم أخيراً تحديد ليلة الخميس موعداً نهائياً لساعة الصفر.





    * أين كان الإجتماع ؟
    ـ تم الإجتماع الموسع في أحد العنابر الرئيسية في الكلية الحربية ، ثم عقدت إجتماعات في منزل المناضل القاضي عبدالسلام صبرة.



    * ألم يكن في منزل أحد من الضباط ؟
    ـ كانت هناك إجتماعات تعقد في منزل المناضل عبد السلام صبرة ، بالإضافة إلى إجتماعات أخرى في منزل العميد عبدالله المؤيد والعميد صالح الأشول ، وفي منازل بعض الأخوة الضباط الآخرين ، لكن ذلك كان في فترة الإرهاصات الأولى وفترة الأعداد لتشكيل التنظيم.



    * أين كان الضابط يحي المتوكل في هذه التحضيرات ؟

    ـ كنت أشارك في إجتماع خليتي الموسعة ، وكانت توكل إلي مهام مختلفة ، منها نقل أسلحة خفيفة وذخائر من منزل الفريق العمري ( رحمه الله ) إلى الكلية الحربية ، أما ليلة الثورة فقد كنت من ضباط سلاح المدفعية ، وكان معنا رفاق السلاح العميد يحي الفقيه ( رحمه الله ) والعميد حسين المسوري والشهيد الطيار محمد الديلمي ( يرحمه الله ) والعميد محمد الثلايا.

    وكان يرأس مجموعتنا الشهيد محمد مطهر ، وأتذكر إن ذخائرنا يومها كانت موجودة في العرضي الدفاعي تحت حماية جنود الإمام ، وكان علينا عند إعلان ساعة الصفر أن نذهب إلى العرضي لأخذ الذخيرة حتى نتمكن من استخدام المدافع الثلاثة التي كانت بحوزتنا بدون ذخيرة ، وقد قمنا بالمهمة كما خطط لها ، حيث شرعنا في نصب هذه المدافع في مقبرة خزيمة ، وبعد أخذ ورد حصلنا على الذخيرة المطلوبة ، وبها أمكن إشعال النار في قصر البدر وإرغامه على الفرار وإسكات المقاومة التي استهدفت الدبابات من بعض المنازل ومن قصر البدر ، وبذلك حسمت المدفعية المعركة الأولى للثورة.



    * ما الذي رجح كفة نجاح الثورة ؟
    ـ المباغتة في حركتنا والإرادة القوية للتغيير عند الشعب وتدهور الأوضاع ، كل ذلك وغيره ساعد على نجاح الثورة ، كما أسهم في نجاحها ضعف الإمام الجديد ( البدر ) ، وعدم قبول الناس به ، وعدم إتخاذه أية احتياطات ، على الرغم من أن المحيطين به من المستشارين كانوا يحرضونه على سحب الأسلحة من الكلية الحربية والتحفظ على بعض الضباط ، كما أن الأوضاع المتردية التي وصلت إليها البلاد والعزلة الخانقة التي ضاق بها المواطنون وغير ذلك من الأسباب والعوامل الكثيرة ، قد أسهمت في ترحيب المواطنين بالثورة والالتفاف حولها منذ اللحظة الأولى لبزوغ فجرها.



    * ألم يكن هناك من الضباط من له صلة بالإمام ؟
    ـ من ناحية القرابة ؛ فلم يكن بيننا من يرتبط بالإمام بصلة قرابة ومن ناحية الاتصال أو العلاقة الخاصة بالإمام فلا اعتقد بوجود علاقة من هذا النوع ؛ فلم يكن يجرؤ أحد على هكذا علاقة بدون تكليف من قيادة التنظيم.



    * يقال إن تنظيم الضباط الأحرار اليمنيين حاول أن يكون نسخة من تنظيم الضباط في مصر .. ما صحة ذلك؟

    ـ هذا شيء لا أستطيع إنكاره ، لأن تأثرنا يومها بالثورة المصرية واقتناعنا بالرئيس جمال عبد الناصر ، جعلنا نطمح لأن نكون ليس فقط مثلهم ، بل صورة مصغرة منهم ، وهذه حقيقة ، فماذا تتوقع غير ذلك ؟ ماذا تتوقع من تلك البيئة التي نشأنا فيها أو المدارس التي تخرجنا منها أو المجتمع الضيق المنغلق المتخلف الذي جئنا منه ؟ لم نكن نملك من الفكر السياسي والتراث الوطني ما يؤهلنا لاتباع نهج أفضل من نهج عبد الناصر ، ولم يكن لدينا إلا الإقتداء بالثورة المصرية التي كانت حينها ثورة كل العرب ، لكن ما يهمني الإشارة إليه هنا ، هو إدراكنا للخصوصية التي تتسم بها اليمن مجتمعاً وموقعاً ، وكنا نضع ذلك في اعتبارنا ونحن نخطط للثورة ، وبعد قيامها ولو لم نفاجأ بموت الإمام وتوفر لدينا الوقت الكافي لقامت الثورة وأدبرت أحداثها بشكل آخر.



    * بالمناسبة كيف وجدتم الدعم المصري في هذا الجانب؟
    ـ لا شك أن المصريين زرعوا في الضباط اليمنيين منذ أن كانوا طلاباً في المدارس الابتدائية والتحضيرية والثانوية البذرة الأولى للثورة ، فقد كان المدرسون المصريون أول من علمنا كيف نعبر عن روح التمرد الذي كان يغلي في صدورنا.

    وكانت أدبيات ثورة 23 يوليو وإذاعة صوت العرب ، التي كان يجلجل فيها صوت أحمد سعيد تعطينا دفعة قوية في نضالنا لتغيير نظام الإمام أحمد المتخلف وإقامة نظام جمهوري تقدمي والنهوض بشعبنا اليمني للالتحاق بركب الحضارة .. تلك المساهمات المعنوية لا شك أسهمت في الاقتناع بتكوين تنظيم ضباط يمنيين والتمهيد للثورة .

    أما بالنسبة لتكوين تنظيم الضباط الأحرار وقرار قيام الثورة فقد كان ذلك منذ البداية صناعة يمنية ، حيث قام الضباط ببناء تنظيم تفجير الثورة اليمنية بدون توجيه القيادة المصرية أو غيرها ، ولا أنكر وجود صلات بين الشهيد عبد المغني ومحمد مطهر مع المدرس المصري العقيد محمود عبدالسلام الذي كان وثيق الصلة بالقيادة المصرية ، وامتدت بعد مغادرة محمد عبدالواحد اليمن ، وقتها كانت صلة تشاور الهدف منها التأكد من الدعم المصري بعد قيام الثورة.



    * من كان حلقة الوصل مع المصريين ؟
    ـ كان علي عبدالمغني بصفة خاصة حلقة الوصل بين التنظيم والمصريين ، حيث كان التواصل في البداية عبارة عن تشاور حول رأي التنظيم في بعض القضايا ذات العلاقة باليمن ، مثل البرنامج الإذاعي من ( صوت العرب ) ، والذي يتناول القضايا اليمنية ويحرض الشعب على الثورة ، فقد كانت لدى التنظيم تحفظات على بعض أطروحاته الضارة بالوحدة اليمنية ، وتأييد للأطروحات الأخرى ، كما كان محمود عبد السلام الحلقة الأولى للتواصل مع مصر ولتقديم النصائح وفيما بعد لتأكيد مباركة مصر للتنظيم وتشجيعه للقيام بالثورة وتأكيد وقوف مصر مع الثورة بعد قيامها . وبرغم الصلة العميقة كانت هناك تحفظات من الإعتماد الكلي على مصر ، وظل علي عبد المغني حذراً في أطروحاته سواءً مع التنظيم أو مع المصريين حول هذه القضية.



    * لماذا كان هذا الحذر ؟
    ـ كنا نرى أنه من أجل نجاح الثورة لابد من حصر مسألة التحضير لها في نطاق ضيق على أن نتحمل مسؤوليتها وعواقبها ، لأن احتمالات الفشل أكثر من احتمالات النجاح ، لكن الإيمان والإرادة بحتمية التغيير رجح العزم بقيام الثورة فور اكتمال الإعداد لها ، وفي هكذا حالة كان لابد من الاحتراس والحذر فيما يطرحه علي عبد المغني مع المصريين وحتى مع بعض مؤيدي الثورة ومناصريها من اليمنيين أنفسهم.



    * من كان الأقرب إليكم : علي عبد المغني أم محمد المطهر ؟

    ـ كانت صلتي منذ البداية بمحمد مطهر وبعلي قاسم المؤيد ، لأننا قدمنا من منطقة واحدة ( محافظة حجة ) ، وكان المطهر بالنسبة لي المعلم والموجه ، إلا إن علي عبدالمغني بعد تعرفي عليه أصبح بالنسبة لي النموذج والقدوة ، وا

    ستطاع بشخصيته القوية الاستحواذ على محبة وولاء الجميع.



    * متى بدأت أول صلة لكم بعلي عبد المغني ، وكيف وجدتموه ؟
    ـ أول صلة لي بعلي عبد المغني تمت خلال اجتماعات الضباط قبل الثورة ، بعد انتقالنا إلى الكلية الحربية ، وتوثقت صلتي به خلال الشهور التي سبقت الثورة ، وكلفني بعدد من المهام المتعلقة بالتنظيم ، كما كنت خلال اليوم الثاني والثالث للثورة أساعد في التواصل مع مسؤولي قصر السلاح لإعداد وتجهيز الأسلحة والذخائر للحملات العسكرية التي تحركت إلى جبهة القتال ، ثم كلفني بعدها بقيادة الحملة العسكرية إلى جبهة القتال الشمالية الغربية القفلة - شهارة - وشحة.



    * أين كان علي عبدا لمغني بعد إنفجار الثورة ؟
    ـ كان في قلب الأحداث وكانت المعارك تشتعل هنا وهناك ؛ فيقوم بتوجيه الحملات لإطفائها ويزودها بما تحتاجه من ذخائر وأسلحة ومواد تموينية ، كما كان يكلف زملاءه الضباط بالتحرك إلى المناطق المختلفة حسب ما يحددها هو ، فيزودهم بالتعليمات وبالمهام التي سيقومون بها وهي مهام في أغلبها قتالية.



    * هل هذا يعني أنكم كنتم تتعاملون مع علي عبد المغني كرئيس على الرغم من كون وجود المشير عبد الله السلال على رأس السلطة بعد الثورة ؟

    ـ كان جميع ضباط الثورة يتعاملون مع الرئيس السلال بكل إحترام وتقدير ، وكنا نتلقى منه التعليمات وننفذها ، ولكننا في مهام القتال كنا نتلقى تعليماتنا مباشرة من علي عبد المغني باعتباره المسؤول عن الشؤون العسكرية بصفة خاصة ، بينما تولى المشير السلال إدارة شؤون الدولة ، وبعد خروج معظم الضباط إلى القتال قرر عبد المغني الخروج هو الآخر إلى منطقة مأرب لقتال الملكيين وكان هذا القرار الخطأ القاتل الذي ارتكبه الشهيد عبد المغني.

    كان عبد المغني صاحب مثالية عالية ، وعندما رأى أنه أرسل زملاءه إلى جبهات القتال واستشهد منهم من استشهد ، قال لماذا لا يشارك هو أيضاً ، وقام بالمغامرة غير المدروسة والتي أودت بحياته ، وأنا شخصياً لا استبعد أن يكون هناك من السياسيين والعسكريين من خارج التنظيم من كان يضيق به وربما شجعه على الإقدام على هذه المغامرة ليتخلصوا منه ، أتصور هكذا ، وباستشهاده خسرت اليمن أحد أهم رجالات الثورة وصانعيها ، وهي خسارة تركت أثاراً سلبية على مسيرة الثورة وتوجهاتها.



    * يقال إنه كانت هناك خلافات داخل تنظيم الضباط الأحرار قبل إنفجار الثورة وأن إرسال الرجل إلى صرواح كان جزءاً من مخطط للتخلص منه ؟

    ـ لا تصدق أنه كانت هناك خلافات قبل الثورة داخل التنظيم تصل إلى درجة التآمر على بعضنا البعض، لأننا كنا جميعاً موالين للتنظيم ومؤمنين بقيادة يكون على رأسها علي عبدالمغني، ولكن عند موت الإمام لم يكن تم البت في هذه المسألة ، ولم يكن عبد المغني متحمساً لتحمل مسؤولية قيادة الثورة، وبدأنا البحث عن حل ، وكان القرار أن نأتي بشخصية من خارج التنظيم ، فقد كانت تدور في رؤوسنا التجربة في مصر شئنا أم أبينا، لهذا تم تكليف عبدالله جزيلان ، وأحمد الرحومي، والرحبي للنزول إلى الحديدة بهدف إقناع العميد الجائفي ليكون زعيماً للثورة وأبلغوه رسالة التنظيم ، وحاولوا طويلاً إقناعه لكنهم أخفقوا ، وتنصل رحمه الله من هذه المسؤولية ، وقال إنه مستعد لأن يكون جندياً للثورة، لكنه ليس مستعداً لأن يتحمل مسؤولية قيادة الثورة.

    وهكذا عاد الوفد إلى صنعاء ليقول إنه لا فائدة من محاولات إقناع الجائفي ، ولهذا بدأنا بالبحث عن شخصية أخرى تقبل تحمل هذه المسؤولية، فوقع الاختيار على اللواء عبدالله السلال ، وقد تحمسنا نحن ضباط كلية الطيران لهذا الاختيار، لأننا كنا من المؤيدين للسلال أكثر من الجائفي لوقوفه إلى جانبنا خلال إغلاق الإمام لكلية الطيران ومواقفه أثناء ثورة 1948.



    * لماذا ترددتم في إختيار علي عبدالمغني، لقد كنتم تبحثون عن زعيم والزعيم بينكم؟

    ـ جاء موت الإمام أحمد المفاجئ، ونحن لم نحسم الكثير من القضايا ، من بينها قضية من يكون الزعيم بعد انتصار الثورة ، إضافة إلى ذلك لم تكن لدى علي عبدالمغني الرغبة أو الطموح ليقول لنا " أنا " فنقول له جميعاً موافقين " .

    أضف إلى ذلك كان هناك من يرى أنه لا بد أن يكون لدينا واجهة معروفة عند الناس حتى يقبلوا بها، وهو نفس السيناريو الذي تكرر في مصر، عندما أختير محمد نجيب رئيساً، فيما رئيس الثورة كان جمال عبدالناصر، وعند موت الإمام أحمد المفاجئ وسط هذا المواقف التي أفرزها الحدث المباغت وصل الجميع إلى قناعة أنه لا بد من واجهة للثورة ، ويومها كان الجائفي شخصية وطنية محبوبة عند الجيش والناس، لكن محاولتنا لإقناعه باءت بالفشل ، فوقع الإختيار على المرحوم المشير عبدالله السلال الذي رحب بإختياره لهذه المسؤولية التاريخية.



    * هل كنتم تثقون أن السلال سيقف مع الثورة ؟

    ـ نعم كنا على ثقة أنه سيكون مع الثورة ومع التنظيم ، ومع ذلك حدث إختلاف حول إبلاغه بالاختيار ، هل يتم قبل ساعة الصفر أم بعدها! ، وحسم الأمر من قبل قيادة التنظيم التي قررت إبلاغه فور إندلاع الثورة ، وهذا ما تم فعلاً.



    * من ذهب إليه لإبلاغه الأمر ؟

    ـ ليلة الثورة ذهب أحمد الرحومي والرحبي على ما أعتقد ليبلغوه بالأمر ، وكان بصراحة على مستوى المسؤولية التاريخية ، وقد استجاب لذلك ، وأسهم في فتح قصر السلاح بدون قتال وهو ما أسهم في تسليح وتجهيز الحملات التي كلفت بمطاردة الإمام البدر وبسط نفوذ الجمهورية في مناطق الحدود، كما تحمل مسؤولية إدارة شؤون الدولة والحرب بشجاعة ومهارة.

    ولا شك أن هناك من يأخذ عليه بعض المواقف من ضباط الثورة مثل سماحه لعبد المغني بترك القيادة والخروج إلى الجبهة لخوض القتال في معركة خاسرة.



    * هل يعني هذا أنه تخلص من علي عبدالمغني ؟

    ـ السؤال هل كان السلال هو السبب في خروج علي عبدالمغني أم أن علي عبدالمغني خرج من نفسه إلى جبهة القتال ؟ ، لكنني بصراحة أعتقد أن قرار الخروج يعود إلى علي عبدالمغني ، الذي كان يتمتع بمثالية وتجرد غير معقولين ، مثله مثل الشهيد محمد مطهر، الذي ذهب هو الأخر ليستشهد في معركة خاسرة ، وهو رئيس أركان الجيش بعد مرور عامين على قيام الثورة ، وتلك في نظري نقطة ضعف أخرى تسجل على قيادة التنظيم.



    * كيف حددتم ساعة الصفر لإعلان الثورة ؟
    ـ كنا نعرف من وقت مبكر أن البدر يجتمع مع وزرائه حتى منتصف الليل ، وكان الخيار الأفضل هو القضاء عليه عند خروجه من الإجتماع المسائي ، وكلف بالمهمة العميد حسين السكري، والذي توفي مؤخراً وكان يومها أحد ضباط حرس الإمام البدر وكلف بإطلاق النار على البدر عند خروجه من الإجتماع المسائي في قصره، وكان الإتفاق أنه عند سماع إطلاق النار تعطى الأوامر لكافة المكلفين على الدبابات والمدرعات والمدفعية بالتحرك بحسب الخطة المقررة ، وكان الموعد المحتمل لساعة الصفر حوالي الحادية عشرة قبل منتصف الليل.

    الذي حدث أن المرحوم السكري واجه الإمام البدر وأطلق عليه الرصاصة ، لكن الرصاصة لم تنطلق ، على الرغم من ضرب الزناد ، ولم ينتبه البدر لما حدث ، لكن أحد الضباط لاحظ الأمر ؛ فأخبر قائد حرس البدر عبدالله طميم بمحاولة السكري بإطلاق النار على الإمام البدر، فأمر بتوقيفه والتحقيق معه، وقد حاول السكري الهروب ولكنه أصيب أصابه بالغة بطلقة نارية في فكه ومع ذلك تمكن من الفرار وأسعف بعد الثورة إلى مصر للعلاج ، خلال ذلك كنا على أهبة الإستعداد في حوش الكلية الحربية منذ السادسة مساءً من يوم 25 سبتمبر 1962 في إنتظار الأمر بالإنطلاق.

    كان المخطط أن يتحرك عدد من المدرعات إلى الإذاعة للإستيلاء عليها ، وأن تتحرك الدبابات إلى دار البشائر وإلى قصر السلاح ، فيما نتحرك نحن ضباط المدفعية إلى خزيمة بثلاثة مدافع ورشاش ثقيل ، وأن يقوم كل واحد بواجبه المرسوم والمحدد له.

    ليلتها انتظرنا أمر التحرك ونحن في حالة تأهب ، وعندما لم نسمع إشارة السكري مثل ما كان مخطط له ، وفي اللحظة المتفق عليها خرج اللواء عبدالله جزيلان ليعلن ساعة الصفر ، وأمر بالإنطلاق ، وهكذا تحركت المدرعات والدبابات والمدفعية لصنع فجر يمني آخر يشع بالثورة والنهوض .

    بحسب الخطة قامت أولاً الدبابات بالتحرك وحاولت إقتحام قصر البشائر ، واحترقت الدبابة الأولى ، واستشهد الزميلان الشراعي والمحبشي ، ونجا الزميل أحمد عباس، وفشلت عملية الإقحام ؛ فقد كان قصر البشائر موقعاً صعباً ، ولكن المدرعات بقيادة علي قاسم المؤيد سيطرت على الإذاعة، وأذاع المؤيد البيان الأول للثورة ، كما قام بقية الضباط كل بمهمته وبزغ الفجر، فإذا بنا نكتشف أن المقاومة مستمرة من قصر البدر ، وأن الإمام البدر لم يمت ؛ فقمنا بدورنا في المدفعية المرابطة في خزيمة بإطلاق قذائف المدفعية على دار البشائر وعلى المنازل التي كانت تطلق منها النيران على المهاجمين ، وتسبب ضرب المدفعية في إشعال النار في دار قصر البشائر ، الأمر الذي دفع الإمام إلى الفرار عبر البيوت المجاورة .

    وعند حلول الساعة الثامنة صباحاً اقتحم المواطنون دار البشائر ونهبوه ، كما قاموا بمسيرات مؤيدة للثورة ، وخلال ساعات قليلة تمت السيطرة على المدينة وألقي القبض على العديد من وزراء ومسؤولي الإمام ، وأودعوا في سجن الكلية .



    * قيل إنه كانت هناك مقاومة من خارج دار البشائر ؟

    ـ حصل إطلاق نار من دار الشكر ـ قصر الأمير الحسن ـ ، وتم ضرب القصر ، ولكن المقاومة الشرسة وجهتها الدبابات من حرس البدر في دار البشائر والتي تسببت في إشعال النار في إحدى الدبابات المقتحمة ولم تقف المقاومة إلا بعد نبأ قيامنا بضرب دار الإمام بنيران المدفعية من خزيمة .



    * كيف فر الإمام البدر ؟

    ـ قصة فرار الإمام البدر معروفة ، فقد خرج من دار البشائر بعد بزوغ الفجر .



    * قيل إنه تنكر بزي إمرأة وتمكن من الفرار ؟

    ـ هذه المسألة فيها روايات عديدة ، لكن بحسب ما هو شائع فإن خروجه كان عادياً ، حيث تمكن من ترتيب أمر خروجه مع مجموعة من أنصاره واجتياز سور صنعاء إلى خارجها .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-11-30
  9. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل الثالث
    امتحانات الثورة


    * كيف وجدتم أنفسكم في أول أيام الثورة في ظل ظروف غريبة ووضع معقد ومتشابك ؟

    ـ الحقيقة أن التشابك وجسامة المسؤولية في الأيام الأولى للثورة كان فوق كل التصور ، ومع ذلك طغى الشعور بالنصر ، خاصة مع استجابة معظم أبناء الشعب للثورة ، وتقلد رجال الثورة أو من جاء بعد ذلك زمام الأمور قد قضى ذلك على كل شعور بالخوف وعلى حالة اليأس والإحباط التي كانت سائدة عند الناس .

    هذه العوامل جعلتنا فعلاً لا نكترث كثيراً بالمشكلات التي بدأت تواجهنا ، وكانت بالفعل مشكلات جسيمة ، خاصة وأن الإمام البدر كان قد فر ، وبدأ يتنقل من منطقة إلى أخرى ، في المناطق الشمالية واجتذابه إلى حد ما بعض القبائل لمناصرته ، والعمل ضد الثورة الوليدة ناهيك عن الموقف السعودي المعلن والمناهض للثورة .

    وتلك كانت الأسباب التي حدت بضباط الثورة إلى التحرك بدون تأن إلى جبهات القتال لمطاردة الإمام البدر ومن معه ؛ فتحركت حملة عسكرية إلى عمران - حجة - حرض وحملة أخرى إلى صعدة ، وحملات أخرى إلى مأرب والجوف وذيبين وخولان ، خاصة بعد أن أعلنت بعض القبائل تجاوبها ومناصرتها للبدر جراء المساعدات والدعم الخارجي.

    من ناحيتي كلفت ثالث يوم الثورة بقيادة حملة عسكرية إلى المنطقة الشمالية الغربية ، وهي منطقتي ، وشملت منطقة القفلة ( حاشد ) والأهنوم وشهارة وحجور ووشحة ، وتزامن ذلك مع وصول الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر من سجن المحابشة فكلف هو الآخر بالتوجه إلى منطقة حاشد لحشد التأييد للثورة ولتعبئة القبائل لمناصرة الجيش في بسط نفوذ الجمهورية والثورة ، والتقينا في خمر ، وتحركنا إلى المناطق الساخنة معاً ، وواصلنا قيادة المعارك والمناوشات مع الملكيين لأكثر من 6 أشهر ، خضنا خلالها معارك شرسة ومتواصلة بين كر وفر حتى أصبت وغادرت إلى مصر للعلاج .



    * هذا الأمر كان يبدو طبيعياً للضباط في الصف الثاني ، لكن خروج علي عبدالمغني ومحمد مطهر كان غريباً بعض الشيء فقد كانا على رأس القيادة الفعلية للثورة ؟

    ـ نعم هذا صحيح ، وفي إعتقادي إن تحرك علي عبد المغني إلى مأرب ، واختيار هذه المنطقة بالذات ليذهب إليها كانت عملاً أو تدبيراً يهدف إلى التخلص منه ، أو أنه نفسه قد أساء التقدير بالقيام بهذه المهمة ، إذ لم تكن هناك أدنى حكمة أن يغادر الرجل الذي يثق به ضباط الثورة ، والذي يأتمر الجميع بأمره لخوض معركة ، كان يعلم الجميع بأنها معركة خاسرة ، أما خروج محمد مطهر إلى القتال أول الثورة فكان طبيعياً ، ولكن غير الطبيعي كان خروجه للقتال في منطقة نائية وحدودية ، بعد أن أصبح رئيساً للأركان بعد عامين من قيام الثورة واستشهاده بدون مبرر موضوعي .



    * لكن هل عاد سياسيون آخرون إلى صنعاء للمشاركة في إدارة الحكم ؟

    ـ بعد قيام الثورة وصل إلى صنعاء العديد من القيادات السياسية خاصة من ثوار 1948 ، وعلى رأسهم الشهيد محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان ، القاضي عبد الرحمن الإرياني ، كما وصل في الوقت نفسه الدكتور عبد الرحمن البيضاني وغيرهم ، وبدأوا يتعاملون مع الحدث الجديد من منطلق الأمر الواقع ، وهو أنه يوجد على سدة الحكم قيادة عسكرية يرأسها المشير عبد الله السلال ، فاشتركوا في مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء وأسهموا في إدارة شؤون البلاد برغم خلافات وتباينات في أمور كثيرة بما في ذلك الدور المصري في إدارة شؤون الدولة وإدارة الحرب .



    * أين كانت التباينات والإتفاقات ؟
    ـ الإتفاق كان في توجيه المعركة وخوضها حتى النهاية من أجل نصرة الثورة ، لكن ظهر التباين في قضية الحكم وظهرت الخلافات التي أسهمت في بروز الدور المصري وطغيانه بعد ذلك على القيادة اليمنية ، خاصة بعد تولي الدكتور عبد الرحمن البيضاني وتسلمه لمراكز ليست عادية مثل نائب رئيس الجمهورية ، رئيس الوزراء ووزير خارجية ، وهي أهم مراكز الدولة ، في الوقت الذي كانت فيه زعامات يمنية بارزة ترفض مثل هذا الأمر ، بدءاً من الزبيري والنعمان والإرياني ، وغيرهم ، فقد كانوا جميعاً غير مرتاحين لمجيء البيضاني ، لكن الذي دعم البيضاني هو مجيء المصريين لنجدة الثورة ، حيث أصبحت معظم القرارات بعد ذلك في أيدي القيادة المصرية والتي كانت تسمى ( القيادة العربية ) .



    * هل نستطيع القول إن الثورة بدأت تأكل أبناءها منذ أول يوم لإنتصارها ؟

    ـ لا ، لم تقع ثورة سبتمبر فيما وقعت به ثورات أخرى ، فلم تقتل أبنائها الذين فجروها ، ولكن لم تسعفهم الخبرة ولم تمهلهم الحرب حتى يتحملوا المسؤولية كاملة ، ونتيجة لذلك وللمثالية التي تحلى بها قادتها تركوا زمام الأمور منذ اللحظة الأولى لغيرهم ، وارتضوا لأنفسهم بدور المقاتل والتصدي لأعداء الثورة ، بل وقبلوا أحياناُ مثل حالة الشهيد علي عبد المغني ، أن يجازفوا بأرواحهم دون ما رؤية أو حكمة.



    * من واقع معايشتكم عن قرب للأحداث ، هل كان هناك تكليف واضح لخروج علي عبدالمغني إلى مأرب?

    ـ علمت من زملاء لي كانوا مع علي عبد المغني عن استشهاده أنه عندما عرف أن الوضع بدأ يتدهور على جبهة صرواح - مأرب ، وأن بعض مشائخ المنطقة الذين كانوا مع الثورة نكثوا بالعهود وأيدوا الإمام ، قرر الخروج إلى مأرب مع عدد من الضباط ، من ضمنهم المرحوم العميد محمد غالب الشامي والعميد محمد حسين العمري ( نجل الفريق العمري ) وغيرهم ، بهدف ضرب التمرد والسيطرة على المنطقة التي نعرف أهميتها ، ولم تكن معه من القوات عدا عدد من المدرعات والأفراد الذين كان معظمهم من أفراد الجيش النظامي غير المدرب على القتال ، وقد ضربت الحملة في كمين نصب لها في صرواح ، واستشهد عبد المغني مع آخرين وأسر الذين نجوا من الموت ، وكانت معركة خاسرة من بدايتها .



    * هل قتل أثناء سير المعركة ، أم أنه أسر ثم قتل ؟

    ـ قتل وهو داخل المدرعة .



    * عندما قامت الثورة هل كان الهدف هو السيطرة على صنعاء فقط .. ألم يكن هناك أفق لدراسة الوضع خارج العاصمة صنعاء ودور القبائل في الوقوف إلى جانب الثورة ؟

    ـ على العكس هذه الاعتبارات كانت مأخوذة جدياً حتى نتحاشى ما حدث لثورة 1948 ، لكن حال موت الإمام المفاجئ دون استكمال خطط وبرامج التنظيم ، وأدى إلى بعض الارتباك ، ولكن ذلك لم يجعلنا نعقد على الخروج ونكتفي بالسيطرة على صنعاء ، بل تحرك معظم ضباط الثورة إلى كافة جبهات القتال منذ أول أيام الثورة بهدف السيطرة على كافة أراضي الجمهورية العربية اليمنية ، التي تم إعلانها في السادس والعشرين من سبتمبر 1962 ، وخاضوا معارك شرسة وغير متكافئة وقد أحرزوا انتصارات معروفة خلال تلك المعارك واستشهد منهم العشرات وجرح الكثيرون.



    * يلاحظ أن معظم تحرك الثورة كان باتجاه المناطق الشمالية ، بينما كانت الجبهات الجنوبية في مأمن مثل إب وتعز ؟

    ـ هذه المناطق كانت حينئذ تمتلك من الوعي والإقتناع بالتغيير ما يجعلها تهب لتأييد الثورة منذ اللحظات الأولى لقيامها ، وقد بادر أبناء الكثير من هذه المناطق إلى التطوع ، سواء في الجيش أو الحرس الوطني ، والحقيقة أن تأييد الثورة لم يقتصر على هذه المناطق ، بل ومناطق أخرى مثل تهامة وحجة وريمة وحاشد وبرط ، وقيفة وعنس والحداء وغيرها من مناطق القبائل المحيطة بصنعاء ، ناهيك عن سكان المدن وبالأخص الطلاب ، بمعنى آخر فإن غالبية الشعب التفت حول الثورة ، أما الذين وقفوا ضد الثورة فهم الذي غرر بهم ، لأن الإمام مر من مناطقهم واستنجد بهم ، وذكرهم بالعهود والبيعة وإلى آخره ، ناهيك عن التدخل الخارجي ، الذي أغرى الكثير من القبائل بالوقوف ضد الثورة سواء بواسطة التأثير الإعلامي ، الذي كانت تبثه بعض القوى من أن الثورة جاءت ضد الإسلام وضد التقاليد ولأخذ أموال الناس ونهبهم ، أو بإغراء القبائل المناوئين للثورة بالذهب الأصفر والسلاح.



    * حدثت إعدامات بعد الثورة ، بعضها استهدف عناصر مؤيدة للإمام ، وبعضها لم يكن مؤيداً له ، من بينهم رموز ومشائخ قبلية ؟

    ـ اعتقد أن دوافع وأسباب الإعدامات التي وقعت بعد الثورة ، كان منشؤها ما حدث في ثورة 1948 ، لأن تلك العناصر التي قامت ثورة 48 ضدها ، وألقي القبض عليها وأودعت السجون هي التي انقلبت على الثورة وتسببت في فشلها ، وفي إعدام ثوار 48 وبعد تلك التجربة المريرة كان هاجسها حاضراً عند قيام الثورة عام 1962.

    من جهة أخرى فإن ثورة سبتمبر كانت بمثابة انفجار اختلط فيها الحابل بالنابل ، ومن دون شك فإن هروب الإمام وتحركه في المناطق الشمالية وعودة الذكريات القديمة والتخوف من محاولات إجهاض الثورة ، كانت كلها أسباب ومبررات وقفت وراء تلك الإعدامات التي كان بعضها غير مبرر وتم في عجلة وبدون محاكمات ، ومثل ذلك جرى في كثير من الثورات ولابد من مراجعة وتقييم جميع الإعدامات التي حدثت ورد الإعتبار لأؤلئك الذين أعدموا دون مبرر كاف مثل الويسي ومحمد صالح العلفي وغيرهم .



    * ألم تكالب هذه الإعدامات الأعداء عليكم ؟
    ـ لا شك أنها كالبت الأعداء ضد الثورة ، لكن بعض الإعدامات كان رادعاً للكثيرين من الذين كانوا يتربصون بالثورة ، وبدون شك خسرت الثورة تأييد شخصيات ذات وزن وتأثير ممن كانوا مؤيدين للثورة مثل المرحوم القاضي أحمد السياغي ، الذي كان في عدن وكان مؤيداً للثورة ، فلما أعدم أخوه عبد الرحمن السياغي كان من الطبيعي أن يتحول القاضي أحمد السياغي إلى الصف الآخر ، وثمة حالات مشابهة أخرى.



    * هل تندمون على شيء في هذه الفترة ، كثورة وليس كشخص ؟

    ـ أنا مقتنع أن الثورة كانت حقاً واجباً على كل شخص كانت لديه القدرة على تغيير ذلك النظام ومتأكد من أن الذين فجروا الثورة أقدموا على ذلك عن إقتناع كامل بوجوب الثورة وإيمان بعدالتها وضرورتها ضد النظام الملكي المتخلف الذي كان جاثماً على اليمن ، وفيما يتعلق بالأخطاء فلا يمكن القيام بثورة دون إرتكاب أخطاء ، إذ لا يقوم عمل كبير دون ثمن ، ولا شك أن ذلك لا يعني رضانا عن تلك الأخطاء أو تبريرها ، ويشفع للثورة منجزاتها وخيرها العميم الذي غير وجه الحياة لليمن واليمنيين ويتحمل وزر تلك الأخطاء مرتكبوها الذين في أغلب الحالات لم يكونوا من ضباط الثورة ولا من المؤيدين لها .



    * أستاذ يحي، نأتي إلى الدور المصري في اليمن .. كيف جاء المصريون إلى اليمن ؟

    ـ لقد سبق الوجود العسكري والسياسي المصري في اليمن إتصالات ، سواءً قبل الثورة أو بعدها ، مع قيادة التنظيم ومع غيرهم ، وكلها صبت في التأكيد على دعم مصر لأي تغيير لنظام الإمام أحمد ، ولما قامت الثورة وتعرضت منذ اليوم الأول للتآمر الخارجي ؛ فقد حتم ذلك مع عوامل أخرى مجيء المصريين إلى اليمن، منها فشل الوحدة بين مصر وسوريا والعداء والتوتر في العلاقات المصرية السعودية، بالإضافة إلى طموحات المد القومي التي جاءت بها ثورة 23 يوليو 1952.

    ولا شك أن الهدف الرئيس من التدخل المصري هو الدفاع عن الثورة وحمايتها التي باتت مهددة بالتدخل الخارجي ، فبعد هروب الإمام البدر وتحرك أعوانه ومناصريه في أنحاء مختلفة من البلاد ودخول أسلحة وأموال عبر الحدود اليمنية السعودية ثبت للجميع أننا لا نواجه بيت حميد الدين، بل تم تدخل من دولة مجاورة موقفها معاد لكل تغيير في اليمن ، لهذا كان من الطبيعي أن يهب الجميع لطلب النجدة من مصر ، وفعلاً تم إرسال برقيات ورسائل ، لا أتذكرها بالتفصيل ، تطلب من الرئيس جمال عبدالناصر إرسال قوات مصرية رمزية حتى تكون رادعاً للجيران وغيرهم من التدخل.

    وبحسب علمي قام أنور السادات بإقناع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بإرسال كتيبة عسكرية إلى اليمن، على أساس وجود رمزي في صنعاء لدعم الثورة ورفع معنويات الثوار ، وفعلاً جاءت الكتيبة بجنودها وضباطها وخبرائها وأسلحتها ، لكن الأمور في جبهات القتال تسارعت ليتحول الوجود المصري الرمزي إلى وجود عسكري ، وتتحول المسألة من مجرد دعم إلى مشاركة في القرار ثم إلى هيمنة على صانعي القرار في الجمهورية العربية اليمنية ، سواءً كان القرار كان عسكرياً أم سياسياً ، كما تشعب الصراع في اليمن إلى صراع بين الجمهورية العربية اليمنية وفلول الملكيين وبين مصر والسعودية.

    وبدون شك ؛ فإن تضحيات المصريين في اليمن كانت كبيرة وتأثيرهم ودعمهم ومساندتهم للثورة في اليمن كانت مؤثرة وفعالة، لكن ممارستهم للسلطة والقرار كانت أحد الأسباب في استمرار الحرب لثمان سنوات، وكان ذلك نتيجة البيروقراطية في المؤسسة العسكرية المصرية، وعدم وضوح الرؤية لدى الرئيس عبدالناصر ، كما حال ذلك دون قيام جيش يمني كامل التدريب والجاهزية وعدم تمكن القيادة اليمنية من التحكم والسيطرة على الشؤون العسكرية والمدنية معاً، وكان ذلك متوقعاً، ما دامت هناك قوات تصل إلى 70 ألف جندي مصري في اليمن وما دامت هناك أموال ضخمة للإنفاق على هذه القوات وعلى الدولة اليمنية نفسها.

    وبالرغم على اعتمادنا على هذا الدعم العسكري والمادي وبرغم امتناننا للموقف المصري فإن هكذا أوضاع لا شك كانت تثير لدينا في الوقت نفسه أكثر من تساؤل : ثم ماذا ؟ وجراء ذلك انتهت الأمور بعد صراع صامت إلى صراع مفتوح اتضح بصورته الكاملة خلال العام 1966.



    * هل كانت هناك معارضة من القادة اليمنيين لتدخل القوات المصرية في اليمن ؟

    ـ الجميع كان مدركاً لأهمية الدعم المصري للثورة اليمنية ومرحباً بوجود قوات مصرية في اليمن وبدور مصري في سياساتها، ولكن هيمنة المصريين على القرار خلفت معارضين وكان أولهم الشهيد محمد محمود الزبيري ، وكان أول تحرك له يتمثل في الدعوة لعقد مؤتمر عمران ومناداته بتكوين حزب الله وخروجه من العاصمة صنعاء إلى المناطق القبلية للإعداد لمؤتمر خمر، ومثله موقف وقف الأستاذ النعمان والشيخ عبدالله الأحمر وغيرهم وإن بطرق أخرى .

    كل هذه التحركات التي قام بها الزبيري وغيره من السياسيين هدفت إلى التعبير عن الإحتجاج بطريقة أو بأخرى على إستمرار إتخاذ القرارات من قبل المصريين نيابة عن اليمنيين وعلى إستمرار القتال في ظل غياب جيش يمني جمهوري مؤهل وإرادة سياسية جمهورية مستقلة.



    * هل كانت هذه المعارضة قبل التواجد المصري أم بعده ؟

    ـ المعارضة كانت بعد دخول القوات المصرية إلى اليمن، أما قبل ذلك ، فإنني أجزم أنه لم يكن هناك من يعترض على هذا التواجد ، لكن كان هناك إعتراض منذ الوهلة الأولى على الدكتور عبدالرحمن البيضاني، الذي فرضته القيادة المصرية ليحتل أعلى المناصب في الدولة الجديدة والمعارض الأول كان متمثلاً في قيادات 1948، التي كانت لها خلافات كثيرة معه ومع المصريين، لهذا كان لدى الزبيري والنعمان اعتراضات على أن يأتي المصريون بمن يمثلهم أو يمنحهم نفوذاً، مثل البيضاني وغيره ، وبمرور الوقت انضم إليهم في هذا الموقف سياسيون وعسكريون ومشائخ بارزون مثل الشيخ عبدالله الأحمر.



    * وهل كان مقتل الزبيري جزءاً من هذه الحسابات ؟

    ـ لا ، لا أعتقد.



    * ألم يكن هناك يد للمخابرات المصرية أم أن اليمنيين كانوا وراء مقتله ؟

    ـ في الحقيقة لم تحزن القيادة المصرية ولا حلفاؤها اليمنيون لموت الشهيد الزبيري ، فقد جاء استشهاده خلال دعوته لعقد مؤتمر خمر المناوئ للسياسات والممارسات التي تتبعها القيادة المصرية في صنعاء ومن معها من القيادة اليمنية، ولكن لا ضلع لهم في حادثة اغتياله ، والأدلة التي ظهرت فيما بعد تؤكد أن اغتياله تم بترتيب من قبل أحد أمراء بيت حميد الدين.



    * قتل أم اغتيل ؟

    ـ اغتيل غدراً، ولكن تم القبض على الذين اغتالوه، وادخلوا إلى سجن مهلهل في خمر ، ولأسباب قبلية وغير قبلية ، وبسبب وجود خلاف بين منظمي مؤتمر خمر والحكومة في صنعاء أمكن لهؤلاء القتلة أن يفروا من السجن، وإن انتهى مصيرهم بالاقتتال فيما بينهم.



    * عندما فرض البيضاني على القيادة في صنعاء .. كيف تعاملت القيادة اليمنية مع الأمر ؟

    ـ كان قبول قادة الثورة بالبيضاني يعود إلى أن دوره كان معروفاً لدى عامة الناس بمناوئته لنظام الإمام ، وذلك عبر برنامج كان يديره من إذاعة (صوت العرب)، على الرغم مما كان يؤخذ على هذا البرنامج من طروحات ضارة ، خاصة ما يتعلق بإثارة النعرات الطائفية والتفرقة العنصرية ، إلا أنه كان واضحاً وقوياً فيما يتعلق بمناوئة الحكم الإمامي .



    * لماذا برأيكم قبل السلال بفرض البيضاني ولم يعترض عليه رغم الخلاف الحاد معه ؟

    ـ كان ذلك في رأيي يعود لعدة أسباب، ومنها الزبيري ، الذي كانت له شعبية واسعة ، وبمجيئه كان الناس يتوقعون أن يكون في الواجهة ، وكان المصريون غير راضيين لا عن الزبيري، ولا عن النعمان ، كما أن السلال لم يكن هو الآخر، على وفاق مع الزبيري ، ولهذا قبل السلال بالبيضاني نزولاً عند إرادة المصريين ولاعتبارات داخلية أخرى .

    وبرغم ذلك فقد ظل الزبيري ثائراً بعد الثورة ، كما كان قبل الثورة ؛ فلم يسكت ، وظل ينتقد الوضع ، على الرغم من توليه مناصب وزارية كوزير للمعارف ، وكان الزبيري والنعمان الأبرز من القيادات القديمة اللذين ظلا يصران على ضرورة بناء الأمة بطريقة مختلفة عما كانت تسير عليها الأمور ، وكانا يطالبان بدور أكبر لليمنيين كجيش وقيادة وشعب ، بمعنى أخر تحول الزبيري والنعمان بمثابة معارضة للسلطة من داخلها ، وكان الأستاذان النعمان والزبيري الإمتداد الحقيقي لثورة 48 ، ومثالاً للتوجه المثقف الواعي داخل مسيرة الثورة السبتمبرية.



    * كيف جاء التخلص من البيضاني ؟

    ـ في خضم الصراع السياسي بين القيادة اليمنية ، وبعد أن تمادى البيضاني في مناكفة السعودية واستفزازها، وحاول أن يمارس دور الشخص الأول في رئاسة الجمهورية وليس الشخص الثاني، ضاق به السلال ذرعاً، واضطر بعد أشهر قليلة أن يبعث برسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر يطلب منه عودة البيضاني إلى مصر ، وعند وصوله إليها طلب عبدالناصر من البيضاني أن لا يعود إلى صنعاء ، ولكنه بدلاً من أن يبقى في مصر عاد إلى عدن ، وحاول أن ينشط ويتحرك من هناك، لكن أبناء عدن والأحزاب السياسية فيها قاوموه، مما اضطره فعلاً إلى الخروج من الساحة السياسية في اليمن والبقاء في مصر .



    * ألم تحدث خلافات بين القادة اليمنيين الكبار مثل السلال والجائفي وعبدالله جزيلان؟
    ـ الجائفي رفض رئاسة الدولة عندما عرضت عليه، وبعد إعلان الثورة جاء من الحديدة ووصل إلى مقر القيادة في صنعاء ، وعند لقائه بالسلال، قال له: " أنا جندي جنود الثورة "، فقال له السلال: " أنت أولى بهذا الكرسي، والمفروض أن تجلس أنت عليه "، وكان ذلك تأدباً من المشير السلال فرفض الجائفي بالطبع ، ثم طلب السلال من الجائفي أن يعود إلى الحديدة ، وتولى مهاماً مختلفة ، منها رئيس وزراء ، وكانت كلها في إطار الدفاع عن الثورة وبناء الدولة الحديثة ، لكنه لم يكن بأي حال من الأحوال لا منافساً للسلال ولا طامحاً في كرسي الرئاسة .

    أما بالنسبة لعبدالله جزيلان ، فقد واصل دوره الذي قام به قبل الثورة عند إدارته الكلية الحربية سواءً في قيادة معارك الثورة أو في المساهمة الفعلية في قيادة البلاد ، لكن من منطلق التعاون الكامل مع المصريين ومع السلال ، ولهذا لم تكن هناك خلافات بينه وبين السلال أو بينه والمصريين، فيما أعلم.



    * كان لافتاً للإنتباه أن فترة ما بعد الثورة كانت حكومات تتشكل بين فترة وأخرى .. ما السبب في ذلك ؟

    ـ تعاقب الحكومات كان سببه في حقيقة الأمر يعود إلا أننا كنا نتعلم ، فيومها لم تكن لدينا أية مقومات حكومة أو دولة ، إضافة إلى ذلك ازدادت المعارك شراسة مع الملكيين ، خاصة بعد ازدياد الدعم المادي والعسكري للملكيين من قبل السعودية ، وكانت هذه المعارك تأخذ كل اهتمام الحكومة والدولة ، سواء فيما يتعلق بمتابعة الأحداث على الجبهات أو البحث عن تمويل مادي لميزانية الحكومة ودعم عسكري لصمود الثورة وبناء جيش يمني ، حيث لم تكن هناك قوة عسكرية ضاربة سوى القوات المصرية .

    وقد حاول المصريون في بداية الأمر تدريب بعض الألوية العسكرية اليمنية ، ولهذا الغرض أخذوا ألوية بكاملها إلى مصر تم تدريبها على بعض الأساسيات وإعدادها لتكون قادرة على التدخل في الميدان ، ولكن ذلك لم يكن مجدياً ، لأنه لم تكن هناك بنية أساسية للجيش ، وهكذا تعقدت الأمور وتعذر استقرار الحكومات المتعاقبة التي لم يكن لها حول ولا قوة.



    * أين كان يحي المتوكل من هذه الأحداث ؟
    ـ بعد خوض معارك عديدة في المناطق الشمالية الغربية حيث كانت قوات الملكيين أكثر شراسة ، وخلال إحدى المعارك عام 1963، أصبت إصابة بالغة أسعفت على إثرها إلى مصر ، وبعد عودتي من مصر إلى صنعاء كنت لا أزال متأثر بالإصابة ، حيث كانت ذراعي اليسرى شبه معوقة ، وكان ذلك مانعاً من العودة إلى الجبهة ، لذلك بعثت مع أول دفعة عسكرية إلى الإتحاد السوفيتي للدراسة .

    عدت العام 1965 إلى صنعاء ، وعينت في قيادة القوات المسلحة كمدير عام للتدريب والمنشآت التعليمية ، وشاركت في الإجتماعات السياسية لقيادة الجيش ، حيث كان محور إجتماعاتنا يتركز حول دعم موقف السياسيين بزعامة الإرياني والنعمان والعمري ، من السياسات المصرية في اليمن وخاصة استمرار هيمنة القيادة العسكرية على الشؤون السياسية والإصرار على تجاهل رأي أغلبية القيادة السياسية اليمنية في كيفية تسيير دفة الحكم والحرب.



    * لكن كانت هناك محاولة للإطاحة بالسلال العام 1966، ما قصتها ؟

    ـ خلال غياب المشير السلال العام 1966 التفت مختلف القيادات المدنية والعسكرية والقبلية حول القاضي عبد الرحمن الإرياني والنعمان والعمري ، واتفقت فيما بينها على ضرورة البحث عن حلول للخلافات حول طبيعة إدارة الحكم ، فقد وصل الخلاف مع القيادة المصرية والمشير السلال إلى طريق مسدود ؛ فالسلال كان مع استمرار الإعتماد على النهج المصري في إدارة البلاد ، أما الآخرون فقد كانوا مع ضرورة إنهاء الهيمنة المصرية على القرار اليمني ، لأن هذه الهيمنة كانت تزيد من تأجيج الصراع واستمرار الحرب ، وكان ثمة اتفاق مع المصريين بعد سفر السلال إلى مصر على بقائه فيها لفترة ، وذلك لتجنب الصراع الدائر بينه وبين معارضيه بزعامة الإرياني . وهكذا بدأت قيادة معروفه بخلافاتها مع المصريين بإدراة شؤون البلاد ، الأمر الذي ضايق المصريين ، الذين أصروا على عودة السلال من جديد إلى اليمن ، لكن القاضي الإرياني ومن معه مثل الفريق العمري والأستاذ النعمان وقيادات الجيش أبلغوا المصريين معارضتهم ورفضهم لعودة السلال وأنزعج المصريون لهذا الموقف ، وأبلغونا أن المشير السلال قرر العودة إلى صنعاء في مطلع أغسطس 1966، وكان رد الفعل شديداً ، حيث أعلنت قيادة المعارضة المقاومة ، ولكنها مقاومة غير جادة وغير منطقية ، لكننا أردنا أن نضغط على المصريين بهدف التفاهم معهم ، ولكنهم رفضوا الضغوط وتعاملوا مع الضغط برد فعل حاد ، حيث نشروا الدبابات على طول خط المطار لحماية الرئيس السلال عند عودته إلى صنعاء ، ورفعوا حالة الاستنفار بين قواتهم المرابطة في صنعاء .



    * كيف واجهتم الموقف بعد عودة السلال ؟
    ـ الحقيقة أنه عندما عاد السلال إلى صنعاء حاول مد يده للجميع ، بمن فيهم نحن القادة العسكريون ، ولكننا رفضنا التعاون معه تضامناً مع الإرياني والعمري ومن معهم ، على اعتبار أن رفض التعاون مع السلال يعتبر رفضاً للهيمنة المصرية على القرار اليمني ، فأصدرنا هنا في صنعاء بياناً يندد بموقف القيادة المصرية من صنعاء ، وبعد أن زاد الضغط علينا ، قررنا النزول إلى تعز ، وكان هذا الموقف بلا شك موقفاً تراجعياً ، فلم يكن من الطبيعي أن ندخل مع المصريين في معركة غير متكافئة ، على الأخص والحرب مع الملكيين لا تزال تدور رحاها على جميع الجبهات .

    عندما ذهبنا إلى تعز أعاد السلال الأمور إلى ما كانت عليه قبل سفره للعلاج للقاهرة وسيطر على الموقف ، فقد كان مستنداً إلى القبول الشعبي الذي كان يتمتع به ، خاصة في أوساط القوى اليسارية والقوى المؤيدة لمصر ، وحتى بعض قيادات الجيش والأمن .

    وفي تعز واجهنا موقفاً عصيباً وبدأنا نتساءل : ما العمل ؟ وجرت اتصالات بين القاضي الإرياني والسفير المصري ، وطلب منه القاضي الإرياني أن يبلغ القيادة في مصر أن اعتصامنا سيستمر في تعز إلى أن يسمح لنا عبد الناصر بمقابلته في القاهرة ، فجاء رده بالقبول .

    وهكذا ذهب معظم المعارضين للسلال إلى القاهرة لمقابلة الرئيس عبد الناصر ، إلا أن الشخصيات القبلية لم تذهب إلى القاهرة ، فالشيخ الأحمر عاد إلى منطقته ، والشيخ سنان أبو لحوم غادر إلى لبنان فيما بقي في صنعاء بعض الشخصيات ، مثل القاضي عبدالسلام صبرة والشهيد محمد الرعيني وغيرهم ممن وقفوا مع المعارضة ، على أمل لم الشمل وإصلاح الخلاف بين السلال وبين المعارضة .



    * ذهبتم إلى مصر وسجنتم في السجن الحربي .. ما الذي حدث بالضبط حتى تم سجنكم ؟

    ـ في مطلع سبتمبر 1966، وصلنا إلى مصر ، ولم يتم ترتيب أي لقاء لا مع الرئيس عبد الناصر ولا مع عبد الحكيم عامر ، وبعد انتظار طويل قالوا لنا سنلتقي بعبد الحكيم عامر ، وكما أتذكر فقد ذهبنا إلى قاعة فرعون في نادي الضباط في القاهرة لمقابلة عبد الحكيم عامر ، فإذا بنا نفاجأ بمجيء شمس بدران ، وكان منزعجاً بسبب انسحاب القاضي الإرياني والأستاذ النعمان والفريق حسن العمري من اللقاء ، وبدأ يتخاطب معنا بلغة عنيفة ، مهدداً أن مصر لن تقبل مثل هذه التصرفات ، فانسحبنا من الإجتماع رافضين أساليب التهديد ، وبدأت بعدها عمليات اعتقالنا ، وأخذنا جميعاً إلى السجن الحربي ، فيما عدا القاضي الإرياني الذي بقي رهن الإقامة الجبرية .

    وكان وضعنا مرعباً حيث وضعنا في زنزانة انفرادية ، ومنعت عنا الزيارات والاتصالات ، ومضت الشهور ونحن في انتظار الإفراج عنا ، لكن أخبار إعدام الثوري والمناضل الرعيني وآخرين معه واعتقال الآلاف من الوطنيين أدخل اليأس إلى قلوبنا ، حتى جاءت حرب حزيران التي كانت الكارثة الكبرى على مصر والعرب ، وبعدها بدأت وساطة سورية وجزائرية وسودانية للإفراج عنا ، وتم فعلاً الإفراج عنا ولكن بعد تداعيات كبيرة في الداخل في مطلع أكتوبر 67 .



    * متى كان ذلك بالضبط ؟
    ـ كان ذلك في العاشر من شهر أكتوبر 1967 .



    * وكم كان عدد الذين تم سجنهم في القاهرة ؟

    ـ كنا نشكل خليطاً من القادة السياسيين المدنيين والعسكريين على رأسهم الفريق العمري والأستاذ أحمد محمد النعمان وبينهم 6 إلى 7 وزراء ، مثل حسن مكي ، أحمد عبده سعيد ، أمين نعمان ، أحمد دهمش ، محمد الحجي ، محمد حسن صبرة وقادة عسكريون ، مثل علي سيف الخولاني ، وحسين المسوري ، وإبراهيم الحمدي ، أحمد المتوكل ، علي قاسم المؤيد ، محمد الخاوي ومحمد أبو لحوم ، يحي مصلح محمد ، ومحمد تلها ، وبلغ عدد الذين سجنوا 50 شخصاً .



    * كيف عشتم أيام السجن الحربي في القاهرة ؟

    ـ الحقيقة كان ذلك السجن نوعاً من الموت البطيء ، فقد كانت معاملة السجانين سيئة ، خاصة في بداية الأمر ، ولم يكن مسموحاً لنا أن نلتقي فيما بيننا ولا مع العالم الخارجي ، ناهيك عن سوء التغذية والظروف الصحية والمكانية غير الآدمية ، وكان معروفاً أن السجن الحربي في مصر قبل تدميره هو أسوأ السجون في مصر .



    * هل انعكس ذلك على الوضع في صنعاء ؟
    ـ بالطبع فقد أعدم الشهيد الرعيني ، الذي كان من أبرز المدافعين عن ثورة 26 سبتمبر ، وقد اتهم ظلماً وزوراً بالعمالة لإسرائيل ، وهذه بالطبع كانت أكذوبة كبيرة لم تنطل على أحد ، وإنما أرادت القيادة المصرية في اليمن من هذا الإجراء ردع كل من يفكر في معارضتها.



    * متى قتل الرعيني ؟
    ـ كان ذلك أواخر 1966 ، ولم يقتصر الأمر على الرعيني ، فقد امتد الإنتقام ليشمل ضباطاً ومشائخاً ، تم إعدام بعضهم ، فيما تم سجن آخرين بشكل غير لائق .



    * أتعنون أن حملة الإعتقالات جاءت بعد مجيء السلال من القاهرة ؟

    ـ نعم، جرت حملة إعتقالات واسعة ، وخاصة بعد ذهابنا إلى القاهرة ، وإلتقائنا بشمس بدران ، حيث شمل الغضب الجميع في الداخل والخارج.



    * هل كان ذلك نتيجة لسياسة المصريين، أو لتصرفات السلال ؟

    ـ في رأيي أن ذلك كان من فعل القيادات المصرية العسكرية من أمثال شمس بدران ، والتي تسببت في هزيمة حزيران ، وفي سقوط الكثير من الضحايا المصريين واليمنيين ، أما المشير السلال فلم يكن له حول ولا قوة ، ولكنه خيب آمال الكثيرين ببقائه خلال تلك الأحداث في سدة الحكم.



    * هل يتحمل السلال هذه الأخطاء لوحده ؟

    ـ لا شك أن هناك أشخاصاً آخرين غير المشير السلال يتحملون قسطاً من اللوم ؛ فالأهنومي مثلاً وغيره يتحملون مسؤولية المحاكمات والإساءات التي لحقت بشخصيات كبيرة مثل الشهيد الرعيني بالذات.



    * هل كان الرئيس المصري جمال عبدالناصر على علم بما يجري لكم في القاهرة ؟
    ـ أنزه عبدالناصر عن مسؤولية ما لحق بنا وبالقضية اليمنية ، فقد تجسد موقفه في الدعم غير المحدود للثورة اليمنية منذ قيامها ، لكنه أوكل أمور اليمن للمرحوم عبدالحكيم عامر والمرحوم أنور السادات ، وبقدر ما كان فشل عامر في إدارة الحرب ومواجهة العدوان في حرب حزيران مع العدو الصهيوني بقدر ما كان فاشلاً في إدارة الأزمة اليمنية .



    * كيف كان برأيكم دور أنور السادات في الأزمة المصرية اليمنية ؟

    ـ لاشك أن السادات هو الذي أقنع الرئيس جمال عبدالناصر بإمداد الثورة اليمنية بالدعم العسكري المباشر، وعندما أدرك أنه أخطأ في تقدير ظروف القضية اليمنية أقحم عبدالحكيم عامر والمرحوم أنور السادات وقيادات مصرية كبيرة في تحمل مسؤولية إدارة الحرب في اليمن ، وجراء ذلك تولدت مصالح وأصبحت المسؤولية في يد عبدالحكيم عامر ومجموعة من القيادات المقربة منه ، ولاشك أن الدعم العسكري المصري للثورة اليمنية كان حاسماً وضرورياً لانتصارها ، لكن ما رافق هذا الدعم من تدخل مباشر في الشؤون اليمنية تسبب في مشاكل لا حصر لها لليمن ولمصر ، سواءً من إمتداد وطول أمد الحرب أو في هزيمة حزيران 1967.



    * أريد أن أسألكم سؤالاً صريحاً وغريباً أستاذ يحي .. هل تعتقدون أن نكسة حزيران 1967 كانت مفيدة لليمن ، بمعنى آخر: ماذا لو لم تقع النكسة ، ما هو السيناريو الذي كان يمكن أن يحدث في اليمن؟

    ـ بالطبع لم تكن مفيدة ؛ فقد كانت اليمن برغم المعاناة تنعم بالنظام الجمهوري ولو لم تحدث نكسة حزيران لأمكن للمصريين واليمنيين تثبيت النظام الجمهوري وإنهاء الحرب ، بإتفاق أو آخر مع السعودية ، وبمشاركة المعارضة أو بدونها .. ولكن لم تكن لتستقر اليمن بدون مصالحة وطنية سواءً بين الجمهوريين أنفسهم أو بينهم وبين الملكيين ، وكان من الطبيعي بالنسبة للسجناء السياسيين في مصر مهما طال سجنهم أن يعودوا إلى اليمن بشكل أو بأخر.



    * البعض يرى أن سبب نكسة حزيران يعود إلى التواجد المصري في اليمن ، لأن مصر دفعت بعشرات الآلاف من جنودها إلى أرض مجهولة .. ما ردكم ؟

    ـ اليمن كانت فيها قوات مصرية وصلت إلى 70 ألف جندي، ولكن كان ذلك جزء من جيش كبير، والأهم في رأيي ، أن التداعيات التي حصلت في 1967، لم تكن بسبب التواجد المصري في اليمن فقط ، بقدر ما كانت نتيجة طبيعية للنهج الذي أتبعته القيادات المصرية العسكرية المصرية في التعامل مع العدو الإسرائيلي.

    ورحم الله الرئيس عبدالناصر ؛ فقد وثق واعتمد على قيادات عسكرية عليا مترهلة غير جديرة بالمسؤولية وهي التي تسببت في الزج بمصر والأمة العربية في معركة خاسرة ، في هذه الحالة سواءً كانت القوات المصرية في اليمن أو في مصر، فالنتيجة كانت واحدة .
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-11-30
  11. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل الرابع

    انقلاب 5 نوفمبر

    أحداث أغسطس

    المصالحة



    * هل تعتقدون أستاذ يحي أن المصريين عندما جاءوا إلى اليمن كانوا مستوعبين للظروف اليمنية وتعقيداتها المختلفة ؟

    ـ في يقيني لم يكن لدى القيادة المصرية المعرفة الكافية بالظروف اليمنية وبتعقيدات طبيعتها الإجتماعية والجغرافية، وعلى سبيل المثال ؛ فإن القيادات المصرية في اليمن كانت على جهل تام بالعادات والأعراف القبلية، كما كان ضباط الوحدات يجهلون جغرافية المناطق التي سيخوضون فيها القتال والعدو الذي سيواجهونه.

    لهذا كانت الخسائر البشرية والمادية كبيرة وموجعة، وخلاصة القول، كان التكتيك والإستراتيجية اللذين اتبعا من قبل المصريين لإدارة المعارك في اليمن غير واضحين طوال السنوات الأربع الأولى للثورة، وبعد مرور أربع سنوات أي في عام 1966، وبعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها القوات المصرية تعلموا من الأخطاء التي وقعوا فيها وقرروا الانسحاب من عدد من المناطق التي كانت المعارك فيها شرسة وغير متكافئة، حيث كانت خسائرهم البشرية في مواجهة عصابات غير مرئية، وبدأوا التمركز في مناطق آمنة.



    * ما قصة حركة 5 نوفمبر.. البعض يقول إنها حركة والأخر يرى أنها إنقلاب، وانقسمت القوى السياسية بشأنها بين مؤيد لبقاء السلال مثل القوميين والمؤيدة لرحيله مثل البعث ؟

    ـ تباينت الأقوال والأحكام حول حركة 5 نوفمبر 1967 البعض يقول إنها حركة رجعية وغيرها من هذه الأوصاف، وأنا أؤكد لك أن هذه الحركة هي التي أنقذت اليمن من العودة مجدداً إلى الملكية وذلك بدحرها الهجمة الملكية الشرسة أثناء حصار صنعاء وبمشاركة كل الجمهوريين في إدارة الحكم ، وقد استطاعت في نهاية الأمر أن تقود البلاد إلى المصالحة وإلى الحصول على اعتراف العالم بالجمهورية العربية اليمنية.

    التحضير لحركة 5 نوفمبر بدأ بشكل جاد بعد اتخاذ مصر قرارها بعد حرب حزيران بالانسحاب من اليمن، وبعد عودة السجناء اليمنيين السياسيين إلى اليمن فعندما عدنا إلى صنعاء إلتف الجميع حول القاضي عبدالرحمن الإرياني سواء قوى قبلية أو سياسية أو عسكرية بما في ذلك معظم القوى التقدمية من البعثيين وغيرهم.

    أما عن المشير السلال فقد كان على علم مسبق بالنوايا المبيتة للانقلاب وذلك قبل سفره إلى العراق ولم يكن معارضاً للتغيير ما دام الذين سيخلفونه سيحافظون على الثورة والجمهورية، وهذا ما عبر عنه عندما استقبلنا إثر عودتنا من مصر إلى الحديدة، بل إنه أوكل إلى القاضي الإرياني إدارة البلاد خلال غيابه.



    * ماذا عن مظاهرات 3 أكتوبر ؟

    ـ الذين قاموا بانتفاضة في 3 أكتوبر ضد المصريين كانوا من اليساريين المتطرفين وبعض الضباط الساخطين على قرار مصر بالموافقة على وصول لجنة السلام إلى صنعاء، والمشكلة من ممثلي السودان وبعض الأقطار العربية، والتي وافقت عليها مصر في مؤتمر القمة الذي انعقد بعد حرب حزيران.



    * ممن تشكلت القيادات العسكرية عند قيام حركة 5 نوفمبر ؟

    ـ تشكلت من الإخوة صالح الأشول، محمد علي الأكوع، محمد شائف، جارالله، يحي مصلح، يحي المتوكل، وذلك باختيار من قيادات الوحدات التي اجتمعت في منزل المناضل عبد السلام صبره.



    * هل كنتم تتوقعون مقاومة من أنصار السلال ؟

    ـ كنا نتوقع المقاومة من حراسة المشير السلال ومن بعض المشائخ كالمرحوم أحمد عبدربه العواضي، لكن العواضي والمشائخ الآخرين وأفراد حراسة المشير أعلنوا الولاء للحركة، لأنه لم يكن لديهم تعليمات من السلال بالمقاومة، كما أنهم لم يكونوا رافضين للتغيير.



    * كيف تصرف الرئيس السلال مع الحركة ؟

    ـ عندما عدنا من مصر إلى الحديدة في أكتوبر 1967، التقينا الرئيس السلال الذي كان يتهيأ لزيارة العراق والاتحاد السوفيتي، وكان رحمه الله صاحب نكته لاذعة ؛ فأول ما دخلنا لنسلم عليه، قال لنا "جئتم تزقوا المهرة "، يعني أتيتم لأخذ السلطة، وقال : " تفضلوا ". ولم يكتف السلال بهذا، بل أنه قبل أن يغادر البلاد، لم يأمر أو يوجه بإتخاذ أية احتياطات أو إجراءات ضد العائدين الذين كان يفترض أو يتوقع أنهم قادمون للإنقلاب عليه، بل أنني سمعت أنه أعطى صلاحيات للقاضي عبد الرحمن الإرياني لمزاولة أعمال الدولة مدة غيابه.



    * ألم تطلبوا دعماً من أحد.. السوفيت مثلاً ؟

    ـ على الإطلاق، ودعني أضرب لك مثلاُ على أن حركة 5 نوفمبر 67، لم تكن مرتبطة بأحد، فقد حدث بعد قيام الحركة أن كلفت أنا والأخ حمود بيدر للذهاب والالتقاء بالسفير السوفيتي بصنعاء والملحق العسكري بالسفارة لنبلغهم بقيام الحركة ورغبة القيادة الجديدة في مواصلة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي ومطالبتنا لهم باستمرار الدعم السوفيتي لنا، فاحتج السفير يومها على عدم إحاطتهم أو التشاور معهم حول قيام الحركة وكان ردنا واضحاً، لأننا دولة ذات سيادة ولسنا بحاجة للتشاور في تقرير مصير بلادنا مع أحد، وتفهم السوفيت موقف الحركة، وتحركت وفود إلى الاتحاد السوفيتي لطلب المساعدة وبدأت عملية تدريب سريعة للطيارين اليمنيين الذين تخرجوا العام 1965، ولم يتمكنوا من الطيران بعد عودتهم إلى اليمن بسبب اعتراض القيادات المصرية في صنعاء بحجة عدم الأهلية لديهم، ومن بين هؤلاء محمد ضيف الله " وزير الدفاع الحالي " والشهيد محمد الديلمي ومحمد شائف جارالله ( سفيرنا في الجزائر )، وغيرهم الذين استشهدوا في معارك السبعين يوماً.

    خلال حصار صنعاء وصلت الإمدادات العسكرية إلى الحديدة من طائرات ودبابات، وبدأ اليمنيون الطيران على الطائرات لأول مرة، وباختصار بدأنا نتحمل المسؤولية كجيش يمني جمهوري في مواجهة الملكيين المدعومين من الخارج، وبدأت السيطرة على المنافذ الرئيسية للبلاد، وفي محاولة مستميتة، فإن قوات الملكيين بدأت تتجه فعلاً نحو صنعاء، إذ لم يمر أكثر من شهر حتى بدأ حصار السبعين يوماً، وذلك بهدف إسقاط النظام الجمهوري، اعتقاداً بإمكانية النجاح في ظل غياب القوات المصرية.

    أمام ذلك الموقف الخطير عاد الفريق حسن العمري الذي لم يكن حاضراً أثناء القيام بحركة 5 نوفمبر، وأصبح قائداً للقوات المسلحة ورئيساً للوزراء وعضو المجلس الجمهوري، وباشر مهامه فور إندلاع حرب السبعين يوماً كمسؤول أول في صنعاء، بخاصة وأن القاضي الإرياني رئيس المجلس الجمهوري كان يقيم في الحديدة، وكنت يومها عضواً في مجلس الدفاع فاستدعاني الفريق العمري وعينني مديراً لمكتبه، وقد قام الفريق العمري بقيادة المعركة أثناء حصار صنعاء بمهارة وشجاعة نادرة وحققنا انتصارا كبيراً على المحاصرين لصنعاء في أوائل فبراير عام 1968، بعد مقاومة شرسة للمهاجمين استمرت سبعين يوماً وشاركت القوات المسلحة والمقاومة الشعبية والجيش الشعبي.



    * بدأت الحركة تواجه تحديات حقيقية في أكثر من جبهة خاصة على الحدود مع السعودية.. كيف واجهتم الموقف؟

    ـ ظهر التحدي الحقيقي عندما بدأت المدافع تقصف صنعاء، وبدأ الحصار يحكم طوقه على المدينة وانقطعت الطرقات بين صنعاء والحديدة وتعز وانقطعت الإمدادات الغذائية والعسكرية ونزح الكثير إلى الريف والمدن الأخرى، لكن ما خفف عنا هذه الصدمة أننا وجدنا القوات المسلحة اليمنية المحدودة جداً متفاعلة وقوية، بالإضافة إلى أن جميع المواطنين البسطاء كانوا متحمسين لدعم الثورة وصمودها وتحول الشباب في المدارس إلى المقاومة الشعبية، وانضم إلى المدافعين عن العاصمة المئات من أبناء القبائل اليمنية المختلفة وغيرها.

    تلك كانت عوامل رئيسية وهامة وحدت الجبهة الداخلية، بالإضافة إلى العقلية العبقرية للفريق حسن العمري، الذي أدار معارك حصار السبعين بنفسه وشارك في دفاعاتها، لأنه لم يقعد في مكتبه ويتعامل مع الأحداث بإعتباره يقوم بأعمال رئيس الجمهورية وقائداً عاماً للقوات المسلحة، فقد كان يتحرك منذ الصباح وحتى المساء من جبهة إلى أخرى وكنت دائماً برفقته، وليس معنا سوى بعض الضباط السبتمبريين، مثل العميد عزالدين المؤذن وبعض أفراد من الحرس الجمهوري، وبعض مشائخ القبائل.

    كان الفريق العمري ومن معه ينطلقون صباح كل يوم في موكب مسلح إلى الجبهة التي تكون أكثر عرضة لهجمات الملكيين، وعندما نصل إلى المنطقة المحاصرة تهب القوى المرافقة لنجدة المدافعين عن الجبهة، وبالتالي ترتفع معنويات المدافعين فيقومون بصد هجمات العدو، وأحياناً إرغامه على التقهقر إلى الوراء، وأسهمت الدبابات القليلة المشاركة في الدفاع عن صنعاء في ضرب حشود الملكيين المهاجمين على مختلف الجبهات، وكان علي عبدالله صالح على رأس قيادة كتيبة الدبابات ومعه ضباط المدرعات مثل أحمد العماد وعبدالرحمن حمزة التي كانت تتحرك وترابط على أكثر من جبهة، وفي شهر ديسمبر من العام 67، أخذ الحصار على صنعاء شكل دائرة مغلقة، لكن قوات الدفاع عن صنعاء كانت تصد كل يوم هجوماً يقع هنا أو هناك بفضل التكتيك الذي اتبعه الفريق العمري خلال إدارته لمعركة حصار السبعين وبفضل بسالة المقاومين عسكريين ومقاومة شعبية وجيش شعبي.



    * ما هي الجبهات التي استطاع الملكيون إختراقها ؟

    ـ الملكيون استطاعوا إحتلال عيبان وظفار، ثم نجحوا في إحتلال جبل النهدين الذي استطعنا إستعادته بسرعة بواسطة قوة عسكرية وقبلية بقيادة العميد علي أبو لحوم، كما قاموا بإحتلال جبل الطويل في بني حشيش، ثم واصلت القوات الملكية تقدمها حتى احتلت ضلاع وجزء من عصر، واستعيدا بقوات اللواء العاشر بقيادة المرحوم العميد طاهر الشهاري وبقوة من حرس الفريق العمري مع جماعات قبلية من الحداء وقيفة، وشاركت شخصياً في قيادة هذه العمليات، كما كان الفريق العمري مشرفاً وموجهاً لنا خلالها، وقد أستشهد في عملية ضلاع المرحوم الشيخ صالح بن ناجي الرويشان، كما استشهد في معركة الدفاع عن وادي ظهر المرحوم العميد سعد الأشول.



    * كيف واجهتم النقص الحاد في الذخيرة ؟

    ـ وحدها سوريا هي التي أسعفتنا بإرسال عدة طائرات نقل محملة بالذخيرة، وقد هبطت هذه الطائرات في مطار الرحبة تحت وابل من النيران الموجهة عليها من بني حشيش وقد سدت هذه الذخائر حاجة المقاتلين، كما أسعفنا الرئيس الجزائري هواري بومدين بمليون جنيه بعثها مع زميله المناضل شريف بلقاسم الذي وصل إلى صنعاء المحاصرة، أما بالنسبة للغذاء فقد كان الناس مدركين للأوضاع فكانوا يتعاونون، بل يتقاسمون ما يملكون فيساعد الموسر المقل.



    * ما هي أصعب اللحظات التي مررتم بها ؟

    ـ كانت أكثر الضربات الموجعة والأشد تهديداً لصنعاء الهجمة الشرسة من جهة الجنوب، والتي وصلت إلى سواد حزيز، وكانت الضربة الموجعة تلك التي وقعت في تبة السواد موقع حديقة الحيوان اليوم، فقد أبلغنا ليلاً بأن الملكيين تجمعوا من جهة الجرداء وجهة دار سلم في هجوم موجه على مدخل باب اليمن ؛ فبدأنا نعد العدة لمواجهة الهجوم فالمعركة تحتاج إلى ترتيب مسبق للدفاعات المرابطة في سفح جبل نقم في منطقة الحفاء.

    في الصباح الباكر تحرك موكب العمري مع عدد من الضباط والجنود من الجيش والشرطة وبعض المشائخ إلى الموقع، لكن عندما وصلنا إلى التبة إذا بنا نفاجئ بضربات المدفعية الدقيقة التي يقودها المرتزقة فقتل بعض الضباط وأصيب البعض فأضطررنا إلى سحب الفريق حسن العمري، والإنتقال إلى موقع متأخر كانت ترابط فيه وحدات المدفعية بقيادة زميل لي هو الشهيد العقيد أحمد السماوي، الذي أستشهد في نفس الموقع في معركة أخرى.

    تلك كانت لحظة صعبة في حرب السبعين فقد تعرض العمري فيها للخطر والموت المحقق، ولو حدث له مكروه في تلك الموقعة لانعكس ذلك سلباً على الموقف كله وعلى الحرب بوجه عام.



    * كيف أمنتم الجبهات خارج صنعاء ؟

    ـ كان هناك خوف وقلق من أن تضعف جبهات القتال الأخرى لما لذلك من تأثير على حصار صنعاء، لذا كلف الشيخ عبدالله الأحمر الذي كان يقاتل معنا في صنعاء بالذهاب إلى منطقته في حاشد لحمايتها من أي إختراق، ولكي يقوم بمهاجمة الملكيين في صعدة التي احتلوها قبل حصار صنعاء، والعمل من أجل فتح طريق إلى صنعاء من جهة همدان، ومن جهة الحديدة كانت قوة تتحرك بقيادة الشيخ الشجاع العواضي، وكان معه العميد عبداللطيف ضيف الله والعميد أحمد المتوكل الذين بدأوا بخوض معارك شرسة بدأت من أطراف الجبال من منطقة الحيمة حتى وصلوا إلى "صنعاء"، بينما كان الشيخ سنان أبو لحوم، محافظ الحديدة، يحشد القوات لدعم هذا الهجوم ويمول المقاتلين المحاصرين في حجة بالذخائر عن طريق الإنزال الجوي.

    وفي نقيل يسلح، كان هناك الدفعي، وعدد من الضباط مثل علي قاسم المؤيد وحسين شرف الكبسي وآخرون يقودون معركة شرسة للدفاع عن نقيل يسلح ومقاومة وضرب الملكيين الذي كانوا قد دخلوا عبر خولان وغيرها إلى سنحان وبلاد الروس، كما كان لوجود القاضي عبدالرحمن الإرياني في الحديدة وتعز دور كبير في تحريك العمل السياسي والدبلوماسي على الصعيدين الداخلي والخارجي لحشد الدعم للجمهورية المحاصرة وفك الحصار عن صنعاء، كما كانت تدور معارك ضارية لفك الحصار عن حجة بقيادة العميد مجاهد أبو شوارب ومحمد عبدالله الكحلاني.

    ومثلما صمدت صنعاء أمام حصار خانق صمدت حجة، وهكذا واجهنا الموقف في كل الجبهات، وبعد سبعين يوماً تم إختراق الحصار فاستعدنا جبل عيبان، وتم ضرب الملكيين ضربة موجعة وحقيقية في أكثر من موقع، ولعل أشهرها كانت في إتجاه جبل الطويل، الذي كان الملكيون يضربون منه المطار، كما تم فتح طريق الحديدة، الشريان الحيوي لصنعاء، بفضل القوات المتقدمة من الحديدة بقيادة أحمد عبدربه العواضي.



    * ماذا كانت مساهمات السوفييت ؟

    ـ بعد دخول مرتزقة في المعركة الدائرة حول صنعاء ومشاركتهم في قصف المدينة بالمدافع الثقيلة وفي ضرب المدافعين عن صنعاء، شارك السوفييت لمرة واحدة في ضرب مواقع الملكيين بالطائرات وأسقطت طائرة أحدهم في جحانه، وبعدها تم الإعتماد على اليمنيين وبعد تدريبهم بدأ الطيارون اليمنيون في القيام بطلعات قتالية، وبعد ضربات موجعة ألحقها الطيارون بالملكيين أستشهد الطيار محمد الديلمي الذي أسقطت طائرته خلال ضربه لأحد مواقع الملكيين المحيطة بصنعاء.

    ويذكر للصينيين أنهم الوحيدون الذين احتفظوا بسفارتهم في صنعاء القديمة برغم إغلاق جميع السفارات الأخرى ونقل العاملين فيها إلى الحديدة.



    * وبالنسبة للقوات المصرية.. هل كانت قد رحلت كلها ؟

    ـ القوات المصرية غادرت في الأسبوع الأول من حرب السبعين، وكانت مصيبتنا وفجيعتنا معاً أن المصريين ذهبوا ولم تكن لدينا قوات مسلحة مدربة كافية ولا طائرات ولا دبابات كافية وقادرة على مواجهة هجمات الملكيين ومن معهم من المرتزقة.



    * ألم يترك المصريون أسلحتهم ؟

    ـ أخذوا أسلحتهم كلها واستهلكت معظم الأسلحة الثقيلة التي كنا نملكها، ولولا المساعدات السوفييتية العاجلة، وعلى الأخص الطائرات والدبابات، لما أمكن بناء الجيش اليمني وصد العدوان على الجمهورية بعد الحصار.



    * وماذا عن الدعم الجنوبي في قضية حصار السبعين ؟

    ـ هذا فصل أخر من سيناريو الأحداث، لأنه بعد حركة 5 نوفمبر 1967 بأيام حصل الجنوب على الإستقلال، وبدلاً من أن تتم الوحدة وجدنا أنفسنا أمام أمر واقع فرض علينا، وهو أن لا ندخل في معركة مع الإخوة في الجنوب، لهذا تم الاعتراف بدولة الجنوب لنتجنب الدخول في معارك أخرى.



    * هل يعني هذا أنكم اضطررتم اضطراراً للاعتراف بدولة الجنوب، على أية حيثيات بنيتم ذلك الموقف ؟

    ـ لقد كانت الجمهورية العربية اليمنية تخوض معركة عسكرية شرسة مع الملكيين ومن يدعمهم في هجومهم المكثف على صنعاء، وكانت التوقعات تؤكد أن المعارك مع الملكيين ستطول، وأن أخطارها كبيرة، لذلك لم يكن هناك من مجال أمامنا سوى التسليم بالوضع الجديد والاعتراف بالدولة في الجنوب، على اعتبار أننا لا نستطيع عمل أي شيء، فرئيس المجلس الجمهوري القاضي عبد الرحمن الإرياني وجد بعد أن تشاور مع القيادات السياسية والعسكرية أن لامجال غير القبول بالأمر الواقع والتسليم بما أراد الإخوان في عدن، وهو الاعتراف بالنظام الجديد.

    الذي عارض هذه الخطوة هو الفريق حسن العمري، يرحمه الله، فقد كان يؤكد أن الاعتراف بالجمهورية في الجنوب يعني التسليم بالإنفصال، وكان رأيه هو أن لا نعترف بهذه الدولة، إلا أن القاضي الإرياني بحكمته وإدراكه لعواقب اتخاذ موقف كهذا، قرر أن يعترف بالوضع القائم، وأتذكر في تلك الفترة أنه عندما جاء إلى صنعاء وفد يمثل الجبهة القومية، برئاسة المرحوم عبد الله الخامري، اعتقله الفريق العمري، لكن تم الإفراج عنه بعد ذلك، وكانت قناعة العمري بوجوب عدم الاعتراف بالقوميين في الجنوب، لأنهم يكرسون الانفصال بإعلانهم قيام دولة مستقلة.



    * هل جرت مشاورات بينكم وقيادات الجبهة القومية، خاصة وأن الأخيرة كانت على وشك استلام السلطة في الجنوب ؟

    ـ في الحقيقة أنه حتى ما قبل إعلان الاستقلال، كانت هناك علاقة ممتازة بين النظام في الشمال ( الجمهورية العربية اليمنية ) وبين كل ممثلي القوى المناوئة للاستعمار البريطاني في الجنوب، وعلى جهة أخص مع جبهة التحرير، ولم تكن تلك العلاقة مجرد علاقة عادية، ولكنها كانت تتمثل في الدعم العسكري والسياسي والإيواء للمناضلين والمقاتلين، وقبل انسحاب المصريين من اليمن كنا نعلم أن هذه العلاقات محكومة بالتوجه المصري القومي، ولهذا كانت مصر تبدي حماسة شديدة لدعم جبهة التحرير، بينما كانت تقوم سياساتنا على دعم كل فصائل الثورة في الجنوب بدون استثناء.

    وعندما أعود إلى ذكريات تلك المرحلة، فقد كان أشخاص مثل علي عنتر وصالح مصلح وآخرين ينتمون إلى اليسار القومي، الذي كانت تمثله الجبهة القومية، يحصلون على مساعدات وتدريبات في إب وقعطبة.

    لذلك كانت صدمتنا شديدة بإعلان الإخوة في الجنوب قيام دولة مستقلة عن الشمال، لأننا كنا نتوقع أن الإخوة هناك، سواء كانوا في الجبهة القومية أو جبهة التحرير سيتجهون نحو إعلان الوحدة فور الاستقلال وسيكونون رافداً قوياً للثورة وداعماً هاماً في مقاومتنا للملكيين، وهذا ما لم يحصل.



    * كان قحطان الشعبي، وهو أول رئيس لدولة الجنوب وزيراً في حكومة الجمهورية العربية اليمنية قبل استقلال الجنوب.. فهل خذلكم الشعبي عندما رأس دولة إنفصالية ؟

    ـ القضية ليست قضية شخص ؛ فقد كان واضحاً أن هناك جبهة تحكم، وكان يغلب على النظام في الجنوب أنه كان مؤطراً في أطر سياسية متنافسة، وأنت تعرف أن موقف القوميين كان يختلف عن البعثيين والناصريين، لهذا كان من الواضح من واقع الحراك السياسي، الذي كان يسود عدن في تلك الفترة، أن هذه المواقف صارت متجذرة وقوية، خاصة في أوساط الشباب، سواء العسكريين أو المدنيين.

    لذا لم تكن القضية قضية قحطان الشعبي، بل كانت القضية قضية حزب، والقرار قرار الجبهة، خاصة وأن الرجل لم يكن صاحب تأثير على الجبهة، بل كان عبارة عن رمز لا أكثر، تمت إزاحته فور الإنتهاء من قيامه بدوره.



    * ماذا عن دعم الجنوب في إطار حصار صنعاء ؟

    ـ لم يكن هناك ما تقدمه عدن لفك حصار صنعاء، بعد أن اختارت أن تكون مستقلة عن الشمال وكانت القيادة في الجنوب مهتمة بمشاكل الدولة الجديدة وتعيش هاجس موقف الشمال من قيام الدولة في الجنوب، وبعد الاعتراف بالجنوب كدولة، عبر الجنوبيون عن تأييدهم الكامل للمعركة ضد الملكيين وفك الحصار عن صنعاء، لكن من حيث الوقوف مع الثورة، فقد كان اليمنيون من أبناء المحافظات الجنوبية سباقين ومشاركين في دعم ثورتهم في الشمال، خاصة عند قيام الثورة وخلال المعارك الأولى للدفاع عنها.



    * دخل النظام مباشرة بعد فك الحصار في أتون حرب أهلية طاحنة عرفت بـ " أحداث أغسطس " لماذا اندلعت هذه الحرب بين رفاق السلاح الواحد ؟

    ـ أحداث أغسطس 1968 بدأت شرارتها الأولى في الحديدة، عندما وصلت صفقة أسلحة من الاتحاد السوفيتي، وهي عبارة عن دبابات، فقد كانت تعليمات القائد العام للقوات المسلحة، الذي كان يومها الفريق حسن العمري، بأن يتولى استلامها ضباط المدرعات الذين لم يكونوا من فريق رئيس الأركان عبد الرقيب عبد الوهاب، الذي كان يصر أن يستلمها ضباط ينتمون إليه، وحدثت فتنة أدت إلى اشتباك بالسلاح، انتهت لصالح الفريق الأول، الذي كان يمثله الفريق حسن العمري، غير أنها تركت أثراً في النفوس، وخلفت وراءها علامة استفهام كبيرة مفادها : إلى أين سيقودنا هذا الموقف ؟ وإلى أين سيجر البلاد؟.

    جاء شهر أغسطس، وذلك بعد مرور نحو 6 أشهر على إنتهاء حصار صنعاء ( فبراير 1968 )، وقد دخلت البلاد في ذروة التوتر بين الفريقين، ولم تتمكن قيادة البلاد السيطرة عليه أو احتواءه، وكان ذلك الصراع يتصاعد في ظل أوضاع معقدة عسكرياً مع الملكيين، حيث كانت صنعاء لا تزال تضرب من بني حشيش ومن بعض المناطق مثل خولان، التي كان لا يزال الملكيون يهيمنون عليها، لذلك كان أمراً مستهجناً أن تنفجر هذه الأحداث في ظل هذا الوضع الذي يهدد الجميع، ولكن زمام الأمور أفلت من الجميع وانفجر الموقف.



    * ما هو السبب الرئيس الذي أدى إلى وصول الفريقين إلى هذه الدرجة من الخصومة ؟

    ـ كما تعلم، فقد تم تعيين عبد الرقيب عبد الوهاب خلال حرب السبعين يوماً رئيساً لهيئة الأركان، وبمجيئه إلى رئاسة الأركان أزيح عدد من الضباط الكبار لأسباب مختلفة، فالبعض من هؤلاء ترك البلاد، وتخل عملياً عن مواصلة القتال في صنعاء، والبعض ظل في قيادة الجيش، وخاصة المدرعات، ومن جهة ثانية أراد عبد الرقيب عبد الوهاب أن يأتي بزملاء له إلى هذه المواقع ليعززوا موقفه، فبدأت جراء ذلك تظهر بعد حرب السبعين يوماً صراعات داخل القوات المسلحة بين الفريق الذي كان يساند عبد الرقيب عبد الوهاب، وفريق آخر كان يمثل من بقى من الضباط الكبار، وضباط الدروع.

    وفي الحقيقة كان الصراع داخل القوات المسلحة انعكاساً للصراع السياسي في الساحة اليمنية الذي برز على إثر حرب السبعين يوماً، بين قوى تميل إلى تحالف بل ووحدة تحت لواء الجبهة القومية في جنوب الوطن، وبين قوى أخرى محافظة، كانت تميل إلى الإبتعاد عن اليسار، والسعي نحو المصالحة الوطنية، خاصة وقد ذهب المصريون، ولم يعد من مصلحة اليمن أو قدرة النظام أن يستمر في حرب طويلة، بل كان الكل مع ضرورة المصالحة لبناء دولة تقوم على أساس أكثر تقبلاً من جيرانها وبمشاركة مختلف القوى السياسية.



    * ألم تجر محاولات للتوفيق بين المتخاصمين ؟

    ـ الانفجار بين الطرفين وقع بعد أن أصر رئيس هيئة الأركان ومن معه على فرض مواقفه على الطرف الآخر، فذهب إليهم سياسيون وعسكريون للتفاهم معهم، كان من بينهم الأستاذ محسن العيني والدكتور حسن مكي والعميد مجاهد أبو شوارب وعدد من الضباط، لكن الطريقة التي عوملوا بها في معسكر الصاعقة كانت فظة، أدت إلى إصابة حسن مكي في رأسه بعد احتجازه لبعض الوقت ووقوع اشتباكات، وتواترت الأحداث بسرعة، حيث بدأت قوات الصاعقة والمظلات تتمركز في مواقعها، سواء في العرضي أو في نقم، فيما بدأت الدبابات تتمركز في مواقع أخرى.

    ولا زلت أتذكر بدقة موقف الفريق العمري من تلك الأحداث ( كنت يومها لا أزال مدير مكتبه ) حينما اجتمعنا لديه، سواء عسكريين أو مدنيين في محاولة للبحث عن مخرج، وأتذكر من بين الذين حضروا يومها الدكتور محمد سعيد العطار، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وأحمد عبده سعيد، وآخرين، وكان الجميع يشعر بالخطر، وأهمية العمل على سرعة التصرف، كان موقف العمري خلال ذلك اللقاء يؤكد على شيء واحد، هو وحدة الصف الجمهوري ووحدة اليمنيين في مواجهة العدو الذي يستهدف الثورة، وكان يرفض، رحمه الله، أن يميل إلى طرف ضد آخر، إلا أن زمام الأمور أفلت من يد الجميع، وبدأت الأحداث تتداعى، وذلك بتبادل إطلاق النار بين الطرفين عند حلول مساء 23 أغسطس 1968.

    يومها برزت مخاوف من احتمال أن يهجم الملكيون على صنعاء خلال هذا القصف الشرس، مستغلين اقتتال رفاق السلاح بالدبابات والمدافع والرشاشات، غير أن هذه المواقف تضاءلت عندما بدأ الملكيون بإطلاق النار على مواقعنا، فإذا بجميع المتخاصمين يوجهون نيرانهم على مواقع العدو في بني حشيش وأطراف أرحب، وما أن يتوقف العدو عن ضرب صنعاء حتى يعود رفاق السلاح إلى الإحتراب من جديد، حيث كان يحاول كل طرف أن يهيمن ويستحوذ على الموقف لوحده بانتصاره عسكرياً على الطرف الأخر.



    * ألم يكن الصراع طائفياً كما يتردد ؟

    ـ كان من الواضح أن الصراع الذي نشب بين المتخاصمين لم يكن صراعاً أيدلوجياً أو صراعاً طائفياً، بقدر ما كان صراعاً سياسياً يمثله إتجاه اليسار، والذي كان يعد العدة لتسلم النظام وتحقيق الوحدة تحت راية الجبهة القومية ؛ فيما كان يميل الطرف الآخر إلى ضرورة أن تقوم الدولة أولاً وتواصل مسيرتها بإتجاه المصالحة الوطنية والمصالحة مع الخارج أي مع الجيران ( السعودية )، ثم العمل من أجل تحقيق الوحدة، ولذا فقد كان يقاوم بقوة كل محاولات الهيمنة على النظام من قبل القوى المؤيدة للجبهة القومية واليسارية بوجه عام.



    * كيف حسم الموقف إذن، وعلى أية أرضية تمت التسوية بين المتحاربين في هذه الأحداث المأساوية ؟

    ـ عندما تعب الجميع من الإقتتال وسقط العديد من القتلى والمصابين، وشعروا أن قوى أخرى في العاصمة بدأت تستغل الموقف بهدف إقلاق الأمن وإشاعة جو من الفوضى، أنصاع الكل إلى المنطق فصمتت المدافع، وقبل الجميع بالعمل بأوامر القائد العام الفريق العمري والقاضية بوقف إطلاق النار والعودة إلى الثكنات.

    العمري الذي يظلم كثيراً وتنسب إليه إتهامات ظالمة في أحداث أغسطس وغيرها كان غير منحاز في هذا القتال وبذل جهوداً مضنية لوقف القتال، وكان وحدوياً حتى العظم، ولهذا بعد اجتماعه بعبد الرقيب والآخرين من سلاح المدرعات أخذ يوبخهم ويؤنبهم على ما حدث، مؤكداً على عودة المياه إلى مجاريها وأصطحب في سيارته المكشوفة الشهيد عبد الرقيب وضباطاً آخرين في جولة داخل صنعاء بهدف طمأنة المواطنين.



    * ماذا كان موقف الرئيس الإرياني.. هل بذل جهوداً أو أتخذ قرارات لمعالجة الموقف ؟

    ـ فوض الرئيس الإرياني الفريق العمري القائد العام بإدارة الأزمة ووقف الإقتتال بحسب صلاحيته وبعد إنتهاء الإقتتال وقف الرئيس القاضي الإرياني ومعه القيادة السياسية أمام المشكلة لحسمها واتفق على تغيير كافة الذين تورطوا فيها، منهم عبدالرقيب عبدالوهاب، محمود ناجي، حسين الدفعي، عز الدين المؤذن، محمد عبدالخالق، حسين المسوري، علي المنصور وآخرين، بمعنى آخر تغيير كل قادة الجيش بما في ذلك رئاسة الأركان وقيادات الجيش، ولكن التغيير وحده لم يكن كافياً، لهذا قررت القيادة السياسية ترحيل هؤلاء جميعاً إلى خارج اليمن، وتم اختيار الجزائر لتكون مكاناً لإبعادهم بعد أن وجهت للرئيس الراحل أبو مدين رسالة لشرح الموقف وطلب قبول دخولهم وبقائهم في الجزائر لفترة وجيزة حتى تهدأ النفوس.

    وفعلاً تم ترحيل هؤلاء في قائمة تضم نحو 50 ضابطاً هم كل كبار الضباط في القوات المسلحة تقريباً، إلا أنه رغم ذلك ظلت الحساسية موجودة بين الطرفين ؛ فقد كان كل طرف يعتبر أن إبعاده انتصار للطرف الآخر.

    مع ذلك سادت روح الإنضباط العسكري استشعاراً لجسامة المسؤولية وأن البلاد كانت لا تزال تواجه حرباً مصيرية مع الملكيين، وأنه لا بد من التضحية.



    * كيف جاء مقتل عبد الرقيب عبدالوهاب قيل أنه سحل في شوارع صنعاء ؟

    ـ قتل عبدالرقيب خلال إشتباك مع حراس الأمن في منزل علي سيف الخولاني بعد عودته من الجزائر، ولم يسحل.



    * بعد رحيل هذا العدد من الضباط كيف بدأت الأمور في صنعاء ؟

    ـ بعد مغادرة الجميع إلى الجزائر بدأت علامات استفهام كبيرة تطرح، وهي كيف حدث ما حدث، ولماذا، وما هو الضمان لكي لا يتكرر ذلك مرة ثانية ؟، يومها بادر السوفييت بتقديم مشورة إلى القاضي عبدالرحمن الإرياني والفريق العمري مفادها أن القيادة لا تستطيع منع هذه الأمور في المستقبل إلا بوجود قوات للإحتياط تكون تحت السلطة المباشرة لرئاسة الدولة، ولذلك تقرر إنشاء قوات الإحتياط التي سميت بعد ذلك " لواء الإحتياط " ووضع على رأسها المرحوم الشهيد إبراهيم الحمدي، الذي كان حينها ضابطاً مقرباً من الفريق حسن العمري، حيث أعتبر اختياراً عسكرياً وسياسياً مناسباً للقيام بالمهمة وذلك نظراً لما كان يتمتع به من ثقة عند الإرياني والعمري على السواء، وكانت المهمة صعبة وغير عادية.

    وقد تكونت قوات الإحتياط من كتيبة صواريخ وكتيبة دبابات، بالإضافة إلى أصناف جديدة من الأسلحة ووسائل النقل.



    * هل أنهت هذه الخطوة الخطر الذي تعرضت له الثورة في أحداث أغسطس ؟

    ـ لاشك أنه بأحداث أغسطس 1968 إنتهت عملية التوازن داخل القوات المسلحة وفي الدولة نفسها وهو التوازن الذي كان يقوم على أساس يسار ويمين، وأصبح التوجه المحافظ هو المسيطر أكثر من أي وقت مضى، وبذلك انتهى الصراع داخل الجيش على الأقل لعدة سنوات قادمة، من جهة أخرى استمرت وحدات الجيش في القتال لمواجهة الهجمات الملكية، خاصة في مناطق مثل صعدة وبعض المناطق المجاورة لصنعاء وما حولها.





    * ما بين عام 1968، الذي شهد أحداث أغسطس وإنطلاق عملية المصالحة العام 1970، كيف تم التحضير لهذه التطورات ؟

    ـ في عام 68 و 69 استمرت الأمور تسير على طريق العمل من أجل بناء قوات مسلحة قوية ومنضبطة وحديثة، ولكن بطريقة (خطوة خطوة )، وكان السوفييت وهم المصدر الأول للأسلحة والخبرة في إعادة بناء قواتنا المسلحة، والذين كانت تربطهم علاقات وثيقة بالجنوب، غير متحمسين لبناء قوات مسلحة قوية ومتفوقة، لذلك تحقق المستوى المعقول في تسليح وتدريب الجيش وارتقاء قياداته إلى مستوى المهام الموكلة إليهم، ولكن لم يتطور تسليح الجيش في الشمال بمستوى الجيش في الجنوب بسبب موقف السوفييت وقلة الإمكانيات.

    في مطلع العام 1969 أختلف الفريق حسين العمري مع الرئيس الإرياني والمجلس الجمهوري فأعتبر نفسه مستقيلاً من قيادة الجيش ورئاسة الوزراء، فكلف عبدالله الكرشمي بتشكيل الحكومة، أما بالنسبة للقيادة العسكرية فلم يبت القاضي الإرياني في تعيين البديل، ووجه باجتماع كبار الضباط لانتخاب قيادة تحل محل الفريق العمري، فتم إنتخاب 3 أشخاص لهذه القيادة هم : العميد عبداللطيف ضيف الله، العميد يحي المتوكل والعقيد أحمد الرحومي، وتقرر تعييني نائباً للقائد الأعلى للقوات المسلحة للشؤون الإدارية والمالية والعميد ضيف الله عين نائباً للشؤون العسكرية ؛ فيما تم تعيين أحمد الرحومي رئيساً لهيئة الأركان العامة.

    وخلال أربعة أشهر قطعنا شوطاً لا يستهان به في بناء القوات المسلحة، غير أن ذلك بدأ يولد لدى القيادة السياسية شكوكاً حول نوايا هؤلاء السبتمبريين واتهامنا بمحاولة السيطرة على الجيش وإعادة المشاكل من جديد، على الرغم من أن تعيين قادة الوحدات العسكرية كان يتم من قبل القيادة السياسية، ومع ذلك فقد طغت الشكوك على الواقع ؛ فجرى التواصل مع الفريق العمري وتم إقناعه بالعودة إلى صنعاء وعين قائداً للقوات المسلحة وقرر الفريق العمري إعفاء الزميلين عبداللطيف ضيف الله وأحمد الرحومي من منصبيهما، على أن أستمر في منصبي كنائب للقائد العام، ولكنني قررت التضامن مع زميلي وإنسحبنا الثلاثة، وعينت من جديد عضواً في المجلس الوطني بعد أن عاد العمري لمزاولة عمله.

    خلال العام 68-69 أنشئ المجلس الوطني الذي ضم ممثلين عن المناطق وعن الفئات وقد اخترت ضمن 3 أعضاء يمثلون القوات المسلحة، وكان المجلس خطوة جريئة وناجحة على طريق بناء المجتمع المدني والديمقراطي، حيث منح صلاحيات واسعة منها إعداد مسودة الدستور وتشريع القوانين ومنح الثقة للحكومة.

    وبرغم حداثة التجربة لدى الأعضاء الذين كانوا غير منتخبين، لكنهم على قدر من الكفاءة والتجربة ؛ فقد أنجزوا الكثير من التشريعات والقوانين، كما أسهم المجلس في إشاعة الديمقراطية وفي التمهيد للمصالحة الوطنية، وكانت مسودة الدستور التي أنجزها المجلس الوطني، هي الدستور نفسه الذي أصدره مجلس الشورى الذي جاء في أعقاب إنتهاء فترة المجلس الوطني العام 1971.



    * متى بدأتم في إرسال إشارات حقيقية للسعودية بشأن المصالحة ؟

    ـ في شهر فبراير أو مارس من العام 1970، كانت هناك أكثر من إشارة ورسالة من الجمهورية العربية اليمنية والمملكة العربية السعودية تهدف إلى التمهيد لمصالحة وطنية بين الجمهوريين والملكيين، في سبيل تطبيع العلاقات بين البلدين.

    في ذلك الوقت عقد أول مؤتمر لوزراء الخارجية للمؤتمر الإسلامي في السعودية التي أصبحت أكثر حماساً للتعاطي في الشؤون العربية والإسلامية بعد نكسة حزيران العام 1967، يومها وجهت للجمهورية العربية اليمنية دعوة لحضور هذا المؤتمر، وكانت هذه هي الخطوة الأولى لعملية التصالح مع صنعاء من قبل السعودية، فمجرد توجيه الدعوة لوزير خارجية الجمهورية العربية اليمنية تعتبر إعترافاً ضمنياً بيمن واحد وقيادة واحدة لليمن تحت راية الجمهورية العربية اليمنية.

    وقد رحب الجميع في صنعاء بهذه الخطوة، وكان المفترض أن يذهب وزير الخارجية لحضور هذا المؤتمر، لكن كانت لدينا مشكلة في هذا الجانب، وهي أن وزير الخارجية كان نفسه هو رئيس الوزراء ( يومها كان محسن العيني )، وهو صاحب تاريخ سياسي ونضالي معروف، وبرغم هذه الإشكالية فإن الحل وجد بعد أن رجح الجميع ذهاب الأستاذ العيني الذي يتمتع بثقة القيادة السياسية والقوى السياسية بمختلف توجهاتها.

    اجتمعت القيادة السياسية والعسكرية يومها لمناقشة الأمر ورحب الجميع بذهاب العيني حتى يكون قادراً على الأخذ والرد مع الجانب السعودي في قضية العلاقات الثنائية بين اليمن والسعودية، واشترط الجميع أن يستقبل العيني كما يستقبل أي رئيس وزراء، وأن يرفع علم الجمهورية العربية اليمنية، وأن لا يكون هناك أية منغصات تسيء إلى الرجل والوفد المرافق له وإلى اليمن.

    وتم إبلاغ الأخوة في السعودية بذلك فرحبوا بالعيني والوفد المرافق ووافقوا على ترتيب الاستقبال اللائق ورفع علم الجمهورية العربية اليمنية، وهكذا اتجه الوفد إلى السعودية برئاسة الأستاذ محسن العيني لحضور المؤتمر.



    * ممن تكون الوفد إلى جانب رئيس الوزراء محسن العيني ؟

    ـ أختار العيني لمرافقته في هذه الزيارة الشيخ عبدالله الأحمر والقاضي عبدالله الحجري وأنا ( يحي المتوكل )، بالإضافة إلى سفيرنا في الجامعة العربية مصطفى يعقوب وآخرين لم أعد أتذكرهم، وكان يحدونا الأمل ونحن متوجهون إلى السعودية أن تكون الزيارة خاتمة للحرب التي أنهكت اليمن واليمنيين وفاتحة لعهد جديد من العلاقات الأخوية بين البلدين الجارين اليمن والسعودية.



    * كيف استقبلتم في السعودية عند وصولكم إليها ؟

    ـ كان الاستقبال رسمياً وحافلاً، وقد ارتفع علم الجمهورية العربية اليمنية، وكان ذلك بداية النهاية للنزيف اليمني الذي أستمر 8 سنوات وللخلاف مع السعودية، كما أن اليمنيين المهاجرين في السعودية رحبوا بالوفد اليمني بحرارة وحماس فاجأ السعوديين أنفسهم فلم يكونوا متوقعين أن يكون لدى المهاجرين اليمنيين الشجاعة للمجاهرة بتأييدهم للجمهورية العربية اليمنية.

    في بداية المؤتمر قمنا مع الوفود الأخرى بزيارة مجاملة للملك فيصل، بالإضافة إلى لقاءات مع الأمير فهد والأمير سلطان، وبعد إنتهاء أعمال المؤتمر تم ترتيب لقاء للأستاذ محسن العيني مع الأمير سلطان لبحث قضية الخلافات بين البلدين وسبل معالجتها تمهيداً لإقامة علاقات دبلوماسية وأخوية بين البلدين، وفي هذا اللقاء كان العيني صريحاً في حديثة مع الأمير سلطان، حيث أكد تطلع اليمن إلى بناء علاقات سليمة وقوية مع جارتها السعودية تقوم على الإحترام المتبادل وعلى أواصر الأخوة العربية والإسلامية.

    بدورهم رحب السعوديون بما طرحه محسن العيني وقالوا ليس بيننا وبينكم خلاف وإذا كان هناك خلاف فهو بينكم وأخوتكم ( يقصدون الملكيين ) وأكدوا أنهم إذا ما تم التوصل إلى حل للخلافات اليمنية بين الجمهوريين والملكيين ؛ فإن السعودية ستبادر إلى الاعتراف بالنظام الذي يتفق عليه الطرفان، وكان الرد حاسماً حول مسألة النظام الجمهوري أو المفاوضات مع الملكيين أو عودة بيت حميد الدين، لكنهم أصروا على قبول عودة بعض الشخصيات من الملكيين واستيعابهم في مؤسسات الدولة الرئاسية والحكومية والنيابية قبل تطبيع علاقات البلدين الدبلوماسية والسياسية على أن يسبق ذلك مؤتمر بين الجمهوريين والملكيين.



    * ماذا كان ردكم على هذه المطالب ؟

    ـ بعد العودة إلى صنعاء تم تداول الأمر باهتمام في المجلس الجمهوري والحكومة، ورحب الجميع بتطبيع العلاقات مع السعودية وعودة الملكيين وإشراك بعضهم في الحكم، لكننا رفضنا المؤتمر بخاصة وأن تجاربنا مع مثل هذه المؤتمرات كانت غير مشجعة كما سر الجميع لموافقة السعودية على عدم عودة بيت حميد الدين.



    * هل كنتم متفائلين من هذه اللقاءات التي جمعتكم بالمسؤولين السعوديين ؟

    ـ لاشك أن نتائج هذه اللقاءات التي تمت مع السعوديين كانت أكثر مدعاة للتفاؤل مما كنا نتوقع، ولكن بقي الأمر كله متوقفاً على القيادة في صنعاء لتبت فيما تم الاتفاق عليه بين الوفد والجانب السعودي، وأجرينا خلال لقاءاتنا في السعودية لقاءات جانبية مع شخصيات ملكية، كانت على قدر كبير من التفهم والرغبة في العودة إلى الوطن والاندماج في النظام الجمهوري، من ضمنهم الكاتب المعروف أحمد محمد الشامي ومحمد عبدالقدوس الوزير والمرحوم يحي المضواحي وصلاح المصري وغيرهم من الشخصيات.

    كان البعض من هؤلاء يشترط الكثير من أجل العودة، غير أننا نعرف جميعاً أن ذلك لا يعدو عن كونه مجرد مساومة، لأن الرغبة كانت موجودة لدى الجميع في إنهاء هذه المأساة.

    عندما عدنا إلى صنعاء كانت ردود الفعل متباينة ؛ فقد كان الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني وعدد من الشخصيات السياسية والقبلية مثل الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ سنان أبو لحوم وآخرين في غاية الحماس لما تم التوصل إليه، كما أن عدداً من ضباط وقادة القوات المسلحة، رحب بالإتفاق، لكن كان هناك من يشك في هذا الإتفاق المبدئي ويعتبره تفريطاً بالنظام الجمهوري وبيعاً لدماء الشهداء، وتمكن محسن العيني بما لديه من الحنكة السياسية من إقناع الكثيرين، وخاصة بعض ممثلي الأحزاب، وساعدت أنا بحكم علاقتي بالقوات المسلحة من إقناع الكثيرين من الضباط للترحيب بذلك الإتفاق.



    * من كان أبرز المعارضين للإتفاق ؟

    ـ كانت هناك أحزاب سياسية ( كل الأحزاب حينها لم تكن مصرحة ) تعارض التفاوض مع السعودية لاعتقادها بأن أي إتفاق معها سيكون على حساب النظام الجمهوري والثورة ومن هذه الأحزاب الطليعة والناصريين.



    * ما أقصده في المجلس الجمهوري ؟

    ـ كان الجميع مرحباً بالإتفاق وعلى رأسهم القاضي الإرياني والفريق حسن العمري والشيخ محمد علي عثمان، بالإضافة إلى الأستاذ النعمان الذي كان يومها لا يزال في الخارج، ويدعو إلى المصالحة ووقف القتال، وقد كانت هذه النتيجة التي توصلنا إليها مع السعودية واحدة من ثمار دعوته الدائمة إلى المصالحة.

    ومن المفارقات الغريبة والتصرفات المحزنة في تاريخ الثورة أن دعوة النعمان هذه كانت سبباً في تجريده من الجنسية اليمنية، حيث ظل يؤكد منذ خروجه من السجن في القاهرة العام 1967 على أن لا حل إلا بالمصالحة مع الملكيين والمصالحة مع الجيران ( السعودية )، كما كان ضد إستمرار القتال بين اليمنيين، وقد أدت معارضته تلك إلى أن يصدر الفريق العمري مرسوماً بحرمانه من الجنسية اليمنية، وهو قرار إنفعالي صدر خلال حرب السبعين ولم يعمل به.



    * هل فتحت هذه التطورات باب العودة لعودة النعمان إلى اليمن ؟

    ـ نعم فقد تم الإتصال بالنعمان الذي كان يقيم في بيروت، وطلب منه العودة إلى الداخل فعاد فعلاً إلى صنعاء بعد المصالحة.



    * كلفت شخصياً بالتفاوض مع السعوديين لوضع اللمسات النهائية على الإتفاق، فكيف أدرتم العملية ؟

    ـ بعد أقل من شهرين تم التواصل مع السعوديين لنبلغهم بأننا جاهزون لنتحاور حول التفاصيل واختارني المجلس الجمهوري للقيام بهذه المهمة، وكنت يومها متردداً، لأنني أعرف أن المهمة صعبة ومعقدة، لكنني وجدت تشجيعاً من زملائي في القوات المسلحة قائلين إن عليك الذهاب فنحن نثق بك، ولكن لا تقبل بأي شيء يمس مكاسب الثورة والجمهورية.

    وفعلاً توجهت إلى بيروت للقاء بالأستاذ النعمان وإبلاغه طلب المجلس لعودته إلى اليمن والاستئناس برأيه في المفاوضات، ومن بيروت طرت إلى السعودية، وهناك قوبلت بالحفاوة وخاصة من قبل الأمير سلطان الذي بدأت أول الحوارات معه ومع كمال أدهم ورشاد فرعون، وكانت مهمتي مواصلة ما بدأه العيني ومن ذلك التفاوض حول إختيار الشخصيات المزمع تعيينها من الملكيين في الرئاسة والحكومة وفي المجلس الوطني، بالإضافة إلى مناصب أخرى كسفراء في بعض الدول ومحافظين ومدراء.

    كانت هناك أسماء عديدة مطروحة لعضوية المجلس الجمهوري، ولكن كان الأكثر قبولاً لدينا هو أحمد الشامي الشاعر والأديب والمؤرخ المعروف، وأحد ثوار 1948 وكانت أول صعوبة أواجهها هي إصرار الأخوة في السعودية على أن يعقد مؤتمر للمصالحة قبل أن يتم تعيين هؤلاء في مؤسسات الحكم.

    وطبعاً لم أكن مخولاً في البحث في هذا الأمر، لأن المسألة كانت في صنعاء مرفوضة من الأساس، غير أنني قلت لهم إن هذه مسألة يمكن مناقشتها بعد الإتفاق على الأسماء، فقد كنت لا أريد إغلاق الباب معهم حول القضية، وبدأنا في مناقشة الأسماء التي يمكن أن تدخل مؤسسات الحكم في الجمهورية العربية اليمنية، وتم الإتفاق على أسماء الوزراء وغيرهم بعد أسبوع كامل من المفاوضات.



    * كم كان عدد الوزراء الذين أدخلوا إلى الحكومة ؟

    ـ كانوا أربعة وزراء : وزير الأوقاف، وزير الزراعة، وزير الإنشاءات ووزير الدولة، وهذه الوزارات لم تكن مهمة، وتم الإتفاق على تعيين 12 شخصاً في المجلس الوطني وسفيرين إلى ثلاثة في الخارج، وكانوا يرغبون في منصب محافظ في صعدة التي كانت أصلاً لا تزال تحت سيطرة الملكيين، وجرى الإتفاق على أن يتم وصول هؤلاء الملكيين إلى منطقة عبس بمحافظة حجة خلال أسبوعين، وأن يتم إعلان تعيينهم في هذه المؤسسات الحكومية على أن تعترف السعودية اثر ذلك بالجمهورية العربية اليمنية، لكن السعوديين اقترحوا أن يكون ذلك الاعتراف بعد أن يتم وصول وفد يمني إلى السعودية، بحيث يبدو أمام العالم وكأن اليمنيين قد حلوا خلافاتهم بأنفسهم وإن الاعتراف السعودي لم يأت إلا بعد أن انتهت قضية الخلاف اليمني - اليمني.

    وقبلنا بذلك، وعدت إلى صنعاء لأبلغ القيادة بنتائج محادثاتي في السعودية، وقد رحب الأخوة هنا بتلك النتائج، التي كانت في الواقع أفضل بكثير مما كان مخولاً لي القبول به، سواء من ناحية مستوى الوزارات أو عدد الوزراء.



    * مع من أدرتم الحوارات في السعودية بدرجة رئيسية ؟

    ـ أكثر الحوارات وأهمها كانت مع الأمير سلطان شخصياً حيث كانت لقاءاتنا تستمر أحياناً إلى أكثر من 4 ساعات، كما جرت المفاوضات التفصيلية أما مع رشاد فرعون أو كمال أدهم مستشار الملك فيصل.



    * ألم تلتقوا بالملك فيصل ؟

    ـ تم اللقاء بالملك فيصل خلال مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامية، أما هذه المرة فقد كانت لقاءات عمل ومفاوضات مع الأمير سلطان ومع مستشاري الملك.



    * كيف أعلنتم المصالحة ؟

    ـ وصل الجانب الملكي إلى منطقة عبس في الـ13 من مايو 1970، وكنا في استقبالهم هناك وصدر القرار الجمهوري في نفس اليوم بتعيينهم في المناصب المتفق عليها، وكان هناك توجس وخوف من حصول مظاهرات أو مشاكل أو إحتجاجات بعد هذه الخطوة، إلا أن الجميع رحب بالإتفاق ورحب بالقادمين الذين أقاموا في منزل الشهيد جمال جميل الواقع في شارع جمال عبدالناصر كضيوف على الدولة، غير أنهم منذ لحظة وصولهم ذهبوا إلى أقاربهم وأصدقائهم وعادت اللحمة اليمنية من جديد ؛ فلم نشعر لا بوحشة الحرب ولا بآثار الجفاء الذي كان سائداً على إمتداد 8 سنوات وانتهت هذه الصفحة السوداء من تاريخ اليمنيين وبزغت شمس عهد جديد من الوحدة الوطنية والوئام الأخوي.



    * كيف جاء الاعتراف السعودي بالنظام الجمهوري ؟

    ـ بعد نحو أسبوع أو عشرة أيام توجه وفد برئاسة الفريق حسن العمري وعضوية أحمد الشامي (العضو الملكي الجديد في المجلس الجمهوري) ورئيس الوزراء محسن العيني والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ سنان أبو لحوم وعلي بن ناجي القوسي، وكنت معهم، إلى السعودية لتطبيع الوضع بين البلدين وتم استقبال الوفد إستقبالاً حافلاً وكبيراً.

    يومها التقى الوفد بالملك فيصل يرحمه الله، والذي خاطبنا بمودة قائلاً إنه يشعر بزوال الغصة التي كانت موجودة بين البلدين، مؤكداً على الروابط الأخوية بين الشعبين وعزم السعودية على الوقوف إلى جانب اليمن بكل ما تملك.

    بعدها مباشرة عقد لقاء موسع مع الأمير فهد وكان يومها نائباً لرئيس الوزراء ووزير داخلية وطرح في هذا اللقاء عزم الحكومتين على تطوير العلاقات السياسية والإقتصادية بين البلدين وليلتها صدر بيان سعودي يعترف بالنظام الجمهوري.

    وبرغم التوقعات التي حملناها معنا حول المساعدات السعودية لمواجهة آثار الحروب، إلا أنها خابت في تلك الزيارة، لكن لم يكن الهدف هو الحصول على المساعدات، بل كان إنهاء الحرب واعتراف السعودية بالجمهورية العربية اليمنية وعودة العلاقات بين البلدين والشعبين إلى طبيعتها.



    * لماذا تم التخلص من الملكيين بعد فترة قصيرة من عودتهم ؟

    ـ لم يتخلص منهم أحد، وأنا أريد أن أقول هنا إنه منذ الأيام الأولى لعودة هؤلاء لم يشعر أحد أنهم يمثلون إتجاهاً مختلفاً، وقد كانت نجاحات بعضهم، مثل محمد عبدالقدوس الوزير ويحي المضواحي ويحي الضحياني مرضية للدولة وللمواطنين، لدرجة أن المواطنين كانوا يفضلونهم على بعض الوزراء الجمهوريين، وقد استمر البعض منهم في الحكومة حتى عام 1974، مثل وزير الزراعة محمد الوزير ووزير الأوقاف الضحياني، وبعضهم لأسباب خاصة منها تعودهم على العيش في الخارج لسنوات طويلة طلبوا أن يتم تعيينهم كسفراء ؛ فيما اندرج آخرون في العمل السياسي في الإطار الجمهوري حتى بلغوا سن التقاعد، مثل عبدالله الصعدي وحسن إسماعيل المداني وصلاح المصري وغيرهم.



    * ما حقيقة الدور العربي في هذه الحرب مثل الأردن وطبيعة الدور الذي لعبته المخابرات الإيرانية (السافاك ) في دعم الملكيين في ذلك الوقت؟

    ـ كانت الأردن تزود الملكيين بالدعم العسكري كالتدريب والسلاح، وكانت إيران الشاه تدرب ضباطاً وملكيين وتساعد مادياً.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-11-30
  13. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل الخامس

    مرحلة الحمدي




    * نتحدث عن مرحلة هامة في تاريخ اليمن تبدأ من عام 1974 بوصول الرئيس إبراهيم الحمدي إلى السلطة عبر حركة 13 يونيو وتنتهي بعد ثلاث سنوات ؛ فما هي المقدمات التي أدت إلى هذه الحركة وإقالة الرئيس القاضي الإرياني ؟

    ـ أقول صراحة إن الآمال التي كنا نعلقها على عهد ما بعد المصالحة في إنتقال اليمن إلى مرحلة التطور والبناء والنمو والتي كانت تراود الناس جميعاً، خاصة بعد تحقيق المصالحة مع الملكيين تلاشت إلى حد ما، وذلك للفترة الممتدة من عام 1970 -1974، ليس لأن الرئيس الإرياني لم يكن قادراً على تحمل المسؤولية، بل لأن النظام نفسه كان يعتريه الركود والجمود، ولم تثمر هذه المصالحة ما كان يتوقعه الناس لا على صعيد التنمية ولا على صعيد الحياة المعيشية للناس.

    وبإستثناء البدايات الأولى للديمقراطية، التي تمثلت في إنتخاب مجلس الشورى ؛ فقد كانت هذه المرحلة مخيبة لآمال المواطنين الذين كانوا ينتظرون إنجاز مشاريع تنموية وغيرها تنتشلهم من الأوضاع الصعبة التي كانوا يعيشونها.

    فوق ذلك كانت هناك صراعات سياسية داخل السلطة بين مراكز قوى قبلية وسياسية وعسكرية دفعت الرئيس الإرياني إلى الرحيل إلى سوريا والإقامة لبعض الوقت، وبعد ذهاب وفود تطالبه بالعودة وممارسة مهامه وفق السياسات التي يراها ( ضمت الوفود كل المسؤولين تقريباً ) عاد إلى صنعاء وتفاءل الناس خيراً، لكن الصراعات استمرت وازدادت ضراوة خاصة بعد توغل النفوذ السياسي للجيران في المؤسسة العسكرية والقبلية.

    ولم يكن الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني قادراً على حسم مثل هذه الصراعات فكان مرغماً على إنتهاج سياسة التوازن إنطلاقاً مما عرف عنه من حرص على مشاركة كل القوى السياسية في إدارة دفة الحكم، وتفاعلت هذه الصراعات وأدت إلى إقتناع الجميع بضرورة التغيير الذي أسفر عن قيام حركة 13 يونيو 1974 التي التفت حولها جميع القوى اليمينية واليسارية والقومية، وشارك في الحركة، التي تزعمها إبراهيم الحمدي، العديد من الشخصيات القبلية مثل الشيخ عبدالله بن الأحمر والشيخ سنان أبو لحوم، بالإضافة إلى قيادات القوات المسلحة ممثلة بالمرحوم أحمد حسين الغشمي ومحمد أبو لحوم وعلي أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب وغيرهم، كما أنني بعد عودتي المستعجلة من القاهرة، حيث مقر عملي كسفير لليمن، انضممت إلى الزملاء يوم الحركة واشتركت معهم في توجيه أحداثها، كما شارك من بعد الأستاذ محسن العيني في قرار التغيير بالإضافة إلى العديد من السياسيين والمدنيين.



    * أين كنتم في هذه المرحلة ؟

    ـ قبل الحركة كنت في القاهرة سفيراً لليمن منذ ما بعد المصالحة العام 1971.



    * هل كان تعييناً أم إبعاداً ؟

    ـ الحقيقة لم يكن إبعاداً، لأنني لم أكن أشكل مركز قوة تهدد أو تضايق أحد، وكانت علاقتي بالقاضي الإرياني ومحسن العيني ممتازة، وقد توثقت بعد مشاركتي بدور فاعل في قضية المصالحة التي كان العيني العنصر الأساسي فيها، لهذا لم يكن الغرض إبعادي بل أنه لم يعد لي مكان في التركيبة السياسية بعد المصالحة، وقرر الرئيس الإرياني بناءً على إقتراح العيني تعييني سفيراً في مصر وليبيا العام 1971.



    * لو عدنا إلى حركة 13 يونيو، فما هي شهادتكم حولها ؟

    ـ بعد المصالحة ظلت الأوضاع راكدة تنموياً ومعيشياً ولكنها سياسياً كانت ساخنة، خاصة بعد ظهور صراع مراكز القوى الذي بدأ يتصاعد في البلاد خلال الفترة من 1970-1974 وكان هذا الصراع يمثل تيارات سياسية وقبلية وعسكرية مختلفة، بالإضافة إلى أن السعودية كانت عاملاً مؤثراً في تطور هذا الصراع ؛ فقد كان الملحق العسكري السعودي يتمتع بنفوذ كبير في أجهزة الجيش، وبرغم أن الرئيس الإرياني لم يكن راضياً عن هذا النفوذ، إلا أن تشكيلة الحكم كانت طليقة وحرة في تصرفاتها وليست منصاعة لإرادة الرئيس.

    قبل قيام حركة 13 يونيو 1974 وعلى الرغم من أنني كنت في مصر، إلا أنني كنت على صلة مع الإخوة في الداخل، وخاصة مع الشيخ سنان أبو لحوم والعميد مجاهد أبو شوارب وإبراهيم الحمدي ومحسن العيني، الذي كان يومها سفيراً لليمن في بريطانيا، وكنت أتابع الوضع المتدهور وأدعو للتغيير شأني في ذلك شأن الصف الطويل من السياسيين والعسكريين في اليمن، خاصة وأن الرئيس الإرياني والأستاذ النعمان أعضاء المجلس الجمهوري الذين لم يعودوا قادرين على تسيير دفة السفينة والتي زاد إهتزازها كثيراً فأوشكت على الغرق.

    لهذا بادرت إلى المشاركة في الحركة فور عودتي من القاهرة ولم يخف الأستاذ النعمان رحمه الله دهشته عند وصولي إلى صنعاء قبل الحركة بيوم واحد ؛ فتساءل رحمه الله عن دواعي حضوري بينما الرئيس نيكسون يزور مصر، والذي يفترض أن أشارك في إستقباله مع السفراء العرب، وعلق يومها على عودتي بقوله : " بعد مجيء سنان ومجيئك ما باقي إلا العيني ويكمل النصاب.. " أخبرونا ما وراءكم ؟ ".

    وكان النعمان، كما الرئيس الإرياني، يعلمون بما يدبر ضدهم، ولم يبد عليهم القلق ولا الإهتمام لاقتناعهم بحتمية التغيير، ولتوتر العلاقات مع الشيخ عبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم بعد تعيين حسن مكي رئيساً للحكومة التي لم تدم غير بضعة أشهر.

    وكان من الواضح أن الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني أدرك ما آلت إليه الأمور أكثر من الأستاذ النعمان ولهذا قدم استقالته وأعضاء المجلس الجمهوري إلى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كان يومها رئيساً لمجلس الشورى.

    تلاحقت الأحداث سريعاً وتحركت وحدات مدرعة من الجيش للمرابطة في الأماكن الحساسة من العاصمة للسيطرة على الوضع ؛ فيما غادر الرئيس إلى تعز مسلماً الأمور إلى إبراهيم الحمدي الذي كان القائد الفعلي للحركة وصدر بيان الحركة الأول الذي قوبل بارتياح شعبي كبير.

    بعد نجاح الحركة في السيطرة على الأوضاع بدون عنف، وبعد إعلان البيان الأول للحركة أنعقد الإجتماع الأول لقيادة الحركة واتفق على تشكيل مجلس قيادة لإدارة شؤون الدولة، كما تقرر دعوة العيني لتشكيل الحكومة، وهكذا بدأ في 13 يونيو 1974 عهد جديد تفاءل به الناس ورحبوا به واعتبروه انفراجاً لحالة الجمود والتسيب والتدخل الخارجي.



    * ماذا تتذكرون عن يوم وداع الرئيس الإرياني ؟

    ـ ذهب الرئيس الحمدي إلى تعز وودع الرئيس القاضي الإرياني وداعاً أبوياً حاراً إلى منفاه الذي أختاره لنفسه، أي دمشق، وكان النفي هذه المرة إختيارياً، وقد كان معه الأستاذ النعمان الذي توجه إلى بيروت.



    * ماذا كانت تمثل الحركة للآخرين بخاصة لمراكز القوى القبلية ؟

    ـ كل جهة اعتبرت الحركة مكسباً لها ؛ فالشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كان يثق بإبراهيم الحمدي ثقة عمياء، أعتبر الحركة انتصاراً له لأنه على إتفاق كامل معه والشيخ سنان أبو لحوم اعتبرها حركة مباركة، خاصة وأنه كان مشاركاً في صنعها، كما أن محسن العيني والآخرين كانوا مطمئنين لوجود جميع القوى الفاعلة في الحركة، ورحبت السعودية بمجيء الحمدي، لأنه كان وثيق الصلة بهم، وكانوا يصنفونه في قائمة المحافظين المناوئين للجنوب ولليسار بوجه عام.. وهكذا عندما اجتمعت كل هذه الأطراف للتغيير فإن كل جهة اعتبرت حركة 13 يونيو مكسباً لها.



    * كيف تقبلت الناس قيام الحركة ؟

    ـ فاجأتنا الجماهير بالتفافها حول الحركة، فلم نكن نتوقع هذا الالتفاف والتأييد الجماهيري الحاشد الذي كان بمثابة تعبير عفوي عن رغبة الناس في التغيير للأوضاع التي سئموها وضاقوا بها، وكانت خطب الرئيس الحمدي في الجماهير التي كانت تفد إلى مقر القيادة العامة للتأييد حماسية ومليئة بالوعود، وألهبت حماس الجماهير وأكسبت الحمدي إعجابهم وثقتهم بزعامته.



    * كيف تم ترتيب أمور القيادة في تلك الفترة ؟

    ـ كان هناك مجلس قيادة موسع عند قيام الحركة، وبعد أسبوعين تم إنتخاب مجلس قيادة مصغر مكون من 7 أشخاص، وقد جرت عملية الانتخاب بالقرعة لسبعة أعضاء من بين 15 عضواً، هم القيادة الموسعة، وتكون المجلس من : إبراهيم الحمدي، مجاهد أبو شوارب، محسن العيني، يحي المتوكل، درهم أبو لحوم، أحمد الغشمي وعبدالله عبدالعالم، وأنتخب الحمدي رئيساً للمجلس.

    كما تم تشكيل الحكومة برئاسة محسن العيني، وعينت وزيراً للداخلية، وبدأنا العمل بروح الفريق الواحد وبحماس منقطع النظير.



    * الكثير من المهتمين بالشأن اليمني يعتبر حركة 13 يونيو حركة يسارية وأن إبراهيم الحمدي كان ناصرياً، بحكم أنكم صديق مقرب من الحمدي.. كيف ترون أنتم هذه المسألة ؟

    ـ حركة 13 يونيو لم تكن يسارية، لكنها كذلك لم تكن يمينية 100%، برغم كون القائمين عليها أميل إلى اليمين، أما قائدها إبراهيم الحمدي، فالبعض من الإخوة يقول إنه كان ناصرياً، والبعض الآخر يقول إنه كان في حركة القوميين العرب، وفي الحقيقة إنه كان على صله وثيقة ومتشعبة بكل القوى.

    أعرف إبراهيم الحمدي، لأنه كان زميلاً لي منذ كان عمري 14عاماً، أي منذ دخلت صنعاء، وهو ينتمي إلى أسرة كريمة، فأبوه كان شخصية معروفة ومقربة من الإمام، أتذكر ونحن في بدايتنا الأولى في المدرسة أنه ذهب مع أبيه في رحلة إلى روما مع الإمام، وكانت هذه الزيارة إلى روما تمثل له نقلة نوعية في حياته، وقد دخلنا الكلية معاً، لكنه خرج منها نتيجة لظروف خاصة، وأختار البقاء مع أبيه القاضي في محكمة ذمار لمعاونته وتعلم الفقه.

    عندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 كان في ذمار يقوم بعمل والده في المحكمة وهو في سن العشرين، وقد تم إعتقاله بإعتباره من موظفي الإمام ونقله إلى صنعاء، لكنه أفرج عنه بعد معرفتي بما حدث له فور وصوله إلى القيادة، وبعد استئذان عبدالمغني وتعريفه بخلفية إبراهيم وبالغلطة التي ارتكبت بحقه، وعبرت له عن أسف واستياء القيادة لما تعرض له غادر القيادة بعد أن عبر عن وقوفه مع الثورة.

    بعد شهرين أو ثلاثة انضم إلى الكلية الحربية، ليس للدراسة، بل ليجدد معلوماته العسكرية، وقد واصل مثل أي ضابط من ضباط سبتمبر مشوار القتال هنا وهناك في معارك الدفاع عن الجمهورية، وخلال العام 1965 تعرف عليه الفريق حسين العمري عندما خرج من ثلا، وهو في المعركة، وأصبح مقرباً منه، وعمل مع العمري كسكرتير بعض الوقت خلال الحرب.

    وعندما أشتد الصراع مع المصريين وقف إلى جانب الصف المطالب بأن يتولى الجمهوريون اليمنيون حق إدارة شؤونهم بأنفسهم، ولذلك كان معنا في السجن الحربي بمصر سنة 1966 وفي الأشهر الأخيرة من السجن جمعت إدارة السجن الحربي كل سجينين في زنزانة واحدة، وكنت مع إبراهيم في زنزانة واحدة لأكثر من شهرين.

    كان إبراهيم الحمدي، وهو في السجن يحلم بمستقبل زاهر لليمن، بل إنه كان يتطلع لأن يكون هو صانع هذا المستقبل ؛ فقد كان، يرحمه الله، طموحاً جداً، وعندما تم الإفراج عنا في أكتوبر 1967 وعدنا إلى صنعاء ذهب إلى قريته ثلا، ودافع عنها خلال حصار السبعين يوماً، وعند انتهاء أحداث أغسطس 1974، جاءت إليه الفرصة ليكون قريباً من السلطة، عندما عين قائداً لقوات الإحتياط، وهي القوة الجديدة الفتية، التي تم تشكيلها من كتائب المدرعات والصواريخ.

    منذ ذلك التاريخ بدأ إبراهيم الحمدي يتقدم في مسارين : الأول عسكري كقائد داخل القوات المسلحة، وله صله وثيقة بالعمري، والثاني سياسي، حيث كان قريباً من الرئيس الإرياني وعلى صلة بالمشائخ والسياسيين، وقد ازداد دوره في هذين المسارين بعد عودة العمري مرة ثانية العام 1967 من مصر، حيث أصبح أكثر الشخصيات داخل القوات المسلحة تأثيراً على العمري والإرياني، وقد عين في وقت لاحق نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، بعد أن ترك العمري البلاد إلى مصر وبعد تخليه عن جميع مناصبه.

    بعد فترة ليست قصيرة أصبح إبراهيم الحمدي رجل الجيش الأول برغم وجود قائد عام هو العميد محمد الإرياني، ولم يقبل الرئيس بهذا، فعين إبراهيم نائباً لرئيس الوزراء، وبدأ يتعاطى مع القضايا السياسية، لكنه ظل مرتبطاً بالقوات المسلحة، مع أن تعيينه كان محاولة لإبعاده من القوات المسلحة، بعد أن تزايد الخوف من طموحه.

    لهذا السبب عندما جاءت حركة 13 يونيو 1974 كان إبراهيم الحمدي الشخص الأكثر تواجداً داخل القوات المسلحة، خاصة بعد أن أعيد تعيينه نائباً للقائد العام للقوات المسلحة بعد إلحاح من قبل الحركة، كما كان الأكثر قبولاً في أوساط القيادات السياسية والقبلية بدءاً من الشيخ الأحمر إلى الشيخ أبو لحوم، ومن هنا أجمع الكل على أن يتولى قيادة حركة 13 يونيو وأن يصبح القائد العام للقوات المسلحة ورئيساً لمجلس القيادة.



    * ما الذي ميز الحمدي عن غيره من الرؤساء الذين سبقوه في حكم اليمن ؟

    ـ كان إبراهيم الحمدي يتمتع بكاريزما خاصة، فمنذ اللحظة الأولى استطاع أن يشد إهتمام رجل الشارع إليه من خلال خطاباته القوية والمؤثرة، وحاز في وقت قصير على ثقة المواطنين والتفافهم حوله على مختلف مدارسهم واتجاهاتهم ومناطقهم، وذلك في اعتقادي لأسباب عديدة، من ضمنها أن الحمدي جاء في عهد انتعاش اقتصادي، بعد ارتفاع أسعار النفط وزيادة عائدات المغتربين المقيمين في الخارج ومضاعفة المساعدات التي كانت تقدمها السعودية ودول الخليج لليمن، وجميعها انعكست على حياة الناس وعلى الحركة التجارية والإقتصادية، وقد ربط الحمدي صلات وثيقة بالناصريين تماماً مثلما كانت له صلات أخرى بغير الناصريين، لكنه من دون شك كان غير منتم حزبياً بالمعنى الحزبي، وأنا أقول هذا من واقع معرفتي الشخصية به، كصديق عمر وزميل دراسة وكعضو في قيادة حركة يونيو ووزير في حكومتها الأولى والثانية.



    * من المعروف أن علاقتكم بالحمدي أصابها الفتور ثم الاختلاف بعد أن صار رئيساً للبلاد.. هل لنا أن نعرف أين نقاط الالتقاء وأين نقاط الاختلاف بينكم ؟

    ـ كانت نقاط الالتقاء بيني وبين الرئيس الحمدي رحمه الله، كثيرة، ولكن نقاط الاختلاف على الرغم من قلتها، كانت عميقة، حيث أنه كان مندفعاً في مواقفه وعاطفياً، وكان يتجه نحو التغيير بسرعة مذهلة، كنت متأكداً أنه لا يستطيع تحمل عواقبها، لأن العوائق متجذرة ومتشعبة، وحاولت إقناعه بالإقدام على التغييرات كلما اقتضت الحاجة وبخط مدروس، غير أنه كان مصمماً على التغيير السريع والجذري بدءاً بمن كان يسميهم ( مراكز القوى ) ؛ وقد كان مقتنعاً بأن هذه المراكز مصدر التخلف ويجب أن تنتهي أية سيطرة لها، وخاصة مراكز القوى القبلية، حتى تلك التي ساهمت في قيام الثورة والدفاع عن الجمهورية، وشاركت في حركة 13 يونيو وفي المجيء به إلى سدة الحكم لم يستثنها، وكان الحمدي مقتنعاً أيضاً أن الشخصيات السياسية، التي ليست معه 100% مثل محسن العيني وغيره، لا مكان لها في قافلته، ولا يستطيع الاعتماد عليها أو الثقة بها، ولهذا لم يبق معه إلا من كانوا موضع ثقته الكاملة ويوافقونه على رأيه وهذا من أسباب فتور علاقتنا.

    أدت سياسته هذه إلى إندلاع صراعات داخل قيادة الحركة منذ الشهر الأول لتسلمه السلطة، وكانت شعبية الحمدي تزداد يوماً بعد يوم، الأمر الذي شجعه على التخلص من خصومه فنشب الخلاف بينه وبين رئيس الوزراء محسن العيني، الذي لم يكن أقل تقدمية من الحمدي، أو أقل منه رغبة في تكوين دولة يمنية حديثة، وكان الخلاف حول الصلاحيات الممنوحة للحكومة، فالعيني أصر على ضرورة الفصل بين السلطات، أي أن يكون للحكومة الصلاحيات فيما يتعلق ببرامجها واختصاصاتها بعيداً عن هيمنة مجلس القيادة، بينما كان إبراهيم الحمدي مصمماً على أن يكون مجلس القيادة هو صاحب الكلمة الأولى في كل القرارات التي تتخذها الحكومة.

    وكانت حساسية الخلاف بينهما تتمثل بأن العيني لم يكن يواجه الحمدي لوحده، بل يواجه عدداً آخر من أعضاء مجلس القيادة، بالإضافة إلى الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وبعض السياسيين المؤيدين للحمدي، الأمر الذي غلب كفته على كفة العيني ؛ فكان أن أقدم الحمدي على إقالة العيني من رئاسة الوزراء ومجلس القيادة في نهاية العام 1974، أي بعد 5 أشهر من تشكيل الحكومة الأولى بعد حركة يونيو، وكنت من معارضي إقالة العيني، وسعيت للإصلاح بينهما بكل وسائل التوفيق، لكن الحمدي لم يكن مستعداً للمساومة أو التراجع في قراراته، وكان بتخلصه من العيني يريد التأكيد أنه الحاكم الفعلي للبلاد وأنه بالتخلص من العيني يتخلص في الوقت نفسه من الشيخ سنان أبو لحوم، ومن البعثيين الذين كانوا يحسبون على محسن العيني.

    بعد إقالة محسن العيني، جاء عبدالعزيز عبدالغني الذي كان رئيساً للبنك المركزي ليحل محل العيني كرئيس للوزراء وعضو في مجلس القيادة، لكن التوازن بدأ يختل في التشكيل السياسي للبلاد بذهاب العيني، خاصة بعد إنتهاء دور سنان أبو لحوم في صناعة القرار، ومع مرور الأيام كان الرئيس إبراهيم الحمدي يحوز على شعبية أكثر سواءً فيما يقوم به من أعمال شعبية أو ما يردده في خطاباته السياسية الحماسية من وعود بالتغيير، وما يقوم به فعلاً من خطوات جريئة في بعض المجالات، مثل إنشاء التعاونيات ولجان التصحيح، وغيرها.

    ومع ازدياد شعبيته بدأ الحمدي يشعر أن الجو أصبح أكثر ملاءمة للتخلص من معارضيه، فكانت الخطوة الثانية في إبريل العام 1975، التي طالت علي ومحمد أبو لحوم وهما قائدان عسكريان هامان في القوات المسلحة، أحدهما كان قائد قوات الإحتياط والثاني كان قائداً للواء المدرعات، يومها كنت لا أزال وزيراً للداخلية، وقد فوجئت باستدعائي إلى القيادة، وفي الطريق لاحظت إنتشار الدبابات وعند وصولي إليه سألته عن الأمر ؛ فقال لي إن مجلس القيادة أجتمع ( وأنا عضو المجلس )، وقرر تغيير الأخوين أبو لحوم، بعد أن أتضح بالأدلة أنهما يعدان للقيام بانقلاب عسكري، وقد عبرت عن إقتناعي ببراءتهما وتحفظي على القرار.

    كنت أدرك يومها أن الحمدي عندما اتخذ هذا القرار ؛ فإنه لن يتراجع عنه وقد فاجأ به الجميع وأولهم الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، الذي لم يكن على علم بالقرار وقد حاول التواصل مع إبراهيم الحمدي فلم يستطع، يومها طلب مني الحمدي الذهاب إلى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر لإقناعه بأن هذه القرارات لا رجعة عنها، وأن مجلس القيادة أتخذها لأسباب لا مجال لمناقشاتها معه.



    * هل ذهبتم لإبلاغ الشيخ الأحمر بذلك ؟

    ـ نعم، وقد وجدت الشيخ عبدالله في حالة ذعر وانزعاج شديدين، وكان رافضاً لخطوة الحمدي، ومصراً على الالتقاء به ؛ فعدت إلى الحمدي وكان عنده القاضي عبد الله الحجر ي لإبلاغه بموقف الشيخ عبد الله، لكنه قال إنه غير مستعد لأن يلتقي به، إلا بعد إعلان القرارات بشكل رسمي من الإذاعة، وفعلاً أعلنت القرارات في ظل أوضاع حالة طوارئ غير معلنة تحسباً لأي رد فعل من قبل الوحدات التي قام بتغيير قاداتها، ولم يحدث أي رد فعل وانسحب القائدان المعنيان بالقرار من وحدتيهما بدون ضجة.

    وتواصلت مع الرئيس الحمدي وبعدها مع الشيخ عبد الله حيث اتفقنا على ترتيب لقاء في اليوم التالي يحضره الشيخ عبد الله وأنا والقاضي الحجري وعبد الله عبد العالم وأحمد الرضي، الذي كان يومها أمين عام الرئاسة، وفي اليوم التالي تم اللقاء في منزل الرئيس الحمدي حيث جرى عتاب بين الرئيس الحمدي والشيخ الأحمر، وبعد أخذ ورد وحوار طويل تم الاتفاق أمام الجميع على موافقة الشيخ على القرارات التي صدرت في اليوم السابق على أن يصدر الرئيس الحمدي قراراً بعزل قائد العمالقة المقدم عبد الله الحمدي ( شقيق الرئيس ) والذي كان يعد أحد أهم أعمدة نظام الحمدي، وعلي قناف زهرة، الذي كان قائد اللواء السابع مدرع، على أن يصدر القرار في نفس اليوم.

    يومها أظهر الرئيس الحمدي قبولاً بالأمر، وقال إنه سيصدر القرار بتغيير أخيه عبدالله وقناف زهرة في نفس الليلة، لكنني كنت على ثقة أن مثل هذا القرار لن يكون ميسوراً على إبراهيم الحمدي الوفاء به، وانتظرنا حتى المساء بحسب وعد الحمدي لإصدار القرارات المتفق عليها، لكنها لم تصدر.

    في اليوم التالي دعاني إبراهيم الحمدي ليقول لي إنه لا يمكنه تنفيذ ما اتفق عليه، لأن الشيخ الأحمر، بحسب قوله، أخل بالإتفاق، وبدأ يحشد بعض مشائخ القبائل، وأنه أتصل به من مجلس الشورى مهدداً، ولهذا السبب فهو لن يخضع لابتزاز أحد، بل وأكد أنه سيصدر في ليلة ذلك اليوم قراراً آخر، فقلت له تأنى، ولا تستعجل في اتخاذ أي قرار يزيد من حدة الخلافات مع الآخرين، فقال لي أرجو أن تتقبل الأمر، لأنني حريص على أن لا نفترق وأن تظل في موقعك لنواصل معاً بناء الدولة الحديثة بعيداً عن مراكز القوى القبلية، ولم أكن على علم بما كان يعني باتخاذ قرار جديد، ولكن ظننت أن له علاقة بمجلس الشورى.

    ذهبت بعدها إلى وزارة الداخلية ؛ فإذا بي أفاجأ بأحد الأخوة يقول لي : اليوم سيصدر الحمدي قراراً بعزل المقدم مجاهد أبو شوارب الذي كان يومها في زيارة للصين الشعبية، وكان يحتل منصب نائب القائد العام وعضو مجلس القيادة.

    فزعت للأمر ؛ فاتصلت بإبراهيم الحمدي إلى القصر الجمهوري، لكنه لم يرد فذهبت إلى منزل الشيخ عبد الله الأحمر، حيث وجدت منزله يعج برجال القبائل وهم في حالة ذعر واستنفار، وإذا بنا بعد وصولي بدقائق نسمع قرار عزل مجاهد أبو شوارب من الإذاعة، شعرت بعدها أن الأمور تسير إلى تأزم، خاصة وأنني أعرف مدى إخلاص وتضامن العميد مجاهد أبو شوارب مع الرئيس إبراهيم الحمدي، وليقيني أن البديل عن مجاهد أبو شوارب، الذي كان يومها نائباً للقائد العام للقوات المسلحة وقائداً للواء المجد، سيكون المقدم أحمد حسين الغشمي، الذي كان يشغل منصب رئيس الأركان العامة وعضو مجلس القيادة، والذي دأب منذ قيام الحركة على تصعيد الخلافات داخل قيادة الحركة، وتحريض الرئيس الحمدي على التخلص من الآخرين.

    شعرت بعد ذلك أن عقد حركة 13 يونيو 1974 بدأ ينفرط، وأن الأمور تسير إلى الأسوأ، فكتبت رسالة إلى إبراهيم الحمدي تتضمن استقالتي، قلت له فيها إننا كنا عصبة واحدة من أجل قضية واحدة، ولكن القرارات المتسارعة غير المدروسة التي أصدرها سوف تزج بالبلاد في نفق مظلم، وسوف تكون نتائجها وبالاً على حركة يونيو وأهدافها، خاصة وأنها ستكرس السلطة والنفوذ في أيدي جماعة غير مقتنعة بنهجها ولا ببرنامجها.

    في اليوم التالي نزل الحمدي إلى الحديدة لحضور عيد أول مايو، وألقى خطاباً مجلجلاً، هدد فيه من أسماهم " أصحاب البطون الكبيرة " الذين نهبوا أموال الشعب، وقد ألهب الخطاب حماس الناس ؛ فيما صور القرارات التي اتخذها بمثابة ثورة ضد مراكز القوى القبلية، التي لا بد من نزعها من القوات المسلحة ومن تأثيرها على صناعة القرار.



    * كيف تقبل استقالتكم ؟

    ـ بعد عودته إلى صنعاء من الحديدة دعاني، وكان يومها حاضراً الدكتور محمد عبد الملك المتوكل، الذي كان وزيراً للتموين والتجارة، ودخلنا في حوار استمر لساعات وكان ملحاُ وراغباً فعلاً في استمراري في العمل معه، لكنني قلت له إنه يسير على نهج لا يمكن أن يقود البلاد إلا إلى الهاوية، وقلت إن الموقف الجديد للشيخ عبدالله الأحمر سيكون له تأثير سلبي على علاقة الحركة مع القبائل ومع السعودية، لكنه أكد لي أنه لا يقصد من هذه القرارات أكثر من أن تكون القوات المسلحة بعيدة عن التأثير الحزبي والسياسي أو القبلي، وانه سيحرص على إصلاح علاقته مع الشيخ عبد الله الأحمر ومع كل الشخصيات الأخرى التي تأثرت بالقرارات بما في ذلك مجاهد أبو شوارب.

    لكنني كنت خائفاً عليه وعلى حركة يونيو من أولئك الذين يدفعونه لمثل تلك القرارات المرتجلة ويومها صارحته بالقول إنه يصنع مراكز قوى بدلاً من مراكز قوى أخرى، وكان يعرف رأيي منذ وقت مبكر في أحمد الغشمي الذي كنت أشك في نواياه تجاه الحمدي وتجاه الجميع، ويعرف أنني ضد استبدال مجاهد أبو شوارب بأحمد الغشمي، وكنت فعلاً متوقعاً إنقلاب الغشمي على الحمدي فور تخلص الحمدي من الآخرين، وأنه فور أن تسنح له الفرصة سوف ينقض على السلطة فقد كان الغشمي خلال إجتماعات مجلس القيادة في الأشهر الأولى للحركة، وفي كل مرة نختلف مع إبراهيم، لا يخفي استعداده ليحل محل إبراهيم، ولكن لم يأخذ أحداً منا كلامه على محمل الجد، وكان طموحاً ولا يتردد من أجل الوصول إلى الرئاسة أن يطيح بإبراهيم وبغيره.

    بعد أن يئس الحمدي من إقناعي بالعدول عن موقفي، طلب مني أن استمر لبعض الوقت حتى أقوم بمساعي صلح مع الأحمر بصفة خاصة، على أن نراجع نفسينا هو وأنا، فإذا وجد أن أطروحاتي صحيحة، يمكن أن يعيد النظر في بعض القرارات التي أتخذها، والعكس بالنسبة لي.

    اتفقنا على البقاء لبعض الوقت في عملي، لكنني كنت على قناعة تامة أن المشوار الطويل الذي قطعناه معاً جنباً إلى جنب يوشك أن ينتهي بنا إلى طريقين يسير كل منهما في إتجاه مختلف، وشعرت بحزن، لأن الأهداف جمعتنا والطرائق والسبل فرقتنا.



    * هل بدأتم بإجراء المصالحة بين الحمدي والشيخ عبدالله الأحمر ؟

    ـ نعم، في تلك الفترة كان الشيخ عبد الله الأحمر قد انتقل إلى منطقته في خمر، وبدأ عدد من المشائخ ورجال القبائل يلتف حوله، وقمت برحلات مكوكية بين الإثنين، وفي النهاية توصلنا إلى اتفاق يخرج بموجبه الرئيس الحمدي إلى خمر، وهناك يلتقي بالشيخ الأحمر، وفعلاً جرى اللقاء بحضوري والأخ مجاهد أبو شوارب والقاضي عبد الله الحجري، الذي كان معروفاً بصراحته وباقتناعه بأن الدولة لا تقوم على نفوذ عدة قوى داخل الدولة، وكان موالياً للحمدي ومؤيداً لكل قراراته، بالإضافة إلى السفير السعودي بصنعاء، وفي اللقاء لم يتم التوصل إلى شيء، لأن الشيخ كانت له شروط لم يقبلها الحمدي، والحمدي كان من الذكاء واللباقة بحيث لم يقل إنه يرفضها، فطلب بعض الوقت لدراستها، ويومها تيقنت أن هذا اللقاء سيكون بداية النهاية لعلاقة الحمدي بالشيخ عبدالله ومن معه.



    * ماذا كانت شروط الشيخ عبدالله الأحمر في هذا اللقاء ؟

    ـ كان يفترض أن تعود الأمور إلى نصابها، ولو بحدها الأدنى، لم يكن يضغط باتجاه عودة بيت آل لحوم إلى مواقعهم السابقة، بل حتى نقلهم إلى مراكز أخرى، لكنه كان مصمماً على عودة مجاهد أبو شوارب إلى الجيش ومطالب أخرى لا أذكرها، بالطبع رفض إبراهيم ذلك رفضاً نهائياً، غير أنه لم يقطع الشعرة مع الجميع، وكان ذلك في نظر المراقبين مناورة سياسية بهدف كسب الوقت، لكنه في حقيقة الأمر كان متشدداً أكثر مما يظهر عليه وغير مستعد للمساومة.

    للأسف بعد فشل محاولة الصلح مع الشيخ عبد الله الأحمر تصاعد الخلاف الذي لم يقتصر على القوى التقليدية، بل تطور ليصبح خلافاً مع السعودية نفسها بسبب علاقاتها المتينة مع الشيخ عبد الله، وبسبب سماحها لعودة العميد مجاهد من الصين عن طريق أراضيها في وقت سابق، حيث استطاع مجاهد الدخول من السعودية إلى اليمن براً، وتوجه إلى حجة ورابط فيها لفترة، حتى التقائهما في الحديدة بعد أن توليت ترتيب هذا اللقاء الساخن الذي انتهى بذهاب مجاهد إلى حاشد دون اتفاق بين الرجلين على شيء إلى أن ترك مجاهد الإقامة في حجة والعودة إلى قريته ضحيان في حاشد.



    * هل كان ذلك عداً تنازلياً لمصير الحمدي.. بمعنى آخر، هل تكالبت عليه مراكز القوى، وبخاصة القبلية وتخلصت منه ؟

    ـ مهما كان موقف مراكز القوى من الحمدي، فلم تكن قادرة على التخلص منه بسبب شعبيته الواسعة، لكن مأساة الحمدي الكبرى أنه ركن إلى الشعبية الواسعة التي ملك بها الشارع اليمني، وركن إلى العلاقات المتميزة مع القوى القومية والتقدمية، وعلى العلاقات الجديدة الواعدة مع الرئيس سالم ربيع علي في الجنوب وعلى الجيش مستنداً في ذلك إلى مساعده الأول أحمد الغشمي، الذي كان صاحب التأثير والنفوذ القوي داخل القوات المسلحة والذي كان يتمتع بصلاحيات مطلقة وبجرأة وسخاء نادر، غير مدرك أن الغشمي إنما كان يعزز مكانته ووجوده داخل الجيش وخاصة قوات الدروع، كي يحل محل إبراهيم الحمدي في أية لحظة، وغير آبه للتحذيرات التي كانت تتردد على مسامعه من أعوانه ومحبيه.



    * كيف جاءت نهاية الحمدي المأساوية ؟

    ـ أؤكد أن الشهيد المرحوم إبراهيم الحمدي كان فعلاً مشروعاً واعداً، أجهض في مراحله الأولى ؛ فقد كان رحمه الله، يتمتع بصفات قيادية لا غبار عليها، كان طموحاً وكانت لديه نوايا وإرادة كبيرتين للتغيير، لكنه لم يكن قد أستوعب أو أحاط بحقيقة الأوضاع في اليمن، الذي كان يقوده ؛ فقد تحالف مع زعامات تقليدية مجربة لا يثق بها ويزمع التخلص منها في أول محطة، كما وثق واعتمد لبناء مشروعه على قيادات ظن أنها معه، وكانت حساباته في هذه المسألة غير دقيقة، لأن البعض من حلفائه هم الذين انقلبوا عليه، وبعض الحلفاء الذين تنكر لهم، أو الذين تخلص منهم كانوا أقرب إلى التوجهات والتغيرات التي كان ينشدها.

    هذا الخلط الذي شابه حسابات الحمدي منذ البداية سواء قبل حركة 13 يونيو 1974 أو بعدها مباشرة كان من الطبيعي أن تكون مخرجاته ونتائجه ما حدث له بعد ذلك ؛ فالذين كانوا في اعتقاده سنداً له، أقدموا على التخلص منه، لأنهم اعتقدوا أن الحمدي سيتخلص منهم، مثلما تخلص من غيرهم، ولم يدرك الحمدي هذا الأمر.

    وعندما أدرك ذلك كان الوقت متأخراً جداً، فقد كان من الصعب أن يتخلص من الغشمي مثلما تخلص من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر أو من محسن العيني، أو الشيخ سنان أبو لحوم وآخرين، لأن الغشمي كان قد وطد نفوذه وصلاحياته داخل القوات المسلحة، واستحكم في كثير من الوحدات العسكرية، حيث كان يجود بالعطاءات لكل محتاج، سواء داخل القوات المسلحة أو خارجها مدركاً أن هذا سيرسخ الولاء له وليس للمرحوم الحمدي.

    أما من قضى على الحمدي فليس ثمة براهين قاطعة متوفرة تدين أحداً، ولكن الاعتقاد الشائع والمؤشرات كلها تحصر الاتهام في الرئيس الغشمي، الذي ذهب هو الآخر ضحية اغتيال لا يقل بشاعة وغموضاً عن حادث اغتيال الحمدي.



    * ما الذي دفع بالغشمي برأيكم على الانقضاض على رئيسه، بخاصة وأنه جاء عن طريق الحمدي نفسه ؟

    ـ الغشمي شعر في الأشهر الأخيرة من حكم الحمدي أن هناك قراراً أو نية لدى إبراهيم للتخلص منه، حيث كلف الحمدي أحمد الغشمي بمهمة السفر إلى العراق، وعندما توجه الغشمي إلى المطار، وصعد إلى الطائرة جاءه من يخبره أن الحمدي سيصدر في غيابه قراراً بعزله، فصرف النظر عن السفر إلى العراق، وتدل هذه الحادثة أن الاثنين وصلا إلى طريق مسدود، وأن المسألة أصبحت سباقاً بينهما حول من سيبدأ بالآخر؟

    وكان من الواضح أن الرئيس الحمدي لم يكن من السهل عليه اتخاذ قرار عزل أي مسؤول عسكري ما لم يكن لديه كافة شروط النجاح، وهذا ما عايشته من خلال تجربة التخلص من خصومه المدنيين والعسكريين، لكن في حالة الغشمي كان الوضع مختلفاً ؛ فقد كانت قواته داخل القوات المسلحة تضاهي قوة الرئيس الحمدي، إن لم تكن أكبر منها، وخاصة سلاح الدبابات، لذلك فإن الرئيس الحمدي لم يقدم على عزل الغشمي لهذه الاعتبارات وغيرها، فكانت النتيجة كما توقعها أصدقاء الحمدي وأعوانه الذين لم يسمع تحذيراتهم، وهي نهاية كما يعتقدون على يد صديقه ونائبه الغشمي.



    * لماذا اغفل الرئيس الحمدي برأيكم قضية النفوذ داخل القوات المسلحة، رغم أنه قائد للقوات المسلحة ولم يكن رئيساً مدنياً ؟

    ـ الرئيس إبراهيم الحمدي كان رئيساً مدنياً أكثر من كونه عسكرياً من حيث طبيعته وخلفيته، فكما ذكرت لك درس معنا في الكلية لمدة أشهر ثم خرج منها، لذلك فهو عملياً، لم يكمل الدراسة العسكرية، لكنه زاول العمل العسكري المباشر منذ عام 1968، كقائد لوحدة الاحتياط، وكان تعيينه سياسياً واستمرت علاقاته واتصالاته مدنية أكثر منها عسكرية، ومن هنا، فإن الحس والحذر العسكري لم يكن لديه بالقدر الذي كان عند الغشمي، الذي عاش الحياة العسكرية لفترة طويلة كقائد سرية، ثم كتيبة، ثم لواء، حتى أصبح رئيس أركان.



    * ما هي شهادتكم عن مقتل الحمدي، أي عن يوم الحادثة نفسها ؟

    ـ يومها كنت سفيراً لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغني الخبر وأنا هناك، وشعرت بالأسى والأسف، فالحمدي كان بالنسبة للبلاد رئيساً يتوقع منه الكثير، فقد كان يحظى بمحبة وإعزاز الناس بشكل عام، لكنني لم أفاجأ بالخبر، فقد كنت على ثقة منذ خروجي من صنعاء وتعييني في واشنطن كسفير، من أن الحمدي لن يستمر طويلاً للاعتبارات التي ذكرتها.



    * هل برأيكم اشترك مع الرئيس الغشمي في قتل الحمدي شخصيات قبلية معينة ؟

    ـ لست محيطاً ولا متأكداً من تورط الغشمي في عملية اغتيال الحمدي، كما أنني لا أعتقد بإشتراك آخرين في هكذا جريمة معقدة، لكننا نعلم جميعاً أن خطوة جريئة كهذه لا يقدم عليها إلا شخص لديه طموح، ووسائل التنفيذ ليست مسألة ذات أهمية.



    * هل تشكلت لجنة تحقيق لتقصي الحقائق بشأن ظروف وملابسات مقتل الرجل ؟

    ـ سمعنا أن لجنة تشكلت برئاسة وزير الداخلية العميد محسن اليوسفي للتحقيق في القضية، كان من بين أعضائها محمد خميس وآخرون، لكنني لا أذكر أن هذه اللجنة أو غيرها توصلت إلى نتائج قاطعة في مسألة التحقيق.



    * ألم يصدر حتى الآن عن اللجنة أي تقرير ؟

    ـ حتى الآن لم نسمع أنه صدر أي تقرير فيما عدا التقرير الجنائي البحت المتعلق بكيفية وقوع الحادث، كيف قتل الحمدي، وأين أصيب هو وأخوه عبد الله، والوضعية التي ظهرا بها، ما عدا ذلك لم يخرج إلى الوجود ما يؤكد أن هناك تحقيقاً واسعاً جرى في هذه القضية الغامضة والواضحة في الوقت نفسه.



    * قيل إنه تم قتل الشقيقين الحمدي بطريقة بشعة، وأنه تم التمثيل بجثتيهما ؟

    ـ التفاصيل لا يعول عليها، لأنه قد يكون فيها مبالغات، فالحبكة التي تمت بها الخطة، من الصعب أن تفوت أو تسمح بنشر تفاصيل صغيرة عن جريمة معقدة، كمقتل الرئيس الحمدي.



    * ما قصة الفرنسيات، التي قيل إن الرئيس الحمدي كان معهن في يوم الحادث ؟

    ـ تلك قصة أخرى سمعناها من الصحف، لكن على صعيد الواقع لا شيء أكيداً، ومن الصعب التحدث عن هذه المسألة، ما لم تكن هناك وقائع معروفة.



    * بحكم صلتكم بالرئيس الحمدي، هل تعتقدون أن الرجل كان صاحب مغامرات عاطفية مثلاً ؟

    ـ من خلال معرفتي به لم يكن صاحب مغامرات عاطفية ؛ فلم تكن له علاقات عاطفية قبل الرئاسة ولا بعدها، ولكن كانت تعتريه أحياناً فورات غضب وحالات اكتئاب، تنعكس في مخاطبته أو معاملاته لمن لا يودهم، وذلك بالخطاب الحاد والجارح، ولكن الحمدي كان مدركاً لهذا العيب فيتلافاه بالاعتذار وجبر الخاطر.



    * كيف قدمت السلطة حينها التي رأسها أحمد الغشمي رواية مقتل الحمدي، وكيف تقبل المواطنون موت الحمدي ؟

    ـ بالنسبة للمواطنين، لا شك أن مقتل الحمدي شكل صدمة كبيرة لهم، أما الرواية الرسمية، فهي لم تخرج عن إطار المنطق، وهو أنه وجد مقتولاً، كما روى البيان الذي نعى الشعب في وفاته كما كانت هناك جنازة كبيرة حضرها آلاف المواطنين الذين احتشدوا لتشييع الجنازة يغشاهم الحزن والغضب الذي ساد الناس في كل مكان في اليمن.



    * قيل يومها إن الجماهير في يوم تشييع جنازة الحمدي هتفت ضد الغشمي ؟

    ـ سمعت عن هذا، وسمعت أن هناك من رمى موكبه بالحجارة، ومن كان يصرخ، وفي رأيي كان ذلك طبيعياً، نظراً لما كن يتمتع به الحمدي من شعبية، بل أنه كان من المتوقع أن يحدث أكثر مما حدث.



    * فيما بعد، كيف تقبلت قيادة الجنوب مقتل إبراهيم الحمدي، فمن المعروف أن الرئيس سالم ربيع علي أنتقم لمقتل الحمدي باغتيال الرئيس الغشمي بطريقة مأساوية أيضاً ؟

    ـ تلك قضية مأساوية أخرى، لأن الرواية التي تتهم الرئيس ربيع بأنه وراء مقتل الغشمي، وشاعت في ذلك الحين، رد عليها براوية أخرى تكذبها، لأن الرئيس ربيع وبعد مقتل الحمدي بفترة، بنى علاقة طيبة مع الرئيس الغشمي، واستطاع أن يتجاوز تلك الفجوة التي حدثت بينهما بسبب مقتل الحمدي، ورتب مع الغشمي أموراً كثيرة، وهذا ما أزعج رفاقه في القيادة، الذين كانوا على خلاف معه ويشكون في هذه العلاقة وكي يمنعوه من التمادي والتواطؤ مع الغشمي، قاموا بإرسال مبعوث إلى الرئيس الغشمي غير المبعوث الذي أرسله الرئيس ربيع، والمبعوث الجديد هو الذي حمل الشنطة المفخخة، ويقال إن شخصاً إنتحارياً قد تم تكليفه بالمهمة، وهو يعرف الهدف من هذه المهمة، وقتل الرئيس الغشمي، ثم ما لبثت القيادة في عدن أن أحدقت بالرئيس ربيع وقضت عليه، وبدأ الأمر وكأنه ضرب عصفورين بحجر واحد، والقصة أو الجريمة المزدوجة دراما مأساوية بمعنى الكلمة.



    * هل كان مقتل الرئيس الحمدي إجهاضاً لمشروع دولة الوحدة، الذي كان قد بدأ يتبلور في عهد الرئيسين الحمدي وربيع ؟

    ـ التفاصيل في هذه القضية ليست واضحة بما في ذلك لدى الأوساط المقربة من الحمدي في تلك الفترة، لكن العلاقات المتدهورة بين الحمدي والسعودية كانت قد أوصلته إلى إقتناع بضرورة التعجيل ببعض الخطا نحو الوحدة مع الجنوب ؛ فقد كان، يرحمه الله معتزاً بنفسه وباليمن، وكان على ما يبدو يريد ممارسة ضغوط على السعودية عن طريق القيام بزيارة عدن والتلويح بالعمل لتحقيق الوحدة مع الجنوب، ولم يكن تحقيق الوحدة ليتم لمجرد قيام إبراهيم بزيارة عدن، خاصة وأنه لم يسبق التفاوض حول الوحدة، ولم تكن الظروف في تلك الفترة ناضجة أو مهيأة لذلك الحدث، مثلما كان عليه الحال في الـ22 من مايو 1990، خاصة وأن القيادات النافذة المحيطة بالحمدي وربيع لم تكن لتسمح بقيام الوحدة، ناهيك عن معوقات دولية أخرى لا يمكن تجاهلها مثل النفوذ السوفيتي في عدن، لهذا فلم يكن مقتل الرئيس الحمدي إجهاضاً لمشروع وحدوي.



    * هل نقرأ من وراء السطور دوراً إقليمياً ما في قضية الحمدي ؟

    ـ من الصعب تأكيد هذه المسألة أو نفيها، لكن كان من الواضح، أن الحمدي رحمه الله، كان يتجاوز الحدود المسموح بتجاوزها في سياساته الخارجية، وكان من الواضح أن ثمة خطوط حمراء في المسألة سواءً بالنسبة للأطراف الإقليمية أو الدولية، وقد أخترقها الحمدي وربيع في أكثر من مكان وخاصة في قضية التلويح بتحقيق الوحدة.



    * بعد مقتل الحمدي كيف تعاملت مراكز القوى مع الغشمي ؟

    ـ رحبت بمقتل الحمدي مختلف مراكز القوى لأسباب معروفة، ولكنها في الوقت ذاته لم تطمئن لمجيء الرئيس الغشمي ؛ فهي تعرف مدى قوته وسعيه للإنفراد بالسلطة، ولهذا لزم كل مكانه، واعتبرت ذهاب الحمدي، الخصم الأول للنفوذ القبلي إنتصاراً بحد ذاته.



    * هل برأيكم ذهب مشروع تحديث اليمن بمقتل الحمدي ؟

    ـ لا، لم يذهب ؛ فأنا أعتبر التحديث أو التقدم والتطور ليس مرتبطاً بشخص، قل شأن هذا الشخص أو عظم، لأن هذه المسالة متعلقة بالشعوب، فلا يمكن أن يتوقف مستقبلها أو تطورها ونموها بمجيء هذا الشخص أو ذهاب آخر.

    لكن لا شك أن الناس كانوا يعتبرون مسيرة التحديث مرتبطة بالحمدي بل أنه رائدها، ولكنه لم يستطع خلال هذا الوقت الضيق، الذي تولى فيه الرئاسة أن يحقق المشروع الذي كان يريد تحقيقه، لأنه دخل في صراعات من كل نوع شغلته وأعاقته عن إنجاز ما كان يطمح إلى تحقيقه، وكان ذلك نتيجة طبيعية للوتيرة السريعة وغير المدروسة للقرارات التي اتخذها منذ مجيئه إلى سدة الحكم العام 1974.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-11-30
  15. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل السادس

    عهد صالح

    مسار الوحدة




    * في فترة حرجة من تاريخ اليمن، خاصة بعد مقتل الرئيس الحمدي ثم مقتل الرئيس الغشمي، ووصول البلاد إلى أشبه ما تكون على كف عفريت، جاء الرئيس علي عبدالله صالح ليرأس البلاد، قيل يومها أن الرئاسة عرضت على أكثر من شخص، لكنهم اعتذروا ؛ فيما قبل بها صالح معتبراً أنه يحمل كفنه بيديه.. ما هي شهادتكم عن هذه المرحلة ؟

    ـ أشك أولاً في أن منصب الرئاسة عرض على أحد، فلم يكن أحد بعد مقتل الغشمي المفاجئ وغياب مراكز القوى عن الساحة السياسية يملك حق عرض منصب الرئاسة على أحد، بل كانت الفرصة متاحة يومها لمن لديه القبضة الأقوى والقبول الأوفر داخل القوات المسلحة لتولي الإمساك بزمام الأمور، وعلى الرغم من أن القاضي عبدالكريم العرشي، بحكم الدستور أصبح قائماً بأعمال رئيس الجمهورية، وبرغم رغبته وسعيه لتولي هذا المنصب الخطير بشكل رسمي، إلا أن القوات المسلحة وقطاعاً واسعاً من السياسيين والمشائخ كانوا يؤيدون إختيار علي عبدالله صالح لمنصب الرئاسة.

    كان علي عبدالله صالح قائداً للواء تعز وقائد اللواء مدرع، ومشاركاً ومعاصراً لكل أحداث الثورة، ورغم أنه لم يكن معروفاً بشكل واسع خارج الجيش، إلا أنه كان الأوفر حظاً للفوز بمنصب الرئاسة، خاصة بعد وصوله من تعز إلى مقر قيادة الجيش على اثر مقتل الغشمي، وتوليه منصب نائب القائد العام، ومباشرته فعلياً لصلاحيات القائد العام سواءً في قيادة القوات المسلحة أو في إدارة الأزمة بجرأة ومهارة فائقتين أقنعا جميع الذين تعاطوا مع الأزمة التي خلفها مقتل الغشمي، بأنه ـ أي علي عبدالله صالح ـ المرشح الأفضل والأقوى لمنصب الرئاسة.



    * من أقترح علي عبدالله صالح ليصبح رئيساً ؟

    ـ في يوم الحادثة وصل المقدم علي عبد الله صالح إلى صنعاء على متن طائرة عسكرية أقلته من المخا حيث كان في زيارة إحدى الوحدات وانضم إلى مجموعة من الضباط والقادة المجتمعين منذ مقتل الغشمي في مقر القيادة لبحث الوضع، فيما كان مجلس الشورى يتداول الأمر حول اختيار مجلس قيادة مؤقت، لكن ما كان يدور داخل مقر القيادة للقوات المسلحة أمراً مختلفاً عما كان يدور في مجلس الشورى.

    كانت قيادة القوات المسلحة تريد يومها أن يتولى قيادة البلاد ضابط تثق فيه وتتوفر فيه الشروط الموضوعية لقيادة الجيش وقيادة الدولة، وكانت هذه الشروط عند شخص واحد هو علي عبد الله صالح، ولم تمر سوى أيام قليلة حتى اجتمعت كثير من الشخصيات القبلية والمدنية، وقبلت بهذا الاختيار، سواء تلك التي لم تقتنع بالقاضي عبد الكريم العرشي أو تلك التي كانت مع المرشح الأقوى، وهكذا تم اختيار علي عبد الله صالح رئيساً للبلاد وقائداً أعلى للقوات المسلحة.



    * كيف أدار الرئيس علي عبدالله صالح الأيام الأولى من حكمه، ثم السنوات التي تلتها، والتي كانت من أصعب الفترات التي عاشها اليمن ؟

    ـ بصراحة، لم يكن الكثيرون يظنون أن يستمر علي عبد الله صالح فترة طويلة في الحكم، فقد كانت معرفة الناس المحدودة بالرجل تجعلهم يظنون أنه لن يستطيع أن يحل محل الحمدي، وأن المسألة مسألة أشهر ويترك السلطة راضياً أو غير راض، لكنه منذ الأيام الأولى برهن على قدرته على تحمل المسؤولية ببراعة، جعلت الناس تلتف حوله في أيامه الأولى على إعادة الطمأنينة إلى النفوس، وترسيخ الاستقرار السياسي، لكنه فوجئ بحرب 1979، التي شنها الأخوة في عدن بعد أن أصبح رئيساً لتشكل تحدياً له وتهديداً لرئاسته البلاد، وكان الهدف منها إسقاطه والتخلص منه قبل أن يشتد عوده،خاصة بعد نجاح إغتيال الرئيس الغشمي،وبعد تأكد عدن من صلابة الرئيس الجديد.

    وعلى الرغم من أن تلك الحرب كانت ضربة موجعة للشمال، خاصة، بعد أن تمكنت قوات عدن والجبهة الوطنية من احتلال مناطق عديدة، مثل البيضاء وبعض المناطق الوسطى الأخرى، إلا أن الرئيس علي عبد الله صالح تصرف بحس سياسي ذكي لا يمكن إنكاره ؛ فبعد أن يئس من الدعم السعودي الذي كان يتوقعه في بداية الأمر استعان بالسوريين والعراقيين للتدخل السريع لحل النزاع القائم ولممارسة أقوى ضغط على النظام في عدن، لسحب قواته المتوغلة في مناطق الحدود الشمالية، كما أجاد لعب ورقة السوفييت والأمريكيين، قطبي الصراع في المنطقة.

    وفعلاً جاء التوسط العراقي والسوري لحسم الأزمة لصالح الشمال، حيث انسحبت قوات عدن من الأراضي التي احتلتها تحت ضغط شديد من بغداد ودمشق، من جهة أخرى رفضت واشنطن الوضع الناجم عن عدوان قوات اليمن الديمقراطي على أراضي الجمهورية العربية اليمنية، وأصرت على انسحابها فوراً، وكنت حينها سفير اليمن في واشنطن، وكنت على علم بجدية الموقف الأمريكي، الذي أدى إلى قيام السوفيت بالضغط على عدن من أجل الانسحاب، وهكذا استطاع علي عبد الله صالح أن يتجاوز الامتحان الصعب والتحدي الكبير، برباطة جأش وبأقل خسائر ممكنة سياسية ومعنوية.

    كان هذا الاختبار الأول للرئيس علي عبدالله صالح، ثم تلى ذلك عدة اختبارات، منها الانقلاب الذي قام به الناصريون ومشاكل أخرى تعامل معها بتفهم ورباطه جأش.

    وعلى الرغم من أنه لم يكن ذا تجربة في العمل السياسي، إلا أن الرئيس علي عبد الله صالح أدرك أكثر ممن سبقه من الرؤساء أن البلاد بحاجة إلى سد الفراغ السياسي الذي تعيشه، فعلى الرغم من أن العمل الحزبي كان محرماً، إلا أنه كانت هناك أحزاب سياسية تعمل في السر، لذلك فقد بادر إلى دعوة جميع القوى السياسية إلى الحوار الوطني السياسي الذي أفضى إلى تشكيل لجنة الحوار وإلى ( الميثاق الوطني )، ثم إلى إجتماع كل ممثلي القوى السياسية في الساحة اليمنية لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، الذي كان عبارة عن جبهة واحدة للأحزاب كلها من بعثيين وإخوان مسلمين وناصريين وإشتراكيين، وقد استطاع الرئيس علي عبد الله صالح قيادة البلاد وعبر كل المعوقات محققاً نجاحات مشهودة على صعيد التنمية والاستقرار السياسي، وبناء قوات مسلحة متطورة وقوية، وخوض انتخابات ديمقراطية لمجلس الشورى العام 1988، وتحقيق الوحدة المنجز الأكبر العام 1990.



    * كيف واجه الرئيس علي عبد الله صالح إنقلاب الناصريين في العام 1979 ؟

    ـ لم أكن يومها في البلاد، ولست ملماً بتفاصيل الإنقلاب، الذي نعرف جميعاً انتهاءه بالفشل ومحاكمة الذين قاموا به وإعدام بعضهم.



    * هل كان الإنقلاب كبيراً، وهل شاركت فيه قوى أخرى ؟

    ـ لست ملماً بتفاصيل الإنقلاب كاملة، لكنني أعرف أنه تورط في الإنقلاب الفاشل ضباط عسكريون من بينهم قائد الشرطة العسكرية العقيد فلاح وبعض الضباط الآخرين.



    * هل تعتقدون أستاذ يحي أن نجاح الرئيس علي عبدالله صالح في صد هذا الإنقلاب كان الداعم الأساس في ترسيخ سلطته كرئيس ؟

    ـ لا، التحدي الكبير والعقدة الكبرى التي كسرها علي عبد الله صالح قبل ذلك كان احتواءه وتجاوزه لنتائج حرب 1979، وذلك كان أساس ترسيخ رئاسته، حيث برهن أنه ليس فقط قادراً على البقاء، بل وعلى قيادة الأزمات والحروب التي تتعرض لها البلاد بطريقة أفضل ممن سبقه، والنجاح الثاني الذي حققه الرئيس علي عبد الله صالح، كان عندما أسس المؤتمر الشعبي العام، بعد حوار وطني شمل كافة القوى الوطنية من اليسار والوسط واليمين، وبذلك احتوى في وعاء تنظيمي واحد كل القوى السياسية النشطة في البلاد.



    * وكيف أدار علاقته مع رجال القبائل وتحييد دور هؤلاء على الرغم من احتفاظه بعلاقات جيدة مع قبائل اليمن بشكل عام ؟

    ـ الحقيقة، لقد استطاع الرئيس علي عبدالله صالح أن يحيد رجال القبائل عبر سياسة تقليدية ولكنها صحيحة، متمثلاً مقولة معاوية ( لو كان بيني وبين الناس شعرة.... الخ ) وهذا هو علي عبدالله صالح لا يسمح أبداً بقطع الشعرة أو الحبل الذي يصله بالناس.



    * هل يعني هذا أنه استفاد من تجارب الحمدي وأخطائه ؟

    ـ الرئيس علي عبدالله صالح كان ولا يزال خير من تعلم ويتعلم من تجارب من سبقه من الرؤساء فقد عاصر فترة السلال وما تلاها، كما كان في فترتي رئاسة الإرياني والحمدي قريباً جداً من مطبخ السلطة، وكان أكثر قرباً في عهد الرئيس الغشمي، ولا شك أنه بذكائه وبرصيده من التجارب الثلاث، التي جاءت في مرحلة نضجه، تمكن من متابعة ومعرفة كل الثغرات، والنجاحات والإخفاقات للزعماء الثلاثة، ذلك كله ساعد في تعزيز زعامته وقيادته عندما أصبح رئيساً العام 1978، مستفيداً من أخطاء ونجاحات من سبقه، ومتميزاً عنهم بأنه يتابع نبض الشارع أولاً بأول ولديه طاقة ليست عادية للتواصل الواسع مع الناس بمختلف مرتباتهم وفئاتهم ومستوياتهم.



    * أتريدون القول إن علي عبد الله صالح فهم الواقع اليمني أكثر وأفضل من غيره ؟

    ـ خلال واحد وعشرين عاماً قضاها في سدة الحكم، فإن علي عبد الله صالح استوعب أكثر من أي زعيم يمني آخر مفردات المجتمع اليمني المدني والقبلي، والواقع بجميع عقده ومشاكله، وكان ذلك سبب نجاحه وطول مدة بقائه في الرئاسة.



    * كيف أدار أزماته ومشاكله مع القادة في الجنوب، فقد عقد لقاء بينه وبين عبدالفتاح إسماعيل في الكويت ثم توالت مع علي ناصر وغيره ؟

    ـ جاء لقاؤه بعبدالفتاح إسماعيل استمراراً لحوارات ولقاءات سابقة كانت تجري بين القادة اليمنيين في الشمال والجنوب، كانت في العام 1972، بين سالم ربيع والرئيس الإرياني وعلي ناصر محمد ومحسن العيني وغيرهم من الرؤساء اليمنيين.

    وعلى إثر حرب 1979 توثقت صلته برؤساء الجنوب، وخاصة بعد لقاء الكويت مع عبد الفتاح إسماعيل ومع علي ناصر محمد وقادة الحزب، في المحافل الدولية أو بعد ذلك في صنعاء وعدن، ومثلما استطاع أن يتعامل بحنكة مع العقلية اليمنية في الشمال، استطاع أيضاً أن يتعامل مع الأخوة في الجنوب، وعرف كيف يستفيد من العلاقات الشخصية مع قادة الحزب في الجنوب، سواءً كقادة أو كأشخاص، وهذه سمة من أهم السمات القيادية لدى علي عبد الله صالح، فهو يتحرى تشخيص الآخرين بدقة ويعرف نواحي الضعف والقوة لدى خصومه وأصدقائه.



    * ما هي معلوماتكم عن اللقاء الذي جمعه بالرئيس عبدالفتاح إسماعيل بالكويت، وما صحة ما تردد أن عبدالفتاح عرض على علي عبدالله صالح رئاسة اليمن الموحد ؟

    ـ حسب معلوماتي ؛ فإن علي عبدالله صالح لم يكن في لقائه مع عبدالفتاح إسماعيل في الكويت مستريحاً، فقد كان يتحاور مع قيادة احتلت البيضاء وتوغلت في المناطق الوسطى، وجاءت هذه القيادة لتتحاور معه من مركز القوة والشعور بالنصر.

    لذلك لم يكن ليأخذ ما يطرحه الإخوة في الجنوب مأخذ الجد، كما أنه برغم حداثة تجربته في الرئاسة والسياسة، فقد تعامل معهم بروح المودة، وتحمل عبء المواجهة في المفاوضات مع من يعتبر نفسه منتصراً، وتعامل معه متحلياً بصبر غير محدود، إلى أن خرج اللقاء بتلك القرارات التي تؤكد على إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل إندلاع حرب 1979، وعلى استمرار المفاوضات واللقاءات حول الوحدة، خاصة لجنة الدستور وغيرها من اللجان.



    * هل كان عبدالفتاح إسماعيل، برأيكم، جاداً فيما طرحه على الرئيس علي عبدالله صالح ؟

    ـ شخصياً التقيت عبدالفتاح إسماعيل مرتين عندما كنت سفيراً في القاهرة، وقد أعجبت بعمق ثقافته وبتطلعاته الواضحة نحو الوحدة، وحول بناء دولة تقدمية في اليمن، لكنني على صعيد الواقع وما أسمعه من الآخرين أفهم أن الرجل كان يحلم بأكثر مما يحتمله الواقع، وكان منظراً أكثر منه سياسي، ولم يكن الإخوة في عدن يأخذون كل أطروحاته مأخذ الجد، فالإدارة الفعلية لشؤون الحزب والدولة في الجنوب في تلك الفترة كانت بيد أصحاب النفوذ داخل الحزب ممن يستندون إلى المؤسسة العسكرية ويمثلون قبائل ذات وزن سياسي كبير.



    * هل استفاد الرئيس علي عبد الله صالح من خلافات القادة الجنوبيين ؟

    ـ لا شك أنه استفاد من كل الثغرات، وقد كانت الخلافات شديدة وكادت أن تنفجر في مناسبات مختلفة، لكنه تعامل معها من منطلق الحرص على التقارب معهم، لكن لم تغادر ذهنه حقيقة انهم خصومه، وأن عليه أن يضعفهم قدر الإمكان.



    * بعد إنفجار الوضع في عدن العام 1986، هل حاول أن يستغل هذه الأحداث للانتقام من خصومه ؟

    ـ أثناء أحداث الثالث عشر من يناير 1986، كنت محافظاً في إب، وقد أتيح لي قبل إنفجار الموقف أن أذهب إلى عدن لحضور فعاليات الاحتفالات بذكرى ثورة 14 أكتوبر، وكان واضحاً أن الجو السياسي في عدن ساخن جداً، والخلافات على وشك أن تنفجر، وعندما عدت إلى الرئيس في صنعاء شرحت له الوضع بالكامل، وكان على إطلاع لما يجري التحضير له في عدن، وفيما أعلم لم يحاول الرئيس أن يستغل هذا الوضع للتدخل، على الرغم من الفرصة التي أتيحت له يومها بعدما طلب منه الرئيس علي ناصر محمد الدعم والنجدة، وقد كان حصيفاً لهذه المسألة حيث اجتمع مع القيادة هنا، وتم التوصل إلى قرار كان يحبذه، يقضى بعدم التدخل في أحداث الاقتتال، وأن على هؤلاء معالجة مشاكلهم بأنفسهم، لكن صنعاء مستعدة لاستضافة كل من يأتي إلى الشمال من المتضررين من هذه الكارثة، وتم الاشتراط على أن لا يسمح لهؤلاء المستضافين بالعودة إلى عدن لتفجير موقف جديد، طالما لا يزال النزاع قائماً وجاءت فعلاً حوالي 7 ألوية وأكثر من نصف قيادة الحزب.

    وربما كان هذا التصرف الحكيم الذي أقدم عليه علي عبدالله صالح، هو الذي أوصل القيادة التي انتصرت في أحداث 13 يناير 1986 إلى الاقتناع بقيام دولة الوحدة.



    * هل كان هذا التصرف الذي أقدم عليه الرئيس علي عبدالله صالح يعد بحد ذاته إضعافاً لقيادة الجنوب ؟

    ـ في رأيي لم يأت عدم التدخل من هذه الزاوية فحسب، بل من حسابات أخرى، منها إن الإتحاد السوفيتي كان لا يزال يومها موجوداً ومؤثراً، وكانت لنا علاقات ممتازة معه، وقد كان السوفيت يعارضون أية تدخل.

    لا شك أن علي عبد الله صالح أدرك بحسه السياسي أن أي تدخل لا يكون ناجحاً ستكون عواقبه وخيمة على الوحدة وعلى جميع الأطراف، كما أن هناك عوامل أخرى تتعلق بالخاسرين بهذه الأحداث، والذين انسحبوا إلى الشمال، فقد كان واضحاً أن هؤلاء لم يكن بمقدورهم أن يحققوا نصراً فيما لو عادوا إلى عدن فقد ضربوا في هذه الأحداث، وتلفت أسلحتهم وأصبحوا غير قادرين على عمل شيء، هذه من العوامل التي جعلت علي عبد الله صالح يمتنع عن الإقدام على أي تدخل.



    * لو تحدثنا عن المراحل الأساسية التي قطعت للوصول إلى يوم الوحدة 1990، فما هي شهادتكم عنها ؟

    ـ لقد أتيح لي منذ البدايات الأولى لمسار الوحدة أن أكون مشاركاً في مباحثاتها بطريقة أو بأخرى ؛ ففي العام 1972، خلال عملي سفيراً في القاهرة انفجرت الحرب بين شطري البلاد وانتهت بوقف إطلاق النار وباللقاء بين مسؤولي الشطرين في القاهرة.

    وكان لقاءاً حاراً حضره محسن العيني عن الشمال، وعلي ناصر عن الجنوب، وكان التفاهم السريع مثار إعجاب واندهاش للمصريين ولمسؤولي الجامعة العربية والسفراء العرب، لأنه ما أن التقينا حتى زال كل التوتر، وتم الاستغناء منذ اللحظة الأولى عن مهمة الوسطاء، واتفقنا على خطوات أولى على طريق الوحدة.

    بعد ذلك جاء اللقاء الثاني بين الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني والرئيس سالم ربيع في طرابلس، وكنت حينها سفيراً غير مقيم في ليبيا، وشاهدت بعيني كيف التقى الإثنان وكيف عبرا عن رغبة جامحة للوحدة وليس فقط للتقارب، وأتذكر أن الرئيس الليبي معمر القذافي أخذ معه الرئيسين في سيارته، التي كان يقودها بسرعة، قائلاً لهما إنه مصمم على التوقيع على الوحدة بين الشطرين فوراً، يومها قال له الإرياني إنه يجب أن تتوفر كل الشروط لقيام الوحدة، وأنه بتوقيعنا على مشروع الإتفاق الذي ينص على تشكيل لجان الوحدة فإننا نخطو الخطوة الأولى على طريق الوحدة، وفعلاً تم التوقيع على الإتفاقية التاريخية الأولى للوحدة.

    وتوالت بعدها الأحداث، كما توالت اللقاءات بين لجان الوحدة، وكان واضحاً لكل مراقب أن هذه الخطوات المتواضعة، التي تتم على طريق الوحدة، خاصة ما يتعلق بالدستور، لم تكن مجرد حوارات في الهواء أو مغالطات، بل أنها تمهد لشيء حقيقي، لكن لم يكن أحد يعلم متى سيأتي هذا الشيء، غير أننا كنا جميعاً واثقين من أن الوحدة ستتحقق ذات يوم، على الرغم من معرفتنا بأن الأوضاع الدولية في ذلك الوقت لم تكن بأي حال من الأحوال لتسمح بقيام دولة الوحدة بين الشطرين.

    بعد أحداث الثالث عشر من يناير 1986، في عدن، وتدهور الأوضاع في الإتحاد السوفيتي وتوقفه عن تقديم الدعم لعدن، وتقارب المسؤولين في الشطرين، كان من الواضح أن الأمور تسير نحو الوحدة، إضافة إلى ذلك كان لاستقرار الوضع في الشمال، خاصة بين 1980-1990، واستخراج البترول والروح التي سادت العلاقات بين صنعاء وعدن والطريقة التي كان يتعامل بها الرئيس علي عبدالله صالح مع الإخوة في عدن، عاملاً مساعداً لتحقيق الوحدة في أجلها الصحيح في العام 1990.



    * هل كانت الوحدة في رأيكم متكافئة، أم أنه كان هناك شعور بأن طرفاً مهزوم والأخر منتصر ؟

    ـ صدقني، لقد كانت الوحدة متكافئة إلى أبعد الحدود، لأنك لو أخذت المسألة من حيث السكان أو القضية المادية أو اعتبارات أخرى لأمكن القول إن عناصر التكافؤ غير متوفرة، ولكن الإرادة المشتركة لقيادتي الشطرين والتوزيع المتكافئ للمسؤوليات في دولة الوحدة بينهما، حالت دون وجود منتصر ومهزوم، وبرغم معارضة كثير ممن كانوا حول الرئيس علي عبدالله صالح بشأن شكل قيام الوحدة، إلا أنه تجاهل ما كان يطرحه المعارضون من محاذير، وما ينصحون به من تجنب القبول بتوزيع السلطات على مبدأ المساواة مع الطرف الأخر، بل إنه كان مستعداً لتنازلات أكبر من منطلق الإيمان بأننا شعب واحد وأنه يهون أي شيء من أجل الوحدة ومن أجل تحقيق منجز تاريخي تحلم به الجماهير اليمنية عبر القرون.

    ولو عدت قليلاً إلى قوائم التعيينات لمسؤولي دولة الوحدة، وإلى القبول بأية شروط كان الإخوة في الإشتراكي يضعونها لوجدت أن الرئيس تقبل كل شيء، وهذه الروح هي التي ساعدت على قيام دولة الوحدة.



    * قيل يومها، ولا يزال يقال إلى اليوم إن الوحدة قامت بإتفاق شخصين وليس بإتفاق دولتين، وأن علي البيض وعلي عبدالله صالح هما اللذان حسما المسألة أكثر مما حسمتها المؤسسات، ما تعليقكم ؟

    ـ أنت تعرف إننا جزء من العالم الثالث، والشخصان كانا رأسي الدولتين، فمن يتمتع بنفوذ يخوله حق إتخاذ القرار نيابة عن الدولة فهو رأس الدولة، وربما كان الرئيس علي عبدالله صالح أكثر ديمقراطية في هذه القضية، لأنه تشاور مع جميع القوى السياسية الحزبية وغير الحزبية، وعلى الرغم من أن قيادة أحد هذه الأحزاب كانت لديه ثمة تحفظات، لكنه أصر عليهم بالنزول إلى عدن والمشاركة سواء في المحادثات التي سبقت يوم الوحدة أو يوم إعلان الوحدة في 22 مايو 1990، كما أنه أحال مشروع إتفاقية الوحدة لمناقشته وإقراره من قبل مجلس الشورى، وأقر بعد معارضة محدودة من بعض ممثلي الإصلاح.



    * من كان يعارض الرئيس في ذلك ؟

    ـ بعض القيادات في حزب الإصلاح وبعض السياسيين الآخرين، وللتاريخ فإن المعارضة لم تكن ضد الوحدة ولكن ضد إتفاقية الوحدة، التي كان لها معارضون أيضاً في الحزب الإشتراكي.



    * لماذا لم يستمر هذا الحلم الجميل، الذي كان يؤمل منه أن تكون دولة الوحدة عاملاً قوياً ورافداً أقوى لبناء دولة أخرى غير الدولتين في شمال اليمن وجنوبه ؟

    ـ الوحدة الحلم الذي تحقق لا يزال ماثلاً أمامنا يكبر ويتطور يوماً بعد يوم، لكن ما يتعلق بكابوس محاولة الإنفصال الفاشلة فلست قادراً، ولا غيري سيكون قادراً في الوقت القريب على الرد على أسبابها وحقائقها وسيكون التاريخ كفيلاً بإظهارها، ولو بعد حين.



    * نريد شهادتكم أنتم ؟

    ـ كانت هناك أسباب عديدة لتدهور العلاقات بين صناع الوحدة وقادتها لا يمكن حصرها، وكان أهمها الأنانية والشك اللذين سيطرا على قيادات دولة الوحدة، وعلى الأخص الأمين العام للحزب الإشتراكي علي سالم البيض، كما أن هناك ثمة عوامل يجب أن لا نتجاهلها، وتكمن في وجود جهات خارجية لم تكن راضية عن قيام دولة واحدة في اليمن، ولعبت دورها المدمر للوحدة بشكل مباشر أو غير مباشر، وعندما وجدت أن أحد طرفي الوحدة غير راض عن وضعه في دولة الوحدة شجعته على التمرد على هذا الوضع وأمدته بالأسلحة والأموال من أجل دفعه للإنفصال.



    * ولكن سبقت الحرب أزمة سياسية، هل كانت برأيكم هذه الأزمة موضوعية أم ذاتية ؟

    ـ في عز الأزمة السياسية التي نشبت كنت وزيراً للداخلية في حكومة حيدر العطاس، وكنت على إطلاع على كل الأمور، وكيف تسير، فقد كنت على مقربة من الرئيس علي عبدالله صالح ونائبه علي سالم البيض، والأخوة في الحكومة وخاصة حيدر العطاس.

    كان مريحاً للنفس في بداية الأمر أن الانسجام كان تاماً، وأن المنغصات لم يكن يعيرها لا الرئيس ولا النائب أية اهتمامات، بل يتجاوزانها ويغضان الطرف عنها، وكانت قيادة الحزب الإشتراكي والمؤتمر الشعبي العام تتعاونان على خلق مناخ حزبي بناء بينهما أولاً وبينهما وبين الأحزاب الأخرى التي أشهرت نفسها بعد انفصالها عن المؤتمر أو التي تكونت حديثاً.

    لكن الحزب الإشتراكي دخل الساحة في دولة الوحدة بكل إرثه السياسي والإيديولوجي والتنظيمي وكافة العقد والمشاكل التي تراكمت منذ الإستقلال ؛ فيما كان المؤتمر الشعبي العام حديث العهد بالحزبية لأنه قبل الوحدة كان عبارة عن إطار انضوى تحت لوائه العديد من التيارات الحزبية، وفي ظل التعددية الحزبية انشغل المؤتمر بإعادة بناء نفسه من الصفر، وفي الوقت ذاته حاول القيام بدوره السياسي في بناء دولة الوحدة وفي خوض معاركه السياسية والحزبية التي أفرزتها التعددية الحزبية، وخوض الإنتخابات النيابية الأولى.

    وبرغم تمكنه من إنجاز بنائه التنظيمي في وقت وجيز، وبرغم نجاحه في خوض الإنتخابات بنجاح، إلا أنه لم يكن يشكل عامل ضغط على الرئيس علي عبدالله صالح بل عامل عون ودعم على عكس الحزب.

    الاختبار الأول للأحزاب السياسية في البلاد تمثل في إنتخابات العام 1993، وكانت هذه الإنتخابات هي المحطة التي بدأت عندها المشاكل المستعصية، فقبلها كانت هناك مشاكل التقاسم التي كان يشكو منها كثيرون داخل المؤتمر الشعبي العام والأحزاب الأخرى، لكن الرئيس لم يسمح بتفاقم المشكلة ولم يعر المسألة إهتماماً على اعتبار أن ذلك من مقتضيات الوحدة، غير أن المشكلة التي واجهناها قبل إنتخابات 93، وخلالها والمتمثلة في التنافس الإنتخابي كانت أكبر من أن نحتويها، فقد تسببت في إيجاد الشرخ الأول في علاقات المؤتمر والاشتراكي، خاصة بعد فشل محاولات دمج التنظيمين.

    وفي مطلع العام 1993 عندما جاءت الإنتخابات لم يكن الحزب الإشتراكي متحمساً لقيامها في ذلك العام، على الرغم من أنها كانت بحسب إتفاقية الوحدة مقرراً قيامها في العام 1992، وقد تم تأجيلها بعد أخذ ورد بين الحزب والمؤتمر، وكان الحزب يطمح أن تطول الفترة الإنتقالية لأربع سنوات لحساباته المتمثلة في إحتياجه إلى مزيد من الوقت داخل السلطة، ولكي ينتشر أكثر في المحافظات الشمالية، بينما لم يكن لدى المؤتمر بتجربته المحدودة وبعمره القصير نفس خبرة وحنكة الحزب الإشتراكي وعقده ومشاكله، وبالكاد كان يستطيع الانتشار واستقطاب أعضاء جدد في إطار المحافظات الشمالية، أما المحافظات الجنوبية، فكان ذلك مجالاً مغلقاً في البداية بسبب سيطرة الحزب الإشتراكي الكاملة فيها وقد حالت هذه السيطرة دون أي تواجد فعلي للمؤتمر أو للأحزاب الأخرى قبل العام 1994.

    وأخيراً حان موعد الاستحقاق الإنتخابي في أبريل 93، وسط تنافس محموم بين المؤتمر والاشتراكي والإصلاح بعد فشل المؤتمر والحزب في التنسيق الذي تحاورنا حوله طويلاً وجاءت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها الحزب الإشتراكي عندما أعلنت نتائج الإنتخابات 1993، التي جاءت مخيبة لآماله، فبدلاً من حصوله على نسبة (40-50%) التي كان يتوقعها إذا بالنتيجة لا تزيد عن (25%) من المقاعد بينما حصل المؤتمر على (50%) من مقاعد المجلس الجديد وحصل المنافس الجديد للاشتراكي حزب الإصلاح على نسبة (25%) من المقاعد.

    وعلى الرغم من أن هذه النتائج أزعجت الإشتراكي فإن الرئيس علي عبدالله صالح لم يفكر في تشكيل الإئتلاف الجديد في ضوء هذه النتائج، وأصر على أن يظل الحزب في الإئتلاف على ما كان عليه قبل الإنتخابات تقريباً، وكان ذلك يعني تمتعه بنفوذه السابق، بإستثناء بعض الوزارات التي أعطيت لحزب الإصلاح، وكانت من حصة المؤتمر والاشتراكي، إلا أن هذا الوضع لم يكن مريحاً لنائب الرئيس علي سالم البيض، كما أنه كان غير مرض للكثيرين ممن كانوا غير متحمسين لدخول الإصلاح في أي إئتلاف.

    وهكذا بدأت في 1993، المماحكات التي لم تكن كبيرة في البداية لكنها كانت تتراكم من يوم لأخر، وكانت المواقف الرافضة للوضع الجديد من قبل نائب الرئيس علي سالم البيض، وردود أفعاله الشديدة واعتكافه في عدن وما تسبب كل ذلك فيه من ردود أفعال مضادة، في الفترة الممتدة من 27 إبريل 1993 إلى 19 أغسطس من نفس العام هي التي ولدت القاعدة والعناصر اللازمة لقيام الأزمة السياسية التي امتدت حتى 27 أبريل العام 94 حينما انفجر الموقف في عمران.



    * هل تواصلت حوارات الرئيس مع نائبه في ذلك الوقت ؟

    ـ كانت حواراتهما لا تنقطع أبداً، وكان العمل المشترك للاثنين يجعلهما يتحاوران كل يوم حول مختلف القضايا، لكن بعد انتخابات العام 93، وذهاب نائب الرئيس إلى عدن ثم ذهابه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعودته إلى عدن انقطعت الحوارات وحل الانقطاع محل التواصل الذي كان في الماضي يكاد يكون تواصلاً يومياً، ثم تحول إلى قطيعة، وبرغم القطيعة حاول الرئيس بشتى السبل الخروج من المأزق، واستئناف اللقاء أو التواصل، لكن البيض كان رافضاً أي لقاء أو تواصل مع الرئيس بدون قبول شروطه العسيرة.



    * البعض من المقربين من علي سالم البيض يقول إن الرجل خدع ؟

    ـ في اعتقادي أن هذه المأساة لم يخرج منها أحد وهو يشعر بالانتصار، فالبلد خسرت الكثير، لكنها، والحمد لله ربحت الوحدة، وقد استطاعت أن تقف على قدميها، ولكم كنا نتمنى أن لا يصيب الوحدة مثل هذه الجروح الغائرة التي خلفتها الحرب.

    أما عن الخديعة الكبرى، فلا شك أنها كانت من صنع الذين شجعوا على الإنفصال ولا شك أن علي سالم البيض وقع في حبائلها مع من آزروه في قرار الانفصال.



    * هل تعتقدون أستاذ يحي أن الوحدات العسكرية الجنوبية التي تمركزت في الشمال والعكس كانت من عوامل الإنفجار في حرب 1994 ؟

    ـ ليس ذلك هو السبب على الإطلاق، ولكن عوامل أخرى عديدة كانت أسباباً رئيسية للانفصال، من أهمها بقاء القوات المسلحة منقسمة ؛ فالوحدات الجنوبية كانت لوحدها والشمالية لوحدها، بمعنى آخر عدم شمول القوات المسلحة بقرارات الوحدة ؛ فكما تعلم حصل دمج في المؤسسات المدنية وحتى الأمنية وحولت إلى مؤسسات ذات شخصية اعتبارية واحدة ؛ فيما عدا القوات المسلحة التي رغم أنها كانت إسمياً مرتبطة بوزير الدفاع ورئيس الأركان، إلا أنها ظلت مرتبطة بالحزب أو الجهة التي تدين لها بالولاء.

    هذا في نظري كان عاملاً هاماً تسبب في تلك لكارثة، لأنه لو حدث اندماج للوحدات العسكرية منذ البداية، وكانت بمنأى عن هذه الخلافات، لم يكن أحد ليجرؤ على الإقدام بشن حرب ضد الوحدة أو يفكر في إعلان الإنفصال.



    * هل تعتقدون أن عدم الثقة بين الرجلين كانت وراء الأزمة والحرب ؟

    ـ لفترة طويلة سادت بين الرئيس ونائبة ثقة، بل ومودة كبيرة، ولكن لم تكن نتائج انتخابات 1993 مرضية لعلي سالم البيض، وما تبع ذلك من مماحكات جعلت الرجل مستفزاً، إضافة إلى ما أحاط ذلك من جو التشكيك والتحريض، والذي دفعه إلى رفض أي نوع من محاولات رد هذه الهوة أو عودة الحوار بينه وبين الرئيس إلى ما كان عليه في السابق.



    * ألم يكن حزب الإصلاح الذي يتزعمه الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر سبباً في إيجاد هذه الهوة بين الرئيس ونائبه ؟

    ـ للإنصاف ؛ فالإصلاح لم يكن سبباً في الخلاف بين الرجلين، لأن الإصلاح، شأنه شأن الحزب الإشتراكي والمؤتمر الشعبي حزب سياسي يناضل للدخول في المعترك السياسي لإثبات وجوده مثل الآخرين، والإصلاح بقدر ما كانت له مآخذ على الحزب الإشتراكي، كانت له مآخذ على المؤتمر الشعبي العام أيضاً، لكن قيادات الحزب الإشتراكي وخاصة أمينه العام علي سالم البيض كانت غير راضيه عن دخول الإصلاح كشريك ثالث، ربما اعتقاداً منه أن الإصلاح هو الوجه الآخر للمؤتمر، وأنه سيأخذ جزءاً من حصته بالتواطؤ مع المؤتمر.



    * هل تتهمون أشخاصاً محددين ؟

    ـ لا أريد أن أحمل أشخاصاً بعينهم، ولكن من خلال الوثائق التي تظهر كل يوم تتكشف معلومات جديدة وأشخاص كانت لهم صلة بهذه المسألة، وأنا أقول بصراحة إن من كانت الأموال هدفاً بالنسبة إليهم ومن كانت لهم تحفظات على الوحدة نفسها منذ البداية كانوا وراء تصعيد الخلاف بين الرئيس ونائبه وبين التنظيمين ( المؤتمر والاشتراكي ) تمهيداً للانفصال.



    * قبل فترة بسيطة من اندلاع الحرب عقد لقاء في سلطنة عمان بين الرئيس ونائبه لتفادي الحرب ماذا حدث في هذا اللقاء ؟

    ـ نعم، حدث هذا اللقاء في مسقط بين الأخ الرئيس وعلي سالم البيض، وحضره الدكتور عبد الكريم الإرياني من المؤتمر وعبد الوهاب الآنسي من الإصلاح، والدكتور ياسين سعيد نعمان والدكتور عبد العزيز الدالي من الحزب الإشتراكي، وفي اللقاء الذي تم بحضور السلطان قابوس لبعض الوقت، جرى حوار طويل بين الرئيس ونائبه، ويذكر الأخ الرئيس أنه حاول بكل جهده إقناع علي سالم البيض بعودة المياه إلى مجاريها وأن يعودا معاً إلى صنعاء وعدن لتطبيع الحياة السياسية من جديد، لكن البيض رفض ذلك، وكانت شروطه كثيرة وغير واضحة، مثل إعادة الوحدات الشمالية المرابطة في الجنوب إلى الشمال والعكس، بالإضافة إلى جملة من الترتيبات الأخرى التي تتعلق بالوحدة.



    * كيف عالجتم اللحظات الأخيرة قبل إنفجار الوضع العسكري ؟

    ـ سبقت الحرب مشاكل كثيرة ؛ فقد وقعت حوادث هنا وهناك، ودخلت أسلحة إلى عدن وحضرموت بعيداً عن علم الجهات الرسمية المعنية في الحكومة، وجاءت حادثة ( دوفس ) في أبين ثم ذهاب البيض إلى السعودية وسالم صالح إلى الكويت بعد التوقيع على وثيقة العهد والإتفاق في عمان، لتعطي مؤشرات صارخة وقوية من أن الوحدة في خطر، وأن هناك ثمة ترتيبات تهدف إلى الإضرار بها، ثم تلاحقت الأهداف والمواقف السياسية والعسكرية لتصعيد الموقف نحو الإنفجار، برغم استمرار الرحلات المكوكية للوسطاء بين صنعاء وعدن بهدف احتواء الأزمة وإعادة المياه إلى مجاريها.

    وجاءت حادثة اشتباك لوائي الدبابات في عمران يوم 27 إبريل بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، خاصة بعد أن توترت الأمور ووصلت إلى طريق مسدود.

    يوم إنفجار الوضع في عمران وخلال اجتماعنا في مكتب الرئيس في القيادة العامة، حاول الرئيس الإتصال بالنائب ولم يفلح ؛ فأجرينا اتصالاً بوزير الدفاع، وطلبنا منه تعاوناً لاحتواء الموقف ووقف إطلاق النار في معسكر عمران بين المتقاتلين، كما اتصل الأستاذ محمد باسندوة بالسفير الأمريكي لشرح الموقف ومطالبته بالاتصال من جانبه بالبيض لضبط النفس ومنع أية تداعيات، أما الرئيس فقد وجه أوامر صارمة للمتقاتلين بالتوقف عن القتال ولكن بدون نتيجة.



    * كيف وجدتم قيادة الحزب الإشتراكي في هذه الأثناء ؟

    ـ على مستوى بعض القيادات في الحزب الإشتراكي، لم أجد بصراحة ما يدعوني للشك في ضلوعها فيما يجري، لكنني شعرت أن هناك إرادة للتصعيد لا يستطيعون مقاومتها ؛ فمن الواضح أن القرار داخل الحزب لم يعد جماعياً وأن عدداً قليلاً من أعضاء المكتب السياسي يشاركون في إدارة الأزمة.



    * وهل التقيتم علي سالم البيض ؟

    ـ أتيحت لي فرصة اللقاء بعلي سالم البيض أكثر من مرة ولم أسمع منه ما يدل فعلاً على أنه ينوي إعلان الإنفصال، صحيح كانت له شكاوي من تصرفات كان يعتبر أنها تستهدف الحزب ومشاركته في الحياة السياسية، ويعبر عن رفضه بصراحة، لكن لم تكن تدور في خلد أحد أن تصل الأمور بعلي سالم البيض إلى أن يعلن الإنفصال بنفسه، وهو الذي شارك علي عبد الله صالح في صنع الوحدة.



    * كيف تداعت الأحداث، خاصة في 27 إبريل ؟

    ـ صباح يوم 27 إبريل ألقى الرئيس خطاباً بمناسبة يوم الديمقراطية في جمهور غفير في ميدان السبعين، وكان يومها واضحاً وصريحاً وشديداً، وهو يرد على ما جاء في خطابات على سالم البيض التي اتهمت الرئيس والمؤتمر بالتآمر على الحزب الإشتراكي والخروج على اتفاقية الوحدة، وبعد عصر نفس اليوم أنفجر الموقف في معسكر عمران بين اللوائين الأول والثالث مدرع، وقد صعقنا جميعاً، ودعيت القيادة للاجتماع كما جرت محاولة بالقيادة للاتصال للقيادة العسكرية في عمران لوقف القتال، وتم الاتصال بهيثم قاسم طاهر، الذي كان موجوداً في عدن، وطلب منه أن يتواصل مع علي سالم البيض للاتصال بالرئيس حتى نمنع تداعيات الموقف، وحصره وتم اتخاذ قرارات عاجلة لإجراء عملية تحقيق سريعة لتطويق الموقف.

    وبعد حوالي 24 ساعة انتهى القتال بخسائر فادحة من الطرفين، ثم توالت الأحداث بشكل سريع، ولم يمض أسبوع بعد اشتعال الاقتتال في عمران إلا وقد انفجر على جبهات عديدة بداية في ذمار، عدن وأبين وكان ذلك اليوم المشؤوم يصادف الخامس من مايو 94.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-11-30
  17. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    الفصل السابع


    الحرب ـ الكارثة

    مداواة الجراح




    * بدأت الحرب الشاملة؛ فكيف تعاملتم مع ذلك اليوم المشؤوم ؟

    ـ دعاني الأخ الرئيس بصفتي وزيراً للداخلية مع عدد من الوزراء للاجتماع في مقر القيادة، وبنفس الطريقة التي تعاملنا معها في حادثة عمران تعاملنا مع أحداث ذلك اليوم، فحاولت الإتصال بوزير الدفاع هيثم قاسم طاهر ليأمر بوقف إطلاق النار في ذمار، ولم أنجح، وحاول الأستاذ محمد باسندوة الإتصال به، فلم ينجح هو الآخر، كما وجه الرئيس السلطات في ذمار بمنع أي فوضى أو تداعيات، لكن الأمر خرج عن سيطرة الجميع، وبدلاً من تهدئة الأمور في ذمار اندلعت الحرب في يريم.

    حدثت تداعيات هنا وهناك وانتهت الاشتباكات اليوم التالي، والقي القبض على قائد لواء باصهيب الذي حاول الفرار، كما اتصل قائد الأمن المركزي في عدن العميد الموشكي يشكو من تعرض معسكره للهجوم من قبل قوات عسكرية كثيفة، كما تعرضت قوات العمالقة في أبين للمضايقات وإطلاق النار على أفرادها، وسيطر المحاصرون على الأمن المركزي في عدن واعتقل الموشكي وضباط وأفراده.

    وحاول العديد من الأطراف التدخل، منها أمريكية وفلسطينية بهدف وقف تداعيات الموقف، لكن الوضع كان خارج نطاق السيطرة، وهكذا اشتعلت نيران الفتنة لتبلغ ذروتها عند إعلان قرار الانفصال المشؤوم الذي أعلن بعد مرور حوالي أسبوعين على بداية القتال، ولتتواصل بدون انقطاع حتى دخول المكلا في 5 يوليو وبعدها عدن يوم 7 يوليو بعد حرب استمرت 67 يوماً تقريباً.



    * ألا يعني لكم ذلك مفارقة من نوع ما.. حصار صنعاء عام 67، استمر 70 يوماً وحرب الإنفصال استمر أيضاً 70 يوماً ؟

    ـ الرقم ليس له دلالة معينة برغم توارده في خاطري أكثر من مرة، وكأننا قد ابتلينا برقم السبعين، التشابه أن الحرب في الحالتين كانت بين الأخوة، ولكنها هذه المرة كانت أكثر شراسة، على الرغم من أنها انتهت كسابقتها بخاتمة سعيدة، حيث انتصرت الوحدة كما انتصرت صنعاء المحاصرة والجمهورية الفتية على قوى الملكية المتخلفة.



    * لو عدنا قليلاً إلى الوراء، ونسألكم عن رأي وزير الدفاع هيثم قاسم طاهر بشأن طلبكم وقف إطلاق النار ؟

    ـ هيثم، للأسف كان يتعاطى مع كل ما يطرح عليه بأنه شأن يخص القيادة في الحزب الإشتراكي، وكان يقول لنا : اتصلوا بعلي سالم البيض، وقبل سقوط عدن تم الاتصال به خلال القتال على مشارف المدينة، وإبلاغه تعليمات الرئيس القاضية بالعفو عنه وتفويضه مسؤولية حفظ أمن عدن، إذا هو أوقف إطلاق النار وأيد الوحدة، لكن رده كان مخيباً : اتصلوا بمن في يده القرار، ولو كان قبل هيثم يومها بهذا العرض، لكان بإمكانه التخفيف من الفوضى التي انتهت إليها الأحداث، وخاصة هروب الآلاف إلى جيبوتي وعمان.



    * كنتم من المشاركين الأساسيين في إدارة العمليات العسكرية، وسمعنا أنكم كلفتم بالاتصال بالقيادة في عدن وسط لهيب الحرب، للإتفاق على خطة لوقف إطلاق النار.. ما صحة الأمر ؟

    ـ طوال فترة الحرب وخلال ساعات النهار كنت إلى جانب الرئيس في مقر القيادة العامة، وقد أتاح لي ذلك المتابعة المستمرة لما يجري، والمشاركة بالرأي والاتصال وكان الرئيس يعقد إجتماعاً يومياً أحضره مع الإخوة الأستاذ محمد سالم باسندوة، الدكتور عبدالكريم الإرياني وعبد العزيز عبدالغني وبعض قيادات حزب الإصلاح بهدف دراسة ومتابعة المساعي الطيبة، التي كان يقوم بها أكثر من شخص وأكثر من جهة، ولنتابع التقارير عن سير المعركة، ونستمع إلى المواقف التي كانت تعبر عنها بعض الأطراف الدولية وخاصة الأمريكيين والأمم المتحدة.

    كان الأخ الرئيس يدعم أي جهد لوقف إطلاق النار ويوافق على ما يصدر من قرارات الأمم المتحدة، بعد مناقشتها، وذلك برغم معارضة بعض قياد الإصلاح واستياء القيادة العسكرية في الميدان، خاصة وأن الطرف الآخر لم يكن يلتزم بوقف إطلاق النار.

    من جهة أخرى تزايدت الضغوط علينا من الأمم المتحدة، كما أن الأمريكيين كانوا يمارسون ضغطاً علينا عبر رسائل شديدة اللهجة، وكان من الواضح أن الطرف الآخر في قيادة الانفصال بسبب الوعود الخارجية بالاعتراف، لم يكن مستعداً بأي حال من الأحوال لا للمفاوضات ولا لوقف إطلاق النار.



    * هل لاحت فرصة لوقف إطلاق النار أثناء سير المعارك ؟

    ـ كانت هناك فرص عديدة، فقد كنا حتى آخر لحظة نتصل بقيادات عسكرية وبصفة خاصة وزير الدفاع هيثم قاسم طاهر، نؤكد عليه اغتنام فرصة وقف إطلاق النار، وإعلان ولائه للوحدة، وتنتهي المشكلة، وكنا نطرح عليه أنه إذا فعل ذلك فلن تدخل القوات العسكرية عدن، لكن رده كان سلبياً كما كانت شروط بعض قادة الحزب، وعلى وجه الخصوص علي سالم البيض غير معقولة ولا مقبولة، فقد كان يشترط عودة القوات المسلحة إلى كرش، أي إلى ما كان عليه الوضع قبل الوحدة، وهذه المطالب في حقيقة الأمر إما أنها كانت قائمة على حسابات مغلوطة ومبالغ فيها، أو أنها محكومة بإرادة خارجية لم يكن بوسع قيادة الانفصال لأسباب لا نعرفها، رفضها أو مقاومتها، ولا شك أن دعوة الرئيس لهيثم وزملائه لوقف إطلاق النار كانت جادة، ولم يكن لديه من شروط حتى آخر لحظة سوى الإعلان عن تأييدهم للوحدة.



    * كيف تقبلتم إعلان الانفصال من قبل علي سالم البيض ؟

    ـ أصبنا بصدمة شديدة عندما سمعنا ذلك الإعلان، يومها كنا في مبنى القيادة، وعندما شاهدنا في التلفزيون نائب الرئيس يعلن الانفصال كان لنا ذلك فاجعة، ولا أخفيك القول؛ فقد أثار الإعلان مخاوف الجميع بعودة شبح الانفصال ليجثم على رؤوس اليمنيين من جديد.

    وأشهد للرئيس علي عبدالله صالح أنه كان أكثرنا تماسكاً في هذا الموقف، وأكثر تفاؤلاً، على الرغم من أن الكثير منا كان متشائماً، ويشعر بفقدان الأمل، وفي فجر اليوم التالي ذهبنا جميعاً إلى جامع الشهداء لصلاة عيد الأضحى، ويومها ألقى الأخ الرئيس خطابه المشهور، الذي أكد فيه تمسك اليمنيين بالوحدة، والقتال من أجل صيانتها حتى آخر رجل فينا، وكان خطابه صيحة مدوية أستجاب لها عامة الناس بحماس منقطع النظير.



    * هل كانت لديكم أنباء سابقة من أن البيض سيعلن الانفصال ؟

    ـ قبل إعلان البيض للإنفصال كان الرئيس أجرى إتصالين أو ثلاثة بالملك فهد بن عبدالعزيز يطلب منه بذل مساعيه لإقناع علي سالم البيض بالعدول عن قرار إعلان الإنفصال، وأننا من جانبنا مستعدون للتفاوض للوصول إلى حل، وقد رحب الملك فهد بهذا المقترح وأبدى حماساً استبشرنا خيراً، لكن لم تكد تمر ساعة حتى جاء إعلان الإنفصال لينزل علينا كالصاعقة.



    * هل كانت لدى القيادة اليمنية مخاوف من أن يصبح أمراً واقعاً، وأن تستجيب له بعض الدول، وخاصة الدول الإقليمية ؟

    ـ بالطبع كانت لدينا مخاوف من إطالة أمد الحرب ومن احتمال تدخلات خارجية، وكان في قرارة نفس كل واحد منا غضب شديد على البيض وإدراك واع بأن الخطر كبير، وعلى الرغم من قناعتنا بأن الوحدة خيار لا تراجع عنه، كان البيض يعتقد أن الإنفصال يمكن أن ينتصر لبعض الوقت، وينجح في بعض المحافظات، وان ذلك قد يجلب تدخلاً خارجياً يحول دون استمرار القتال، وقد يؤدي إلى فرض صيغة أخرى للوحدة، ولهذا كنا نتوقع كل الاحتمالات، وحتى ما لا يمكن حدوثه وضعناه بعين الإعتبار في أذهاننا، وفي نقاشاتنا.



    * ما هي الإستراتيجية التي اعتمدها الرئيس صالح لامتصاص هذه المخاوف ؟

    ـ الإستراتيجية التي اتبعها الرئيس بصفة خاصة، كانت تقوم على مخاطبة المواطنين في الجنوب كما في الشمال واستنفارهم للدفاع عن الوحدة والمبادرة في الحركة وعدم الوقوف أو التردد أمام أية تهديدات أو مخاوف، وكان التجهيز والإعداد للمقاتلين يجري أولاً بأول، بالإضافة إلى تشجيع الوحدات العسكرية الجنوبية على مقاتلة أعداء الوحدة وخاصة التي وقفت مع الشرعية أو تلك التي انضمت إلى الشمال من الجنوب عقب أحداث 1986، بالإضافة إلى الشخصيات العسكرية الأخرى.

    وقد ساهم الزخم الشعبي والدعم الكاسح للوحدة برفع معنويات الجميع، حيث تلقى المقاتلون الدعم من المواطنين بشكل مواد غذائية مختلفة أو من خلال ما تجسد من التزامهم بالسكينة والهدوء، وكوزير داخلية حينها يمكنني القول إن الفترة الوحيدة التي نزل فيها منسوب الجريمة إلى أدنى حد ممكن كانت فترة الحرب ؛ فالذين كانوا يقومون في الماضي بأعمال عنف وجهوا كل اهتمامهم إلى المعركة لحماية الوحدة والدفاع عنها.



    * كيف أدرتم المعركة الدبلوماسية مع الخـارج، بخاصة مع تزايد الانتقادات لطول أمد الحرب ؟

    ـ هذه المعركة لم تكن تقل شراسة عن المعركة التي كنا نخوضها في الميدان، فقد كان هناك نشاط مكثف لجيراننا، وكل الذين كانوا يدعمون ويمولون الانفصاليين، يتمثل في الضغط على الأمم المتحدة وعلى مجلس الأمن ودول أوروبا والولايات المتحدة لإصدار تلك القرارات المتتالية الداعية لوقف القتال وإرسال مبعوث الأمين العام لزيارة الطرفين، وغيرها من القرارات الضاغطة على صنعاء يتصاعد هذا الموقف، وبدأنا نشعر أنها كما لو كانت مؤامرة دولية على اليمن وليست إقليمية.

    وقد خاضت القيادة السياسية بمهارة أكثر منها في خوض المعركة العسكرية، وكنا نقوم بدراسة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ونقبل بها دون تحفظ، وهو ما لم يكن منتظراً أو متوقعاً منا قبوله سواء بإستقبال مبعوث الأمم المتحدة أو بوقف إطلاق النار والبدء في تطبيقه أو غيره، لأننا كنا متأكدين أن الطرف الآخر لن يلتزم أبداً بهذه القرارات وأننا إذا لم نوافق عليها ستكون مبرراً للتدخل.

    وأذكر أنه عندما تقرر إرسال مبعوث للأمم المتحدة وهو الأخ الأخضر الإبراهيمي أعتبر كثيرون أن هذا تدخل، بل كان هناك في القيادة من يرفض إستقباله، ويرى أن ذلك بداية النهاية بالنسبة للمعركة لصالح الطرف الآخر، غير أننا استقبلنا الأخضر الإبراهيمي، والذي أوفد كمبعوث للأمم المتحدة وأطلعناه على حقيقة الوضع، ولحسن الحظ كان الإبراهيمي متفهماً ومستوعباً لموقف صنعاء، كما كان على علم باللعبة الخارجية التي تحاك ضد الوحدة، وقد وقف مع الحق ومع رغبات الشعب اليمني.

    وخضنا معركة أخرى تمثلت في منع النقل الجوي وتوقف الخطوط الجوية من الطيران إلى اليمن لأسباب السلامة، وبالنسبة للنقل العسكري الجوي فقد استمر النزول في مطار المكلا وكذا النقل البحري لدعم الطرف الآخر، حيث كانت الطائرات والبواخر تحمل إمدادات عسكرية لمساعدته، وظهرت طائرات ( ميج 29 ) ومدافع ودبابات حديثة الصنع لم تكن موجودة أصلاً في المؤسسة العسكرية للبلاد، كما توفرت أغذية هائلة وراقية في كل من حضرموت وعدن، بينما توقف عنا الإمداد وحجزت بواخرنا في البحر بسبب الحظر، وكان علينا من جانب آخر أن نذهب إلى الأمم المتحدة وواشنطن وأوروبا وموسكو لمواجهة المعركة الخارجية والدبلوماسية في ميادينها وذهب للقيام بهذه المهمة الأستاذ محمد سالم باسندوة والدكتور عبدالكريم الإرياني والأستاذ عبدالعزيز عبدالغني والأستاذ عبدالله غانم وغيرهم.



    * ماذا طرح لكم الأخضر الإبراهيمي عند وصوله إلى صنعاء ؟

    ـ كانت هناك مساع للمصالحة ولوقف إطلاق النار ووضع ترتيبات لهذا الأمر، وبدء التفاوض واللقاءات مع الطرف الآخر، واكتفينا بشرح شرعية موقفنا، وتوافقه مع القانون الدولي، مؤكدين له أن الوحدة قدر يمني لا يمكن التراجع عنه أو التفريط به، لأن وحدة اليمن تمت باتفاق الأطراف المعنية بإرادة شعبية ورسمية، وأنه ليس لدينا ما يمنع من وقف إطلاق النار وأن نسمع وجهة نظر الطرف الآخر.

    وقد ذهب الإبراهيمي إلى حضرموت للالتقاء بعلي سالم البيض، واعدت له مظاهرات خاصة في المكلا، ولكن المعارك تسارعت فلم تترك فرصة لأية ترتيبات أو إجراءات طالب بها البيض وكانت الأمم المتحدة تزمع القبول بها مثل إرسال مراقبين ميدانيين لوقف إطلاق النار والفصل بين القوات.



    * هل كانت من ضمن الترتيبات التي يعدها الإبراهيمي أن يلتقي الرئيس والبيض ؟

    ـ كان اللقاء متعذراً ومتأخراً ولم تكن المسألة مسألة لقاء، فقد كان الأهم من ذلك هو كيف يتم توقيف إطلاق النار ثم البدء بالمحادثات.



    * كيف كان الموقف الأمريكي من هذه التطورات ؟

    ـ اعتقد أن الموقف الأمريكي كان أميل إلى دعم الوحدة، ولكن مع طول مدة الحرب ومع الضغوط التي كانت تمارس على الأمريكيين من قبل الجيران ومن آخرين بدأت تظهر ردود أفعال متباينة حيال الموقف داخل واشنطن نفسها، وقد انعكس ذلك في المحادثات التي أجراها الدكتور الإرياني مع وزيرة الخارجية الأمريكية وفي الرسائل التي تلقاها الرئيس علي عبد الله صالح من الإدارة الأمريكية، والتي اتسمت بالضغط من أجل وقف الزحف على عدن، وخاصة بعدما تردد عن انقطاع المياه والكهرباء وظهور بعض الأوبئة وخاصة الرسالة الأخيرة، التي أكدت أن واشنطن تعتبر المكان الذي يفصل القوات الزاحفة على عدن وبين مدينة عدن خط أحمر لا تقبل بتجاوزه أو اختراقه من قبل القوات الحكومية.



    * وماذا كان موقف الرئيس ؟

    ـ كان الرئيس يومها واضحاً وصريحاً مع الأمريكيين، وقال لهم إن هذه بلادنا ونحن لا نعترف لا بخط أحمر ولا بخط أخضر، وقال للسفير الأمريكي آرثر هيوز إن على الأمريكيين أن يتذكروا تاريخهم في الحرب الأهلية الأمريكية قبل 200 عام ليدركوا طبيعة المعركة التي سنستمر في خوضها حتى انتصار الوحدة، كما أكد لهم أنه لا يمانع من وقف إطلاق النار وإفساح المجال لأي نوع من المساعي الطيبة، لكننا لا نقبل بقرار خارجي يفرض علينا ونرفضه رفضاً تماماً.

    ومن حسن الحظ فقد تزامنت هذه الرسالة مع اقتراب دخول قواتنا مدينة المكلا في الخامس من يوليو 1994، وبالتالي جاءت الرسالة بعدها بـ 48 ساعة شفوية تبحث في إمكانيات أن يتوقف إطلاق النار حتى تنتقل شخصيات القيادات من عدن على قوارب إلى جيبوتي أو مكان آخر فقال لهم الأخ الرئيس إن ذلك أمراً ممكناً ولا اعتراض عليه.



    * في تلك الأيام خاطب الرئيس قادة الإشتراكي، بأن عليهم الرحيل عبر البحر، فهل هذه المسألة كانت بترتيب كامل مع الأمريكيين ؟

    ـ أريد أن أؤكد لك، أنه رغم أن الرئيس وافق على أية ترتيبات لتأمين انسحاب قيادة الانفصال، لكنه لم تحدث أية ترتيبات من هذا النوع مع إقتراب القوات من عدن بعد دخول المكلا، فقد غادرت القيادات الانفصالية بحراً، وتركت كل شيء وراءها وكما نذكر جميعاً، أشعلت النيران في كثير من الأماكن التي كانت فيها مواد متفجرة أو ذخائر أو حتى مواد تموينية.



    * ألم تحدث اتصالات مع أي من القيادات في عدن قبل دخولها ؟

    ـ جرى الاتصال باسم الرئيس بوزير الدفاع هيثم قاسم طاهر، وكان ذلك بعد دخول المكلا، يقول أنه بإمكانك إعلان إدانتك للانفصال ورفضك له باسمك وباسم من يريد في عدن وحضرموت وسيتوقف إطلاق النار وتعتبر مسؤولاً عن السيطرة على الموقف، وسنعتبر كأن شيئاً لم يحدث، فكان رد هيثم مثل الرد السابق: تخاطبوا مع قيادتنا، التي عندها حق اتخاذ القرار، وبذلك فوت هيثم فرصة تاريخية في نظري لإصلاح الوضع حينها.

    وبدلت جهود مع قيادات عسكرية أخرى في محاولة لإقناعها بإدانة الانفصال والانضمام إلى الشرعية، لكنها كلها فضلت خيار المغادرة وترك البلاد.



    * كيف تم التنسيق والترتيب لخروج علي سالم البيض إلى مسقط، هل جرى ذلك مع سلطنة عمان ؟

    ـ لم يتم أي ترتيب من أي نوع لا مع عمان ولا مع غيرها، وما أعلمه أنه عندما قتل وزير النفط صالح أبوبكر بن حسينون، وبعد أن حضر البيض جنازته، جمع أشيائه واصطحب زوجته ومن معه وغادروا في قافلة واحدة إلى الحدود العمانية، التي فتحت لهم أبوابها وسمحت للبيض بالإقامة في مسقط، فيما جمعت كل الذين نزحوا إليها في أماكن معينة داخل أراضيها تمهيداً لإعادتهم إلى اليمن.



    * كيف تم تحديد قائمة الـ16 المسؤولين عن الانفصال والحرب ؟

    ـ في ضوء المواقف المعلنة وغير المعلنة وفي ضوء الأدلة التي توفرت عبر الوثائق التي حصلت عليها الدولة وشهادات الذين عادوا مستفيدين من العفو العام أمكن للقيادة تحديد العناصر المخططة والمنفذة للانفصال، وفي ضوئه تم تحديد المتهمين، خاصة بعد مغادرتهم للبلاد وإصرارهم على التمسك بمواقفهم من الوحدة.



    * ألم يكن إختياراً عشوائياً ؟

    ـ لا، لم يكن إختياراً عشوائياً، فقد جرى للقائمة نقاش طويل، حيث كانت القائمة تصغر وتصغر إلى أن وصل العدد إلى 16.



    * كم كان العدد في بداية الأمر ؟

    ـ في البداية كان الرقم يصل إلى نحو 40 ثم إلى 30 إلى أن وصل إلى 16.



    * بعد 70 يوماً من الحرب، كيف وجدتم البلاد، وكيف عالجتم آثارها ؟

    ـ لا شك أن الحرب ألحقت خراباً واسعاً بالبلاد بدءاً من عمران وحرف سفيان وانتهاء بالمهرة، ولم يكن هذا الخراب على صعيد المؤسسات والمصالح العامة ومصالح الناس فقط، بل في القوات المسلحة أيضاً، التي فقدت عشرات الطائرات ومئات الدبابات ومئات المدافع واستشهد فيها آلاف الجنود والضباط وأصيب عشرات الآلاف وهي خسارة لا يمكن تعويضها لزمن طويل قادم ناهيك عن الخراب الواسع الذي مس كل مرافق الدولة ولا تزال آثاره موجودة حتى اليوم في مطار عدن وغيره من المرافق.

    ولمعالجة الأضرار التي مست مرافق الخدمات مثل الكهرباء والمياه قام الدكتور محمد سعيد العطار القائم بأعمال رئيس الوزراء بزيارة المكلا وعدن ومعه الحكومة، وأقام فيهما للإشراف مع الوزراء على الإصلاحات والتأكد من عودة الخدمات وبحكم منصبي كوزير داخلية وبتكليف من الرئيس والحكومة أقمت في عدن بعد الحرب لترتيب الأوضاع وإعادة الخدمات وطمأنت المواطنين وكان معي الأخوان رئيس هيئة الأركان حينها العميد عبدالملك السياني، ورئيس جهاز الأمن السياسي اللواء غالب مطهر القمش وآخرون.

    وقد كرسنا إهتمامنا في عدن على تهدئة خواطر الناس والعمل على توفير المواد الغذائية، سواءً تلك التي تبرع بها للمدينة مواطنون أو تجار أو من الدولة، بالإضافة إلى القيام بإصلاح المرافق الرئيسية، مثل المياه والكهرباء وغيرها من المؤسسات الهامة.

    كما واصلنا ما قام به قبل طلوعه إلى صنعاء وزير الدفاع الفريق عبد ربه منصور من تطمين قيادات الإشتراكي الذين بقوا في عدن مثل الأخ يحي الشامي وعبد الواسع سلام وآخرين حيث أعطاهم تصاريح مرور وحمل سلاح شخصي، كما حثهم على القيام بدورهم في تهدئة خواطر الناس وأعضاء الحزب وتشجيعهم على الخروج إلى الحياة والإستفادة من العفو الشامل الذي أعلنه الرئيس علي عبدالله صالح.

    وجاء الرئيس إلى عدن قبل مرور شهر من انتهاء الحرب، حيث التقى بقيادة الإشتراكي المقيمة في عدن، وحثهم على إتخاذ موقف شجاع من الانفصال ووعدهم بالعمل على تذليل المشاكل التي يواجهونها جراء أحداث الانفصال.



    * هل حدثت عمليات إنتقام في عدن بعد الحرب، سواءً من عناصر حكومية أو من عناصر كانت لها خصومات سابقة مع الحزب الإشتراكي ؟

    ـ من حسن الحظ لم تقع مثل هذه الحوادث، لأننا تحوطنا لها، من خلال منع حمل السلاح، خاصة في عدن وفي المدن الأخرى، وفي التشديد على تحرك الذين لهم ثارات قديمة بسبب الأحداث التي شهدتها عدن في فترات سابقة.

    لا شك أنه كان لدى بعض الإخوة من أعضاء الحزب الإشتراكي الذين نزحوا عام 1986، من يعتبر أن له الحق في استعادة منزله الذي أخذه خصومه، سواءً من قيادات الانفصال أو التي نزحت إلى خارج البلاد، ومع ذلك عملنا كل ما بوسعنا لمنع الإحتلال العشوائي للمنازل، إلى أن صدر قرار مجلس الدفاع الأعلى الذي ينص على أنه يحق لمن أخذ منزله استعادته، ولكن بشرط أن يتم تعويض الساكن بما يوازي السكن الذي أخذ منه، أما عملية الإنتقام كتلك التي حصلت في الماضي فلم تحدث إطلاقاً.



    * كيف حوفظ على ممتلكات نائب الرئيس علي سالم البيض في عدن ؟

    ـ كان البيض كنائب للرئيس يقيم في المعاشيق وفي المنزل المطل على قاعة فلسطين، وخلال الحرب أقامت قيادة جبهة عدن برئاسة عبدالرحمن الجفري في هذه الدار وفي المعاشيق، ولم يكن فيه سوى الأثاث الحكومي، وعند دخول عدن أقامت القيادة الشرعية فيها هي الأخرى، ولكنها كانت شبه خالية من الأثاث بعد أن نهب وأتلف معظمه خلال الحرب.



    * كم تقدرون الخسائر التي لحقت باليمن من جراء الحرب ؟

    ـ صدقني أنها لا تقل عن 10 مليارات دولار أمريكي، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار الخسائر البشرية والعسكرية والمادية، فالخسائر لا شك، كانت رهيبة، ولو راجعنا مراجعة بسيطة لخسارة اليمن من توقف عجلة التنمية وحجم الأموال التي ضاعت والمساعدات والأموال التي حجبت عن مشاريع كانت تحت الإنشاء لأدركنا كم كانت الخسارة هائلة ومؤلمة.



    * لو سألتكم بصراحة عمن كان له الدور الأكبر والأساس في إيصال الأمور إلى هذه الدرجة من التوتر، سواءً في الأزمة السياسية أو الحرب.. أقصد مساهمة الآخرين من كانوا خارج السلطة، أسأل مثلاً عن عبدالرحمن الجفري ودوره ؟

    ـ أعتقد أن عبدالرحمن الجفري عندما كان موجوداً في صنعاء خلال الأزمة السياسية وفي اللقاءات التي تمت لإنجاز وثيقة العهد والإتفاق كان وحدوياً، لكن أن يحدث ما حدث وهو في عدن ويتحول مرة واحدة في اتجاه معاكس، هذا وضع محير ولا يستطيع تفسيره غير الجفري نفسه.

    أما عن الآخرين فقد وضحت مواقفهم وخاصة ممثلي الأحزاب الذين كانوا قبل الحرب وخلال الأزمة مؤيدين لمطالب الحزب، فإنهم بعد نشوب الحرب وقفوا مع الوحدة، سواءً أحسنا أو أخطأنا الظن، فالماضي يجب ما قبله ولا زلت أتمنى أن نلتف جميعاً حول الوحدة، ونعمل على بناء اليمن الجديد في ظل الديمقراطية والتعددية الحزبية التي تنعم بها بلادنا اليوم.



    * هناك من يطرح أن الرئيس والجفري كانا متفقين على أن يصلا بالأمور إلى هذه الدرجة من التوتر حتى يتخلص الجميع من العدو والخصم المشترك وهو الحزب الإشتراكي ؟ ما ردكم ؟

    ـ هذه الافتراضات والإتهامات غير صحيحة فقد جبت الوحدة ما قبلها وترسخت علاقات المودة بين صناع الوحدة من الإشتراكي والمؤتمر ومن الأحزاب الأخرى إلى أن نزغ الشيطان بين الإخوة وتداعت الأمور ووقع البعض في حبائل المؤامرة التي كبدت اليمن خسائر لا تعوض.



    * وكيف تقيمون دور حيدر أبو بكر العطاس ؟

    ـ حيدر العطاس كان رجل دولة من الطراز الأول، فخلال رئاسته للحكومة، كان فعلاً على مستوى المسؤولية ولا يمكن أن ننكر حنكته في إدارة شؤون الحكومة، ومرونته في التعامل مع وزراء الحكومة الائتلافية من الإشتراكي والمؤتمر والإصلاح برغم تباين رؤاهم واختلاف مواقفهم.

    أما ما يتعلق باشتراكه في الانفصال وتنكره للوحدة فهو أمر مفروغ منه، وفي إجاباته على أسئلة جريدة " الخليج " ما يغني عن شرح دوره.



    * وماذا عن الآخرين.. علي ناصر محمد مثلاً، هل أجريت إتصالات مع الرجل ؟

    ـ علي ناصر محمد مناضل قديم وسياسي مجرب، ولا شك أن أحداث يناير 1986 تركت لديه الاقتناع بأن الخوض في صراع جديد ليس في مصلحة اليمن ولا في مصلحته، لهذا وقف موقفاً مؤيداً للوحدة، ولا شك أن هذا الموقف كان بالنسبة له مدروساً ومحسوماً، ولم يبد حماساً لإقحام نفسه في المعركة نفسها سواء سياسياً أو عسكرياً.



    * لكن عرض عليه علي سالم البيض منصب نائب الرئيس في الدولة الإنفصالية ؛ فهل تشاور مع الرئيس علي عبد الله صالح في الأمر ؟

    ـ لا شك أن اتصالات جرت بين الرجلين، لكنه كان قد حدد موقفه من الانفصال عندما وقف إلى جانب الوحدة منذ البداية، ويهتم الأستاذ علي ناصر محمد بالتاريخ، لذا فهو لا يقدم على إتخاذ أي موقف دون دراسة متأنية، وكان تواصله مع الأخ الرئيس مستمراً، وكان يبدي قلقه من استمرار الحرب ويرغب في إنهائها في أسرع وقت.



    * في إجاباتكم الصريحة والواضحة عن المصالحة العام 1970، قلتم إنكم استقبلتم العائدين من الملكيين الذين خاضوا حرباً مع النظام لثمان سنوات بالأحضان، وكأن شيئاً لم يحدث.. هل يمكن لهذه اللحظات أن تتكرر في مصالحة أخرى بعد حرب 1994 ؟

    ـ المقارنة بين حرب 1962-1970 التي خاضها الشعب اليمني للدفاع عن نظامه الجمهوري وبين حرب العام 1994، التي خاضها الشعب اليمني للدفاع عن وحدته، صعبة وغير منصفة، برغم وجود أوجه شبه ؛ فمن جهات المقارنة لا يمكن مساومة جريمة شن حرب لزعزعة نظام جمهوري والعمل على هدمه وإحلال نظام ملكي متخلف محله بحجم جريمة شن حرب لتقسيم شعب والقضاء على وحدته التي ناضل من أجل تحقيقها مئات السنين ؛ فالأخيرة أكثر فداحة وأشد ضرراً على الوطن، لكن من ناحية التشابه فثمة أوجه تشابه بين الحربين، مثل اقتتال الإخوة، وإدعاء كل طرف أنه على حق وانتصار القضية العادلة في نهاية المطاف واعتراف المخطئ بخطه وعفو الفائز عن الخاسر وانتصار أواصر الأخوة وروابط القربى على الحزازات والأحقاد، لتعود الألفة من جديد بين الإخوة المتصارعين تظللهم جميعاً شجرة الوطن الوارفة.

    ولا شك إن ما شهدناه من عودة آلاف السياسيين والعسكريين النازحين بعد حرب 94 إلى أعمالهم برغم مشاركتهم في حرب ضد دولة الوحدة يكرر ما حدث عام 1970 حينما عاد الملكيون إلى صنعاء للمشاركة في إدارة البلاد تحت ظل النظام الجمهوري الذي حاربوه لمدة ثمان سنوات وإني أتطلع إلى عودة المتخلفين في الخارج إلى الوطن وعودة المياه إلى مجاريها تحت ظل راية الوحدة التي لا انفصام لها.



    * هل تريدون القول إن علي سالم البيض يتساوى مع الإمام البدر وأسرة آل حميد الدين ؟

    ـ كل منهم له قضيته، والفارق أن القضيتين لهما علاقة بالزمن وبالأيديولوجية والعقيدة، فالبدر كان يريد أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء كي يحكم اليمن بعقلية الماضي وعلي سالم البيض خطأه الأكيد أنه حاول التفريط بعمل عظيم شارك في إنجازه ونسى أنه لم يعد صاحب الحق في التصرف به، لأن ما عمله أصبح من حق الشعب والأمة ولم يعد من حقه، ولا من حق علي عبدالله صالح أو أية جهة أخرى تريد التفريط به، وبالنسبة للمقارنة فلا مجال لها هنا، فعلي سالم البيض لا يمكن إنكار دوره النضالي ومساهمته في صنع الوحدة برغم تفريطه بها.



    * لو سألتكم عن رأيكم الصريح بعلي سالم البيض، فماذا يمكنكم قوله، وكيف تشهدون للرجل من واقع معايشتكم له ؟

    ـ علي سالم البيض كان له دور نضالي في ثورة 14 أكتوبر وفي بناء الدولة في الجنوب، وأبرز وأهم أدواره التي دخل بها التاريخ من أوسع أبوابه مشاركته في صنع دولة الوحدة وبإرادة لا أشك لحظة واحدة بأنها كانت صادقة، لكن البيض الذي أعرفه معرفة جيدة كان مليئاً بالشك وخضع لعملية تشكيك مدروسة هدفت إلى تضليله، فأثرت عليه وغيرت علي سالم البيض الذي كنا نعرفه وجعلت منه شخصاً آخر حاد الطباع، شديد الجفوة، كثير الشكوك بالآخرين، وأنا على ثقة أن التوفيق خانه فأقدم على عمل لا يمكن أن يرضى عنه لا هو ولا التاريخ.



    * ما هو تقيمكم لدور اثنين من أبرز القادة العرب في أزمة اليمن الأخيرة : الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومحمد حسني مبارك ؟

    ـ أنا من المعجبين جداً بالشيخ زايد بن سلطان، الذي يعتبر رائداً عربياً وحدوياً وصاحب رؤية مستقبلية، وذلك لما نعلمه من إنجازه لهذه المعجزة التي تعرف بـ " دولة الإمارات العربية المتحدة " ولا شك أنه يعد في تاريخ الأمة العربية فارساً، لم يعد له وجود في هذه الأيام، سواء في تعاطفه مع العرب أم في تعاطفه معنا خاصة خلال سنوات ما قبل الوحدة أو ما أنجزه لشعبه أو في ما ساهم به من تنمية عربية في مصر وغير مصر.

    وكذلك الرئيس محمد حسني مبارك فهو شخصية عربية لا يقل عطاؤها ودورها عن عظمة مصر وما عمله لا يمكن الإستهانة به، مع أنه لم يكن يتوقع أحد أن يستطيع مبارك قيادة السفينة بهذه المهارة بعد السادات وعبد الناصر.

    لكن فيما يتعلق بالوحدة، فباعتقادي أن أحداث الخليج والموقف اليمني من هذه الأحداث، والذي للأسف الشديد أسيء فهمه حتى من قبل الشيخ زايد بن سلطان، أثرت على موقفه ومواقف قيادات بلدان الخليج من دولة الوحدة، خاصة أثناء الحرب عام 1994.. موقف الإمارات مثل موقف بلدان أخرى لم يكن رافضاً لهذا الإنفصال، سواء بدوافع لها علاقة بحرب الخليج، أو بدوافع لا نعلمها قد تكون لها علاقة بمعلومات مغلوطة، هذا طبعاً رأيي الشخصي ونفس الرأي بالنسبة لموقف الرئيس محمد حسني مبارك الذي كانت اليمن تتوقع منه الدفاع عن الوحدة امتداداً لدعم مصر الدائم لقضايا العروبة والوحدة، ولكن الموقف كان محايداً تحت تأثير حملة التضليل التي استهدفت الوحدة.



    * نريد تقييم مسار يحي المتوكل السياسي من البعث وحتى المؤتمر الشعبي العام.. ما هي أبرز المحطات السياسية التي مررتم بها ؟

    ـ المحطة الأولى في حياة كل شخص تبدأ عندما يكون مراهقاً وفي مطلع الشباب، وكانت ثورة مصر وعبد الناصر والقومية العربية هي الزاد السياسي الأول الذي تأثرت به، والذي كما ذكرت في حديثي معكم كان الدافع والمغذي لانتهاج الطريق الذي اتبعته، والدخول في تنظيم الضباط الأحرار والمشاركة في الثورة، وكانت دراستي في الإتحاد السوفيتي المحطة الثانية التي جعلتني أكثر ميلاً للتحرر من تلك الحلقة الضيقة التي كنت حبيساً في إطارها إذ أصبحت أكثر استيعابا للتنوع الفكري والتعدد المنهجي للقومية العربية وأعجبت كثيراً بأفكار وتنظيرات البعثيين، ووجدت في تلك الكتابات ما كنت أظنه طريق الخلاص للأمة العربية من إخفاقاتها وهزائمها المتكررة، وخاصة بعد حرب حزيران 67، وأصبحت ناشطاً في حركة البعث في اليمن، إيماناً مني بأن الفكر البعثي هو الأقرب إلى فطرة اليمنيين وهو الفكر السياسي الأنسب لدولة المستقبل.

    وفي مرحلة متأخرة، وبعد خوضي العمل الدبلوماسي في مصر والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، اقتنعت بعد مراجعة طويلة أن اليمن تحتاج لأن يكون لها نهجها الخاص، وأن هذا النهج ليس بالضرورة محكوماً أن يكون بعثياً أو ناصرياً أو إخوانياً، لهذا فقد كنت خلال مشواري السياسي، استكشف كل يوم رؤية جديدة تدفعني للبحث عن سبل ووسائل جديدة للنهج السياسي الذي أسير على منواله، وقد وجدت معظم ما أنشده في التجربة الجديدة التي دخلتها اليمن، وهي تجربة المؤتمر الشعبي العام، والتي أعجبت بها منذ اللحظة الأولى، لأنها أرتكزت على حوار الأفكار اليمنية المنشأ والأصل، واقتنعت بالصيغة الجديدة للمؤتمر الشعبي العام، ووجدتها بالفعل توافق تصوراتي عن النهج الذي أتمنى أن تنتهجه اليمن، والذي يعتمد بالدرجة الأولى على الإرث والرؤى الوطنية والقومية العربية، والقيم الدينية، وعلى أن يكون لكل القوى في الساحة الحق في المشاركة في العمل السياسي، حيث ضمن المؤتمر الشعبي بإطاره الواسع، هذا الحقل لكل التيارات الوطنية بمختلف اتجاهاتها.



    * متى كان إنضمامكم للمؤتمر الشعبي العام ؟

    ـ دخلت المؤتمر الشعبي العام سنة 1986، عند عقد المؤتمر العام الثالث في تعز، وأصبحت عضواً في اللجنة الدائمة ( اللجنة المركزية ) وقد عايشت لأول مرة التطبيق العملي للحزبية، داخل المؤتمر الذي كنا نجتمع فيه من إخوان مسلمين، إشتراكيين وناصريين وبعثيين ومستقلين نتناقش ونختلف في كثير من القضايا، وكنا نصل في النهاية إلى موقف يمثل رأي الإجماع، ولا يشعر فيه طرف أنه أنتصر على طرف آخر.

    واقتنعت بهذه التجربة الديمقراطية الجبهوية ليس من منطلق أيديولوجي وفكري، بقدر ما هو منطلق نابع من الواقع، ولأنها ساعدتنا على التعاون كي نواجه مشاكلنا ونحلها، لأن الأيديولوجية في مثل ظروفنا تمثل ترفاً، ولأن المطلوب هو الأفكار الموضوعية القادرة على أن تترجم إلى حلول للمشكلات المستعصية المتعلقة بمستقبل الوطن والمواطن وبمعيشته، بدستوره وقوانينه وأمنه بكل تطلعات الإنسان فيه.

    وجاءت التجربة الحزبية بعد الوحدة، والتعددية السياسية ففتحت آفاقاً جديدة للتجربة العملية التي عشتها وتفاعلت معها داخل المؤتمر الشعبي العام، حيث وجدت أن التعددية الحزبية لا تزال تتيح مجالاً واسعاً لتنظيم المؤتمر الشعبي العام ليستمر، ليس لكونه حزب الأغلبية، ولكنه لا يزال، يمثل مختلف التوجهات السياسية التي يجمعها هدف واحد، هو مصلحة الوطن، وحرية التعبير والرأي لكل التوجهات والقبول برأي الأغلبية.



    * صور يحي المتوكل أثناء الأزمة السياسية قبل الحرب 1994، بأنه يمثل جناح الحزب الإشتراكي اليمني واليسار داخل المؤتمر، ما صحة ذلك، ولماذا أطلقت حينها هذه الأنباء ؟

    ـ خلال مشوار حياتي السياسية تعرضت لكثير من الإشاعات والإتهامات ولم أكن مستعداً في يوم من الأيام للانحناء لهذه الإبتزازات التي لم تأت عفوياً، وإنما رتبت وسربت من قبل خصوم سياسيين عاجزين، لم تكن لديهم الشجاعة الكافية أو الحجج المقنعة لمواجهتي أو الإيقاع بي ؛ فكانوا يلجأون إلى الإشاعات السوداء، وكنت على علم بها، ومتضايقاً منها، ولكني كنت ولا أزال مقتنعاً بأن التمسك بالقيم والمبادئ التي أؤمن بها وتجاهل كل التهم والإشاعات الباطلة هو الطريق الذي ينبغي علي إنتهاجه.

    ما حدث من ترويج للإشاعات خلال مشاركتي في الائتلاف الحكومي بعد عام 93، وما أشيع عن انحيازي إلى جانب الحزب الإشتراكي، لم يكن ليزعجني البتة، فلدي من الشجاعة لتحديد موقفي تجاه كل القضايا ما يجعلني أحياناً أخالف الآراء التي تصدر عن التنظيم الذي أنتمي إليه، اقتناعاً بالرأي والرأي الآخر، ولكنني في قضية الإلتزام التنظيمي أؤمن بالقبول برأي الإجماع أو الأغلبية داخل المؤتمر وأتقيد بمقتضياته وربما أستغل البعض مثل هذا السلوك الذي هو ميزة ينفرد بها المؤتمر الشعبي العام، وهي أفضل مزايا المؤتمر الديمقراطي التي أتمسك بها في جميع ممارساتي التنظيمية والسياسية.



    * في مسار حياتكم الطويلة أستاذ يحي.. هل تندمون على شيء ما ؟

    ـ إن ندمت على شيء فإنما أندم على الفرص التي أتيحت لي في مناسبات عديدة لأن أسهم في القيام بعمل من شأنه خدمة هذا الوطن، ولم أستطع ذلك، أو أنني ترددت وتراجعت فيه.

    مهما بلغت شجاعة الإنسان وعدم مبالاته، لا يمكن أن يذكر بالتحديد، نقاط ضعف عاشها، ولكن لا شك هناك مواقف ندمت عليها.



    * أبرزها ؟

    ـ أبرزها كانت في مرحلة الستينيات، عندما عرض علي الفريق حسين العمري رحمه الله، أن استمر في الجيش تحت قيادته، ولكنني رفضت يومها من منطلق التضامن مع الزميلين عبد اللطيف ضيف الله وأحمد الرحومي، اللذين أقيلا من منصبيهما، ولكن في وقت لاحق أدركت أنني لو قبلت عرض العمري لكان بإمكاني أن أسهم بمساعدته في تجنب الأخطاء التي وقع فيها، وفي مواصلة العمل الذي كنا قد أنجزناه في القوات المسلحة، مع الأخوين ضيف الله والرحومي، والذي كان يهدف إلى بناء مؤسسة عسكرية حديثة.



    * هل تعتقدون أن هذه الفرصة التي فاتت عليكم كانت من الممكن أن توصلكم إلى الرئاسة مثلاً، خاصة وأن الرئيس القادم بعد الإرياني إبراهيم الحمدي كان أقل شأناً منكم سياسياً وعسكرياً ؟

    ـ أصارحك القول إنه لم يخطر في بالي أن أصبح رئيساً في أي يوم من الأيام، وأكون أكثر صراحة، وأقول إن هناك اعتبارات كثيرة تمنعني حتى من الطموح في مراكز أقل من الرئاسة من ذلك تهيب تحمل المسؤولية في هذا الزمن الرديء، لكن لا شك لو أنني كنت واصلت الخدمة في الجيش حينما كنت شاباً، لوجدت فرصة للإسهام في صياغة المستقبل، وفي تجنيب البلاد بعض المشكلات التي حدثت بعد مجيء حركة يونيو 1974، ولكن في إطار مسؤوليات قيادية لا ترقى إلى مستوى الرئاسة.



    * ألا تعتقدون أن ذلك هو الذي حافظ على بقاء رأسكم في جسدكم ولم يطر كما طارت رؤوس أخرى ؟

    ـ أنا مؤمن بالقضاء والقدر، ولا أشك لحظة واحدة في أنه لو قدر للإنسان أن يحيا، سيحيا، ولو قدر له أن يموت سيموت، ومع ذلك فالحذر والإحتراس من سمات المؤمن.



    * سؤال أخير أستاذ يحي.. ما الذي لم نسألكم فيه، وكنتم تتوقعون سؤاله ؟

    ـ كانت الأسئلة شاملة، ولم تترك في اعتقادي أي شيء يمكن أن يسأل.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-11-30
  19. ALMUHAJEER

    ALMUHAJEER عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-01
    المشاركات:
    1,305
    الإعجاب :
    3
    رحمه الله واسكنه فسيح جناته
     

مشاركة هذه الصفحة