السرطــــان في اليمن رواية ألم وعبث .. من يكتب نهايتها؟

الكاتب : ALMUHAJEER   المشاهدات : 2,426   الردود : 2    ‏2004-11-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-11-27
  1. ALMUHAJEER

    ALMUHAJEER عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-06-01
    المشاركات:
    1,305
    الإعجاب :
    3
    * عبدالله بخاش

    صحيفة الناس

    مرض السرطان هو مرض العصر بإجماع أهل الطب عموما وضحاياه هم أكثر المرضى معاناة على مستوى العالم وأكثرهم رحيلا إلى الدار الآخرة إذ تأتي معدلات الوفاة الناجمة عن الأورام السرطانية في المرتبة الثانية بعد وفيات القلب التي تأخذ المرتبة الأولى عالميا، رحلة العذاب المزمن التي يعيشها مرضى السرطان تجعل خيارات الممكن صعبة جدا ويبقى حلم الوفاة أقرب إلى النفس من أمل الحياة رحمة بالمريض وأهله، ليس لسبب سوى أنه مرض خبيث ثقيل الظل، يقتحم حياة الناس بفضاضة وغلظة ثم يحيلها إلى ركام من الخراب والدمار، وأي أسرة يوجد بها مريض بالسرطان هي أسرة منكوبة قد حلت عليها المصائب، وهدّت حالها ويلات المرض لأنه داء مستبد لا يرحم ولا يعرف مكانا للشفقة، لا يميز بين صغير وكبير أو غني وفقير، عندما يبدأ بأي منطقة في الجسم لا يخرج منها إلا وقد أتلف كل المساحات من حولها، ولا يرحل من الجسم بسهولة ولا ينهي حياة المريض أيضا بسهولة.
    باختصار مرض السرطان قصة أجساد تقطعت بها خيوط الحياة وخلفت وراءها أسراً لم تعد تملك سوى الدعاء والبكاء والدمع الحزين، إنها قصة الحزن المخيم على الآلاف من الأسر، والبؤس المرتسم على وجوه الناس، والأمل الذي يتضاءل بتقادم الزمن.

    * أخطاء قاتلة
    في بلادنا تعقيدات الحكاية والحبكة المأساوية لمعاناة مرضى السرطان تزداد أكثر عندما يخطئ الأطباء في تشخيص الحالة ويتسببون في تأخير علاجها وتقدم المرض بها ولن يكون الطفل عبداللطيف عبدالله - 4 سنوات - الأخير في قائمة ضحايا الأخطاء الطبية القاتلة عندما زعم أحد الأطباء بالحديدة أنه يعاني من مضاعفات ملاريا في الوقت الذي كانت تشير الملاحظات الأولية إلى وجود مشكلة في جهاز التوازن بالدماغ وهو ما أكدته نتائج التصوير المحوري الطبقي - في الوقت الضائع - وأظهرت وجود ورم في أسفل الدماغ بالمخيخ مع استسقاء دماغي حاد، أو ما حدث لزوجة الأخ سلطان سعيد في مستشفى الثورة بتعز أو مستشفى السبعين بصنعاء عندما أجريت لها ثلاث مرات تصفية للرحم لمعالجة آثار النزيف الذي تشكوه دون معرفة بالأسباب في حين كانت تعاني من وجود ورم بالرحم منذ سنتين.
    يقول سلطان سعيد من أبناء تعز "نعاني من هذا المرض من حوالي سنتين، وأنا أتخبط من مستشفى إلى مستشفى ولاهم عارفين أيش النتيجة! وفي آخر مرة ذهبت بها إلى مستشفى الكندي فقال لنا الدكتور أن أطباء الثورة والسبعين قد ضحكوا عليكم وأنصحكم بالدكتور نديم".
    ما تعانيه زوجة سلطان سعيد أو الطفل عبداللطيف هو محصلة للإهمال واللامسئولية التي تعامل بها الأطباء معهما فإهدار سنتين على سبيل المثال من أعمار المرضى في تشخيص ومعالجة خاطئتين كان بالإمكان استثمارهما في الكشف المبكر للمرض والسيطرة عليه منذ البداية فمن الحرام أن تذهب أكثر من (700) يوم وليلة يتجرع فيها المريض ويلات العذاب والمعاناة دون أن يستفيد شيئا من الأموال التي أنفقها على تذاكر المعاينة وأوراق الفحوصات وأخيرا روشتات العلاج.
    والمؤسف حقا أن يظل أولئك الأطباء يتعاملون مع مرضاهم وكأنهم يتعاملون مع آلات مجردة وليسوا بشرا يحملون أرواحاً تحلم بالحياة.

    * حقائق وأرقام
    يجمع أطباء الأورام في صنعاء أن أعداد مرضى السرطان تتزايد بشكل مخيف في بلادنا وأن معظم الحالات التي يقومون باستقبالها تصل إليهم في وقت متأخر أو في الوقت الضائع كما يقال، لكن لا أحد منهم يستطيع أن يحدد عدد مرضى السرطان في اليمن وحجم انتشار المشكلة فيه والسبب - كما علمنا - هو عدم وجود مراكز رسمية لتسجيل حالات السرطان في اليمن إذا ما استثنينا المركز الوحيد الذي أنشئ بجهود ذاتية في محافظات عدن وأبين ولحج والضالع لهذا الغرض، وكانت إدارة المستشفى الجمهوري التعليمي بصنعاء التي يتبع لها المركز الوطني للأورام قد بدأت بتنفيذ عملية رصد وتسجيل لحالات السرطان بدعم منظمة الصحة العالمية لمدة ستة أشهر لكن عملية التسجيل لم تدم طويلا إذ توقفت بتوقف دعم المنظمة!!
    وحتى الآن لم تتحمس وزارة الصحة العامة والسكان لفكرة إنشاء مركز وطني لتسجيل السرطان مثل كل بلدان العالم، ويرى الدكتور محمد درهم القدسي اختصاصي الأورام والعلاج بالأشعة أن تكوين معلومة كاملة عن حالات السرطان تتطلب إنشاء مركز وطني لتسجيل السرطان أولا وتوسيع الرعاية الصحية الأولية لكافة أنحاء الجمهورية ثانيا، ويقول "الحالات التي تأتينا تقريبا هي من نسبة (20%) من السكان الذين يحصلون على الرعاية الصحية الأولية أما نسبة (80%) التي تحدث عندهم هذه الحالات فهي لا تسجل ولا تعالج ويمكن أن تنتهي بدون أن يعرف عنها أي شيء".
    الفاجعة التي ربما لم تؤخذ في الحسبان أو لم يكن يتصورها أحد حتى اللحظة هي حجم المشكلة المخيف حيث وصل معدل الإصابة بالسرطان في بلادنا إلى الحد الذي يمكن أن نطلق عليه (كارثة) ففي كل ألف نسمة من السكان تقريبا تحدث إصابة واحدة بالسرطان إذ يتوقع المختصون في المركز الوطني للأورام حدوث (20) ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويا، وكانت إحصائية حديثة صادرة عن وحدة التسجيل الطبي للأورام قد كشفت عن الارتفاع الفظيع لاعداد حالات السرطان الواردة إلى وحدة الأورام والعلاج الكيماوي والتي تم تسجيلها خلال عام 2002م وحتى شهر أغسطس 2003م حيث تضاعف العدد كثيرا من (117) حالة في عام 2002م إلى (381) حالة في عام 2003م بنسبة زيادة تصل إلى (330%) وجاءت سرطانات الجهاز الهضمي والليمفوما والرأس والرقبة والثدي في المقدمة من بين اثني عشر نوعا سرطانيا باعتبارها الأعلى رقما من حيث الإصابة بها حيث حصدت النسب الآتية على الترتيب (23.2% - 15.3% - 12.9% - 9.9%).



    * مع وقف التنفيذ
    في سبتمبر الماضي تفاءل مرضى السرطان خيرا بافتتاح المركز الوطني لعلاج الأورام، ورأوا فيه أملا يخفف من معاناتهم ويغنيهم عن مشقة السفر والعلاج في الخارج لكنهم سرعان ما أصيبوا بخيبة أمل وعادوا أدراجهم من أمام بوابات المركز بعد علمهم بعدم جاهزية المركز للتشغيل في الوقت الحاضر، مما أثار حفيظتهم وبعث في نفوسهم التساؤل عن مناسبة الافتتاح لمركز يعيش شيخوخته المبكرة عند زفة الميلاد؟ وعن جدواه في علاج المرضى وحل مشاكلهم في الوقت الذي يعجز هو ذاته عن مشاكله الأساسية التي ترافقه منذ البدايات الأولى للنشأة وحتى اللحظة الراهنة التي طال انتظار مرضى الأورام لها؟ لماذا يرتفع الضجيج متجاوزا مداه وقوافل المرضى تعود يائسة بائسة إلى أوكار السرطان؟ هل كان افتتاح المركز ميلادا لجنين (خدج) ناقص النمو والبنيان؟ أم أنها ولادة قيصرية لمولود (متقزم) حبسته أحزان الزمن عن الخروج في ميعاده المحدد؟
    ما حكاية مركز العلاج بالإشعاع الذي أعلن عن افتتاحه رسميا وفي نفس الوقت تأجيل تشغيله والعمل به حتى موعد آخر؟
    أطباء الأورام بالمركز أرجعوا عوائق التشغيل للمركز في الوقت الحاضر إلى ثلاثة أمور أساسية أولها عدم اعتماد ميزانية تشغيلية للمركز حتى الآن، وثانيها عدم استكمال أجهزة المعالجة بالإشعاع ووجود بعض النواقص والأعطال في بعضها وثالثها نقص بعض الكوادر الطبية والتمريضية والفنية ويرى بعضهم بأن المشاكل والعوائق قائمة منذ نشأة المركز كمحصلة لعدم وجود تصور صحيح منذ البداية لرسم وتطابق خطة الإنشاء مع تنفيذ عمليات الإعداد والتدريب والتجهيز.

    * بدايات المشكلة
    مهمة البحث عن أسرار وخفايا تعثر مركز الأورام حتى بعد افتتاحه كانت شاقة وشائكة، والاقتراب من بعض جوانبها أشبه ما يكون بالاقتراب من المنطقة الساخنة التي يتم فيها الإشعاع أو من الخطوط الحمراء التي ترسم حدود الاقتراب من غرف العمليات الجراحية، والبداية كانت من بوابة الدخول للمستشفى الجمهوري عندما رفض أفراد الأمن السماح لي باصطحاب كاميرا التصوير معي إلى الداخل رغم علمهم المسبق بصفتي الصحافية، وكثيرا ما كنت أحصل على معلومات مبتورة أو إجابات مطاطة من بعض المعنيين بالموضوع، الأمر قد يثير الشكوك والتساؤل عن دواعي التكتم والغموض اللذين لا يبررهما سوى احتمال وحيد هو إصابة المركز بالفساد، وفي ثنايا السطور القادمة ما يبرر هذا الاحتمال ويقويه ولعلها تساعد المعنيين بالأمر في اكتشاف الخلل الذي يعانيه المركز ويمكنهم من السيطرة عليه والنجاح في علاجه.
    فعلى الرغم من أن وزراء الصحة الذين تعاقبوا على كرسي الوزارة منذ سنة 1998م وما بعدها وضعوا الأولوية الأولى في أجندة عمل وزارة الصحة هي إنشاء مراكز متخصصة لعلاج الاورام السرطانية في بلادنا إلا أن هذه الأولوية ظلت ترحّل دائما نتيجة لانعدام التوصيف الوظيفي المناسب للمعنيين ولأن مشكلة السرطان هي مشكلة وطنية كبيرة بحاجة إلى تضافر الجهود المختلفة من الوزارات والمؤسسات الحكومية والمجالس المحلية والمنظمات المدنية والقطاع الخاص.
    ونفس المطب تكرر مع مبنى المركز الذي رحلت خطة إنشائه لسنوات من إقرارها نظرا لعدم توفير ميزانية الإنشاء التي قدرت بمبلغ (140) مليون ريال إذ تفيد بعض المصادر أن هذا المبلغ لم يوفر دفعة واحدة بل ظل يقسط ويرحل خلال سنوات الإنشاء التي استمرت نحو خمس سنوات تقريبا (1999-2004م) وهو ما انعكس سلبا على طبيعة العمل في إنشاء المبنى، وقد ذكرت لجنة الصحة العامة والسكان في تقريرها الذي تقدمت به إلى البرلمان وجود تباطؤ شديد في سير عمليات البناء لمشروع مركز علاج الأورام السرطانية واتهمت وزارة الصحة بقصورها في الأداء الفني وضعف إدارة تنفيذ ومتابعة هذا المشروع الحيوي.

    * تأهيل في الهواء
    الشيء الوحيد الذي يحسب للقائمين على مشروع مركز الأورام السرطانية هو تمكنهم في وقت مبكر من إعداد وتأهيل كادر يمني قادر على تشغيل المركز، لكن الذي حدث فعلا على أرض الواقع "شقلب" هذه المعادلة تماما وأصبحت هذه الخطوة محسوبة عليهم قبل أن تكون لهم، فعنصر التزامن بين عمليتي التأهيل والتشغيل للمركز كانت مفقودة، والفجوة القائمة بينهما واسعة جدا مما يعني إهدار الطاقات والإمكانيات بشكل عبثي عشوائي لا يعكس إلا واحدة من حالتين إما الفشل في التخطيط المسبق وإما التخطيط للفشل بحد ذاته، يقول الدكتور محمد القدسي: لدينا بالمركز أطباء وفنيين وفيزيائيين استكملوا التدريب، والعملية التعليمية، قبل أربع سنوات تقريبا عن طريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحتى اليوم ومنذ أربع سنوات لم يمارس أيا منهم تخصصه نهائيا، وبالتالي فهم يحتاجون إلى إعادة تأهيل وتدريب من جديد.
    ويعترف الدكتور منيف محمد صالح - اختصاصي الأورام والعلاج بالإشعاع - بوجود إهمال وتقصير وعدم تخطيط مسبق بالنسبة لهذا الجانب حيث يقول: عندما قدمنا من باكستان بعد الانتهاء من دراسة التخصص في هذا المجال كان المركز يواجه عوائق كثيرة من أبرزها عدم وجود المبنى أصلا مما يعني عدم وجود سياسة صحيحة من البداية في تطابق التدريب مع افتتاح المركز، لذا سنضطر لاستقدام خبير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتدعيم تشغيل المركز خلال الثلاثة الأشهر الأولى من بدء التشغيل ولتحديد الأشخاص الذين يحتاجون للتدريب.



    * أخطاء الماضي
    البدايات الأولى لمسلسل العبث والإهمال الذي يغرق فيه مركز الأورام والأخطاء التي تلاحقه منذ البداية تعود إلى سنة 1995م عندما حصلت بلادنا على معدات طبية لتكوين وحدة علاج إشعاع بقيمة تصل (8) ملايين دولار كمساعدة من الحكومة اليابانية الصديقة، لكننا لم نتمكن من الاستفادة منها وكان مصيرها التلف والإهدار، إذ وصلت هذه الاجهزة والمعدات إلى بلادنا دون أن ينشأ المبنى المخصص لها، فبقيت مرمية في العراء بلى أي رحمة أو اهتمام يذكر، أحد هذه الاجهزة وأهمها وهو (المعجل الخطي) آثر الوفاة على الحياة الذليلة فاحترق نهارا وفي ظل ظروف غامضة ولم يكشف عن ملابسات الحادثة أو عن هوية المتسببين فيها، وكان تقرير برلماني قد كشف أنه تم إحراق الجهاز الرئيسي لعلاج الأورام السرطانية عمدا في حوش المستشفى الجمهوري بصنعاء في تاريخ 10 يونيو 2003م وأنه عبارة عن جهاز معقد التركيب وباهظ الثمن تقدر قيمته بحوالي مليون دولار أمريكي وبحسب التقرير البرلماني فإن الجهاز الذي أحرق يسمى (المعجل الخطي) تم نقله ضمن المعدات الطبية الأخرى إلى حوش المستشفى الجمهوري في تاريخ 20 فبراير 2002م بدون وثائق أو مستندات وصرف وتوريد مخزني وبدون فحص للأجهزة ومدى صلاحيتها للتشغيل، وهو ما يعني دليلاً فاضحاً على الإهمال تجاه الممتلكات العامة وأشار التقرير إلى أن خمسة طرود تابعة لهذا الجهاز المحروق غير موجودة في مخازن الوزارة ولا في المستشفى الجمهوري، معتبرا إحراق الجهاز ضربا فاضحا من الإهمال تجاه الممتلكات العامة واتهم إدارة المستشفى الجمهوري بعدم التزامها بالإجراءات القانونية المتبعة وإبقاء تلك المعدات الطبية في العراء تحت تأثير العوامل المناخية الأمر الذي جعله عرضة للعبث والتخريب حتى تم إحراقه في العاشر من يونيو العام الماضي.
    يقول طبيب الأورام الدكتور محمد القدسي: المتعارف عليه أن المدير أو الوزير لو عنده سيارة يعمل لها جراش أو حوش ويعمل لها صيانة وهذا جهاز بمليون دولار ظل مرمياً في العراء حتى أحرق بطريقة مقصودة ومدبرة في الوقت الذي تتضاعف يوميا أعداد مرضى السرطان في بلادنا وهم بأمس الحاجة لهذا الجهاز المحروق، وهذا الكلام ما يحصل إلا في بلادنا يعني نستقدم جهاز معالجة بالإشعاع بدون أن نقدر على توفير مبنى يستوعبه؟!

    * طاقة مهدرة
    لم ينته سرطان العبث والفساد في مركز الأورام عند هذا الحد، بل زاد جنونا واستشراء عندما شارف الحلم ان يتحقق بإنشاء المركز وتلافي أخطاء الماضي حيث تكلفت اللجنة الوطنية للطاقة الذرية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتوفير جهاز آخر للمعالجة بالإشعاع وهو جهاز (الكوبالت 60) المركب حاليا بقسم المنطقة الساخنة بمركز الأورام، منذ ثلاثة أشهر تقريبا وهو جهاز كندي حديث تبلغ قيمته حوالي (600) ألف دولار، ورغم أن تعليمات الوكالة الدولية للطاقة الذرية - التي جاء عن طريقها الجهاز كمساعدة - تقضي بالتزام الدول التي قدمت لها المساعدات بأن تعالج بهذا الجهاز يومياً(40) مريضاً منذ استلام الجهاز إلا أن الثلاثة الأشهر الماضية لم تشهد حتى ولا مريضاً واحدا استفاد من الجهاز مثلما لم يعرهم أي شخص اهتمامه بهذا الموضوع وبقي الإهمال والعبث سيدا الموقف. تفاصيل المشكلة تكمن في أن جهاز (الكوبالت 60) يحمل في داخله مصدراً مشعاً، يتحلل هذا المصدر تدريجيا ويفقد طاقته الإشعاعية بمرور الأيام حتى يصل إلى فترة ينتهي فيها عمره الافتراضي المقدر بنحو (5.27) سنوات فنضطر بعدها إلى تغيير المصدر المشع الذي تبلغ قيمته (100) ألف دولار وكلما مرت الأيام كلما قلت القدرة الإشعاعية للمصدر وبالتالي فإن كمية الإشعاع المنبعث من المصدر في الأيام الأولى تكون أكبر وبالتالي فإمكانية علاج المرضى تتم بشكل أفضل، والتساؤل هنا، لماذا تهدر الطاقة الإشعاعية لجهاز الكوبالت يوميا ويحرم الاستفادة منها آلاف المرضى؟ هل كان من حظ مرضى السرطان أن يذوقوا مرارة الألم والمعاناة حتى من مركزهم الوحيد الذي ينشدون فيه الأمل؟ أم أن المشكلة تنطوي على خفايا وارتباطات أخرى؟
    المختصون في مركز الاورام أوضحوا أنه لا توجد مشاكل تتعلق بجهاز الكوبالت والمشكلة الموجودة تتعلق بجهاز المحاكاة الموجود في الصناديق منذ العام 1995م وتوقعوا أن يتجاوز المركز هذه الإشكالية ويدشن خدمة العلاج بالإشعاع في غضون الأيام المتبقية من العام الجاري 2004م بعد الاتفاق مع الشركة على تركيبه واستكمال القطع الناقصة وذكرت بعض المصادر بأن جهاز المحاكاة قد يكون خارج نطاق الخدمة بعد تسع سنين من وضعه في الصناديق وفي حال ثبوت ذلك سيتم شراء بديل عن طريق المؤسسة الخيرية لدعم مراكز الأورام السرطانية.
    جهاز المحاكاة هو جهاز شبيه بجهاز العلاج الإشعاعي لكن قدرته الإشعاعية أقل بكثير من قدرة جهاز المعالجة، ويستخدم لتحديد منطقة الورم المراد إعطاءها الحقن الإشعاعي وتخطيطها بشكل دقيق ورسم الخطة العلاجية قبل بدء جلسات العلاج الإشعاعي وبالتالي فإن خطة العلاج بالإشعاع تبدأ من منطقة المحاكاة والتدريج قبل الولوج إلى المنطقة الساخنة التي تتم فيها معالجة المريض بالإشعاع.



    * سيناريو العبث
    المؤسف في الأمر أننا نزايد بآلام المرضى ونتلاعب بآمالهم، وبدلا من أن نتلافى أخطاء الماضي فإننا نصححها بالمزيد من الأخطاء الفظيعة والفساد المستشري بطريقة جنونية.
    وإلا ما الذي يعنيه وصول وحدة طبية متكاملة للعلاج بالإشعاع قبل إنشاء مبناها بتسع سنوات؟ ثم لا تجد من يحفظها ويحميها فترمى عنادا ومكرا في العراء وتحت تأثير المناخات الجوية وكأنها مجرد نفايات نحن في حالة غنى وترف منها، ولو أن إدارة المستشفى الجمهوري حفظتها مبدئيا - حتى ولو في ثلاجة الموتى - لحين إنشاء مركز الأورام لكان الحال غير هذا!! ماذا يعني إهمالها أو إتلافها - على حد سواء - في ساحة الجمهوري، وبلا أدنى مسئولية تعطلت وانتهت. وما تبقى منها صالحا ولو بشكل نسبي تخلصوا منه في وضح النهار وأحرقوه عمدا؟! ورغم أن كرامة الميت دفنه فإن جهاز المعجل الخطي (المجني عليه) بقي مرجوما على الأرض وكأنه جيفة حيوان ميت!!
    ما الذي يعنيه استقدام جهاز بديل للمعالجة بالأشعة - تذهب طاقته الإشعاعية هدرا - لسبب واحد هو عدم إصلاح جهاز المحاكاة مسبقا واستكمال نواقص منظومة العلاج بالإشعاع رغم توصية مجلس النواب بفحص وتركيب واستبدال الجزء التالف وتشغيل الأجهزة المتبقية في أقرب وقت ومطالبة أطباء الأورام بذلك منذ أكثر من سنة!
    ماذا يعني تأهيل فريق من الأطباء والفنيين والفيزيائيين في تشغيل أجهزة العلاج بالإشعاع ثم تتلاشى مهاراتهم وخبراتهم لانقطاعهم عن الممارسة والتطبيق العملي لأكثر من أربع سنوات؟ ماذا يعني امتداد فترة البناء والتشييد لمركز الأورام طيلة خمس سنوات مع أنه مجرد دور أرضي ليس إلا؟
    لذا لا غرو بعد ذلك إن وجدنا صورتنا وسمعتنا ترتسم أمام الآخرين بشكل سيئ لا سيما الأصدقاء المانحين والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي قد تشعر باهتزاز الثقة في علاقاتنا معها، فمن غير المقبول شرعا وعقلا وقانونا أن تقدم لنا مساعدات بملايين الدولارات ثم لا نقدر على الاستفادة منها ونتسبب في إهلاكها عبثا وبطرا وكأننا لا نواجه مشكلة الأورام السرطانية.

    * مشكلة الكيماوي
    لم يبق للأجساد النحيلة المهدورة والاسر الفقيرة المنكوبة من أمل للخروج من عنق المعاناة سوى احتساب الصبر على الألم والتضرع إلى الخالق عز وجل برفع الضر عنها وتخفيف معاناتها وهو ملاذها الأوحد طالما تقطعت بها السبل وطوقتها ظروف الحياة الصعبة.
    وحتى يحين التشغيل الفعلي لمركز الأورام والعلاج بالإشعاع بعد تخلصه من سرطانات الفساد والإهمال والعبث التي تهدد مستقبله يتشبث مرضى السرطان بأمل واهٍ للحياة وهو مدافعة المرض بجرع العلاج الكيماوي رغبة في أن يدركهم زمن العلاج بالإشعاع وهم على قيد الحياة وأن يشهدوا هذه الطفرة الطبية التي تتحقق للمرة الأولى في اليمن، ربما قد لا يكون لهم نصيب بالمعالجة الإشعاعية وقتها نظرا لتقدم المرض وانتشاره في أجسادهم لكنهم على الأقل سيذهبون إلى أجداثهم وعيونهم قريرة بانتصار الأمل على الألم.
    العلاج الكيماوي الذي يواظب عليه مرضى السرطان حاليا قل 21 يوما هو أقرب الحلول الممكنة لعلاج الأورام في الوقت الحاضر ولتخفيف آلام اللهيب والحريق الذي يشعله السرطان الخبيث في أجسادهم المريضة لكنه بالمقابل خيار صعب وثقيل على المرضى وأسرهم إذ تصل تكلفة الجرعة الواحدة غالبا من (30-40) ألف ريال وفقا لمكونات الجرعة التي يضطر المريض لشرائها من الصيدليات، يقول الدكتور منيف محمد صالح، تقدم صيدلية وزارة الصحة العلاجات الأساسية التي يطلق عليها بالقائمة الأساسية (نحو عشرة أصناف تقريبا)، وهذه القائمة حددها صندوق الدواء على ضوء معطيات قديمة، وقد تقدمنا لصندوق الدواء قبل سنتين بطلب تغيير وتطوير هذه القائمة لوجود علاجات حديثة أكثر فائدة وجدوى من العلاجات القديمة، لكن للأسف الشديد لم نحصل على تجاوب من وزارة الصحة، وحاليا تتبنى المؤسسة الخيرية لدعم مراكز السرطان توفير الأدوية الكيماوية التي تعتبر مكلفة بالنسبة للمريض وغير متوافرة في صيدليات وزارة الصحة.



    * مسئولية من؟!
    وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات مرضى السرطان وتستنجد بفخامة رئيس الجمهورية لإقرار مجانية العلاج لمرضى السرطان رحمة وشفقة بحالهم وتخفيفا من معاناتهم وإلزام الحكومة ووزارة الصحة بتحمل مسئولياتهم، تتساقط آلاف الاسر المنكوبة ضحايا بين يدي العلاج الكيماوي لأنه يدمر حاضرهم ومستقبلهم ويستنزف مدخراتهم وممتلكاتهم وأقوات صغارهم، ثم يحيلهم بعد عز الحياة إلى أسر فقيرة منكوبة تتكفف العيش في الخفاء وتسكب الدمع بألم كلما جادت عليهم أيادي المحسنين، ولسان حالهم يقول: "ارحموا عزيز قوم ذلك"، وكثير من المرضى توقفوا عن أخذ العلاج الكيماوي وآثروا الموت العزيز على حياة ذليلة ضنكة رحمة بأسرهم التي أعيتها مؤن العلاج الكيماوي.
    وينوه الدكتور القدسي في هذا الصدد إلى قضية في غاية الخطورة حيث يقول:
    عندما يأتينا مريض السرطان نضع له خطة علاجية طويلة المدى، تتشكل هذه الخطة في أغلب الأحايين من ست جرع كيماوية، تعطى الجرعة له كل (21) يوماً فالذي يحصل عندنا أنه تتوافر الأدوية في بعض الأحيان فنعطي المريض الجرعة الأولى والثانية والثالثة مثلا ثم ينقطع العلاج، وهنا نتحول من معالجين إلى قتلة!
    والسبب أن المريض عندما يأتي يكون في المراحل الأولى للمرض فنسيطر عليه بالعلاج، وعندما يتوقف تحدث الكارثة حيث ينشط المرض بطريقة جنونية وينتقل من المراحل الأولى إلى مراحل متقدمة وبالتالي نكون حكمنا على هؤلاء المرضى بالإعدام!! فهذه المشكلة من يقدر أن يستوعبها ومن يتحمل مسئوليتها أصلا وهي مأساة حقيقية بكل الاعتبارات والمقاييس الإنسانية لكنها تؤخذ بسطحية تماما إلى أبعد المدى!!

    * احتياجات الحاضر
    المختصون في مركز الأورام والعلاج بالإشعاع أكدوا على ضرورة تشغيل المركز في أقرب وقت ممكن على أن تأتي عمليات التطوير فيما بعد لكنهم لم يخفوا بالمقابل خشيتهم من حدوث عراقيل جديدة في المستقبل وتكرار أخطاء الماضي، مشيرين إلى أن المهم في الموضوع هو استمرارية العمل وليس البدء فيه. واعتبروا أن تشغيل المركز الوطني للأورام والعلاج بالإشعاع ليس فقط للعلاج على أهميته، لكن بالنظر إلى احتياجات البلاد فإن الدور الأساسي للمركز يتجه نحو تنفيذ حملات مكثفة في الوقاية من السرطان وفي الكشف المبكر والتشخيص المبكر وأن العلاج دائما يأتي في مراحل متأخرة.
    ويرى الدكتور منيف محمد صالح بأن تشغيل المركز في الوقت الحاضر بحاجة إلى دعم ضخم لا يتوقف عند حدود ما، ويقول: المتعارف عليه عالميا أن مراكز الأورام تحظى بدعم سياسي وحكومي وشعبي من جميع الاطراف، ولا يمكن أن تعمل بدون هذا الدعم ويجب أن يكون هناك قرار سياسي رئاسي بمجانية العمل والخدمة لمرضى السرطان مقابل احتياجه إلى كادر مؤهل يستلم حقوقه أن يكون عنده ميزانية ضخمة بحيث يستمر في العمل وفي صيانة الأجهزة والمعدات الطبية وفي تقديم الخدمة الطبية المناسبة لمرضى السرطان.
    ويعتقد المرضى بأن تشغيل المركز وتمويله هو من مسئولية الدولة وأن عليها تحمل ذلك، منوهين بأن الجهد الرسمي لم يتم بالشكل المطلوب حتى الآن، واقترحوا على الحكومة تخصيص نسبة من ضرائب السجائر والتبغ والقات وعلى المنتجات الكيماوية والسموم والمبيدات الزراعية وعلى ضرائب الإنتاج والاستهلاك النفطي والانتاج الصناعي لصالح مراكز الأورام بالإضافة إلى نسبة معينة من الإيرادات الزكوية والضريبية العامة وإيرادات المجالس المحلية ورسوم استهلاك الخدمات العامة دعما لمرضى السرطان وتخفيفا من معاناتهم اليومية.
    ***
    * حتى الآن لم تتحمس وزارة الصحة العامة والسكان لفكرة إنشاء
    * مركز وطني لتسجيل السرطان مثل كل بلدان العالم
    * ما حكاية مركز العلاج بالإشعاع الذي أعلن عن افتتاحه رسميا وفي نفس الوقت تأجيل تشغيله والعمل به حتى موعد آخر؟
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-11-28
  3. ليزر

    ليزر عضو

    التسجيل :
    ‏2004-11-27
    المشاركات:
    13
    الإعجاب :
    0
    صحيح مأساة في اليمن

    لو كان لك تواجد اخي المهاجر في المستشفى الجمهوري تعرف المأساة

    ترا المريض يبحث عن الدواء الذي يصل سعره في اليوم اكثر من 5000 ريال
    والله اعلم بحاله المواطن

    وين حملات التبرع الذي جمعوها
    اين ذهبت

    انا لله وان اليه راجعون
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2013-05-16
  5. جميل الحاج

    جميل الحاج عضو

    التسجيل :
    ‏2013-05-16
    المشاركات:
    3
    الإعجاب :
    0
    أنضميت إلى هنا بحثاً عن هذا الموضوع الذي أصبح من الضروري إثارته لتصحيح وحل مشاكل الفساد والعبث والتحقيق مع المقصرين حيث وهناك عشرات الالاف ماتوا بالسرطان منذُ عام 1995م بسبب عدم توفر العلاج بالاشعاع وتأخر إجراءات السفر للخارج مما يؤدي الى تطور المرض ومضاعفاته وبالتالي الوفاة والموت
     

مشاركة هذه الصفحة